التّاسعة والنصف صباحا،القاعة الفسيحة تكاد تكون ملأى بالطلبة، فلا أحد يريد أن يفوّت على نفسه دروس هذه الفترة الحرجة من العام الدراسي.
الاستاذ المحاضر لا يتوقّف عن الكلام دون أدنى اهتمام بالطّلبة الذين يظهر عليهم الانزعاج والضيق.
نجوى الطّالبة الذكيّة التي لا تعرف غير الصّفّ الأمامي مكانا للجلوس تتابع الدّرس بكلّ اهتمام،وبين الحين والآخر تنظر إلى ساعة يدها.
تمرّ الدّقائق بطيئة متثاقلة و كأن العقارب قد توقّفت عن الدّوران.ظهر عليها القلق هي الأخرى إذ كانت تخشى التأخّر على موعدها الهام الذّي طالما انتظرته.
أخذ صوت الأستاذ يتلاشى شيئا شيئا ليحلّ محلّه صوت روحها الحائرة :"لو تغيّبت عن هذا الدرس لكنت الآن بجواره،قد اشتقت إليه والله،منذ أسابيع لم نتقابل سويّة.حتّى مكالماته الهاتفيّة صارت مقتضبة جدّا،كأنّه يحاول الابتعاد عنك..لا، لا، مستحيل،إنّه يحبّك..مافي ذلك شكّ"
يطمئن قلبها لتلك الحقيقة ولكن سرعان ماتنتابها الهواجس مجدّدا."لِمَ يتجاهلك إذن؟ لِمَ لا يخبرك سبب هذا الجفاء الذي لم تعهديه منه؟ لِمَ لم يبدّد حيرتك بكلماته السّاحرة؟"
ظهرت أمامها كلماته التي وصلتها عبر الهاتف "العاشرة صباحا،في "السّفرة"،لاتتأخري." لِمَ لم يهاتفها ليخبرها بالموعد؟لِمَ اختار الإرسالية الصامتة؟؟؟؟"
وتأخذها الأسئلة حتّى تغيب كليّا عمّا حولها،أمره محيّر فعلا،فقد صار شخصا آخر غير الذّي عرفته و..أحبّته.
جلبة وضوضاء يعيدانها إلى المكان،قد انتهى الدّرس.حملت حقيبتهاو غادرت الكليّة على عجل.
بخطوات متسارعة تقطع المسافة التي تفصلها عن ملاقاته.الأنهج والأرصفة في أوجّ حيويّتها،الجميع يلهث لقضاء أموره العاجلة دوما.
ولكنها بالكاد تسمع الأصوات المختلطة أو تنتبه لمرور السيارات فشوقها قد عاد بها إلى أكثر من سنة مرّت:يوم لقائهما الأوّل.
بعد أن سارا طويلا وجدا أنفسهما أمام مطعم "السّفرة" فدخلاه لتتالى لقاءاتهما في الطّابق العلوي حيث طاولتهما المطلّة على الشّارع.
مازالت تذكر اضطرابهما حينها،ساد الصمت ونطقت العيون فكانت خير معبّر عمّا عجزت عنه الشّفاه.ومنذ ذلك اليوم صارت بارعة في لغة العيون بخاصّة عينيه التين تكشفان كلّ أفكاره ومشاعره..كم تشتاق الإبحار فيهما.
هو الذي دخل حياتها فجأة فلم تستطع صدّه،طالب يدرس على مقربة من جامعتها، رآها ذات مرّة رافق فيها صديقه الوحيد الذي يدرس معها فأُعجب بها و لم تمض أيّام حتّى وصلتها منه رسالة.في البدء عجبت لهذا الذي مازال يكتب الرّسائل في زمن الهاتف الجوّال والأنترنات.ولكنّها ما إن قرأت محتواها حتّى دقّ قلبها بعنف فكلماته اقتحمت بلا استئذان روحها وسكنت فيها محتلّة أغلى مكان.
وأخيرا وصلت،توقّفت قليلا،نظرت إلى ساعتها،إنّها العاشرة،فرحت لوصولها في الوقت المحدّد،فالالتزام والدّقّة من أهم المبادئ التي يهتم لها.
ألقت نظرة عابرة على البلّور الخارجي للمحلّ،وجهها يتلألأ فرحا وغبطة،جميلة هي كما العادة،بلا مساحيق أو أحمر شفاه،عطرها فقط تنتبه له قبل مغادرتها الغرفة في المبيت.
دلفت إلى الدّاخل و اتّجهت مباشرة إلى الدّرج،كما العادة تشعر ببعض الألم في بطنها وتتسارع دقّات قلبها.
رأته،يرسل ناظريه إلى الخارج،نسيت للتّوّ كل الأسئلة التي أعدّتها مسبقا،لم تعد بها حاجة للّوم أو العتاب،وقفت أمامه،انتبه لوجودها.صافحها مبتسما ثمّ جلس.
"لِمَ لَمْ يقف ليقدّم لها الكرسيّ كما اعتاد؟؟"
أسارير وجهه تبدو مختلفة،شعرت بذلك،إنّه بالكاد ينظر إليها،عيناه تتهربّان من نظراتها.
"مالذي يخفيه ياترى؟ لم ظلّ صامتا؟لم تشعر أن سكوته هذه المرّة مريب؟"
تحرّكت شفتاه،انتظرت همسات شوق وحبّ أو حتّى كلمات اعتذار،ولكنّه يسألها عن أخبارها،عن العائلة والدّراسة.أجابته بكلمات مقتضبة متعمّدة. كأنّما تسأله حديث الرّوح "أخبرني عنك،عن شوقك،عن حبك،عن سبب تغيّرك..إرو ظمئي أنا المتعطّشة لهمساتك المجنونة،من أين لك هذه القسوة وأنت الحنون دوما؟!"
ولكنّه يتجاهل نداءاتها ويواصل حديثه الذي ماعادت تسمعه.
"لم كلّ هذا البرود القاتل؟أتراه يسمع صوتها؟ ؟؟"
اغرورقت عيناها بالدّمع،لو استطاعت لنهضت و تركته ولكنّ قدماها ترفضان الانصياع.
يسود الصّمت،لم يسألها مابها.شعرت بدمعة أولى فثانية تنزلان على خدّها،لملمت أجزاء روحها المبعثرة وسألته بصوت متقطّع :"ف..ي..صل.. هل لا..زلتَ تُ..حِبْ..بُنِي؟
يفاجأ بسؤالها،يبدو الاضطراب على محيّاه،يصمتُ،يحاول النّطق ثمّ يتراجع..
فجأة يرنّ هاتفه الموضوع على الطّاولة،يتثبّت في المتّصّل وبحركة غريبة ينظر إليها وقد انفرجت أساريره.
"أهلا حبيبتي،صباح الفل والياسمين،صباحك ورد ورياحين"
تنظر إليه مستغربة،متعجّبة،مذهولة."أيّ وقاحة هذه! إنّها فتاة أخرى اذن"
وبصوت ضاحك يواصل:"انتظريني قرب المونبري،في المقهى المعتاد،أودّع صديقا لي ثمّ تجدينني عندك".
يعيد الهاتف إلى مكانه،يرحل ببصره خارجا.قد انتهى الأمر إذن،رعشة شديدة تسري في كامل جسدها،نهضت،بصعوبة وقفت،لا تكاد ترى شيئا،توقّف الزّمن للحظات،رأتها لازالت أمامه وهو يشيح بوجهه عنها.
عاد الزّمن للدّوران،ركضت مسرعة والدّمع يتناثر كحبّات اللؤلؤ في بريقها.
أمّا هو فقد انفجر باكيا،مثل طفل صغير فارق للتّوّ أمّه الحنون،بكى دون أن ينتبه للأعين التي تحدّق فيه بدهشة.
استندت إلى الجدار،سحبت نفسا عميقا،دموعها تتدفّق بلا رحمة،قلبها يكاد لشدّة خفقانه يتوقّف.لم تكن تتصوّر أن تكون النّهاية بهذه الطّريقة.
أين وعوده؟أين عهوده؟أين حبّه الأسطوريّ؟لم تلاشى فجأة؟كيف لقلبه الذي تملكه حبّ واحدة أخرى؟كيف..لماذا...متى..هل..؟؟؟
تظطرم الأسئلة في داخلها كالنار تسري في هشيم حبّها المغدور،لم تعد تقدر على السّير أكثر فأوقفت سيارة أجرة وسريعا ماوجدت نفسها وحيدة في غرفتها،بكت كما لم تبك طيلة حياتها.
صورته الأخيرة تلاحقها تراها أينما وقعت عيناها اللتان تؤلمانها بشدّة،تمددت على سريرها وبصعوبة أغمضت عينيها،كأنّما تشاهد شريطا سينمائيا هي بطلته تتزاحم في مخيلتها المشاهد،منذ لقائهما الأول حتى لحظة الوداع.
لم تعرف كيف رحمها النوم وداعب جفونها لتستيقظ بعد ساعات،وسادة مبلّلة وصداع في رأسها،لم تهتمّ لأمره إذ أسرعت إلى هاتِفها."الأكيد أنّه هَاتَفَهَا عشرات المرّات.ولكن..
انهمرت دموعها المتبقيّة مجدّدا،حاولت التّماسك.غسلت وجهها وماإن نظرت إلى المرآة حتّى هالها انتفاخ عينيها من أثر البكاء،وضعت بعض المساحيق تخفي آثار جراحها فزميلاتها في السّكن سيعدن بعد قليل،وهي لا تريد أن يشهدن حالة انهيارها وهي القويّة التّي طالما واجهت صعوبات الحياة بكلّ شجاعة فانتصرت عليها.
ولكنّ خيبة الحبّ لا يستطيع إلاّ القليلون تجاوزها بأخفّ الأضرار،ليتها تكون منهم.
فتحت الخزانة وأخرجت صندوقها الصّغير.أعادت قراءة كلّ رسائله،تلمّست هداياه،جمعتها وضمّتها إلى صدرها وهي..تبكي.
...
وأخيرا عادت إلى مقاعد الدّراسة بعد عطلة طويلة لم تغادر فيها منزل العائلة إلا مرّتين أو ثلاث للمشاركة في حفل إحدى الصديقات.
إنّه عامها الأخير في الجامعة لذلك كانت عاقدة العزم على التفوّق و نسيان نتائج السنة الفارطة التي بالكاد نجحت في تجاوزها بسبب ..
مرّ الأسبوع الأوّل هادئا،تغيّرت بعض الوجوه ولكنّها غير مهتمّة،فعلاقتها مع الآخرين لا تتجاوز تبادل التّحيّة أو المشاركة باقتضاب في حديث عن الدراسة.
أنهت الحصّة الصّباحيّة وبقيت في ركن من الحرم الجامعي تستمتع بأشعّة شمس أكتوبرفي انتظار فتح أبواب المطعم.
-نجوى!نجوى!هاأنتِ هنا"
فاجأها الصّوت،رفعت رأسها فإذا به سمير،زميلها السّنة الفارطة.
-أهلا سمير،كيف حالك؟ بالكاد عرفتك،منذ أشهر لم أرك.
-معقول؟كيف تنسين من حمل إليك أوّل رسالة من فيصل؟
تساءل في استنكار.ولكنّها تجاهلت كلماته.
-بخير والحمد لله،منذ أسبوع وأنا أبحث عنك.لم غيّرتِ رقم هاتفك؟سألتُ الجميع عنك في الصيف دون جدوى.
-خيرا إن شاء الله،ولم كلّ هذا البحث؟ أتراك تحمل رسالة جديدة من..فَيْ..من صديقك؟
تصنّعت الابتسام تداري به جرحا لم يندمل بعد.
-آه،فيصل،ألا زلتِ تذكرين هذا الاسم؟
"لِمَ هذا السّؤال الآن؟" بان عليها الضّيق.
-سمير،هل لك أن تغيّر الموضوع؟
-لاتنزعجي يانجوى.تعالي نجلس على هذا المقعد الخشبي،فحديثي يهمّك كثيرا.
جلست على أحد المقاعد وهي تتساءل عن هذا الحديث المهمّ.
لم يطل صمته إذ بادرها قائلا:
"-سأدخل مباشرة صلب الموضوع.أتذكرين يوم لقائكما الأخير،آخر مرّة رأيتِ فيها فيصل"
قاطعته قائلة:"أرجوك،إن لم يكن لك حديث غير هذا فاتركني وشأني"
-صبرك أخيّة،وإن كنتُ أخشى عليك الخبر.
اضطربت وخفق قلبها بعنف
-في ذلك اليوم هاتفني فيصل صباحا وطلب منّي أن أكلّمه بعد العاشرة،سألته عن السبب فرفض الإجابة،ولكنّه ألحّ عليّ فلم أجد بدّا من تنفيذ طلبه الغريب.وفعلا هاتفته في الوقت المحدّد فإذا به يكلمني بعبارات خلتها لكِ،حتى أنه ضرب موعدا نسيت أين،ضحكت كثيرا وحينما سألته هل به مسّ من الجنون أنهى المكالمة.فتأكّدت أنه يمازحني.
ولكنّي متى عدتُ إلى غرفتنا وجدتها يبكي وينوح،بالكاد عرفته لشدّة ألمه.حاولتُ تهدئة خاطره ولكني فشلت،لم أحتمل رؤيته على ذاك الحال فانخرطت معه في البكاء.
وبعد ساعة هدأ قليلا وقدّم لي فحوصا طبيّة عرفتُ في مابعد أنّها له،أخبرني أنه اكتشف مصادفة إصابته بمرض وراثي نادر وخطير وأن أيّامه بيننا صارت..معدودة.
ماإن وصل إلى هذا الحدّ حتى انهمرت دموعه،أمّا هي فقد أمسكت جانب المقعد بشدة خشية الإغماء.
-أرجوك،واصل،هل هو بخير؟لم لم يخبرني؟لم أخفيتَ الأمر عنّي..لِمَ..لِمَ؟
-قد كانت مفاجأتي كبيرة،لم أستوعب الأمر،ولكنّي اقتنعت في النهاية،فالفحوصات عديدة وعلى يد أشهر الأطباء،والنتيجة واحدة.
وقد أخبرني بالتمثيلية التي أداها بصعوبة في المطعم،لفرط حبّه لك اختار أن يبتعد عنكِ بتلك الطريقة على أن تشاركيه آلامه التي كانت تزداد يوما يعد يوم.لقد ضحّى بكِ من أجلك،من أجل أن لا يرى الدموع في عينيك وأنت تعجزين عن مساعدته،كان سيرحل عاجلا أم آجلا فليكن رحيله بعيدا عنكِ.هكذا اختار وقرر ونفذ..لأنه يحبك أكثر من كل العالم.
لقد كتمني سرّه فعاهدته كما أراد ألاّ أخبركِ إلا بعد وفاته.
-هل ..رحل؟؟؟
كاد يغمى عليها
-لا..ولكنّ المرض قد اشتدّ به منذ الصّيف وهو الآن في..
-أين؟ في أيّ المستشفيات ؟في أيّ المصحّات ..حبيبي؟
وتخنقها العبرات.
-لن تستطيعي رؤيته،لن تعرفيه حتّى،فقد غيّره المرض
-هيّا الآن.
وتمسكه من يده وتسرع كالمجنونة لا ترى شيئا،تبكي،تصيح غير مصدّقة،حتّى أنّها نسيت حقيبتها.
يوقف سيّارة أجرة.
-"إلى المستشفى العسكري من فضلك"
تماسكي قليلا فحتما لن يرغب برؤيتك على هذا الحال،سيفاجأ بوجودك حتما لأنّي أخفيت الأمر عنه.
-هل يستطيع النّطق؟هل سيذكرني؟
-صورتك دائما إلى جانبه،وحتّى بعد لقائكما ذاك ظلّ يتردّد على الجامعة يرقبك من بعيد فتزداد آلامه أكثر.ويبدو أن العطلة الصّيفيّة بمافيها من بعدك عنه قد عمّقت معاناته فانعكس ذلك على وضعه الصّحّي الذي تدهور بشكل خطير.
"ياربّي ارحمه.. حبيبي هو ذاك،إلهي تعلم أنّي مانسيته يوما،أني ماحقدت عليه أو كرهته حتّى.قد كنتُ أبحث له عن الأعذار،سامحني حبيبي فقد ظننتك خائنا فإذا بك..آه ياربّي..."
وتنهمك في مناجاتها حتّى إذا ماتوقّفت السيّارة اندفعت بسرعة إلى داخل المستشفى تسأل هذا و تدخل غرفة ذاك.يلحق بها سمير ويرشدها إلى غرفة في آخر الرّواق.
خطواتها صارت متثاقلة..أغمي عليها..استعادت وعيها.تقدّمت يساندها الصديق الذي بالكاد يتمالك نفسها أمامها.
ممنوع الدّخول،بطاقة حمراء وضعت على زجاج الغرفة.تقدّمت أكثر.لامست يداها البلّور.
جسد مغطى بالكامل ممدّد على السرير الوحيد في الغرفة.الأكيد أنه هو.
الآلات على جانبيه وجهاز التنفّس موضوع على أنفه وفمه.ولاصقات طبّية على يديه.
تحرّك قليلا..يبدو أنّه شعر بها.
تركها سمير وذهب يخاطب الممرّضة التي تفحصّتها مليّا.ثمّ أشارت بيدها أن انتظر.ذهبت وسريعا ماعادت لتلبسها لباسا بلاستيكيا معقما.
فتحت لها الباب فدخلت بكلّ هدوء.
مسحت دموعها واقتربت من الجسد الذي يبدو للوهلة الأولى ميتا.
يراقبها سمير والممرّضة من الخارج،وضعت يدها على يده،شعرت ببرودها،أحسّ بحرارتها،أنامله تتحرك،تتحسّس..
بصعوبة فتح عينيه..رآها..بريق ضعيف لاح فيهما..لقد تغيّرت ملامحه كليّا..انهمرت دموعها..أرادت النطق فمااستطاعت..عيناها تحدّثانه..زاد نحيبها..تلألأت عيناه بالدمع..مدّت أناملها..مسحت له دموعه..
رفع يده إلى جهاز التنفّس يحاول نزعه..يحاول الكلام..
"أ..ح..ب..ك أ..ح..ب..ك"
تهرع الممرّضة بسرعة..تعيد الجهاز إلى مكانه،تطلب المساعدة،بصعوبة بالغة يخرجون نجوى من الغرفة.
يقدم له الطّبيب حقنة مهدّئة تمتص اضطرابه..تنظر إليه من وراء البلّور..عيناه مغمضتان ولكنها تشعر بنظراته الضعيفة التي تتلاشى شيئا فشيئا..حتى تنتهي..تتوقّف نبضات قلبه المرسومة على الجهاز..خطّ متواصل و صوت مزعج يصدر عنه.
الاستاذ المحاضر لا يتوقّف عن الكلام دون أدنى اهتمام بالطّلبة الذين يظهر عليهم الانزعاج والضيق.
نجوى الطّالبة الذكيّة التي لا تعرف غير الصّفّ الأمامي مكانا للجلوس تتابع الدّرس بكلّ اهتمام،وبين الحين والآخر تنظر إلى ساعة يدها.
تمرّ الدّقائق بطيئة متثاقلة و كأن العقارب قد توقّفت عن الدّوران.ظهر عليها القلق هي الأخرى إذ كانت تخشى التأخّر على موعدها الهام الذّي طالما انتظرته.
أخذ صوت الأستاذ يتلاشى شيئا شيئا ليحلّ محلّه صوت روحها الحائرة :"لو تغيّبت عن هذا الدرس لكنت الآن بجواره،قد اشتقت إليه والله،منذ أسابيع لم نتقابل سويّة.حتّى مكالماته الهاتفيّة صارت مقتضبة جدّا،كأنّه يحاول الابتعاد عنك..لا، لا، مستحيل،إنّه يحبّك..مافي ذلك شكّ"
يطمئن قلبها لتلك الحقيقة ولكن سرعان ماتنتابها الهواجس مجدّدا."لِمَ يتجاهلك إذن؟ لِمَ لا يخبرك سبب هذا الجفاء الذي لم تعهديه منه؟ لِمَ لم يبدّد حيرتك بكلماته السّاحرة؟"
ظهرت أمامها كلماته التي وصلتها عبر الهاتف "العاشرة صباحا،في "السّفرة"،لاتتأخري." لِمَ لم يهاتفها ليخبرها بالموعد؟لِمَ اختار الإرسالية الصامتة؟؟؟؟"
وتأخذها الأسئلة حتّى تغيب كليّا عمّا حولها،أمره محيّر فعلا،فقد صار شخصا آخر غير الذّي عرفته و..أحبّته.
جلبة وضوضاء يعيدانها إلى المكان،قد انتهى الدّرس.حملت حقيبتهاو غادرت الكليّة على عجل.
بخطوات متسارعة تقطع المسافة التي تفصلها عن ملاقاته.الأنهج والأرصفة في أوجّ حيويّتها،الجميع يلهث لقضاء أموره العاجلة دوما.
ولكنها بالكاد تسمع الأصوات المختلطة أو تنتبه لمرور السيارات فشوقها قد عاد بها إلى أكثر من سنة مرّت:يوم لقائهما الأوّل.
بعد أن سارا طويلا وجدا أنفسهما أمام مطعم "السّفرة" فدخلاه لتتالى لقاءاتهما في الطّابق العلوي حيث طاولتهما المطلّة على الشّارع.
مازالت تذكر اضطرابهما حينها،ساد الصمت ونطقت العيون فكانت خير معبّر عمّا عجزت عنه الشّفاه.ومنذ ذلك اليوم صارت بارعة في لغة العيون بخاصّة عينيه التين تكشفان كلّ أفكاره ومشاعره..كم تشتاق الإبحار فيهما.
هو الذي دخل حياتها فجأة فلم تستطع صدّه،طالب يدرس على مقربة من جامعتها، رآها ذات مرّة رافق فيها صديقه الوحيد الذي يدرس معها فأُعجب بها و لم تمض أيّام حتّى وصلتها منه رسالة.في البدء عجبت لهذا الذي مازال يكتب الرّسائل في زمن الهاتف الجوّال والأنترنات.ولكنّها ما إن قرأت محتواها حتّى دقّ قلبها بعنف فكلماته اقتحمت بلا استئذان روحها وسكنت فيها محتلّة أغلى مكان.
وأخيرا وصلت،توقّفت قليلا،نظرت إلى ساعتها،إنّها العاشرة،فرحت لوصولها في الوقت المحدّد،فالالتزام والدّقّة من أهم المبادئ التي يهتم لها.
ألقت نظرة عابرة على البلّور الخارجي للمحلّ،وجهها يتلألأ فرحا وغبطة،جميلة هي كما العادة،بلا مساحيق أو أحمر شفاه،عطرها فقط تنتبه له قبل مغادرتها الغرفة في المبيت.
دلفت إلى الدّاخل و اتّجهت مباشرة إلى الدّرج،كما العادة تشعر ببعض الألم في بطنها وتتسارع دقّات قلبها.
رأته،يرسل ناظريه إلى الخارج،نسيت للتّوّ كل الأسئلة التي أعدّتها مسبقا،لم تعد بها حاجة للّوم أو العتاب،وقفت أمامه،انتبه لوجودها.صافحها مبتسما ثمّ جلس.
"لِمَ لَمْ يقف ليقدّم لها الكرسيّ كما اعتاد؟؟"
أسارير وجهه تبدو مختلفة،شعرت بذلك،إنّه بالكاد ينظر إليها،عيناه تتهربّان من نظراتها.
"مالذي يخفيه ياترى؟ لم ظلّ صامتا؟لم تشعر أن سكوته هذه المرّة مريب؟"
تحرّكت شفتاه،انتظرت همسات شوق وحبّ أو حتّى كلمات اعتذار،ولكنّه يسألها عن أخبارها،عن العائلة والدّراسة.أجابته بكلمات مقتضبة متعمّدة. كأنّما تسأله حديث الرّوح "أخبرني عنك،عن شوقك،عن حبك،عن سبب تغيّرك..إرو ظمئي أنا المتعطّشة لهمساتك المجنونة،من أين لك هذه القسوة وأنت الحنون دوما؟!"
ولكنّه يتجاهل نداءاتها ويواصل حديثه الذي ماعادت تسمعه.
"لم كلّ هذا البرود القاتل؟أتراه يسمع صوتها؟ ؟؟"
اغرورقت عيناها بالدّمع،لو استطاعت لنهضت و تركته ولكنّ قدماها ترفضان الانصياع.
يسود الصّمت،لم يسألها مابها.شعرت بدمعة أولى فثانية تنزلان على خدّها،لملمت أجزاء روحها المبعثرة وسألته بصوت متقطّع :"ف..ي..صل.. هل لا..زلتَ تُ..حِبْ..بُنِي؟
يفاجأ بسؤالها،يبدو الاضطراب على محيّاه،يصمتُ،يحاول النّطق ثمّ يتراجع..
فجأة يرنّ هاتفه الموضوع على الطّاولة،يتثبّت في المتّصّل وبحركة غريبة ينظر إليها وقد انفرجت أساريره.
"أهلا حبيبتي،صباح الفل والياسمين،صباحك ورد ورياحين"
تنظر إليه مستغربة،متعجّبة،مذهولة."أيّ وقاحة هذه! إنّها فتاة أخرى اذن"
وبصوت ضاحك يواصل:"انتظريني قرب المونبري،في المقهى المعتاد،أودّع صديقا لي ثمّ تجدينني عندك".
يعيد الهاتف إلى مكانه،يرحل ببصره خارجا.قد انتهى الأمر إذن،رعشة شديدة تسري في كامل جسدها،نهضت،بصعوبة وقفت،لا تكاد ترى شيئا،توقّف الزّمن للحظات،رأتها لازالت أمامه وهو يشيح بوجهه عنها.
عاد الزّمن للدّوران،ركضت مسرعة والدّمع يتناثر كحبّات اللؤلؤ في بريقها.
أمّا هو فقد انفجر باكيا،مثل طفل صغير فارق للتّوّ أمّه الحنون،بكى دون أن ينتبه للأعين التي تحدّق فيه بدهشة.
استندت إلى الجدار،سحبت نفسا عميقا،دموعها تتدفّق بلا رحمة،قلبها يكاد لشدّة خفقانه يتوقّف.لم تكن تتصوّر أن تكون النّهاية بهذه الطّريقة.
أين وعوده؟أين عهوده؟أين حبّه الأسطوريّ؟لم تلاشى فجأة؟كيف لقلبه الذي تملكه حبّ واحدة أخرى؟كيف..لماذا...متى..هل..؟؟؟
تظطرم الأسئلة في داخلها كالنار تسري في هشيم حبّها المغدور،لم تعد تقدر على السّير أكثر فأوقفت سيارة أجرة وسريعا ماوجدت نفسها وحيدة في غرفتها،بكت كما لم تبك طيلة حياتها.
صورته الأخيرة تلاحقها تراها أينما وقعت عيناها اللتان تؤلمانها بشدّة،تمددت على سريرها وبصعوبة أغمضت عينيها،كأنّما تشاهد شريطا سينمائيا هي بطلته تتزاحم في مخيلتها المشاهد،منذ لقائهما الأول حتى لحظة الوداع.
لم تعرف كيف رحمها النوم وداعب جفونها لتستيقظ بعد ساعات،وسادة مبلّلة وصداع في رأسها،لم تهتمّ لأمره إذ أسرعت إلى هاتِفها."الأكيد أنّه هَاتَفَهَا عشرات المرّات.ولكن..
انهمرت دموعها المتبقيّة مجدّدا،حاولت التّماسك.غسلت وجهها وماإن نظرت إلى المرآة حتّى هالها انتفاخ عينيها من أثر البكاء،وضعت بعض المساحيق تخفي آثار جراحها فزميلاتها في السّكن سيعدن بعد قليل،وهي لا تريد أن يشهدن حالة انهيارها وهي القويّة التّي طالما واجهت صعوبات الحياة بكلّ شجاعة فانتصرت عليها.
ولكنّ خيبة الحبّ لا يستطيع إلاّ القليلون تجاوزها بأخفّ الأضرار،ليتها تكون منهم.
فتحت الخزانة وأخرجت صندوقها الصّغير.أعادت قراءة كلّ رسائله،تلمّست هداياه،جمعتها وضمّتها إلى صدرها وهي..تبكي.
...
وأخيرا عادت إلى مقاعد الدّراسة بعد عطلة طويلة لم تغادر فيها منزل العائلة إلا مرّتين أو ثلاث للمشاركة في حفل إحدى الصديقات.
إنّه عامها الأخير في الجامعة لذلك كانت عاقدة العزم على التفوّق و نسيان نتائج السنة الفارطة التي بالكاد نجحت في تجاوزها بسبب ..
مرّ الأسبوع الأوّل هادئا،تغيّرت بعض الوجوه ولكنّها غير مهتمّة،فعلاقتها مع الآخرين لا تتجاوز تبادل التّحيّة أو المشاركة باقتضاب في حديث عن الدراسة.
أنهت الحصّة الصّباحيّة وبقيت في ركن من الحرم الجامعي تستمتع بأشعّة شمس أكتوبرفي انتظار فتح أبواب المطعم.
-نجوى!نجوى!هاأنتِ هنا"
فاجأها الصّوت،رفعت رأسها فإذا به سمير،زميلها السّنة الفارطة.
-أهلا سمير،كيف حالك؟ بالكاد عرفتك،منذ أشهر لم أرك.
-معقول؟كيف تنسين من حمل إليك أوّل رسالة من فيصل؟
تساءل في استنكار.ولكنّها تجاهلت كلماته.
-بخير والحمد لله،منذ أسبوع وأنا أبحث عنك.لم غيّرتِ رقم هاتفك؟سألتُ الجميع عنك في الصيف دون جدوى.
-خيرا إن شاء الله،ولم كلّ هذا البحث؟ أتراك تحمل رسالة جديدة من..فَيْ..من صديقك؟
تصنّعت الابتسام تداري به جرحا لم يندمل بعد.
-آه،فيصل،ألا زلتِ تذكرين هذا الاسم؟
"لِمَ هذا السّؤال الآن؟" بان عليها الضّيق.
-سمير،هل لك أن تغيّر الموضوع؟
-لاتنزعجي يانجوى.تعالي نجلس على هذا المقعد الخشبي،فحديثي يهمّك كثيرا.
جلست على أحد المقاعد وهي تتساءل عن هذا الحديث المهمّ.
لم يطل صمته إذ بادرها قائلا:
"-سأدخل مباشرة صلب الموضوع.أتذكرين يوم لقائكما الأخير،آخر مرّة رأيتِ فيها فيصل"
قاطعته قائلة:"أرجوك،إن لم يكن لك حديث غير هذا فاتركني وشأني"
-صبرك أخيّة،وإن كنتُ أخشى عليك الخبر.
اضطربت وخفق قلبها بعنف
-في ذلك اليوم هاتفني فيصل صباحا وطلب منّي أن أكلّمه بعد العاشرة،سألته عن السبب فرفض الإجابة،ولكنّه ألحّ عليّ فلم أجد بدّا من تنفيذ طلبه الغريب.وفعلا هاتفته في الوقت المحدّد فإذا به يكلمني بعبارات خلتها لكِ،حتى أنه ضرب موعدا نسيت أين،ضحكت كثيرا وحينما سألته هل به مسّ من الجنون أنهى المكالمة.فتأكّدت أنه يمازحني.
ولكنّي متى عدتُ إلى غرفتنا وجدتها يبكي وينوح،بالكاد عرفته لشدّة ألمه.حاولتُ تهدئة خاطره ولكني فشلت،لم أحتمل رؤيته على ذاك الحال فانخرطت معه في البكاء.
وبعد ساعة هدأ قليلا وقدّم لي فحوصا طبيّة عرفتُ في مابعد أنّها له،أخبرني أنه اكتشف مصادفة إصابته بمرض وراثي نادر وخطير وأن أيّامه بيننا صارت..معدودة.
ماإن وصل إلى هذا الحدّ حتى انهمرت دموعه،أمّا هي فقد أمسكت جانب المقعد بشدة خشية الإغماء.
-أرجوك،واصل،هل هو بخير؟لم لم يخبرني؟لم أخفيتَ الأمر عنّي..لِمَ..لِمَ؟
-قد كانت مفاجأتي كبيرة،لم أستوعب الأمر،ولكنّي اقتنعت في النهاية،فالفحوصات عديدة وعلى يد أشهر الأطباء،والنتيجة واحدة.
وقد أخبرني بالتمثيلية التي أداها بصعوبة في المطعم،لفرط حبّه لك اختار أن يبتعد عنكِ بتلك الطريقة على أن تشاركيه آلامه التي كانت تزداد يوما يعد يوم.لقد ضحّى بكِ من أجلك،من أجل أن لا يرى الدموع في عينيك وأنت تعجزين عن مساعدته،كان سيرحل عاجلا أم آجلا فليكن رحيله بعيدا عنكِ.هكذا اختار وقرر ونفذ..لأنه يحبك أكثر من كل العالم.
لقد كتمني سرّه فعاهدته كما أراد ألاّ أخبركِ إلا بعد وفاته.
-هل ..رحل؟؟؟
كاد يغمى عليها
-لا..ولكنّ المرض قد اشتدّ به منذ الصّيف وهو الآن في..
-أين؟ في أيّ المستشفيات ؟في أيّ المصحّات ..حبيبي؟
وتخنقها العبرات.
-لن تستطيعي رؤيته،لن تعرفيه حتّى،فقد غيّره المرض
-هيّا الآن.
وتمسكه من يده وتسرع كالمجنونة لا ترى شيئا،تبكي،تصيح غير مصدّقة،حتّى أنّها نسيت حقيبتها.
يوقف سيّارة أجرة.
-"إلى المستشفى العسكري من فضلك"
تماسكي قليلا فحتما لن يرغب برؤيتك على هذا الحال،سيفاجأ بوجودك حتما لأنّي أخفيت الأمر عنه.
-هل يستطيع النّطق؟هل سيذكرني؟
-صورتك دائما إلى جانبه،وحتّى بعد لقائكما ذاك ظلّ يتردّد على الجامعة يرقبك من بعيد فتزداد آلامه أكثر.ويبدو أن العطلة الصّيفيّة بمافيها من بعدك عنه قد عمّقت معاناته فانعكس ذلك على وضعه الصّحّي الذي تدهور بشكل خطير.
"ياربّي ارحمه.. حبيبي هو ذاك،إلهي تعلم أنّي مانسيته يوما،أني ماحقدت عليه أو كرهته حتّى.قد كنتُ أبحث له عن الأعذار،سامحني حبيبي فقد ظننتك خائنا فإذا بك..آه ياربّي..."
وتنهمك في مناجاتها حتّى إذا ماتوقّفت السيّارة اندفعت بسرعة إلى داخل المستشفى تسأل هذا و تدخل غرفة ذاك.يلحق بها سمير ويرشدها إلى غرفة في آخر الرّواق.
خطواتها صارت متثاقلة..أغمي عليها..استعادت وعيها.تقدّمت يساندها الصديق الذي بالكاد يتمالك نفسها أمامها.
ممنوع الدّخول،بطاقة حمراء وضعت على زجاج الغرفة.تقدّمت أكثر.لامست يداها البلّور.
جسد مغطى بالكامل ممدّد على السرير الوحيد في الغرفة.الأكيد أنه هو.
الآلات على جانبيه وجهاز التنفّس موضوع على أنفه وفمه.ولاصقات طبّية على يديه.
تحرّك قليلا..يبدو أنّه شعر بها.
تركها سمير وذهب يخاطب الممرّضة التي تفحصّتها مليّا.ثمّ أشارت بيدها أن انتظر.ذهبت وسريعا ماعادت لتلبسها لباسا بلاستيكيا معقما.
فتحت لها الباب فدخلت بكلّ هدوء.
مسحت دموعها واقتربت من الجسد الذي يبدو للوهلة الأولى ميتا.
يراقبها سمير والممرّضة من الخارج،وضعت يدها على يده،شعرت ببرودها،أحسّ بحرارتها،أنامله تتحرك،تتحسّس..
بصعوبة فتح عينيه..رآها..بريق ضعيف لاح فيهما..لقد تغيّرت ملامحه كليّا..انهمرت دموعها..أرادت النطق فمااستطاعت..عيناها تحدّثانه..زاد نحيبها..تلألأت عيناه بالدمع..مدّت أناملها..مسحت له دموعه..
رفع يده إلى جهاز التنفّس يحاول نزعه..يحاول الكلام..
"أ..ح..ب..ك أ..ح..ب..ك"
تهرع الممرّضة بسرعة..تعيد الجهاز إلى مكانه،تطلب المساعدة،بصعوبة بالغة يخرجون نجوى من الغرفة.
يقدم له الطّبيب حقنة مهدّئة تمتص اضطرابه..تنظر إليه من وراء البلّور..عيناه مغمضتان ولكنها تشعر بنظراته الضعيفة التي تتلاشى شيئا فشيئا..حتى تنتهي..تتوقّف نبضات قلبه المرسومة على الجهاز..خطّ متواصل و صوت مزعج يصدر عنه.
تعليق