كلّ القوافل مرّت من هنا..
لم يعد أبناؤه يزورونه كما في السّابق..شقّ كلّ واحد منهم طريقه في الحياة.غادروا البيت دون التفاتة .أدمته الوحشة و خشي أن يموت وحيدا دون أن يتفطّن إليه أحد.ساعتها قطعا سيأتون من كلّ صوب لاقتسام التّركة .راودته فكرة الزّواج ،لكنّه سرعان ما طردها .لأنّه يعرف جيّدا أنّ الأروبّيات لا يستقيم لهنّ حال إذا كان الزّوج فتيّا قويّا فكيف و قد وهن عظمه و شاب رأسه؟ثمّ إنّه لم يعد قادرا على الخضوع من جديد إلى تفاصيل الارتباط و المواثيق و كراريس الشّروط..مرّ زمن طويل على وفاة زوجته و اعتاد العزلة و الهدوء،ربّما وقتها لم تكن المسألة مطروحة لأنّ أبناءه كانوا يعيشون معه.على كلّ حال دبّ الآن السّأم في أوصاله و لا بدّ له من العثور على طريقة ليغيّر حاضره و ما بقي أمامه ليعيشه.
حزم أمره كآخر الحلول على أن يعود إلى وطنه و إلى بلدته تلك بالذّات،سيشتري هناك بيتا،و يتزوّج إن لزم الأمر، و ربّما استثمر قسطا من ماله في أحد المشاريع التّجاريّة.
مضى أربعون عاما على آخر زيارة له إلى البلدة.نسي أهلها و شوارعها بالتّأكيد ،و لم تعد ذاكرته تجود عليه سوى ببعض الصّور الشّحيحة لوالده كثّ الشّوارب و هو يدخّن الغليون و يبري قصبة الصّيد و أمّه و هي تطهو السّمك وسط الجرار بعد أن كانت قد مرّرت بداخلها سلكا يخترقها من أوّلها لآخرها و عن بيت جدّه و صراخهم أطفالا و ضحكهم عراة على حافّة النّهر،و أجراس الكاتدرائيّة أيّام الأحد و الأعياد..أتراهم مازالو يعرضون فلما و يناقشونه مساء كلّ سبت كدأبهم؟.النّادي الأدبي،هل مازال ينشط؟الجالية الفرنسيّة ،أتراها لا تزال تعيش هناك؟ملعب التّنس أتراه لا يزال على حاله؟حفلات نهاية الأسبوع، هل مازالت تُقام كسالف عهده بها؟
في اتّجاه البلدة مرّت أمام عينيه كوميض البرق دار المسرح و غرفة المعارض..و حانة "جوزيبي" الإيطالي ..و خفق قلبه و أحسّ بخواء في جوفه لمّا طالعته لوحة التّرحيب في مدخلها.و جرفه حنين حارق لرؤية النّهر و المدرسة الابتدائيّة.
لا شيء بقي على حاله..من هنا كانت تمرّ كتائب الجيش الألماني..يذكر أنّه اشتكى مرّة والده لأحد المظلّيّين لأنّه منعه من دخول السّرك..
ماذا حدث ؟ أين ذهبت أسقف القرميد ؟ ما الذي عصف بالقرية ؟أيّ نخّاس غرّر بها على هذا النّحو و أوهمها أنّها تكون أجمل بأنياب ضخمة من حديد و إسمنت مسلّح عملاق و أسوار خانقة كتلك؟.
تساءل تخنقه غصّة: أين أنا لم لا أراني؟ما لي أحسّ بأنّي نكرة؟
من هنا كانت تمرّ قوافل التّلقيح ضدّ الطّاعون.
يكاد يرى الطّابور الطّويل.
أغرب ما في رقعة الأرض أنّها تسكننا بدءا من الّلحظة التي نكفّ نحن فيها عن الإقامة فوقها.
الوطن كالّلحن البعيد الذي بالكاد يتناهى إلى مسامعنا،فتضفي عليه مخيّلتنا ترتيبات أرقّ و أكثر عذوبة،و تعيد تصفيف جمله الموسيقيّة ،فنتمنّى لو اتّضح أنّه على ذلك الشّكل فعلا.
زحفت المباني على البلدة و تقلّص لونها الأخضر الزّاهي..قصّوا جدائلها ،و لم يعد متأكّدا تماما من أنّ بإمكانه بعدُ أن يتعرّف إلى معالمها القديمة.لا سيّما بعدما التهم الرّخام و الواجهات ملامحها الحلوة،كما لو أنّهم ألبسوا طفلا نظّارة و ألصقوا على خدّه لحية بليدة.سوف لن يكبر الطّفل فور تقمّصه الحلّة الجديدة، و لكن في المقابل لن تبقى من براءته ذرّة واحدة،سيصبح في أحسن الأحوال منظره مضحكا لا غير.
خطر له و هو يجوب الشّوارع بسيّارته،أنّ الحياة كانت ألذّ أيّام كانت النّاس تتراسل..أيّام كان السّاعي يوزّع البريد على درّاجة عاديّة صفراء.
عمّ جاء يبحث إذن؟،هل صدّق حقّا أنّ بلدته الخجولة ستحافظ على دفئها و براءتها؟
أنزل البلّور الجانبيّ . توقّف و سأل أحد المارّة ،كان يرتدي ميدعة زرقاء :لو سمحت ،دلنّي على أقرب مطعم من هنا.
أشار الرّجل بيده نحو الأمام و قال: خذ طريق اليمين ذاك،ثمّ انحني مع أوّل منعطف إلى اليسار ،ربّما وجدت علامة على الباب كُتب عليها مغلق،لا تصدّقها و ادفع الباب بكتفك فالعلامات هنا شكليّة و لا أحد يصدّقها .
أذهله الردّ و أحسّ بالغيظ.قبل قليل شاهد مجموعة مؤلّفة من شيوخ و شبان يلعبون الورق فوق طاولة واحدة ، يدخّنون و يتراشقون الكلام البذيء.
كان إذا مرّ أحد كبار ذات القرية فيما مضى اختفى من هم أدنى منهم على الفور.
تناول غداءه دون أن يضطرّ لكسر الباب ،ثمّ قرّر البحث عن بيت ابن عمّه.لكنّه لم يلمح حديقة مسيّجة تشبه التي تركها عنده.سأل أحد المارّة،كان كهلا أنيقا يرتدي بدلة و رابطة عنق،لا بدّ أنّه موظّف في أحد البنوك:
- أخي من فضلك،هل تعرف بيت " مجاهد خزّاز"؟
- إن لم أكن مخطئا فإن بيته عند أوّل منعطف إلى اليسار..و أردف: صحيح أنّه اتّجاه ممنوع لكن لا بأس فالإشارات هنا شكليّة و لا أحد يحترمها.
صُعق مرّة أخرى لما سمع ،و للرّداءة التي اتّفق عليها البسطاء و الوجهاء.و تعجّب في سرّه عن هذا المنطق الجديد الذي أصبح يتكلّمه الجميع:النيّء و النّاضج.
قضّى تلك اللّيلة في أحد النّزل الرّخيصة على مضض.ودّ لو أنّه ما خاض المغامرة من الأساس.أن يتعفّن أهون عليه من العيش في مدينة كلّ شيء فيها شكليّ ،لا قيمة له و لا معنى.لا شيء مهمّ ،الحرّيّة شكليّة ،النّظام شكليّ ،الأمن شكليّ..سيكون النّفق بقعة كبيرة مطليّة بالأسود على وجه الجبل،البئر ستكون حفرة هم الذين ملؤوها ماء..و الأمثلة لا تنتهي..
عصفت به الخواطر.. شعر بالضّيق سبّبه بعض النّدم تسرّب إليه و حسرة أكبر من قلبه..لم يستطع المكوث أكثر .في الصّباح غادر إلى العاصمة و توجّه إلى أوّل وكالة للأسفار،و هناك اقتطع تذكرة العودة.
و حدّث نفسه طيلة اليومين على ظهر الباخرة بأنّ أقسى المحن على الإطلاق ،هي أن تصبح الغربة أكثر أنسا من الأهل .و بأنّك إذا أردت أن تتقبّل هزيمة ما فلا بدّ أن تكبر معها.
لمّا وصل إلى ميناء مرسيليا و قبل أن يعود إلى بيته مرّ بأحد نقاط بيع الحيوانات و اشترى كلبا مدرّبا على اصطحاب المسنّين.
[/align]محمّد فطّومي
تعليق