من مذكرات كلب..
مات سيدي . رأيتهم يشيعون جثمانه وسط البكاء و النواح .كنت أدركت بحدس الكلاب أن مكروها أصابه , لم أعد أسمع صوته يناديني أو أره يقدم لي الأكل بنفسه ,أو يملأ لي وعاء الماء , الذي يجدّده يوميا . كثيرا ما سمعته يؤنّب أبناءه " ألأنه حيوان أبكم نتركه يشرب من ماء آسن ملوّث ؟ " .
كانت ليلة رهيبة , ثقيلة , لم استطع فيها النوم . قلقا , فزعا , لا أستقر في مكان أو وضع , أجوب الحديقة ذهابا إيابا ,أرسل صوتي عاليا في كل اتجاه كأني أطرد خطرا يحدّق بصاحبي العزيز . ثم سمعت صراخا يصم الآذان . انتصبت أذناي .ركظت باتجاه الباب الخشبي الكبير الذي يفصل المنزل عن الحديقة حيث أسكن منذ سنين . و كانت الفاجعة .
أدركت أن سيدي قد مات . حاولت أن أنبح و لكني لم استطع , و لم يصدر عن حنجرتي سوى عواء طويل ضعيف يشبه عواء انسان مسعور. لبسني الحزن من أخمص قوائمي إلى أعلى أذني . مرضت و بقيت أياما أرفض الأكل . اليتم شعور قاتل ,هدّام ..و كيف إذا كان اليتيم كلب مثلي ليس له في الدنيا أحد سوى سيده .
أطيب رجل في العالم . لي معه ذكريات لا تنسى . تبنّاني و أنا جرو صغير .درّبني على فنون الصيد . دلّلني .اعتقد انه كان يحبّني مثل أولاده .كان فخورا بي . يذكر مزاياي و حسناتي امام الجميع . كان يردّد دائما " الكلاب مثل بني آدم , فيها النذل الحقير و فيها النبيل الأصيل " .
و أعرف أنه كان يعنيني أنا بهذه الصفة الأخيرة .
و أعرف أنه كان يعنيني أنا بهذه الصفة الأخيرة .
و نحن في طريقنا إلى الصيد , كنت ألمح نيران الحسد و الغيرة تتقد في عيون الكلاب المتشردة التي ألتقيها." لا أدري من يظن نفسه ! أبله . لا يعلم أنه حين يهرم و لا يقدر على الصيد سوف يقتله سيده برصاصة و يتركه في الجبل جثة تنهشها الصقور ." ينظرون إليّ شزرا . اتمسّح بساق سيدي و اتبعه يملؤني الفخر.
لم أكن أهتم لما يفكّرون , لأني كنت متأكدا أن سيدي لن يفعلها .فهو يعاملني معاملة حسنة , بل جيّدة . هناك مثل نردّده نحن معشر الكلاب : قل لي كيف يعاملك سيدك , أقل لك من أنت . و أنا لا أحتاج لمن يقول لي من أنا لأني أعرف من أنا . فبالنسبة لسيدي , أنا أكبر من مجرد كلب صيد . أنا صديقه . رفيقه و حافظ أسراره .في أوقات كثيرة , كان يترك صخب الغرفة , هرج أولاده و تذمر زوجته , و يتجه إلى مكانه الهاديء المعتاد في الحديقة .أتبعه و أنا أحرك ذيلي فرحا . يجلس القرفصاء .يشعل سيجارته . يدخن بيمناه, و يسراه تدغدغ رقبتي أو تمسح على ظهري . كانت تلك أسعد لحظات حياتي .
أستطيع القول أني كلب محظوظ و من حسن طالعي أني خلقت كلب صيد ..فأنا أكثر حظا من كلاب الشرطة مثلا , الذين هم في الأخير كلاب حكومية ,تأتمر بأوامر الحكومة .و مع ان كلب الشرطة يتغذى أفضل بكثير من كثير من الأطفال و بكلف الدولة اموالا طائلة , كما سمعت سيدي يحدث صديقه , فإني لم أحلم أبدا أن أكون واحدا منهم . و على ذكر الدولة , كانت تدور بين سيدي و رفاقه الصيادون أحاديثا طويلة عن البلد و مشاكله , و سمعته يوما يقول بصوت غاضب , ثائر " أكلوها الكلاب . أفسدوها . لم يبقوا فيها شيئا " ..و رغم ذكائي الذي يعترف لي به سيدي دائما إلا اني لم أفهم من يكون هؤلاء الكلاب ..هل كان يقصد كلاب الشرطة ؟ لا ادري .
من حسن حظي أيضا أني أملك موهبة الحراسة , لذلك لم يحتج سيدي لكلب ثانٍ يحرس بيته المترامي الأطراف , فكان بذلك كمن اصطاد أرنبين بطلقة واحدة ! و كنت انا سعيدا .
بعد أيام من دفن سيدي..سمعت الصراخ مرة أخرى . تعالت الأصوات آتية من الغرفة الرئيسة .لم أستطع التمييز بينها , و لا أن أعي ما يقال . اقتربت من الباب , بحذر شديد , مخافة ان يفطن لي أحد , أو ينتبه لوجودي الحفيد الصغير المدلّل , فيركلني خارجا كعادته , و لولا وفائي و احترامي لسيدي , كنت عضضته في رجله عضّة لن يبرأ منها أبدا . لم يكن سبب الصياح و الأصوات العالية هذه المرة موت أحدهم , و إنما كان الأبناء , يتقاسمون التركة . و يتعاركون و يتبادلون التهم و الشتائم . كنت سأعود أدراجي إلى مكاني , مطأطئ الرأس لولا أن سمعتهم يأتون على ذكر البندقية . بندقية الصيد . لم أتمالك نفسي فصدرت عني وصلة نباح قوي .كيف لا و هم يقرّرو ن أمر رفيقة دربي و درب الراحل ؟
إلا البندقية . لا أحد يعرف قيمتها و مكانتها عند سيدي سواي. حتى أنه , منذ سنوات , رفض تسليمها لرجال الدرك . سمعته يقول : " لم يجدوا من وسيلة لمحاربة الإرهاب سوى نزع البنادق من أيدينا نحن الصيادون البؤساء ؟ ."
و تساءلت ..ألست فردا من العائلة ؟ ألا يحق لي الحصول على نصيبي من التركة ؟ لماذا لا يتركون البندقية لي أنا مثلا ؟و لكن ماذا لو كانوا يعتبروني جزءا مما ترك المرحوم ؟ هنا ارتجفت . تملّكني الذعر . لا أتصوّر نفسي كلبا لأحدهم . لن يحبني أيّ منهم كما كان يحبني سيدي . و أصابتني الفكرة بهوس الكلاب, فقررت الرحيل .اغتنمت فرصة تركهم الباب مفتوحا و تسللت خارجا .
اليوم .. أنا أعيش في المقبرة . ألازم قبر سيدي ليل نهار في انتظار اللّحاق به .
تعليق