شرفة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • تاج الدين الموسى
    عضو الملتقى
    • 16-07-2010
    • 63

    شرفة

    شرفــة

    في دقيقة، أو أقل، الزمن الذين مرّ وأنا أقطع المسافة ماشياً على عجل؛ من موقف الباص، إلى باب شقتها، الذي وجدته موارباً مقدار إصبعين، كان عليّ أن أستعيد أحداث قصة بدأت تدور بعد أسبوع من سكناي هذا الحي، حين هربت من ضجيج دار أهلي، وزحامها، بعد أن اكتظت بالأخوة، والأخوات، وزوجات الأخوة، وأولادهم..
    أخرج من قبوي في تمام الساعة السابعة وعشر دقائق، وأتوجه إلى موقف الباص، الذي أصله بعد ثلاث دقائق.. أنتظر الباص خمس دقائق تنقص دقيقتين، أو تزيد، أمضيها بالمشي البطيء قرب الموقف.. أروح، وأرجع وحين يصل الباص أصعد، وأحشر نفسي بين الركاب، لأصل مدرستي بعد عشر دقائق..
    هكذا مرّت أيامي السبعة الأولى، إلى أن ظهرت لي صباح اليوم الثامن، فكسرتْ روتين أيامي، وأضافت لها مذاقاً جديدة ما عرفته من قبل.. كنت ألوذ بفيء المظلة المعدنية المرفوعة على أربعة قوائم، هارباً من شمس أيار، أنتظر الباص، وأتسلى بالنظر إلى شرَف العمارات المقابلـة، ونوافذها، فتعلق نظري بنافذة غرفة، من شقة، تقع في الطابق الثاني من عمارة لا تبعد عني أكثر من أربعة متراً؛ عرض الشارع والرصيف، لأرى، أول ما أرى، خيالاً لها يتحرك، وراء ستارة شفافـة، ثم ثبت الخيال وراء الستارة، التي ما لبثت أن انزاحت عن وجه سطوعه جعلني أعضّ على شفتي السفلى، فأدميها.. وفي زمن أقل من المسافة الفاصلـة ما بين الشهيق والزفير، أعادت الستارة إلى كانت عليه، واختفت.
    ما ترك لي مجيء الباص فرصة لأراقب نافذتها مدّة أطول، على أمل أن تظهر لي مرة ثانية، تلك المرأة التي مرّت مرور نسمة صيف جنوبية، في مساء يوم قائظ، وذهبت..
    نسيت، بعدئذ، ولأربع وعشرين ساعة، امرأة النافذة، لكنني، وفي صبيحة اليوم التالي، فور وصولي الموقف، تعلق نظري بنافذتها.. وفي تمام الساعة السابعة والربع، ظهر خيالها وراء الستارة، التي ما لبثت أن انفرجت، بعد ثوان، عنها.. لم أنتبه لوصول الباص، ووقوفه، وانطلاقـه.. قد ضعت باستدارة وجهها، واحمرار خديها، وحلاوة غمازتيها، وسواد عينيها، وانسياب شعرها الطري اللامع على كتفيها.. ابتسمت لي، قبل أن تترك الستارة تعود إلى وضعها السابق، لتحجبها عني، فانتشرت رائحة زيزفون، وحبق، وريحان..
    انشغلت، فيما بعد، بامرأة النافذة، خصوصاً بعد أن صارت تظهر لي في كل يوم، وفي التوقيت نفسه؛ على السابعة والربع صباحاً، يلوح خيالها أولاً، ثم تنـزاح الستارة عنها، لتشرق من النافذة.. تبتسم لي، كأنها تصبح علي بالخير، فأرد التحية بأحسن منها.. و بعد دقيقة، أو أقل، تعيد الستارة إلى مكانها، وتختفي مثل جنيه، أو ساحرة..
    صرت أحسب أيامي من خلال تلك اللحظات التي أراها فيها.. إذا مر يوم ما رأيتها، تعكر مزاجي، ومرّ ذلك اليوم ثقيلا على صدري.. حتى في أيام العطل، والأعياد، واظبت على الذهاب إلى موقف الباص، لأتصبح بوجهها، وأضبط ساعتي على إطلالتها..
    لا أعرف، بالضبط، ما الذي ربطني بامرأة ما عرفت لها أصلاً، أو فصلا.. وما ذقت لها طعما، أو سمعت لها صوتا.. أهو عبيرها الذي يسبقها قبل ظهورها اليومي في النافذة؟ أم عيناها؛ عينا الغزالة الشرود في براري الله الواسعة؟ أم شقائق النعمان المتفتحـة على خديها؟ أم كرز الأربعين المختمر على شفتيها؟ أما صفاء بشرتها التي ما رأيت منها سوى الوجه و الجيد والمعصمين؟ أم شلال الشعر المتلألئ المنهمر إلى ركبتيها؟ أم القمتان المتهيئتان للانفجار على صدرها؟ أم بسمتها المطعمة بتغريد عصافير، وشدو بلابل؟ أم أن هناك قوى خفيـة، فيـها، جاذبـة، ما أدركتها، جعلتني أنسى الدنيا، وأسبح في مدارها؟
    صرت أخرج من قبوي في وقت مبكر، آملا أن تظهر لي قبل السابعة والربع، وتطيل من زمن وقفتها في النافذة، لكنهـا لـم تفعل..
    أترك الموقف، وأتمشى على الرصيف، تحت النافذة، وأهمس بشفتي.. بأصابعـي.. بعيني.. ولا تجيب.. أكتب لها، وأرمي برسائلي إلى شرفتها؛ أسألها عـن: عمرهـا.. ثقافتها.. أهلــها.. وضعها الاجتماعي، ولا ترد..
    أكتب لها كل شيء عن نفسي، عساها تحن عليّ، أو تلين :" أنا مدرس لمادة اللغة العربية، لما أتزوج بعد، رغم بلغوي الخامسة والثلاثين.. لا قبوي، ولا معاشي، يغريان واحدة من زميلاتي المدرسات، أو أي امرأة تقبل بالسكن معي في قبو، أو خيمة.. أساعدها، وتساعدني.. تحب الكتب، والموسيقى، وتصبّحني بالخير على صوت فيروز.. قامتها مثل قامتك، و وجهها مثل وجهك، وشعرها مثل شعرك، و بسمتها مثل بسمتك..
    و أكتب لها: اليوم زعلت المحروسة أمي مني.. قالت لي إلى متى ستبقى دون امرأة تؤنس وحدتك، وتخدمك؟ الذين في مثل عمرك صار أولادهم شباباً.. وقالت: بدرية ابنـة خالتك ما بها؟ صحيح هي لا تعرف القراءة والكتابة، لكنها جميلة، وتربيتها مليحة، وأهلها ما لهم طلبات عند ابن الحلال غير السترة.. قلت لها يا أمي، يا حبيتي، بيت خالتي، وابنتهم، على الرأس والعين.. لكني لا أريد امرأة للشغل والأكل والفراش فقط.. أنا أريد امرأة تفهم عليّ، وأفهم عليها.. فزعلت المحروسة أمي..".
    وأكتب لها: " زميلتي، مدرسة التربية الرياضة، التي كنت أميل إليها، وتميل إليّ تركتني، وارتبطت بمدرس مادة الرياضيات.. أغراها بالسيارة التي وفّر ثمنها من أجور الدروس الخصوصية فتركتني، ولحقت به..".
    وأكتب لها عن المدرسة، والبيت، والناس، والأحـلام.. أكتب لها، وأكتب، ولا ترد عليّ بكلمـة، أو حرف، أو همسة..
    بدأت أذهب إلى موقف الباص بعد الدوام .. أقف مقابل نافذتها.. أذهب مساءاً.. ليلاً.. أتمشى على الرصيف تحت النافذة.. أروح، وأجيء، ولا أظفر برؤية خيال لها وراء الستائر..
    بدأت أزعل منها.. أعبس في وجهها.. لا أنظر إلى نافذتها حين تطل منها، أو أنظر إليها مواربة، فتبتسم لي، وتومئ بيدها.. عندما كنت أزعل منها فحسب، كانت تلوّح لي، كأنها كانت تراضيني، قبل أن تختفي، بعد دقيقة، أو أقل، من ظهورها، كالعادة..
    راقبت باب بنايتها في أوقات مختلفة.. قلت أضبطها خارجة إلى السوق.. إلى الشغل.. في زيارة لصديقة.. لقريبة.. و لم أتمكن..
    ثم، وبعد ما يقرب من سنة، نفد صبري، ولم أعد أحتمل نزواتها.. لماذا تصّر هذه المرأة على تعذيبي؟ أتعتقد أنها تكبر بعيني إذا عذبتني؟ أتكون خرساء طرشاء بلا أحاسيس؟ ثم ماذا تريد مني؟ ولماذا تظهر لي في كل يوم، وفي نفس التوقيت، إذا كانت لا تريد أن تعرّفني بنفسها؟ أتكون قد أحبتني بالفعل، بعد أن عرفت كل شيء عني، من خلال رسائلي؟ أم أنها تعرف كل شيء عني، قبل سكناي هذا الحي؟ أم تكون تعلب بي، وتلعب بآخرين مثلي، من خلال نافذتها؟ في أوقات أخرى من كل يوم.. رحت أراقبها من أماكن أقدر أن أراها منها، ولا تراني، ولم أصل إلى شيء..
    كتبت لها في آخر رسائلي:" إلى أين سنصل؟ ها هي ذي سنة تضيع من عمرنا، أنت في النافذة، وأنا على الرصيف.. فإذا كنت مصرةّ على صمتك، سأقول لك وداعاً.." وكعادتها لم تجب.
    تركت الموقف خمسة عشر يوماً، وراقبتها من وراء جذع شجرة صنوبر عجوز، قرب الموقف.. أذهلني بقاؤها على عادتها طيلة تلك الفترة.. يلوح خيالها وراء الستارة، على السابعة والربع تماماً، ثم تزيح الستارة بيديها، وتشرع بالبحث عني بعينيها.. لحظت، أيامها ، ومن خلال استغراقي في وجهها، أن قلقها يزداد يوماً وراء يوم.. وفي اليوم الخامس عشر ما عادت تصبر على انقطاعي عنها على ما يبدو، لأنها فتحت النافذة، وأخرجت رأسها منها، وصارت تبحث عني في طول الشارع، وعرضه.. لأول مرة، خلال سنة، تفتح النافذة، وتخرج رأسها.. أدركت أنها تتعذب من أجلي، فتركت جذع الشجرة، وتوجهت إلى الموقف، أمشي على مهلي، غير عابئ بوجودها في النافذة..
    "هي.. هي.. ".
    لأول مرة أسمع شيئا ًمن صوتها.. إذن هي ليست خرساء.. وقفت.. نظرت إليها بحياد.. حركت يسراها ببطء، وأومأت لي أن تعال.. بقيت في مكاني غير مصدق، فأعادت الإشارة مرة ثانية، وبإلحاح، وتضرع.. هرعت إليها قاطعاً عرض الشارع، والرصيف، والجاً باب البناية، صاعداً الدرج، لأقف حائراً عند باب شقتها، الذي وجدته موارباً مقدار إصبعين، قلقاً، خائفاً، كلص غرّ يتوقع أن يداهمه رجال الأمن في أية لحظة.. أأدفع الباب وأدخل، أم أضغط على زرّ الجرس وأنتظرها لتفتحه لي على مصراعيه، وتهمس لي أن تفضل؟ ارتفعت يدي على زرّ الجرس، وقبل أن تصل إليه، وقفت في الفراغ.. فقد ينّبه صوت الجرس الجوار إلى وجودي عند الباب، وإلى دخولي المنـزل بعدئذ.. أو قد يوقظ أخاً صغيراً لها من النوم، أو أباً مريضاً على فراشه، أو أماً.. ثم إنها لا تريد أن أضغط على زرّ الجرس، لما تركت الباب موارباً مقدار إصبعين، ووقفت وراءه لتسمعني دقات قلبها، وتسمع دقات قلبي..
    عادت يدي التي ارتفعت للضغط على زرّ الجرس إلى جيبي.. هممت بدفع الباب، فمنعتني نفسي.. وفي غمرة اضطرابي، وقلقي، وحيرتي، وتردّدي، وخوفي، أخذ تفكيري يسلك دروباً أخرى متعرّجـة، وعرة ، نازلة إلى الهاوية.. هذه امرأة مجنونة.. المرأة العاقلة لا تدعو رجلا غريباً إلى بيتها.. ألا تدرك مخاطر أن يراني أحد ما عندها!؟ قد يرجـع فجأة أخـوها المسافـر، أو أبوها.. وقد تكون متزوجـة، أو مومساً، داشـرة..
    بعد دقيقة، أو أقل، من وقوفي عند الباب، انتشلني زمور الباص مما أنا فيه فاستدرت، ونزلت الدرج قفزاً غير عابئ بصرير الباب الذي انفتح ورائي..
    أحسست، بعد وصولي المدرسة، أنني ارتكبت جريمة بحق نفسي، وحق المرأة التي انتظرت لقاءها عاماً بطوله.. عضضت على أصابع يدي ندماً.. أدركت أنني كنت أخرق، عند باب شقتها، أفكر بالمقلوب.. قررت أن أصعد إليها، في اليوم التالي، لأعتذر لها في البداية، ونتفق على الخطوة التالية.. لم أنم في تلك الليلة التي أمضيتها، بطولها، وأنا أحضّر الكلام الجميل الذي سمعته مني..
    صباحاً ، حلقت ذقني.. لبست أجمل ثيابي.. تعطّرت.. لمعت حذائي.. خرجت قبل ربع ساعة.. قدرت أنها ستبكّر اليوم بظهورها، لتعرف سبب عدم دخولي منـزلها يوم أمس.. انتظرت خمس دقائق.. عشراً .. وفي تمام الساعة السابعة والربع قلت إن الموعد قد آن ، فهي لن تغيّر طباعها.. مرّ الموعد و لم تظهر.. وصل الباص، وغادر، و لم تظهر.. انتظرت ساعة.. ساعتين.. مرّ النهار، بطوله، ولم تظهر، أو يظهر خيالها، على الأقل، وراء الستارة.. و هاهي الأيام تمضي، والأشهر، والسنون، وها أنا ذا أداوم على عادتي: أتوجّه في صبيحة كل يوم إلى موقف الباص، وفي تمام الساعة السابعة والربع، تتعلق روحي بنافذتها، آملاً أن تظهر المرأة التي خفق لها قلبي منذ زمن بعيد، و ما زال يخفق من أجلها حتى الآن..
  • صبري رسول
    أديب وكاتب
    • 25-05-2009
    • 647

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة تاج الدين الموسى مشاهدة المشاركة
    شرفــة

    في دقيقة، أو أقل، الزمن الذين مرّ وأنا أقطع المسافة ماشياً على عجل؛ من موقف الباص، إلى باب شقتها، الذي وجدته موارباً مقدار إصبعين، كان عليّ أن أستعيد أحداث قصة بدأت تدور بعد أسبوع من سكني هذا الحي، حين هربت من ضجيج دار أهلي، وزحامها، بعد أن اكتظت بالأخوة، والأخوات، وزوجات الأخوة، وأولادهم..
    أخرج من قبوي في تمام الساعة السابعة وعشر دقائق، وأتوجه إلى موقف الباص، الذي أصله بعد ثلاث دقائق.. أنتظر الباص خمس دقائق تنقص دقيقتان، أو تزيد، أمضيها بالمشي البطيء قرب الموقف.. أروح، وأرجع وحين يصل الباص أصعد، وأحشر نفسي بين الركاب، لأصل مدرستي بعد عشر دقائق..
    هكذا مرّت أيامي السبعة الأولى، إلى أن ظهرت لي صباح اليوم الثامن، فكسرتْ روتين أيامي، وأضافت لها مذاقاً جديداً ما عرفته من قبل.. كنت ألوذ بفيء المظلة المعدنية المرفوعة على أربعة قوائم، هارباً من شمس أيار، أنتظر الباص، وأتسلى بالنظر إلى شرَف العمارات المقابلـة، ونوافذها، فتعلق نظري بنافذة غرفة، من شقة، تقع في الطابق الثاني من عمارة لا تبعد عني أكثر من أربعة أمتار؛ عرض الشارع والرصيف، لأرى، أول ما أرى، خيالاً لها يتحرك، وراء ستارة شفافـة، ثم ثبت الخيال وراء الستارة، التي ما لبثت أن انزاحت عن وجه سطوعه جعلني أعضّ على شفتي السفلى، فأدميها.. وفي زمن أقل من المسافة الفاصلـة ما بين الشهيق والزفير، أعادت الستارة إلى ماكانت عليه، واختفت.
    ما ترك لي مجيء الباص فرصة لأراقب نافذتها مدّة أطول، على أمل أن تظهر لي مرة ثانية، تلك المرأة التي مرّت مرور نسمة صيف جنوبية، في مساء يوم قائظ، وذهبت..
    نسيت، بعدئذ، ولأربع وعشرين ساعة، امرأة النافذة، لكنني، وفي صبيحة اليوم التالي، فور وصولي الموقف، تعلق نظري بنافذتها.. وفي تمام الساعة السابعة والربع، ظهر خيالها وراء الستارة، التي ما لبثت أن انفرجت، بعد ثوان، عنها.. لم أنتبه لوصول الباص، ووقوفه، وانطلاقـه.. قد ضعت باستدارة وجهها، واحمرار خديها، وحلاوة غمازتيها، وسواد عينيها، وانسياب شعرها الطري اللامع على كتفيها.. ابتسمت لي، قبل أن تترك الستارة تعود إلى وضعها السابق، لتحجبها عني، فانتشرت رائحة زيزفون، وحبق، وريحان..
    انشغلت، فيما بعد، بامرأة النافذة، خصوصاً بعد أن صارت تظهر لي في كل يوم، وفي التوقيت نفسه؛ على السابعة والربع صباحاً، يلوح خيالها أولاً، ثم تنـزاح الستارة عنها، لتشرق من النافذة.. تبتسم لي، كأنها تصبح علي بالخير، فأرد التحية بأحسن منها.. و بعد دقيقة، أو أقل، تعيد الستارة إلى مكانها، وتختفي مثل جنية، أو ساحرة..
    صرت أحسب أيامي من خلال تلك اللحظات التي أراها فيها.. إذا مر يوم ما رأيتها، تعكر مزاجي، ومرّ ذلك اليوم ثقيلا على صدري.. حتى في أيام العطل، والأعياد، واظبت على الذهاب إلى موقف الباص، لأتصبح بوجهها، وأضبط ساعتي على إطلالتها..
    لا أعرف، بالضبط، ما الذي ربطني بامرأة ما عرفت لها أصلاً، أو فصلا.. وما ذقت لها طعما، أو سمعت لها صوتا.. أهو عبيرها الذي يسبقها قبل ظهورها اليومي في النافذة؟ أم عيناها؛ عينا الغزالة الشرود في براري الله الواسعة؟ أم شقائق النعمان المتفتحـة على خديها؟ أم كرز الأربعين المختمر على شفتيها؟ أما صفاء بشرتها التي ما رأيت منها سوى الوجه و الجيد والمعصمين؟ أم شلال الشعر المتلألئ المنهمر إلى ركبتيها؟ أم القمتان المتهيئتان للانفجار على صدرها؟ أم بسمتها المطعمة بتغريد عصافير، وشدو بلابل؟ أم أن هناك قوى خفيـة، فيـها، جاذبـة، ما أدركتها، جعلتني أنسى الدنيا، وأسبح في مدارها؟
    صرت أخرج من قبوي في وقت مبكر، آملا أن تظهر لي قبل السابعة والربع، وتطيل من زمن وقفتها في النافذة، لكنهـا لـم تفعل..
    أترك الموقف، وأتمشى على الرصيف، تحت النافذة، وأهمس بشفتي.. بأصابعـي.. بعيني.. ولا تجيب.. أكتب لها، وأرمي برسائلي إلى شرفتها؛ أسألها عـن: عمرهـا.. ثقافتها.. أهلــها.. وضعها الاجتماعي، ولا ترد..
    أكتب لها كل شيء عن نفسي، عساها تحن عليّ، أو تلين :" أنا مدرس لمادة اللغة العربية، لما أتزوج بعد، رغم بلوغي الخامسة والثلاثين.. لا قبوي، ولا معاشي، يغريان واحدة من زميلاتي المدرسات، أو أي امرأة تقبل بالسكن معي في قبو، أو خيمة.. أساعدها، وتساعدني.. تحب الكتب، والموسيقى، وتصبّحني بالخير على صوت فيروز.. قامتها مثل قامتك، و وجهها مثل وجهك، وشعرها مثل شعرك، و بسمتها مثل بسمتك..
    و أكتب لها: اليوم زعلت المحروسة أمي مني.. قالت لي إلى متى ستبقى دون امرأة تؤنس وحدتك، وتخدمك؟ الذين في مثل عمرك صار أولادهم شباباً.. وقالت: بدرية ابنـة خالتك ما بها؟ صحيح هي لا تعرف القراءة والكتابة، لكنها جميلة، وتربيتها مليحة، وأهلها ما لهم طلبات عند ابن الحلال غير السترة.. قلت لها يا أمي، يا حبيتي، بيت خالتي، وابنتهم، على الرأس والعين.. لكني لا أريد امرأة للشغل والأكل والفراش فقط.. أنا أريد امرأة تفهم عليّ، وأفهم عليها.. فزعلت المحروسة أمي..".
    وأكتب لها: " زميلتي، مدرسة التربية الرياضة، التي كنت أميل إليها، وتميل إليّ تركتني، وارتبطت بمدرس مادة الرياضيات.. أغراها بالسيارة التي وفّر ثمنها من أجور الدروس الخصوصية فتركتني، ولحقت به..".
    وأكتب لها عن المدرسة، والبيت، والناس، والأحـلام.. أكتب لها، وأكتب، ولا ترد عليّ بكلمـة، أو حرف، أو همسة..
    بدأت أذهب إلى موقف الباص بعد الدوام .. أقف مقابل نافذتها.. أذهب مساءً.. ليلاً.. أتمشى على الرصيف تحت النافذة.. أروح، وأجيء، ولا أظفر برؤية خيال لها وراء الستائر..
    بدأت أزعل منها.. أعبس في وجهها.. لا أنظر إلى نافذتها حين تطل منها، أو أنظر إليها مواربة، فتبتسم لي، وتومئ بيدها.. عندما كنت أزعل منها فحسب، كانت تلوّح لي، كأنها كانت تراضيني، قبل أن تختفي، بعد دقيقة، أو أقل، من ظهورها، كالعادة..
    راقبت باب بنايتها في أوقات مختلفة.. قلت أضبطها خارجة إلى السوق.. إلى الشغل.. في زيارة لصديقة.. لقريبة.. و لم أتمكن..
    ثم، وبعد ما يقرب من سنة، نفد صبري، ولم أعد أحتمل نزواتها.. لماذا تصّر هذه المرأة على تعذيبي؟ أتعتقد أنها تكبر بعيني إذا عذبتني؟ أتكون خرساء طرشاء بلا أحاسيس؟ ثم ماذا تريد مني؟ ولماذا تظهر لي في كل يوم، وفي نفس التوقيت، إذا كانت لا تريد أن تعرّفني بنفسها؟ أتكون قد أحبتني بالفعل، بعد أن عرفت كل شيء عني، من خلال رسائلي؟ أم أنها تعرف كل شيء عني، قبل سكني هذا الحي؟ أم تكون تلعب بي، وتلعب بآخرين مثلي، من خلال نافذتها؟ في أوقات أخرى من كل يوم.. رحت أراقبها من أماكن أقدر أن أراها منها، ولا تراني، ولم أصل إلى شيء..
    كتبت لها في آخر رسائلي:" إلى أين سنصل؟ ها هي ذي سنة تضيع من عمرنا، أنت في النافذة، وأنا على الرصيف.. فإذا كنت مصرةّ على صمتك، سأقول لك وداعاً.." وكعادتها لم تجب.
    تركت الموقف خمسة عشر يوماً، وراقبتها من وراء جذع شجرة صنوبر عجوز، قرب الموقف.. أذهلني بقاؤها على عادتها طيلة تلك الفترة.. يلوح خيالها وراء الستارة، على السابعة والربع تماماً، ثم تزيح الستارة بيديها، وتشرع بالبحث عني بعينيها.. لحظت، أيامها ، ومن خلال استغراقي في وجهها، أن قلقها يزداد يوماً وراء يوم.. وفي اليوم الخامس عشر ما عادت تصبر على انقطاعي عنها على ما يبدو، لأنها فتحت النافذة، وأخرجت رأسها منها، وصارت تبحث عني في طول الشارع، وعرضه.. لأول مرة، خلال سنة، تفتح النافذة، وتخرج رأسها.. أدركت أنها تتعذب من أجلي، فتركت جذع الشجرة، وتوجهت إلى الموقف، أمشي على مهلي، غير عابئ بوجودها في النافذة..
    "هي.. هي.. ".
    لأول مرة أسمع شيئا ًمن صوتها.. إذن هي ليست خرساء.. وقفت.. نظرت إليها بحياد.. حركت يسراها ببطء، وأومأت لي أن تعال.. بقيت في مكاني غير مصدق، فأعادت الإشارة مرة ثانية، وبإلحاح، وتضرع.. هرعت إليها قاطعاً عرض الشارع، والرصيف، والجاً باب البناية، صاعداً الدرج، لأقف حائراً عند باب شقتها، الذي وجدته موارباً مقدار إصبعين، قلقاً، خائفاً، كلص غرّ يتوقع أن يداهمه رجال الأمن في أية لحظة.. أأدفع الباب وأدخل، أم أضغط على زرّ الجرس وأنتظرها لتفتحه لي على مصراعيه، وتهمس لي أن تفضل؟ ارتفعت يدي على زرّ الجرس، وقبل أن تصل إليه، وقفت في الفراغ.. فقد ينّبه صوت الجرس الجوار إلى وجودي عند الباب، وإلى دخولي المنـزل بعدئذ.. أو قد يوقظ أخاً صغيراً لها من النوم، أو أباً مريضاً على فراشه، أو أماً.. ثم إنها لا تريد أن أضغط على زرّ الجرس، لما تركت الباب موارباً مقدار إصبعين، ووقفت وراءه لتسمعني دقات قلبها، وتسمع دقات قلبي..
    عادت يدي التي ارتفعت للضغط على زرّ الجرس إلى جيبي.. هممت بدفع الباب، فمنعتني نفسي.. وفي غمرة اضطرابي، وقلقي، وحيرتي، وتردّدي، وخوفي، أخذ تفكيري يسلك دروباً أخرى متعرّجـة، وعرة ، نازلة إلى الهاوية.. هذه امرأة مجنونة.. المرأة العاقلة لا تدعو رجلا غريباً إلى بيتها.. ألا تدرك مخاطر أن يراني أحد ما عندها!؟ قد يرجـع فجأة أخـوها المسافـر، أو أبوها.. وقد تكون متزوجـة، أو مومساً، داشـرة..
    بعد دقيقة، أو أقل، من وقوفي عند الباب، انتشلني زمور الباص مما أنا فيه فاستدرت، ونزلت الدرج قفزاً غير عابئ بصرير الباب الذي انفتح ورائي..
    أحسست، بعد وصولي المدرسة، أنني ارتكبت جريمة بحق نفسي، وحق المرأة التي انتظرت لقاءها عاماً بطوله.. عضضت على أصابع يدي ندماً.. أدركت أنني كنت أخرق، عند باب شقتها، أفكر بالمقلوب.. قررت أن أصعد إليها، في اليوم التالي، لأعتذر لها في البداية، ونتفق على الخطوة التالية.. لم أنم في تلك الليلة التي أمضيتها، بطولها، وأنا أحضّر الكلام الجميل الذي سمعته مني..
    صباحاً ، حلقت ذقني.. لبست أجمل ثيابي.. تعطّرت.. لمعت حذائي.. خرجت قبل ربع ساعة.. قدرت أنها ستبكّر اليوم بظهورها، لتعرف سبب عدم دخولي منـزلها يوم أمس.. انتظرت خمس دقائق.. عشراً .. وفي تمام الساعة السابعة والربع قلت إن الموعد قد آن ، فهي لن تغيّر طباعها.. مرّ الموعد و لم تظهر.. وصل الباص، وغادر، و لم تظهر.. انتظرت ساعة.. ساعتين.. مرّ النهار، بطوله، ولم تظهر، أو يظهر خيالها، على الأقل، وراء الستارة.. و هاهي الأيام تمضي، والأشهر، والسنون، وها أنا ذا أداوم على عادتي: أتوجّه في صبيحة كل يوم إلى موقف الباص، وفي تمام الساعة السابعة والربع، تتعلق روحي بنافذتها، آملاً أن تظهر المرأة التي خفق لها قلبي منذ زمن بعيد، و ما زال يخفق من أجلها حتى الآن..

    العزيز تاج الدين
    تحية لك
    قصة مشوّقة، عرفتَ كيف تستخدم الأسلوب السردي الفني.
    لغتك القصصية موفقة، وجاء رسمك للشخصيات دقيقاً.
    سأقرأ لك المزيد.
    كن بخير

    تعليق

    • تاج الدين الموسى
      عضو الملتقى
      • 16-07-2010
      • 63

      #3
      اشكرك أحي صبري...

      تعليق

      يعمل...
      X