كلمات .. لا أكثر !!
لم تبدو الكتابة عنك آسيا عصية ، ألأنك كنت تقفين بين حد الفن ( الروحي ) و حد الثانوي الذى يتمثل فى المضمون ، فلم تنحازي لأحد ، بل كأنك بذاك الرادار ، تقيسين جيدا ، و تدركين دون أن يعلمك أحد ، أن الإبهار و الدهشة هنا ، لن تتحقق إلا بالفن ، إلا بذاك الروحي الذي يستحوذ علينا ، ويشتل فى أرواحنا قضيتك / قضيتنا دون أن نضبط متلبسين بالانحياز لأي منهما !
يقول إرنست فيشر :" إن العلاقة المتبادلة بين المضمون و الشكل تعد من القضايا الحيوية فى الفن ، بل أنها من القضايا الحيوية فى غير الفن أيضا . ومنذ أيام أرسطو ، عندما طرح القضية لأول مرة ، و أجاب عليها إجابة خاطئة بقدر ما هى باهرة .. منذ ذلك الحين عبر كثير من الفلاسفة ، و الفنانون الفلاسفة ، عن رأيهم القائل ، بأن الشكل هو الجانب الجوهري فى الفن ، هو الجانب الأعلي ، الجانب الروحي ، و أن المضمون هو الجانب الثانوي ، الناقص الذي لم يتوفر له من النقاء ما يجعله واقعا كاملا ".
لكنني بنظرة لقصص تلك المجموعة أستطيع أن أقول ، أن أنقض هذا الحديث ، بأن المضمون هنا تعانق و شكله ، و أحدث الكثير من البللورات ، التى دفعها مضمونها لشكلها المتصور ، أو المتشكل ، من خلال قضايا ملحة ، وحيوية ، أهم ما عنته الإنسان ، ذاك المثقل فى وطن مترامي الأطراف ، يقاسي الوحدة و الوحشة المفروضة ، بعد طول هزائم للحلم ، الذي عاشه ، و بإرادته حاوله ؛ فسلب على عينه !!
صوت نسائي ليس كأي صوت عرفنا ، ربما تماهي مع أصوات أخري ، و لكنه ، و لسمة فيه أراها رؤيا العين ، لم يرحل فى التعبد لجنسه ، و قضاياه هو ، بل وضع ذاته رهينة الوجود و الحياة ، و بما تمثله إرادته ككائن ضمن محيط هائل ، يقف متطلعا ، ولسان حاله يردد : وماذا بعد ؟!
لقد جمع هذا الصوت بين رقة و شفافية ، وعذوبة الكلمة عند أحلام مستغانمي ، وقوة الطرح و المضمون عند رضوي عاشور و سلوي بكر
و إن كان النموذج يميل إلى التفرد ، وخلق عالمه الخاص ، بعيدا عن وجودية الواقع ، و انهيار منظومة القيم ، أو اتخذها تكئة لقتل روح المقاومة لدي المواطن ، و تسليبه بشكل سافر !
يقول فيشر :" إن كل فن هو وليد عصره ، و هو يمثل الإنسانية بقدر ما يتلاءم مع الأفكار السائدة فى وضع تاريخي محدد ، ومع مطامح هذا الوضع ، ومع حاجاته و آماله".
إن مجموعة " ليلة تكلم فيها البحر " جديرة بأن تكون باكورة إنتاج هذه الشاعرة القاصة ، و أظن أن فيضا انتظر طويلا ، و آن له أن يروي الأرض العطشي للمتعة و الدهشة و أيضا للقيمة .. !
كان الرحيل فى عالمك غنيا ، ومترعا بروح الإنسان ، غنيا بما حقق من رؤية تتسع إلى أبعد ما تطيق النفس ، و غنيا بما ذكي الروح من أدب ، كان صداه قويا و فاعلا ، و ملامسا لروح الواقع و الطموح ، وهو فى دخيلته ، يشكل جدلا من نوع خاص مع اللغة و العالم و الواقع المفروض ، لا المتصور و المتخيل ، و أظن .. بل أكاد أجزم أنك تذهبين إلى الرواية طائرة ومحلقة ، لأنها الأرحب فى تبني ما تحملين من أشواق و حنين لعالمك / عالمنا الذى نرنو ، و يكاد يقتلنا الشوق إليه !
أختم هذه الكلمة القاصرة التى لا تفى تلك الدرة حقها ، بهذه الفقرة ، من إحدي قصص المجموعة :"
بعد كل هذا الزمن أتفهّم ردة فعلها, كانت تصرّ على تفوّقي بالفعل , و لكنها لم تكن تراني إلا و رأسي مغروسة بين طيّات الكتب . لا أساعدها في غسل الأواني أو مسح الأرضية أو إعداد الأكل , و حين يحدث و أقوم بذلك , أنهي الأمر في عجل و على أي وجهٍ كان لأتفرّغ للقاء الحبيب , و الفوز بلحظات الخلوة الساحرة و النشوة العجيبة معه و به .
في الحديقة تحت شجرة المشمش الضخمة , لم أكن أقرأ فقط . كنت أتغرغر بالكلمات , أتمضمض بالمفردات وأتلذّذ بها و هي تحوم في تلافيف عقلي , كفراشات سحرية ملوّنة , قبل أن تحط بمنتهى الرقة و تستقرّ كالوشم , و إلى الأبد في ثناياالقلب.
هنيئا لنا بتلك المجموعة التى أرجو لها الانتشار
و أن تحظي بما هى جديرة به !!
مبارك أستاذة آسيا
لم تبدو الكتابة عنك آسيا عصية ، ألأنك كنت تقفين بين حد الفن ( الروحي ) و حد الثانوي الذى يتمثل فى المضمون ، فلم تنحازي لأحد ، بل كأنك بذاك الرادار ، تقيسين جيدا ، و تدركين دون أن يعلمك أحد ، أن الإبهار و الدهشة هنا ، لن تتحقق إلا بالفن ، إلا بذاك الروحي الذي يستحوذ علينا ، ويشتل فى أرواحنا قضيتك / قضيتنا دون أن نضبط متلبسين بالانحياز لأي منهما !
يقول إرنست فيشر :" إن العلاقة المتبادلة بين المضمون و الشكل تعد من القضايا الحيوية فى الفن ، بل أنها من القضايا الحيوية فى غير الفن أيضا . ومنذ أيام أرسطو ، عندما طرح القضية لأول مرة ، و أجاب عليها إجابة خاطئة بقدر ما هى باهرة .. منذ ذلك الحين عبر كثير من الفلاسفة ، و الفنانون الفلاسفة ، عن رأيهم القائل ، بأن الشكل هو الجانب الجوهري فى الفن ، هو الجانب الأعلي ، الجانب الروحي ، و أن المضمون هو الجانب الثانوي ، الناقص الذي لم يتوفر له من النقاء ما يجعله واقعا كاملا ".
لكنني بنظرة لقصص تلك المجموعة أستطيع أن أقول ، أن أنقض هذا الحديث ، بأن المضمون هنا تعانق و شكله ، و أحدث الكثير من البللورات ، التى دفعها مضمونها لشكلها المتصور ، أو المتشكل ، من خلال قضايا ملحة ، وحيوية ، أهم ما عنته الإنسان ، ذاك المثقل فى وطن مترامي الأطراف ، يقاسي الوحدة و الوحشة المفروضة ، بعد طول هزائم للحلم ، الذي عاشه ، و بإرادته حاوله ؛ فسلب على عينه !!
صوت نسائي ليس كأي صوت عرفنا ، ربما تماهي مع أصوات أخري ، و لكنه ، و لسمة فيه أراها رؤيا العين ، لم يرحل فى التعبد لجنسه ، و قضاياه هو ، بل وضع ذاته رهينة الوجود و الحياة ، و بما تمثله إرادته ككائن ضمن محيط هائل ، يقف متطلعا ، ولسان حاله يردد : وماذا بعد ؟!
لقد جمع هذا الصوت بين رقة و شفافية ، وعذوبة الكلمة عند أحلام مستغانمي ، وقوة الطرح و المضمون عند رضوي عاشور و سلوي بكر
و إن كان النموذج يميل إلى التفرد ، وخلق عالمه الخاص ، بعيدا عن وجودية الواقع ، و انهيار منظومة القيم ، أو اتخذها تكئة لقتل روح المقاومة لدي المواطن ، و تسليبه بشكل سافر !
يقول فيشر :" إن كل فن هو وليد عصره ، و هو يمثل الإنسانية بقدر ما يتلاءم مع الأفكار السائدة فى وضع تاريخي محدد ، ومع مطامح هذا الوضع ، ومع حاجاته و آماله".
إن مجموعة " ليلة تكلم فيها البحر " جديرة بأن تكون باكورة إنتاج هذه الشاعرة القاصة ، و أظن أن فيضا انتظر طويلا ، و آن له أن يروي الأرض العطشي للمتعة و الدهشة و أيضا للقيمة .. !
كان الرحيل فى عالمك غنيا ، ومترعا بروح الإنسان ، غنيا بما حقق من رؤية تتسع إلى أبعد ما تطيق النفس ، و غنيا بما ذكي الروح من أدب ، كان صداه قويا و فاعلا ، و ملامسا لروح الواقع و الطموح ، وهو فى دخيلته ، يشكل جدلا من نوع خاص مع اللغة و العالم و الواقع المفروض ، لا المتصور و المتخيل ، و أظن .. بل أكاد أجزم أنك تذهبين إلى الرواية طائرة ومحلقة ، لأنها الأرحب فى تبني ما تحملين من أشواق و حنين لعالمك / عالمنا الذى نرنو ، و يكاد يقتلنا الشوق إليه !
أختم هذه الكلمة القاصرة التى لا تفى تلك الدرة حقها ، بهذه الفقرة ، من إحدي قصص المجموعة :"
بعد كل هذا الزمن أتفهّم ردة فعلها, كانت تصرّ على تفوّقي بالفعل , و لكنها لم تكن تراني إلا و رأسي مغروسة بين طيّات الكتب . لا أساعدها في غسل الأواني أو مسح الأرضية أو إعداد الأكل , و حين يحدث و أقوم بذلك , أنهي الأمر في عجل و على أي وجهٍ كان لأتفرّغ للقاء الحبيب , و الفوز بلحظات الخلوة الساحرة و النشوة العجيبة معه و به .
في الحديقة تحت شجرة المشمش الضخمة , لم أكن أقرأ فقط . كنت أتغرغر بالكلمات , أتمضمض بالمفردات وأتلذّذ بها و هي تحوم في تلافيف عقلي , كفراشات سحرية ملوّنة , قبل أن تحط بمنتهى الرقة و تستقرّ كالوشم , و إلى الأبد في ثناياالقلب.
هنيئا لنا بتلك المجموعة التى أرجو لها الانتشار
و أن تحظي بما هى جديرة به !!
مبارك أستاذة آسيا
تعليق