كلّ القوافل مرّت من هنا..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    كلّ القوافل مرّت من هنا..

    كلّ القوافل مرّت من هنا..
    [align=right]

    لم يعد أبناؤه يزورونه كما في السّابق..شقّ كلّ واحد منهم طريقه في الحياة.غادروا البيت دون التفاتة .أدمته الوحشة و خشي أن يموت وحيدا دون أن يتفطّن إليه أحد.ساعتها قطعا سيأتون من كلّ صوب لاقتسام التّركة .راودته فكرة الزّواج ،لكنّه سرعان ما طردها .لأنّه يعرف جيّدا أنّ الأروبّيات لا يستقيم لهنّ حال إذا كان الزّوج فتيّا قويّا فكيف و قد وهن عظمه و شاب رأسه؟ثمّ إنّه لم يعد قادرا على الخضوع من جديد إلى تفاصيل الارتباط و المواثيق و كراريس الشّروط..مرّ زمن طويل على وفاة زوجته و اعتاد العزلة و الهدوء،ربّما وقتها لم تكن المسألة مطروحة لأنّ أبناءه كانوا يعيشون معه.على كلّ حال دبّ الآن السّأم في أوصاله و لا بدّ له من العثور على طريقة ليغيّر حاضره و ما بقي أمامه ليعيشه.
    حزم أمره كآخر الحلول على أن يعود إلى وطنه و إلى بلدته تلك بالذّات،سيشتري هناك بيتا،و يتزوّج إن لزم الأمر، و ربّما استثمر قسطا من ماله في أحد المشاريع التّجاريّة.
    مضى أربعون عاما على آخر زيارة له إلى البلدة.نسي أهلها و شوارعها بالتّأكيد ،و لم تعد ذاكرته تجود عليه سوى ببعض الصّور الشّحيحة لوالده كثّ الشّوارب و هو يدخّن الغليون و يبري قصبة الصّيد و أمّه و هي تطهو السّمك وسط الجرار بعد أن كانت قد مرّرت بداخلها سلكا يخترقها من أوّلها لآخرها و عن بيت جدّه و صراخهم أطفالا و ضحكهم عراة على حافّة النّهر،و أجراس الكاتدرائيّة أيّام الأحد و الأعياد..أتراهم مازالو يعرضون فلما و يناقشونه مساء كلّ سبت كدأبهم؟.النّادي الأدبي،هل مازال ينشط؟الجالية الفرنسيّة ،أتراها لا تزال تعيش هناك؟ملعب التّنس أتراه لا يزال على حاله؟حفلات نهاية الأسبوع، هل مازالت تُقام كسالف عهده بها؟
    في اتّجاه البلدة مرّت أمام عينيه كوميض البرق دار المسرح و غرفة المعارض..و حانة "جوزيبي" الإيطالي ..و خفق قلبه و أحسّ بخواء في جوفه لمّا طالعته لوحة التّرحيب في مدخلها.و جرفه حنين حارق لرؤية النّهر و المدرسة الابتدائيّة.
    لا شيء بقي على حاله..من هنا كانت تمرّ كتائب الجيش الألماني..يذكر أنّه اشتكى مرّة والده لأحد المظلّيّين لأنّه منعه من دخول السّرك..
    ماذا حدث ؟ أين ذهبت أسقف القرميد ؟ ما الذي عصف بالقرية ؟أيّ نخّاس غرّر بها على هذا النّحو و أوهمها أنّها تكون أجمل بأنياب ضخمة من حديد و إسمنت مسلّح عملاق و أسوار خانقة كتلك؟.
    تساءل تخنقه غصّة: أين أنا لم لا أراني؟ما لي أحسّ بأنّي نكرة؟
    من هنا كانت تمرّ قوافل التّلقيح ضدّ الطّاعون.
    يكاد يرى الطّابور الطّويل.
    أغرب ما في رقعة الأرض أنّها تسكننا بدءا من الّلحظة التي نكفّ نحن فيها عن الإقامة فوقها.
    الوطن كالّلحن البعيد الذي بالكاد يتناهى إلى مسامعنا،فتضفي عليه مخيّلتنا ترتيبات أرقّ و أكثر عذوبة،و تعيد تصفيف جمله الموسيقيّة ،فنتمنّى لو اتّضح أنّه على ذلك الشّكل فعلا.
    زحفت المباني على البلدة و تقلّص لونها الأخضر الزّاهي..قصّوا جدائلها ،و لم يعد متأكّدا تماما من أنّ بإمكانه بعدُ أن يتعرّف إلى معالمها القديمة.لا سيّما بعدما التهم الرّخام و الواجهات ملامحها الحلوة،كما لو أنّهم ألبسوا طفلا نظّارة و ألصقوا على خدّه لحية بليدة.سوف لن يكبر الطّفل فور تقمّصه الحلّة الجديدة، و لكن في المقابل لن تبقى من براءته ذرّة واحدة،سيصبح في أحسن الأحوال منظره مضحكا لا غير.
    خطر له و هو يجوب الشّوارع بسيّارته،أنّ الحياة كانت ألذّ أيّام كانت النّاس تتراسل..أيّام كان السّاعي يوزّع البريد على درّاجة عاديّة صفراء.
    عمّ جاء يبحث إذن؟،هل صدّق حقّا أنّ بلدته الخجولة ستحافظ على دفئها و براءتها؟
    أنزل البلّور الجانبيّ . توقّف و سأل أحد المارّة ،كان يرتدي ميدعة زرقاء :لو سمحت ،دلنّي على أقرب مطعم من هنا.
    أشار الرّجل بيده نحو الأمام و قال: خذ طريق اليمين ذاك،ثمّ انحني مع أوّل منعطف إلى اليسار ،ربّما وجدت علامة على الباب كُتب عليها مغلق،لا تصدّقها و ادفع الباب بكتفك فالعلامات هنا شكليّة و لا أحد يصدّقها .
    أذهله الردّ و أحسّ بالغيظ.قبل قليل شاهد مجموعة مؤلّفة من شيوخ و شبان يلعبون الورق فوق طاولة واحدة ، يدخّنون و يتراشقون الكلام البذيء.
    كان إذا مرّ أحد كبار ذات القرية فيما مضى اختفى من هم أدنى منهم على الفور.
    تناول غداءه دون أن يضطرّ لكسر الباب ،ثمّ قرّر البحث عن بيت ابن عمّه.لكنّه لم يلمح حديقة مسيّجة تشبه التي تركها عنده.سأل أحد المارّة،كان كهلا أنيقا يرتدي بدلة و رابطة عنق،لا بدّ أنّه موظّف في أحد البنوك:
    - أخي من فضلك،هل تعرف بيت " مجاهد خزّاز"؟
    - إن لم أكن مخطئا فإن بيته عند أوّل منعطف إلى اليسار..و أردف: صحيح أنّه اتّجاه ممنوع لكن لا بأس فالإشارات هنا شكليّة و لا أحد يحترمها.
    صُعق مرّة أخرى لما سمع ،و للرّداءة التي اتّفق عليها البسطاء و الوجهاء.و تعجّب في سرّه عن هذا المنطق الجديد الذي أصبح يتكلّمه الجميع:النيّء و النّاضج.
    قضّى تلك اللّيلة في أحد النّزل الرّخيصة على مضض.ودّ لو أنّه ما خاض المغامرة من الأساس.أن يتعفّن أهون عليه من العيش في مدينة كلّ شيء فيها شكليّ ،لا قيمة له و لا معنى.لا شيء مهمّ ،الحرّيّة شكليّة ،النّظام شكليّ ،الأمن شكليّ..سيكون النّفق بقعة كبيرة مطليّة بالأسود على وجه الجبل،البئر ستكون حفرة هم الذين ملؤوها ماء..و الأمثلة لا تنتهي..
    عصفت به الخواطر.. شعر بالضّيق سبّبه بعض النّدم تسرّب إليه و حسرة أكبر من قلبه..لم يستطع المكوث أكثر .في الصّباح غادر إلى العاصمة و توجّه إلى أوّل وكالة للأسفار،و هناك اقتطع تذكرة العودة.
    و حدّث نفسه طيلة اليومين على ظهر الباخرة بأنّ أقسى المحن على الإطلاق ،هي أن تصبح الغربة أكثر أنسا من الأهل .و بأنّك إذا أردت أن تتقبّل هزيمة ما فلا بدّ أن تكبر معها.
    لمّا وصل إلى ميناء مرسيليا و قبل أن يعود إلى بيته مرّ بأحد نقاط بيع الحيوانات و اشترى كلبا مدرّبا على اصطحاب المسنّين.



    [/align]محمّد فطّومي
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • صبري رسول
    أديب وكاتب
    • 25-05-2009
    • 647

    #2
    العزيز محمد فطومي
    تحية لك
    أظنّ أنّ اقتنائه الكلب لمصاحبته علامة على تفضيله الكلب على الأهل الأصحاب
    نصّ جميل، وسردٌ ممتع، ولغة موفقة.
    والنتيجة التي نستنتجها استخلصْتَها في عبارات (إنّ أقسى المحن على الإطلاق، هي أن تصبح الغربة أكثر أنسا من الأهل. وبأنّك إذاأردت أن تتقبّل هزيمة ما فلا بدّ أن تكبر معها.))
    كن بخير

    تعليق

    • محمد فطومي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 05-06-2010
      • 2433

      #3
      الأخ العزيز صبري رسول.
      أن تحتوي المجموعة الفرد فهذا هيّن،لأنّ " حمل الجماعة ريش"؛مع بعض التحفّظات.
      و لكن أن يحاول الواحد فينا(و المأساة عامّة) أن يحتوي المجموعة فردا فردا رغبة منه في تقليص هوّة الاغتراب ،فقد أقفل على نفسه-لا ريب- منزل الوجع دون أن يشعر.
      أو لا تصبح مصاحبة الكلاب ساعتها أرحم من دائرة السوء تلك؟

      أخي الفاضل قراءة موفّقة ليست غريبة على أديب قدير مثلك.
      أسعدني مرورك جدّا.
      مدوّنة

      فلكُ القصّة القصيرة

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        محمد فطومي
        نغترب وسط الأهل أهكذا كانت فحوى النص
        ربما
        لا أدري
        أحسست بغصة حين وصلت لومضة النهاية وتخيلت نفسي
        هل فعلا سيكون الأمر هكذا
        وهل سأشعر أني أفضل العودة غريبة فعلا على أن أعيش غريبة بين ناسي
        مصيبة هذه والله
        نص مفجع جدا
        ودي ومحبتي لك وأتمنى عليك أن تشارك الزميلات والزملاء نصوصهم عزيزي فهي فائدة للجميع خاصة وأنت تمتلك ملكة القص الجميل

        الخلاص


        وفاء لم يكد ْيدلف البيت, حتى تناهت أصوات القادمين لسمعها, وطرقعة الأسلحة, تدوّي حولها, تقرع أجراس الخطر, فبان الهلع, على قسمات وجهها الحزين: - اهرب قصي, سيقتلونك, اسرع أمسك يدها, يسحبها - معي وفاء, لنهرب معاً, سيقطّعونك بدلا عني, سيعذبونك, حتى الموت. - لن يفعلوا, سأشاغلهم, فقط اسرع قبل أن يقتحموا الباب. حمل سلاحه, قفز
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • محمد فطومي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 05-06-2010
          • 2433

          #5
          " الوطن كالّلحن البعيد الذي بالكاد يتناهى إلى مسامعنا،فتضفي عليه مخيّلتنا ترتيبات أرقّ و أكثر عذوبة،و تعيد تصفيف جمله الموسيقيّة ،فنتمنّى لو اتّضح أنّه على ذلك الشّكل فعلا."

          ليس على الأوطان أن تشتري ودّ أبنائها،و هي بالأساس لا تفعل .
          الوطن كالوالدين إذا ظلم ،قبّلنا
          نحن جبينه عساه يرضى.

          تحيّة محبّة و ودّ أخت عائدة.
          مدوّنة

          فلكُ القصّة القصيرة

          تعليق

          • علي خريبط الخليفه
            أديب وكاتب
            • 31-03-2010
            • 68

            #6
            الأستاذ محمد فطومي
            لا شك أن الدنيا تتغير ولم يبقى الناس على حالهم قد تكون الغربة أثرت به وجعلته يرى الأشياء على غير حقيقتها أو قد تكون ثقافته الجديدة التي جاء بها من الغربة جعلته يشعر بحقيقة الأشياء هناك الكثير من لتصور لهذه الشخصية
            ولكن أقول00بلدي وأن جارت عليه عزيزتا أهلي وأن شحوا عليه كرام
            تقبل مني خالص الود والتقدير
            التعديل الأخير تم بواسطة علي خريبط الخليفه; الساعة 27-07-2010, 19:25.

            تعليق

            • محمد فطومي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 05-06-2010
              • 2433

              #7
              أخي و صديقي علي خريبط.
              لقد اعتذر صاحبنا فيما يبدو قبل أن تعتب عليه ،و تحكّمني بينكما و الشّأن شأنكما،حين تداعى أنْ " ..إذا أردت أن تتقبّل هزيمة ما فلابدّ أن تكبر معها ."
              و الحال أنّه لم يكبر معها فلا العيب عيب الأمّ المدينة ،و لا هو عيبه ،و لا أنت فيما ذهبت إليه مخطىء و لا هو عمّا انصرف مخطىء.

              لك ودّي و محبّتي أخي العزيز.
              مدوّنة

              فلكُ القصّة القصيرة

              تعليق

              • خالد يوسف أبو طماعه
                أديب وكاتب
                • 23-05-2010
                • 718

                #8
                الأستاذ القدير .......... محمد فطومي
                مســــــــاء الخيــــــــير
                نص جميل ورائع وحزين ويلفه الشجون والحنين لوطن كان بالأمس لنا !!!
                هكذا هي الأيام أخي الفاضل تدور بنا وتركلنا على شاطئ الذكرى
                هكذا هي الغربة داخل الوطن والغربة داخل النفس ومع الآخرين الذين
                كما نسامرهم أفراحنا وطفولتنا وأحزاننا ولا نجد اليوم منهم أحدا
                نص لا شك رائع والفكرة كذلك هو بوح لذاكرة كانت ولا تزال تحتفظ بشيء
                من الوفاء لمن أحببناهم ولوطن ما زال يسكننا رغم كل الظروف التي عشناها

                الوطن كالّلحن البعيد الذي بالكاد يتناهى إلى مسامعنا،فتضفي عليه مخيّلتنا ترتيبات أرقّ و أكثر عذوبة،و تعيد تصفيف جمله الموسيقيّة ،فنتمنّى لو اتّضح أنّه على ذلك الشّكل فعلا.
                هنا شعرت بالمرارة والحزن والفقد في آن واحد والقفلة كانت صادمة ومدهشة
                نص يستحق عناء القراءة والوقوف عليه مطولا
                أشكرك على هذا الألق الرائع
                تحياتي
                التعديل الأخير تم بواسطة خالد يوسف أبو طماعه; الساعة 29-07-2010, 16:51.
                sigpicلن نساوم حتى آخر قطرة دم فينا

                تعليق

                • إيمان الدرع
                  نائب ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3576

                  #9
                  أستاذ محمد فطومي:
                  هي دموع وطن..
                  ومريرة هي دموع الوطن..
                  قد نبتعد
                  قد نؤثر الغربة..
                  قد يقتلنا ويسحبنا أنين السنين بعيداً..
                  نحو قرارٍ موجع نتجرّعه غصباً كما العلقم
                  ولكن حبّ الوطن قتّال..
                  لابدّ من العودة مهما طالت الغربة
                  لا خيار لنا إنها الأوطان..
                  نصّ رائع ، هادف، كتب على لسان كلّ من ذاق ألم الأيام..
                  سلمت يداك ...دُمتَ بسعادةٍ...تحياتي..

                  تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                  تعليق

                  • محمد فطومي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 05-06-2010
                    • 2433

                    #10
                    أخي الحبيب خالد يوسف.
                    مساء أطيب
                    حقّا لم تترك لي أنت و صاحبنا المغترب ما أقوله.
                    أذهلني في أسطرك عمق القراءة و نضجها ،و بعد الإصغاء لديك.
                    أخي الكريم لقد أتيت على كلّ شيء،و ألزمتني- فنّا - أن أطيل الإمعان في ما سيلحق من نصوص.
                    أشكرك بدوري على ما فتحته أمامي كلماتك العذبة من عناء المراجعة،و مرحبا بك أنّى تشاء.
                    مدوّنة

                    فلكُ القصّة القصيرة

                    تعليق

                    • سحر الخطيب
                      أديب وكاتب
                      • 09-03-2010
                      • 3645

                      #11
                      أضن انه اغتراب بكل حياته وكأنه يقول من خلال عنوانك
                      مرت قوافل عمري من هنا
                      كل الاحباب رحلوا امام عيوني وحتى البلاد رحلت عني وكأن قلبي كان معبرا مروا جميعهم من خلاله

                      الغربه تكون شجيه بغربه الاهل
                      لكنها تكون مؤلمه وانت بين الاهل

                      وهذا حال كل المغتربين يعيشون حياتهم ثم يعودون الى وطنهم ليموتوا بها لكن لم يتركوا اثر لهم على ارضهم فقط ليستقروا تحت ترابها مترا فى متر
                      نصك جميل بحثت عنه بعد ان اختفى امامي
                      الجرح عميق لا يستكين
                      والماضى شرود لا يعود
                      والعمر يسرى للثرى والقبور

                      تعليق

                      • محمد فطومي
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 05-06-2010
                        • 2433

                        #12
                        أختي الغالية إيمان الدّرع/
                        الوطن هديّة ..لكن ما أخوفنا لو يتحوّل إلى ظريبة.
                        الحقّ معك ؛في كلّ الأحوال لابدّ لنا من العودة.
                        سعدت كثيرا بزيارتك أختي الفاضلة .أدبك الكبير يجعلني أفخر بكلماتك..

                        أتمنّى لك أوقاتا طيّبة.
                        مدوّنة

                        فلكُ القصّة القصيرة

                        تعليق

                        • محمد فطومي
                          رئيس ملتقى فرعي
                          • 05-06-2010
                          • 2433

                          #13
                          الأخت سحر الخطيب/
                          أهلا و مرحبا بك.
                          كم كانت بديعة هي النّافذة التي تناولت من خلالها الطّرح.تستوقفني العناوين مثلك تماما.القصّة قصيرة و الحيّز ضيّق و مجال التّعبير مضغوط،لذلك أرى من واجب القاصّ أن يقف طويلا عند اختيار عناوينه.
                          و ها أنت ذا تبرهنين على أنّ العنوان بوسعه فكّ شفرة النصّ،و اختزال رؤاه،و تبويب قضاياه على النّحو الصّحيح.
                          أشكرك أختي الغالية .أعجبتني زاوية التّفكير.لك منّي أجمل تحيّة
                          مدوّنة

                          فلكُ القصّة القصيرة

                          تعليق

                          • جمال عمران
                            رئيس ملتقى العامي
                            • 30-06-2010
                            • 5363

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                            كلّ القوافل مرّت من هنا..


                            [align=right]

                            لم يعد أبناؤه يزورونه كما في السّابق..شقّ كلّ واحد منهم طريقه في الحياة.غادروا البيت دون التفاتة .أدمته الوحشة و خشي أن يموت وحيدا دون أن يتفطّن إليه أحد.ساعتها قطعا سيأتون من كلّ صوب لاقتسام التّركة .راودته فكرة الزّواج ،لكنّه سرعان ما طردها .لأنّه يعرف جيّدا أنّ الأروبّيات لا يستقيم لهنّ حال إذا كان الزّوج فتيّا قويّا فكيف و قد وهن عظمه و شاب رأسه؟ثمّ إنّه لم يعد قادرا على الخضوع من جديد إلى تفاصيل الارتباط و المواثيق و كراريس الشّروط..مرّ زمن طويل على وفاة زوجته و اعتاد العزلة و الهدوء،ربّما وقتها لم تكن المسألة مطروحة لأنّ أبناءه كانوا يعيشون معه.على كلّ حال دبّ الآن السّأم في أوصاله و لا بدّ له من العثور على طريقة ليغيّر حاضره و ما بقي أمامه ليعيشه.
                            حزم أمره كآخر الحلول على أن يعود إلى وطنه و إلى بلدته تلك بالذّات،سيشتري هناك بيتا،و يتزوّج إن لزم الأمر، و ربّما استثمر قسطا من ماله في أحد المشاريع التّجاريّة.
                            مضى أربعون عاما على آخر زيارة له إلى البلدة.نسي أهلها و شوارعها بالتّأكيد ،و لم تعد ذاكرته تجود عليه سوى ببعض الصّور الشّحيحة لوالده كثّ الشّوارب و هو يدخّن الغليون و يبري قصبة الصّيد و أمّه و هي تطهو السّمك وسط الجرار بعد أن كانت قد مرّرت بداخلها سلكا يخترقها من أوّلها لآخرها و عن بيت جدّه و صراخهم أطفالا و ضحكهم عراة على حافّة النّهر،و أجراس الكاتدرائيّة أيّام الأحد و الأعياد..أتراهم مازالو يعرضون فلما و يناقشونه مساء كلّ سبت كدأبهم؟.النّادي الأدبي،هل مازال ينشط؟الجالية الفرنسيّة ،أتراها لا تزال تعيش هناك؟ملعب التّنس أتراه لا يزال على حاله؟حفلات نهاية الأسبوع، هل مازالت تُقام كسالف عهده بها؟
                            في اتّجاه البلدة مرّت أمام عينيه كوميض البرق دار المسرح و غرفة المعارض..و حانة "جوزيبي" الإيطالي ..و خفق قلبه و أحسّ بخواء في جوفه لمّا طالعته لوحة التّرحيب في مدخلها.و جرفه حنين حارق لرؤية النّهر و المدرسة الابتدائيّة.
                            لا شيء بقي على حاله..من هنا كانت تمرّ كتائب الجيش الألماني..يذكر أنّه اشتكى مرّة والده لأحد المظلّيّين لأنّه منعه من دخول السّرك..
                            ماذا حدث ؟ أين ذهبت أسقف القرميد ؟ ما الذي عصف بالقرية ؟أيّ نخّاس غرّر بها على هذا النّحو و أوهمها أنّها تكون أجمل بأنياب ضخمة من حديد و إسمنت مسلّح عملاق و أسوار خانقة كتلك؟.
                            تساءل تخنقه غصّة: أين أنا لم لا أراني؟ما لي أحسّ بأنّي نكرة؟
                            من هنا كانت تمرّ قوافل التّلقيح ضدّ الطّاعون.
                            يكاد يرى الطّابور الطّويل.
                            أغرب ما في رقعة الأرض أنّها تسكننا بدءا من الّلحظة التي نكفّ نحن فيها عن الإقامة فوقها.
                            الوطن كالّلحن البعيد الذي بالكاد يتناهى إلى مسامعنا،فتضفي عليه مخيّلتنا ترتيبات أرقّ و أكثر عذوبة،و تعيد تصفيف جمله الموسيقيّة ،فنتمنّى لو اتّضح أنّه على ذلك الشّكل فعلا.
                            زحفت المباني على البلدة و تقلّص لونها الأخضر الزّاهي..قصّوا جدائلها ،و لم يعد متأكّدا تماما من أنّ بإمكانه بعدُ أن يتعرّف إلى معالمها القديمة.لا سيّما بعدما التهم الرّخام و الواجهات ملامحها الحلوة،كما لو أنّهم ألبسوا طفلا نظّارة و ألصقوا على خدّه لحية بليدة.سوف لن يكبر الطّفل فور تقمّصه الحلّة الجديدة، و لكن في المقابل لن تبقى من براءته ذرّة واحدة،سيصبح في أحسن الأحوال منظره مضحكا لا غير.
                            خطر له و هو يجوب الشّوارع بسيّارته،أنّ الحياة كانت ألذّ أيّام كانت النّاس تتراسل..أيّام كان السّاعي يوزّع البريد على درّاجة عاديّة صفراء.
                            عمّ جاء يبحث إذن؟،هل صدّق حقّا أنّ بلدته الخجولة ستحافظ على دفئها و براءتها؟
                            أنزل البلّور الجانبيّ . توقّف و سأل أحد المارّة ،كان يرتدي ميدعة زرقاء :لو سمحت ،دلنّي على أقرب مطعم من هنا.
                            أشار الرّجل بيده نحو الأمام و قال: خذ طريق اليمين ذاك،ثمّ انحني مع أوّل منعطف إلى اليسار ،ربّما وجدت علامة على الباب كُتب عليها مغلق،لا تصدّقها و ادفع الباب بكتفك فالعلامات هنا شكليّة و لا أحد يصدّقها .
                            أذهله الردّ و أحسّ بالغيظ.قبل قليل شاهد مجموعة مؤلّفة من شيوخ و شبان يلعبون الورق فوق طاولة واحدة ، يدخّنون و يتراشقون الكلام البذيء.
                            كان إذا مرّ أحد كبار ذات القرية فيما مضى اختفى من هم أدنى منهم على الفور.
                            تناول غداءه دون أن يضطرّ لكسر الباب ،ثمّ قرّر البحث عن بيت ابن عمّه.لكنّه لم يلمح حديقة مسيّجة تشبه التي تركها عنده.سأل أحد المارّة،كان كهلا أنيقا يرتدي بدلة و رابطة عنق،لا بدّ أنّه موظّف في أحد البنوك:
                            - أخي من فضلك،هل تعرف بيت " مجاهد خزّاز"؟
                            - إن لم أكن مخطئا فإن بيته عند أوّل منعطف إلى اليسار..و أردف: صحيح أنّه اتّجاه ممنوع لكن لا بأس فالإشارات هنا شكليّة و لا أحد يحترمها.
                            صُعق مرّة أخرى لما سمع ،و للرّداءة التي اتّفق عليها البسطاء و الوجهاء.و تعجّب في سرّه عن هذا المنطق الجديد الذي أصبح يتكلّمه الجميع:النيّء و النّاضج.
                            قضّى تلك اللّيلة في أحد النّزل الرّخيصة على مضض.ودّ لو أنّه ما خاض المغامرة من الأساس.أن يتعفّن أهون عليه من العيش في مدينة كلّ شيء فيها شكليّ ،لا قيمة له و لا معنى.لا شيء مهمّ ،الحرّيّة شكليّة ،النّظام شكليّ ،الأمن شكليّ..سيكون النّفق بقعة كبيرة مطليّة بالأسود على وجه الجبل،البئر ستكون حفرة هم الذين ملؤوها ماء..و الأمثلة لا تنتهي..
                            عصفت به الخواطر.. شعر بالضّيق سبّبه بعض النّدم تسرّب إليه و حسرة أكبر من قلبه..لم يستطع المكوث أكثر .في الصّباح غادر إلى العاصمة و توجّه إلى أوّل وكالة للأسفار،و هناك اقتطع تذكرة العودة.
                            و حدّث نفسه طيلة اليومين على ظهر الباخرة بأنّ أقسى المحن على الإطلاق ،هي أن تصبح الغربة أكثر أنسا من الأهل .و بأنّك إذا أردت أن تتقبّل هزيمة ما فلا بدّ أن تكبر معها.
                            لمّا وصل إلى ميناء مرسيليا و قبل أن يعود إلى بيته مرّ بأحد نقاط بيع الحيوانات و اشترى كلبا مدرّبا على اصطحاب المسنّين.



                            [/align]محمّد فطّومي
                            الاستاذ الفاضل /محمد فطومى
                            سلمت وسلم قلمك * وبعد
                            ردا على ملاحظتكم القيمة لى بخصوص النقطة واننى اكتبها هكذا *******
                            فلقد اخذك نظرك الثاقب الى خبيئة كنت احاول جاهدا ابقائها فى مخبأها لكن مادمت انت رأيتها فلزاما على ان افصح عنها لك واكشف سرها - اننى يااخى حديث عهد بالكومبيوترولا املك واحدا واكتب فى سيبر وحولى اطفال يلعبون ويتسابون وانا -- يادوبك -- استطيع النقر على اللوحة لأجمع الحروف لاكون
                            كلمة ولااعرف كيف اكتب النقطة ولاالفصلة ولاالضمة ولا اى علامات اعراب ولا الشدة ولاالسكون ولا علامات الاستفهام ولاالتعجب **** وهكذا اكتب كالاعرج * وادعو الله ان اتقدم سريعا فى هذا الشأن * اطلب منك الدعاء لى *
                            ودمت بكل الخير *
                            * جمال عمران *
                            *** المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء ***

                            تعليق

                            • مصطفى الصالح
                              لمسة شفق
                              • 08-12-2009
                              • 6443

                              #15
                              صاحبنا هذا عاش في غربة في بلد متطور وعاد ظانا انه سيجد كل شيء على حاله

                              فعلا انه عجوز قديم.. اذ كان عليه ان يعرف ان الدنيا كلها تتغير وعليه ان يتواءم ويتعايش معها

                              فلا شيء يبقى على حاله الا هو سبحانه

                              وما دام تعود حياة الغرب فالافضل ان يستمر فيها وذلك خير له من الغربة في بلده

                              اعجبتني هذه الجملة والنص حفل بالكثير من الجمل الفلسفية الجميلة:

                              أغرب ما في رقعة الأرض أنّها تسكننا بدءا من الّلحظة التي نكفّ نحن فيها عن الإقامة فوقها.

                              ابدعت اخي محمد

                              تحيتي وتقديري
                              [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                              ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                              لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                              رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                              حديث الشمس
                              مصطفى الصالح[/align]

                              تعليق

                              يعمل...
                              X