كتب مصطفى بونيف
كفــــــاح حياتي..يا عين !

يعتقد كل منا بأنه "مكافح"، حتى ولو كان مكافح حشرات...وما من شخص تجلس عليه يبدأ في الحديث عن مسيرته في الحياة ونضاله المستميت في سبيل قضيته.
وإني لأتعجب من كفاح الكثيرين، فمن الشباب من يعتبر اقتناءه للملابس حسب الموضة والعطور كفاحا، والراقصة تعتبر رقصها الخليع كفاحا، فتخرج علينا في اعتزالها بكتاب وعنوانه "كفاحي" !
من منا لم يكافح؟..فوالدي كان يعتبر عمله وعودته إلينا بمصروف البيت كفاحا، ووالدتي كانت تعتبر اعتصامها في المطبخ، لتخرج علينا بشوربة العدس كفاحا..المهم أن يرتبط عملك بقضية محددة سوف يتحول هذا العمل إلى كفاح يمكنك في الأخير من الجلوس"مجعوصا" أمام أولادك لتروي لهم قصة كفاحك وصراعك مع الحياة.
أتذكر مستشار التربية الذي أمسكني من قفايا عندما كنت طالبا في الثانوية بينما كنت أكافح في دورة المياه لتدخين سيجارة بين حصتي الرياضيات والفيزياء، وأخذني إلى مكتبه ليروي لي قصة كفاحه، وكيف كان طالبا مهذبا ومؤدبا ومهتما بدروسه، ثم أشعل سيجارة، ونفث دخانها وراح يلعن وظيفته في وزارة التربية وسنوات كفاحه فيها...
اختطفت السيجارة من فمه، وقلت له:" قلت لي بأنك توقفت عن الدراسة قبل أن تحصل على شهادة البكالوريا، أليس كذلك؟".
- نعم، يا ولدي !
- ثم خيرك والدك بين العمل معه في التجارة أو العمل مع الحكومة وكان والدك يميل إلى أن تساعده في التجارة، لكنك كافحت واخترت العمل مع الحكومة أليس كذلك؟.
هز رأسه وقال: - بالضبط يا ولدي.
سحبت نفسا من السيجارة، ثم نفثت دخانها في الهواء، وقلت له " ثم التحقت بمعهد تكوين التربويين، بنظامه الداخلي، وكنت تكافح في مطاعم المعهد للحصول على وجبة تتكون من شوربة العدس، والسلطة، والزيتون الأسود، والعصير.."
أخذ مني المستشار السيجارة ثم قال لي وهو يدخنها:" كافحت كثيرا، لأنني كنت أحب الزيتون الأخضر بينما كان يفرضون علينا زيتونهم الأسود"
تناولت السيجارة من بين أصابعه وقلت له "ومع ذلك تخرجت من المعهد، ثم أرسلوك للعمل في الأرياف، فكافحت هناك وكنت لا تأكل سوى الجبن والزيتون.."
سألته : هل كان الزيتون الذي تأكله في الأرياف، أخضرا أم أسودا؟
أخذ المستشار السيجارة ثم قال: - كان زيتونا أخضرا، لكن الجبنة لم تكن طبيعية كما كنت أحب..لكنني كافحت حتى دخلت إلى المدينة.
سللت السيجارة من بين أصابعه، وأنا أقول:" واستمر كفاحك في طلب السكن، وكان عليك أن تنتظر شهرا كاملا حتى تعطيك سكنا وظيفيا، وبقيت ذلك الشهر تكافح في بيت والدك، أليس كذلك؟".
أخذ السيجارة من فمي ثم قال :" كان كفاحا كبيرا، وإلى اليوم كما تراني لا زلت مكافحا لأوفر للبيت الكمبيوتر والأنترنت والسيارة...".
اختطفت السيجارة وقلت له : وكم كان عمرك عندما خرجت من المعهد؟.
فأجابني: - عشرون عاما !!
وقبل أن أخرج من مكتبه، سلمته السيجارة وقلت ساخرا:" أنا في العشرين من العمر ولازلت أكافح في الثانوية، للحصول على البكالوريا، ولو حصلت عليها بدرجة جيد جدا، سأكون ابن محظوظة لو قبلوني في معهد صناعة سلك المواعين.."
ويحلو للبعض من الآباء أن يحكي قصة كفاحه في الغربة، عندما وقف ساعة كاملة أمام إحدى السفارات الأوروبية ليحصل على التأشيرة، ثم يتنهد التنهيدة المقررة في مثل هذه المواقف ليقول " طعم الغربة مر، لكنني كافحت لأرسل لأهلي بعض الدولارات التي ساعدتهم لإنجاز بعض المشاريع على أرض الوطن.."، فيتبادر إلى ذهني بعض الشباب المكافح الذي يقطع البحر الأبيض والأسود والميت، ويقضي بقية عمره هائما على وجهه..بلا وثائق ولا أوراق..ولا هوية، وإذا حدث أن توفاهم الله في عرض البحر، سيكافح الأئمة في فتاويهم بين هل هم شهداء أم منتحرون لا تجوز الصلاة عليهم؟".
شاهدت بأم عيني إحدى المطربات وهي تحكي قصة كفاحها على المسارح وهي تغني طيلة عشرين عاما، لم تحصل منها سوى على ستة ملايين دولار وبعض الفيلات في بيروت والقاهرة وعمان، في حين أن مبلغا كهذا قد تتحصل عليه الفنانة "شاكيرا" في كفاحها لليلة واحدة؟.
شاكيرا – واسمها الحقيقي" شاكرة" تقول عن نفسها مكافحة، لأنها وجدت نفسها محرومة من حنان الأب، فلجأت إلى الرقص لتوفر لنفسها لقمة العيش، ولازالت كما نراها اليوم ..مكافحة شرسة في سبيل لقمة العيش !!.
أما عن كفاحي شخصيا ..فلقد بدأته منذ ولادتي، حين ولدت بمستشفيات وزارة الصحة، حيث صارعت من أجل البقاء في ظل الخدمات السيئة، ثم كافحت في المدرسة تلميذا في ظل مناهج ومدارس وزارة التربية الوطنية السيئة بشهادات المختصين، ثم كافحت في الجامعة في ظل وزارة التعليم العالي الوطنية ومناهجها ومقرراتها، وها أنا ذا لازلت أكافح في سبيل الحصول على وظيفة، ثم سأكافح للحصول على سكن، ثم ينتهي الكفاح الأصغر ليبدأ الكفاح الأكبر وهو الزواج...والكفاح للحصول على الولد..وقد يضيع العمر كله، قبل أن أصل إلى مرحلة الكفاح الأكبر !.
مصطفى بونيف
تعليق