الأم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد القادر ضيف الله
    عضو الملتقى
    • 12-03-2010
    • 128

    الأم

    الأم




    مدخل.. هي اكبر مما تعرف...و أنت لا تعرفها إلا حينما تفقدها.
    وجهك ينضج بالريبة، تشدك النبرة الجريحة التي أطلقتها الأم و هي تكزز على شفتي الألم الصاعد في صدرها، كان الدوار و الدوخة يجذبان حبال الرسي و أعمدة التجلد و الصمود، الدمع يندلق بوأد و انبجاس بطيء من عمق المحجرين، شددت وجهك للأعلى محاولا ابتلاع الحشرجة والخوف العالق في صدرك، راميا بكل الملامح المخلة برجولتك و تجلدك أمام انقهار الأم..
    وجه الأخريات مدببا مشدودا متوفزا للنحيب، لعلهن أدركن أن عمر الأم بدأ يضمحل كما عمر الفراش مع الأنين الدائر جهة الجسد الرهيف، تأوهت الأم، كان اللعاب ينسحب خيفة من جنبات فمها و السواد ظلمة تنمو في شعاب الوجه المشبع بحروق زمنها الماضي، زمن الجري..." الجري يابن ما " في اتجاه اللقمة و العيش الحافي الهارب من عالم بؤسك لتسد به بؤر الجوع المشتعل في أفواه أطفالها كل مساء، يمتطي فيها الدوار صهوة ذاك الطابور الطويل.
    - أتذكره؟
    - بلا شك
    حين كانت تضعك بعيدا عنها حتى تجنبك دهس الأرجل المتدافعة في فوضى.
    خوف الأمومة ياخويا رغم حاجتها إليك، تجلس متأبطا قفة السعف القديمة التي تكاد تكبرك حجما، محدجا أنت جهة الأم ، ملصقا بصرك بها، تتبعها بفرح، تمنيت لحظتها أن يكبر ساعدك بسرعة حتى تفتح لها طريقا بين تلك الجموع و توفر عليها عناء التعنت و الالتصاق بذيل الطابور الطويل، لعلها تفوز في نهاية المطاف بقطعة أو قطعتين من الجبن و بحاوية صغيرة من الزيت لتعيد بيعها في السويقة حيث نمت التجارة المريبة كطحلب بري لتقتني ببعض ثمنها في نهاية جريها شيئا من الرغيف الحافي، كان لا يوقف بكائك إلا هو و معه حبات من تمر تأخذها مسرعا من يدها الممور بالوشم الغجري، إلى باحة الحي كيما تتباهى أمام أقرانك الجياع و لتضع الباقي من عرقها في كف ذاك البائع المبروم الذي لم يكن يتوانى في شتمها و التحرش بها كلما رآها مقبلة نحوه، يرفع عقيرته ملوحا بيديه أمام أهل الحي متوعدا إياها بالطرد من البيت و تشريدها مع أبنائها إن لم تسدد له ديونه، لا أعرف لماذا كنت أرى في عينيه شرر الغول الذي كنت أتصوره يتلهمني مع أمي وإخوتي في ليالي البرد و الصقيع، كان حقودا جدا على أمي وعلى الأخريات اللواتي كن يجلسن في الرصيف المقابل لدكانه مادات الدمع و التوسل من أجل أن تحضين بفتات من العطف و القوت.
    شدت الأم أسنانها المتسارعة في الاصطكاك لعلها تمتص برد الجسد الحافل بالوجع و الغثيان، مدت يدها في لحظة جزر هاربة تبحث عنك، بدوت لها طفلا و أنت تتجاوز ربع العمر، ذاهلا تشتتك الحيرة و يلمك الخوف من مجاهيل ما قد يحدث ، لم يبق لها شيء الكل تحامل عليها حتى الموت الذي عادة ما يأتي قاطعا كسيف حاد، ها هو اليوم يأتي مراوغا لعوبا دافعا أنيابه في جهات الجسد، فاغرا فاه لعله يبتلع مابقي من لحظات فرح و سكينة باستهزاء...لا مبرر له.
    تراءت بين ناظريك دموع الجسد المسجى و نفور الإخوة و كل أطفال الحي للفاجعة التي جرفت بسيلها المر تراكيب البنى التي أثثت بها هياكل حلمك مع الأم موعدا لفرح مؤجل كنت تراه في الأفق القريب، لا شيء لك... و لا شيء لأمك في هذه الأرض الحبلى بالباعة الجياع و الظلم، ها هي الأم تعبر هزيعها الأخير و ها أنت هيكل ظل لا ملمح لك و ها هو ساعدك قد كبر لكنك كالطفل ترقب ما يفعله الموت، عاجزا حتى عن تثبيت حلمك بين ناظريك، تمرر بصرك في اتجاهات التلاشي، لا وجهة لك سوى السواد السرمدي المرتسم على وجوه الأهل القادمين من أطراف الحي ، و كذا الأصدقاء الذين طالما لوحوا لك بأصابع العتاب حتى لا تفوت عليهم حضور موعد زفافك ، ها هو موعد ما لا تشتهي يقرفص بين ناظريك ، مجرد التفكير فيه يذبح فيك شهية الوجود،
    ويركل فيك التجلد.
    تتبدى لك الأشياء بلا معنى بعدما تحولت إلى سيل من سراب مهين ، ينهشها الاضمحلال و يجذبها جهة النهايات الأخيرة ، محطما تماثيل الوجوه التي اعتقدت أنك عرفتها أكثر مما عرفت الأم ، تسابقت كثماثيل من رمل اللحظة في الانهيار مخلفة غبارا يزكم الرؤية و يجرح الرئة و القلب ، كان الهزال و كانت الخيبة و العجز ينموان في مساحات جسد أمك الرهيف، مخلفين لهيبا من الحرقة و التذمر لقلة الحيلة في كظم غيض الألم و خنقه. بدا وجه الأم مغمورا بالسواد و البرد يلتهمه جوف الغثيان في كل حركة يدفعها للبوح بالوجع و تسطيره في جوفك.
    كان الطبيب لحظتها يجذب حقنته من منكب جسدها الصريع دافعا بيده الرداء على وجه الألم، حملق فيك في خطف مربتا ماسحا تفصد حبات الغبش و العرق الذي تنامى في وجوه أخواتك اللواتي استنفرن للنواح، بصوت هادئ دفع لك الطبيب عبارته وحدك دون الأخرين
    - لا تحزن ستنام أمك الليلة و غدا لك أن تحلم معها بفجر جديد
    هجع القفز في صدرك و بدت روحك تخطو على عشب ندي في اتجاه السكينة ماسحة مسحة الحياة على كامل روحك، فتحت جفنك و تنهدت مبعدا كابوس النهاية الذي جثم على صدرك طيلة ربع العمر ذاك ، والذي طالما نحر أحلامك مع الأم ، دفعت بشربة من الماء في جوفك و استسلمت لهدوء الروح ماسكا بيد أمك بكلتا يديك
    ممرغا وجهك في عمق راحتيها
    و كأنك تتعرف عليها أول مرة في حياتك...
    انتشيت حاملا في شفتيك تجهدك الأخير...
    "الله يخليك معايا يا ما ....الله يخليك معايا يا ما".
    تاركا العنان لشمس الحلم التي ستطلع ربما غدا كي تفهم أمك دون أن تحاول معرفتها أكثر مما ينبغي....
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    الأديب القدير : عبد القادر ضيف الله،
    مالت المصطلحات نحو القتامة و الهول،و كنت مبدعا في تصفيفها.
    النصّ موجع و حزين و إن كنت قد تركت- باقتدار- للشّمس في خاتمته منفذا،فالتهم نور الأمل و العودة كلّ الفزع الذي جاء فيه.
    تعثّرت في بعض الكلمات غير المفهومة،أرجّح أنّها أخطاء إملاء.
    و لمست عراكا جميلا بينك و بين الّلغة ،تُرغمها على الاستجابة،فكان لك ما تُريد.و لكنّي أرى من الأصوب أخي العزيز أن تحيد عن الجمل الطّويلة جدّا،حفاظا على جماليّة النصّ و حرصا منك على تمريره للمتلقّي بشكل أفضل.

    و دمت بألف خير.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      الأستاذ عبد القادر ضيف الله:
      موضوع قوي لإنسانة عظيمة..
      الأم نور الشمس,,والحنان
      والتي في الغالب لا نحسّ مرارة فقدها
      إلاّ ساعة الرحيل..
      مهما حاولنا أن نقارب ذلك الشعور..
      أسلوبك رائعٌ ،يحمل جبال حزنٍ .. وألم
      تلزم هذا الشعور بفداحة لحظة فراق أمّ

      دُمتَ بسعادةٍ...تحياتي...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • عبد القادر ضيف الله
        عضو الملتقى
        • 12-03-2010
        • 128

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
        الأديب القدير : عبد القادر ضيف الله،
        مالت المصطلحات نحو القتامة و الهول،و كنت مبدعا في تصفيفها.
        النصّ موجع و حزين و إن كنت قد تركت- باقتدار- للشّمس في خاتمته منفذا،فالتهم نور الأمل و العودة كلّ الفزع الذي جاء فيه.
        تعثّرت في بعض الكلمات غير المفهومة،أرجّح أنّها أخطاء إملاء.
        و لمست عراكا جميلا بينك و بين الّلغة ،تُرغمها على الاستجابة،فكان لك ما تُريد.و لكنّي أرى من الأصوب أخي العزيز أن تحيد عن الجمل الطّويلة جدّا،حفاظا على جماليّة النصّ و حرصا منك على تمريره للمتلقّي بشكل أفضل.

        و دمت بألف خير.
        المبدع الفاضل محمد فطومي
        تقديري لعبورك البهي
        شكرا فاضلي
        التعديل الأخير تم بواسطة عبد القادر ضيف الله; الساعة 30-07-2010, 09:32.

        تعليق

        • عبد القادر ضيف الله
          عضو الملتقى
          • 12-03-2010
          • 128

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
          الأستاذ عبد القادر ضيف الله:
          موضوع قوي لإنسانة عظيمة..
          الأم نور الشمس,,والحنان
          والتي في الغالب لا نحسّ مرارة فقدها
          إلاّ ساعة الرحيل..
          مهما حاولنا أن نقارب ذلك الشعور..
          أسلوبك رائعٌ ،يحمل جبال حزنٍ .. وألم
          تلزم هذا الشعور بفداحة لحظة فراق أمّ

          دُمتَ بسعادةٍ...تحياتي...
          الفاضلة ايمان الدرع
          تلك هي الأم التي لايستطيع أي كان أن يمنحها بعضا مما منحته
          حينما ترحل يتربى الوجع الذي لايطاق
          تقديري وتحياتي

          تعليق

          • خالد يوسف أبو طماعه
            أديب وكاتب
            • 23-05-2010
            • 718

            #6
            الأستاذ الرائع ........... عبد القادر ضيف الله
            وقفت مطولا وأنا أصفق لك ولنصك الرائع بحق
            على الرغم من طول النص إلا أنه بقي متماسكا وقويا حتى النهاية
            الأم .......
            ومن أغلى وأرق وأحن وأجمل وأبهى منها ؟
            نص محكم البنية والسرد واللغة فيه رائعة جدا
            وعذبة المذاق وكم وجدت الفرق بين هذا النص وذاك
            نص يحاكي معنى الأمومة وقيمة الأم الرؤوم لنا
            ولا شك بأنه من أقوى وأروع النصوص التي قرأت
            ولكني وجدت هاتين الجملتين ربما بسبب السرعة في الطباعة
            من أجل أن تحضين بفتات من العطف والقوت
            ربما انك تقصد يحظين بفتات من العطف والقوت
            غيض ..... أعتقد بأنك تقصد .... غيظ
            أتمنى ألا أكون أزعتجك بملاحظتي
            أشكرك على هذا النص ودام لك ألق الحرف سيدي
            تحيتي وودي
            التعديل الأخير تم بواسطة خالد يوسف أبو طماعه; الساعة 31-07-2010, 15:18.
            sigpicلن نساوم حتى آخر قطرة دم فينا

            تعليق

            • عبد القادر ضيف الله
              عضو الملتقى
              • 12-03-2010
              • 128

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة خالد يوسف أبو طماعه مشاهدة المشاركة
              الأستاذ الرائع ........... عبد القادر ضيف الله
              وقفت مطولا وأنا أصفق لك ولنصك الرائع بحق
              على الرغم من طول النص إلا أنه بقي متماسكا وقويا حتى النهاية
              الأم .......
              ومن أغلى وأرق وأحن وأجمل وأبهى منها ؟
              نص محكم البنية والسرد واللغة فيه رائعة جدا
              وعذبة المذاق وكم وجدت الفرق بين هذا النص وذاك
              نص يحاكي معنى الأمومة وقيمة الأم الرؤوم لنا
              ولا شك بأنه من أقوى وأروع النصوص التي قرأت
              ولكني وجدت هاتين الجملتين ربما بسبب السرعة في الطباعة
              من أجل أن تحضين بفتات من العطف والقوت
              ربما انك تقصد يحظين بفتات من العطف والقوت
              غيض ..... أعتقد بأنك تقصد .... غيظ
              أتمنى ألا أكون أزعتجك بملاحظتي
              أشكرك على هذا النص ودام لك ألق الحرف سيدي
              تحيتي وودي
              المبدع الفاضل خالد يوسف أبو طماعة
              تقديري لملاحظاتك البهية والقيمة
              وعمق تواجدك في نص الأمومة التي عجزنا عن منحها ولو بعضا من حروف
              تحياتي لك

              تعليق

              يعمل...
              X