أين ذهب الفلاح المصري ؟
فلاح زمان
أتذكر القرية وأنا طفل صغير لا يتجاوز الرابعة من عمره يخرج في طرقاتها لأول مرة مع أطفال القرية وراء المسحراتي في رمضان ومعنا الفوانيس المضاءة بالشموع ، أو نلعب ( الاستغماية ) ونختبيء ونقول بأعلى أصواتنا :( خلاص ) فيجري الطفل المسَّاك الذي عليه الدور في اللحاق بنا في أزقة وحواري ودائر القرية وكل الفلاحين آباء وأعمام لنا يتابعون لهونا البريء .
كانت توتة عمي الحاج راشد هي بداية اللعبة في زاوية دائر القرية الغربي نبدأ منها الدوران حول البيوت ونعود إليها ، كان الحاج راشد أكبر القرية سنا يجلس هناك متكئا أمام باب حديقته القريبة من التوتة يراقبنا ، وكنا نتعلم على يديه القيم والأعراف الريفية والدينية ، مر علينا ونحن نخطط للعبة ( الاستغماية) فألقى علينا السلام ومضى إلى مكانه المعتاد فرد أكبرنا وعليكم السلام ورحمة الله ياجدو ، ومشينا ببطء حتى ابتعدنا قليلا ثم انفجرنا في الضحك من الموقف ، واختفينا عن ناظره ونحن نأخذ دورتنا حول القرية حتى اقتربنا منه ونحن نكتم أنفاسنا في جدية الكبار وقلنا معا السلام عليكم ياجدو، وبأدب ورحمة الكبار قال : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وملأتنا النشوة والسعادة ، واستدرنا مرة ثانية وبعد خمس دقائق لعبنا فيها دور استغماية شرق القرية ، وأكملنا الرجوع إليه وأردنا أن نجرب كل مرة أحدنا يلقي عليه السلام ، وكان الدور عليَّ ، وقلت مقلدا صوت أبي : السلام عليكم ياجدو الحاج راشد ، فاعتدل في جلسته وقال : وعليكم السلام ياابن فهمي ( كفاية ياأولاد كتر السلام يقل المعرفة ) فجرينا من الخوف نلف للمرة الثالثة ، في إصرار على استكمال التحرش به بإلقاء السلام ، وقال عبد الحميد حسين السلام عليكم ياحاج راشد
دون أن يتبع اللقب بجدو ، وكان مع الحاج راشد عصا بيد مقوسة كان يستند عليها في مشيته ، وفجأة وجدناه قد قذف بالعصا كالسهم الذي هوى بين أرجلنا فتكأكأنا متساقطين من الرعب ، كأنها عصا موسى التي أوقعت السحرة ساجدين ، ونادى ( إياك حد منكم يتحرك من مكانه يا ملاعين) لغاية ما أعلمكم أدب إلقاء السلام ،وبالطبع لم يكن في مقدورنا أن نخالفه لما نعلم أنه يمكن أن يبلغ آباءنا فيكون لكل منا عقابه المضاعف .
وتوقعنا ( علقة ساخنة ) من جدو راشد كبير القرية .
جاء بهيبته ووقاره ووقف وسطنا مبتسما يربت على عبد الحميد حسين الذي أصابته العصا ويخاطبنا جميعا برحمة ومودة أذهبت كل ما كنا نشعر به من الرهبة والخوف ، اسمعوا يا أولاد:
المسلم يلقى السلام إذا كان ماشيا على أخيه القاعد ، والراكب على الماشي ، والقادم على المقيم ، والمغادر على الجالسين ، ورد السلام واجب ، وهو فرض لو رد على من يلقي السلام واحد من الجالسين يكفي عنهم جميعا ( والسلام عليكم ) تحية المسلمين ليشعر الناس بالأمان ،
ولا يجب إزعاج المؤمن بكثرة إلقاء السلام عليه ، وأنتم رأيتم أنني كنت مشغولا بقراءة القرآن الكريم ، ورردت عليكم السلام أول مرة ، وكنت أظن أنكم كبرتم وأصبحتم رجالا تحترمون الكبار .
كنا منصتين كأننا في المسجد يوم الجمعة والخطيب يخطب الفلاحين وهم معلقين أعينهم عليه ، وبعضهم قد فتح فمه من الدهشة وكأن على رؤسهم الطير .
ثم أخذ يسألنا واحدا واحدا عن أدب إلقاء تحية الإسلام التي شرحها لنا ، ونحن نتلعثم ونجيبه ، وقد وعينا كل حرف نطق به انتظارا لنتيجة الدرس ، التي لم تكن كما توقعنا . هيا أكملوا لعبكم ، وأخذ عصاه وعاد إلى مصحفه ومكانه ليتابع تلاوته للقرآن الكريم . رحم الله جدو راشد الفلاح الأصيل.
الله يرحم أيام زمان وفلاحين زمان
فلاح زمان
أتذكر القرية وأنا طفل صغير لا يتجاوز الرابعة من عمره يخرج في طرقاتها لأول مرة مع أطفال القرية وراء المسحراتي في رمضان ومعنا الفوانيس المضاءة بالشموع ، أو نلعب ( الاستغماية ) ونختبيء ونقول بأعلى أصواتنا :( خلاص ) فيجري الطفل المسَّاك الذي عليه الدور في اللحاق بنا في أزقة وحواري ودائر القرية وكل الفلاحين آباء وأعمام لنا يتابعون لهونا البريء .
كانت توتة عمي الحاج راشد هي بداية اللعبة في زاوية دائر القرية الغربي نبدأ منها الدوران حول البيوت ونعود إليها ، كان الحاج راشد أكبر القرية سنا يجلس هناك متكئا أمام باب حديقته القريبة من التوتة يراقبنا ، وكنا نتعلم على يديه القيم والأعراف الريفية والدينية ، مر علينا ونحن نخطط للعبة ( الاستغماية) فألقى علينا السلام ومضى إلى مكانه المعتاد فرد أكبرنا وعليكم السلام ورحمة الله ياجدو ، ومشينا ببطء حتى ابتعدنا قليلا ثم انفجرنا في الضحك من الموقف ، واختفينا عن ناظره ونحن نأخذ دورتنا حول القرية حتى اقتربنا منه ونحن نكتم أنفاسنا في جدية الكبار وقلنا معا السلام عليكم ياجدو، وبأدب ورحمة الكبار قال : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وملأتنا النشوة والسعادة ، واستدرنا مرة ثانية وبعد خمس دقائق لعبنا فيها دور استغماية شرق القرية ، وأكملنا الرجوع إليه وأردنا أن نجرب كل مرة أحدنا يلقي عليه السلام ، وكان الدور عليَّ ، وقلت مقلدا صوت أبي : السلام عليكم ياجدو الحاج راشد ، فاعتدل في جلسته وقال : وعليكم السلام ياابن فهمي ( كفاية ياأولاد كتر السلام يقل المعرفة ) فجرينا من الخوف نلف للمرة الثالثة ، في إصرار على استكمال التحرش به بإلقاء السلام ، وقال عبد الحميد حسين السلام عليكم ياحاج راشد
دون أن يتبع اللقب بجدو ، وكان مع الحاج راشد عصا بيد مقوسة كان يستند عليها في مشيته ، وفجأة وجدناه قد قذف بالعصا كالسهم الذي هوى بين أرجلنا فتكأكأنا متساقطين من الرعب ، كأنها عصا موسى التي أوقعت السحرة ساجدين ، ونادى ( إياك حد منكم يتحرك من مكانه يا ملاعين) لغاية ما أعلمكم أدب إلقاء السلام ،وبالطبع لم يكن في مقدورنا أن نخالفه لما نعلم أنه يمكن أن يبلغ آباءنا فيكون لكل منا عقابه المضاعف .
وتوقعنا ( علقة ساخنة ) من جدو راشد كبير القرية .
جاء بهيبته ووقاره ووقف وسطنا مبتسما يربت على عبد الحميد حسين الذي أصابته العصا ويخاطبنا جميعا برحمة ومودة أذهبت كل ما كنا نشعر به من الرهبة والخوف ، اسمعوا يا أولاد:
المسلم يلقى السلام إذا كان ماشيا على أخيه القاعد ، والراكب على الماشي ، والقادم على المقيم ، والمغادر على الجالسين ، ورد السلام واجب ، وهو فرض لو رد على من يلقي السلام واحد من الجالسين يكفي عنهم جميعا ( والسلام عليكم ) تحية المسلمين ليشعر الناس بالأمان ،
ولا يجب إزعاج المؤمن بكثرة إلقاء السلام عليه ، وأنتم رأيتم أنني كنت مشغولا بقراءة القرآن الكريم ، ورردت عليكم السلام أول مرة ، وكنت أظن أنكم كبرتم وأصبحتم رجالا تحترمون الكبار .
كنا منصتين كأننا في المسجد يوم الجمعة والخطيب يخطب الفلاحين وهم معلقين أعينهم عليه ، وبعضهم قد فتح فمه من الدهشة وكأن على رؤسهم الطير .
ثم أخذ يسألنا واحدا واحدا عن أدب إلقاء تحية الإسلام التي شرحها لنا ، ونحن نتلعثم ونجيبه ، وقد وعينا كل حرف نطق به انتظارا لنتيجة الدرس ، التي لم تكن كما توقعنا . هيا أكملوا لعبكم ، وأخذ عصاه وعاد إلى مصحفه ومكانه ليتابع تلاوته للقرآن الكريم . رحم الله جدو راشد الفلاح الأصيل.
الله يرحم أيام زمان وفلاحين زمان
تعليق