فى قلعة التنين
الفصل الثاني
فى أعماق الأعماق
الأمور تزداد تعقيدا ، فقد خانه تقديره للوقت .. مرت أيام عديدة دون أن ينتبه لها ، فيحار ماذا يفعل ؟!
إلا أنه كان يفكر بمزاج رائق ، و أريحية عالية ، أخيرا يملك سلاحا ، غاية فى القوة و الحسم إلى جانب الفرشاة السحرية ، التى أهداها إليه الصبي ، بدرباسم و أبوه السندباد الحمال ، كما عرفنا من قبل !
يقول سندباد لضحى : أستطيع بسيفي هذا عمل قارب من خشب الأشجار ، يسعنا ، و نرحل به من هنا ، فربما تصادفنا فى الطريق إحدي السفن ، فتحملنا إلى بلادنا ، لكن إحساسا داخليا يقول لي أن أمي تعيش تعيسة ، و أنها بحاجة لوجودي ، و إذا ما تأخرت عنها سوف تحدث أشياء فى غاية الخطورة ؛ سوف أستخدم الفرشاة السحرية ؛ رغم أن مدادها يجف .. نعم .. سوف أستخدمها لآخر مرة يازوجتي !".
فجأة تضطرب ضحى ، يصيبها الهلع ، فتدور حول نفسها ، تهرول هنا و هناك .. خلف الأشجار .. على الساحل ، و هى تصرخ و تنادي :" ضرغام .. ضرغام .. أين أنت .. كان يلعب هنا .. كان يرغب فى نزول البحر ، فنهرته ، لا بد أنه فعلها .. إنه عنيد مثلك .. عنيد ".
يطير سندباد فى أرجاء الجزيرة ، يموت بحثا ، بسرعة يتقدم من البحر ، يخوض فى الماء ، يغطس .. يغطس بعيدا ، ينساب إلى الغويط ، يسبح بسرعة .. يسابق الوقت . لن يتحمل الصغير ثقل الماء .. يارب كن معي .. يارب نجه . يسري هاجس داخله :" ربما اختطفه الجنى ، لكنني سجنته ، قبرته تحت التراب بيدي هاتين ".
يغوص أكثر ، تعود نفس الأفكار :" ربما كان الشرير الذى يتربص بنا ".
يغوص إلى القاع .. يغوص أكثر ، يحس ضغطا قويا يقع عليه .. الضغط يثقل . يحس بقوى رهيبة تسحقه سحقا ..ألم فظيع على عينيه ، بسرعة مذهلة يبتعد هاربا؛ لقد تسلل إلى عمق تستحيل معه الحياة . يجري .. يجري ؛ كأنه يهرب من مصير محتوم .. نعم أوغل كثيرا . يحمد الله على نعمة الحياة ، أن ظل حيا ، لا بد من الفرشاة .. نعم .. لكن الفرشاة جف مدادها ، لم يبق سوى السحر ، نعم السحر .. يتحول إلى قرموط ضخم حسب مستوى الغطس ، يبحر ثانية إلى القاع ، و سؤال يهاجمه :" هل يمكن أن يكون حيا إلى الان ؟!".
يكاد اليأس يطبق عليه بأنيابه المفترسة ، لكن ذرة أمل تجتذبه إلى المغامرة ، يحس ثقلا على رأسه .. على عينه .. قوي خفية تجتذبه كأنه مجال مغناطيسي .
يستخدم سحره ليتواءم وضغط القاع . لا يتوقف .. مستمر هو فى بحثه . فجأة يري أشباحا مضيئة تتحرك ، بعضها يتلوى كإفعوان ، و البعض ينطلق كسهم ، و البعض جامد كحجر أصم .
يندفع أكثر . ياربي إنها مخلوقات .. كائنات بحرية رهيبة . هاهى تدنو منه . إنها تفغر أفواهها كفجوات من نور .. إنها تسعى لالتهامه . إنه ينجذب إليها ، يكاد يغرق داخلها كسمكة . تتباعد ثم تصدر دخانا كثيفا .. دخانا من نور زاعق يعشي العين . لم يبق أمامه سوى الهرب .. يهرب ، تزاحمه فكرة ، فيرجع ثانية ، يدنو من هذا المهرجان ، هذا الحي المتحرك بأضوائه .. منها الأحمر و الأزرق .. و الأرجواني .. الفوسفوري .. و الأصفر.. كل الألوان .. كلها تتحرك و كلما كان سندباد ينجذب ، تختلط الألوان ، فتصبح لونا واحدا ، و بقوته السحرية ينازعه شعور مجرد شعور أن ضرغاما هنا .. فى جوف إحداها .. يخمن أيها ، ثم يسارع إلى واحدة ، يرغمها على التحرك ، و كأنه يميزها بعين حرارية ترى خلف الستر ، و على بعد أميال .
حين كان يعبر بها منطقة الأعماق السحيقة يصيح بغضب :" أخرجيه فورا .. هيا .. أخرجي ما عندك ؟!".
و بألم تجيب :" لم أسعي إليها ، اقتحمت على قبري ، ووقعت بين مخالب ضيائى .. هاهى .. لم أتذوقها بعد ".
الكائن الضخم المهول الحجم يلفظ من داخله ضرغاما و صبيا آخرا و فرسا مجنحا ، ثم يلقى مصرعه فى الحال ، بينما كان سندباد يرقى إلى طبقات السطح ، و عندما يصل إلى الشاطيء يطرحهما على بطنيهما بسرعة عفاريتية ، و يضغط .. يضغط على صدريهما ، وتهرع ضحي الناحبة ، تساعده فى انقاذهما ، و عيونها تفيض بدمع هتون كبحر سخي .
يقلبهما سندباد على البطن ، ثم الظهر ، يضغط .. يضغط بقوة ، ومع ذلك لم يتحركا ، لم تند عنهما نفثة هواء .. يبتهل راكعا لله ، ثم يقبل ضرغاما قبلة الحياة .. يدفع تيار شهيقه فى جوف ولده مرة .. اثنتين .. ثلاث .. و أخيرا ، هاهى أنفاسه تتردد ، فيخليه لضحي ، يتقدم إلى الصبي الآخر ، إنه شاب يافع .. نعم ليس صبيا ، و بسرعة أيضا يفعل به ما فعل لابنه ، و لم يتركه حتى ترددت أنفاسه .. هذه معجزة .. معجزة ؛ فالمعروف أن من يصل إلى هذا العمق ينسحق ، و يدق عظمه ، يصبح هباء منثورا ، و يكفي دليلا على هذا المخلوق القاعي .. لقد نزف ، و انهار ، ومات عندما اجتاز عالمه !
تأزف ساعة الرحيل ، و بقوته السحرية يكون مركب صغير أمامهم ، يسعهم بالكاد ، و يركبون . يجدف سندباد ، وهو يحدق فى وجه الشاب الغريب .. كان يحمل ملامح أهل الصين ، هاهو يفيق من الحمي .. نعم .. كانت دموع جافة تضيء حدقتيه ، و باستغراب يتعرف على رفقائه .
كان نفس السؤال فى عيون من يحيطون به ، فيتنهد بأسى و يقول :" أنا رجل طيب ، أحب الخير و السلام و الرحمة ، أن تسود بين مختلف الكائنات .. وقد ألهمنى الله ، فاستطعت تخليص الطير و الإنسان من التنين اللعين ، الذى كانت سبعة شموس و ستة أقمار تمده بالقوة ، خلصتها منه ، و لأننى رجل يحب الخير ، وعملى حيث يكون الناس و المخلوقات فى حاجة إلى ، كان لا بد لى من الرحيل ، و إسعاد الناس .. كل الناس .. كل المخلوقات . لكن زوجة من زوجتي الاثنتين تقص جناح فرسي المجنح ، و تقص الأخري الجناح الثاني .. حدث هذا دون علمي ، وحينما ركبت الفرس سقطنا معا فى البحر ، هذا ما حدث لي ".
بعد وقت طويل يفطن سندباد إلى أنه يدور فى نفس البقعة ، و كلما كان يتقدم خطوة ، يدور فى فلكها ، فيتأكد من عبث ما يفعل ، و يقرر أمرا ، يقلبه على كافة الوجوه ، لا بد من الوصول إلى بلاده .. لا بد .. إذا لم تلتقطهم سفينة لن يصلوا إلا بعد شهور طويلة .
فجأة يتمتم ، ويزمزم مثلما يفعل السحار ، و بعنف عجيب ، حتى يغرق فى بحر من عرق ساخن ؛ كأنه يتمزق إربا ، ثم يخوض فى الماء ، ضحى فزعة ، و ضرغام وشيجار البطل يهيبان به أن يعود ، لكنه يبتعد عن القارب ما وسعه ، ثم يتحول إلى رخ .. رخ ضخم ، وسط دهشة الجميع ، يدنو من القارب بحذر شديد ، ثم يهتف :" هيا .. اركبوا .. هيا ياشيجار البطل .. ضرغام تأكد أن أمك تستوي على ظهري جيدا ".
كانت مفاجأة بالفعل ، هل يمكن أن يكون هو نفس الرخ الذى حملها إلى جزيرة ....؟ لا .. لا .. إنها تسمع صوت سندباد يأمرها بامتطاء ظهره .. لا .. لا يمكن أن يكون هو .. إنه زوجها المحبوب .. هكذا كانت تقابل هذه المفاجأة .
على ظهر الرخ كان شيجار يحكي لضرغام عن الرجل ذي العين القاتلة ، وكيف كان يحتاج إلى أربعة رجال أقوياء لرفع جفنيه ، ثم يتقدم كجيش كامل العدة و العتاد ، يفتك بالجيوش .. عينه تفتك بالجيوش .. يحكي كيف هزمه حين تمكن من إزاحة الرجال الأربعة ، ومن بعد قضي عليه بكل سهولة ، و يحكي له عن الحية التى كانت تحب نغمات صاحب الناي ، فتبيض له كل يوم بيضة من الذهب ، و لكن شيطانة الطمع تسوس فى رأسه ، وتوحي له بقتل الحية حتى يأخذ كل ما فى بطنها من بيضات ذهبية .
فى الخلاء كان الرخ يحط على الأرض ، ثم يتخلص من راكبيه ، يغيب عن الأنظار ، بعد قليل يقبل عليهم سندباد من نفس الجهة ، فتسرع ضحي لملاقاته سعيدة ، وإن يظل سؤال على شفتيها :" لم و متى ؟!
ياله من ذكاء ميزه به الله ، يبرز فى المواقف و المهام الكبري .. يقول سندباد :" كان لا بد ياضحي .. إن الرحلات التى قمت بها ، كان للسحر فيها نصيب كبير و خطير ، و الساحر الشرير يطاردنا فى كل مكان نحل به ، وكان لا بد من وضع حد لهذا الشرير .. إنه لن يتركنا ، حتى نتعلم لغته و أسلوبه ، فنعرف نقاط ضعفه ، وساعتها يسهل القضاء عليه ".
تهمس ضحي :" لكنني أخشي أن تستهويك اللعبة ؟!".
يبش سندباد فى وجهها ، يؤكد لها كذب ظنونها ، لكنها تعود تقول :" و المرأة المؤمنة التى ذهبت للملكين ببابل ترجوهما أن يعلماها السحر .. أتذكر ؟!".
يهز رأسه :" نعم .. أذكر ياضحي ؛ فلا تخافي و لا تحزني ".
ينتحي شيجار بسندباد ، يكاشفه بضرورة السفر لاستكمال ما بدأه فى بلاد الصين . يربت على ساعده ، ويودعه بحرارة ، ويتمنى له التوفيق فى مساعيه الخيرة ، بينما يتعلق به ضرغام ، و لم يطلقه حتى وعده بزيارة ، حين تنتهي مهامه .
يغادر شيجار العائلة السندبادية ، يخطو السندباد بضحي و ضرغام ، يوغل فى المدينة .. آه أيها الوطن الغالي .. كم أنا مشتاق إليك .. كم أود لو آخذك بين أحضاني .. أن أقبل كل حبة رمل من أرضك الحبيبة .
كانت مشاعر حارة تنتابه ، وهو يتقدم ، بعد قليل ..سوف يري أمه ضوء المكان ، يلثم يديها الطاهرتين .. بعد قليل يطمئن قلبه ، يزول عنه إحساسه بالغربة ،و يستريح .. يستريح من عناء السفر و الترحال .
يتجمد سندباد فجأة أمام مشهد مثير ، يطالب ضحي و ضرغام بالتوقف ، حتى يقف على جلية الأمر . يعرج صوب جمع من الناس ، و قبل أن تقع عليه عين ، يتذكر أمرا هاما ، ألا و هو أنه مكشوف ومعروف للجميع ، و للساحر الشرير ؛ لذا فقد كان يقرر التحول إلى يمامة بنية اللون .. تحلق فوق الجميع ، ثم تحط على فرع شجرة .
كانت لمة كبيرة من الناس ، تلتم حول رجل يذيع أمرا عجبا !!
سندباد فى قلعة التنين !
الحلقة الثالثة
يالها من يمامة بنية اللون، تلك التي تضرب بجناحيها الهواء، ثم تحط على فرع شجرة، على مقربة من اللمة التي ينعقد شملها ، لترى مايدور، من أحداث وكلمات، ترهف لها سمعها لتقف على جلية الأمر، وأحوال البلاد والعباد ، ومايخفى عليها من أمور جسام.
يقول أحد الرجال: ((الأمير محمود أمر بالهجوم على الأغنياء، والاستيلاء على أموالهم وأرضهم ونسائهم، ومن يعترض على هذا الأمر يقتل في الحال! ! )).
يهتف شاب متألمأ : ((لي عم أحبه وأحترمه، وهو غني جدأ ، فهل أفعل مثلما يأمر الأمير؟؟ إن قلبي وضميري يرفضان فعل هذا الجرم!!)).
يقهقه واحد من بينهم قائلأ: ((إذا لم تفعل فعلها غيرك يا رجل!! ستكون أنت أرحم على عمك من غيرك!!)).
يهمس أخر في أذن جاره: ((لكن هذا اعتداء وغشم، لقد سحر بائع الغرابيل الناس.. سحرهم والله، بعد أن صدقوا ما أذاعته الشياطين العملاء من كرامات ومعجزات لا أساس لها)).
يطغى صوت من بينهم : (( لابد من القضاء على هذاالأفاق .. إنه فتنة .. فتنة)).
يتوقف إذ ينخسه آخر فى كتفه قائلا: (( ألاترى عيون الأمير وأعوانه؟ .. ثكلتك أمك)).
ينسحب البعض حزينأ، بلا حيلة يمضي خوفا من بطش الأمير،بينما يحتدم النقاش، وتعلو حدته بين الباقين، ثم يعرجون متحدثين عن كرامات ومعجزات الأمير، الذي لايعرفون من أين جاء.. أصله وفصله!!
فبينما كان واحد يقول:((أما رأيت بعينيك التي تشبه عين البقر كيف أبصر الأعمى على يده!! وكيف أبرأ الأبرص!! ألم تره؟!!)) تنكسر نظراتهم، كان أخر يهيب بهم في عزم: ((ولكن يا رجال، فات زمن الأنيباء، فلانبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، لاأخفي عليكم سرا، أنا لا أصدق مايشاع عن هذا الرجل!!)).
يهاجمه رجل، وهو يكتم أنفاسه: ((اسكت ياكافر.. ياأ بله!!)). ومع طول المجادلة، يتحول النقاش إلى قتال، تخفت الكلمات لتتصارع الأيدي بالمعاول والفؤوس والبلط والخناجر، تتعالى الصيحات، وتتفجر الدماء ، تلطخ أوراق الشجر الذي كان يحيط بالمنطقة، فتحلق الطيور باكية شاكية لربها ظلم العباد!!
لم تستطع اليمامة بنية اللون السيطرة على مشاعرها، بل لم تقو على الحركة، وكأن شللا يصيبها، ويطيح بها فجأة، وهي ترى مامر بصاحبها من أحداث في هذه البلاد، وكيف نازل الشيطان،حين أرغمه على الهرب، ونازل العنقاء المبجلة، والمقابلة غير المنتظرة بين السندباد وأمه الملكة، وحكاياتها غير المنتهية عن جدوده الميامين، وأبيه الفارس الرهوان!! كانت تتذكر كل هذا والدموع تنهمر بغزارة، فتبلل جسدها كله، ثم تتمتم: ((ياأمي سمحت بحدوث كل هذا؟!! كيف ياأهلي وعشيرتي سمحتم؟!! يأتيكم المسخ كاذبأ فتعمى عيونكم وضمائركم وتصدقون؟!!)).
كان يعرف أمه الملكة، يعرفها جيدا، ويعلم تمام العلم أنها لايمكن أن تسمح بما يحدث، وأن في الأمر سرأ، وحتما سوف يعرفه، ويحل ألغازه، وعند هذا الحد تغادر اليمامة الشجرة، وعيناها غير قادرتين على رؤية الطريق، فتحوم حول نفسها، وتلف،حتى تعود لها قوتها، ثم تقصد ضحى و((ضرغام))، فتحط على كتفها، تنتابها نوبة بكاء أخرى، تزلزل ضحى، فتشاطرها البكاء، ثم برقة تأخذها بين كفيها، وتربت عليها، وهنا يخرج سندباد عن صمته: ((أنا يا ضحى.. أنا.. هيا ابحثي عن مسكن لكما .. إن حال البلاد أسوأ مما كنت أتصور)).
تنتحي جانبا، فتسمع منه الكثير من أحوال البلاد، ثم تنصرف اليمامة بعد أن أكدث على سرعة العودة فور الوصول إلى الملكة الأم، تحلق بعيداً.. بعيدأ، حتى تصبح على مشارف القصر الملكي، فينقلب سندبادإلى صقر أسود جسور، يطير في الأعالي، على القمم، ومن فوره ينقض على قصر الحاكم، الذي شيده الشيطان كما عرفنا من قبل، وينزل الصقر على السطح العالي بين الحراس المزودين بالأسلحة، ثم يسرع بالاختباء رغم أن هذا ليس طبعه، يختبىء قبل أن تدركه العيون، ثم يمرق إلى الدرج، فيتحول إلى قط جميل، كان يهبط الدرج في تؤدة وجلال، وسرعان مايصبح قريبا من جناح كبير حجاب القصر. كانت الأصوات عالية، والصيحات تدوي: ((اشربوا نخب انتصار أميركم، فلسوف يخرج من الحصار منتصراً!!)).
يتفجر الضحك مزلزلا أركان القصر، ثم يطغى صوت غليظ: ((لابد أن ينتصر.. نعم)). ويغمغم أخر: ((هل يعود هذه المرة؟!)).
وبتلذذ يهتف الأول: ((سوف يعود لنحتفل بالنصر.. نعم.. نعم. ويتبع كلامه بقهقة صاخبة يتجاوب لها الحضور، يكتفي القط الجميل بماسمع، ويتسلل الى قاعة أسفل القصر، لم يجد أحدا، فيواصل بحثه حتى يصبح في دهليز مظلم، لايتوقف، يستمر، وفي الدهليزكان الحراس منتشرين هنا وهناك، فيخمن القط أنه ربما كان يؤدي الى سجن القصر، وبالفعل يتأكد من ذلك: كانت تلطم أذنيه أصوات ولغط الحراس، يموء القط، فيهشه أحدهم، ينفلت منسحبا بينما حارس يردد: ((لماذا نهرته؟!! الدهليز يبكي من قرض الفئران.. انها تكاد تتسلى علينا)).
لكن القط الجميل ينط هنا وهناك برشاقة، يرهف سمعه جيدأ، ويبصر الحراس وهم يتلصصون على سجين ما، ثم يقول أحدهم: ((انها تنام منذ أيام، ولا تأكل أو تشرب.. أخشى أن تموت)).
يتنهد زميل له ويردد : ((كانت أعدل من حكم من الأمراء .. إنى مازلت أذكر يوم تتويج مخلصنا سندباد .. كأنه اليوم)).
باستفزاز مفاجئ يقول ثالث : ((هل يعقل ما يقع فى هذه البلاد .. محمود الأهبل بائع الغرابيل والمناخل؟!! لقد رأيت الأولاد منذ سنين يرمونه بالحجارة.
ينخسه أحدهم في كتفه ناهرأ : ((اسكت. . خيبة الله عليك! !)).
يتأكد للقط أن هذه الزنزانة هي ضالته المنشودة، فيتحول إلى سنجاب جميل أيضأ ، كان يتسلق الحائط بسرعة مذهلة، ثم يعبر الزنزانة من خلال فتحاتها الضيقة، ويدخل، ليرى أمامه الملكة ضوء المكان ملقاة على الأرض ككومة من خرق، والحشرات تحيط بها ، وهي غارقة في نوم كأنه الموت، بينما كان طائر يتحرك على جسدها ، ثم يدهم أسراب الحشرات التي كانت تنتشر حولها ، بل ويلتقط بمنقاره الكثير منها ، وحين يبصر السنجاب يزقزق، ويقترب من رأس الملكة كأنه يهمس في أذنها ، لكنها لاتتحرك، بينما السنجاب يقترب، والطائر يبتعد مذعورأ ، ويحط على نافذة، ويروح يزقزق، ولما لم يجد استجابة يختفي! !
ينهار السنجاب ألمأ ، لكنه يقترب، يداعب خصلات شعرها برقة!!
يسقط قلب سندباد ، حين يعرف أنها لاتتحرك، ولاتتنفس، يبكي: آه لو يستطيع الصياح ليملأ الدنيا صياحأ وغناء. . آه ياأمي. وتحين من الملكة التفاتة، تغمغم كأنها تحلم: (( ألاترى أني مريضة. . ضعيفة، وليس لدي شيء يؤكل . . ابتعد . . ابتعد أرجوك)).
يهمس في أذنها : ((أمي .. أمي .. أنا هو .. أنا السندباد!!)).
تتراخى الأم، تغمض جفنيها وهي تتمتم: ((الأوهام ثانية!! كثيرأ ماتهاجمني، انها لاترحم ضعفي.. لقد ذهب ولدي ولن يعود، لن يعود يا ضوء المكان.. من أعمالكم سلط عليكم.. صدق والله صدق!! لابد أنه سجين.. انه ولد بار كريم النفس!!)).
يضغط على كتفها هاتفأ : ((أنا ياأ مي .. أنا السندباد .. أنا السندباد ولدك!!)).
هنا تحرك الأم جفنيها ، وقد دبت فيها الحياة، فأشرق وجهها بالنور: (( أرجوك ياأمي .. لاتحدثي صوتأ .. أرجوك!!)).
وتراه. . تراه بملء جفنيها ، فيفر النعاس والتعب والضعف، لكنها فجأة ترتمي مسترخية وهي تتمتم: (( أنت ثانية أيها الساحر اللئيم!! لك أن تسخر مني، وتستهزى، بي .. لكن فرج الله قريب. هاهو قادم ".
لم يعد أمامه حيلة، لابد من الخروج من جلد السنجاب، نعم، ليكون بشحمه ولحمه أمامها ، ويحنو عليها مردداً : (( أمي .. أنا .. انظري!! )).
هذه المرة تكاد تحس بغريزة الأم ، لكنها من طول رقدتها في هذا السجن، وكثرة ماحاوله الشيطان معها لم تصدق، فتحدق في وجه سندباد ، وتند عنها صرخة لولا سرعة سندباد بوضع كفه على فمها لفضحت حضوره، وأهلكته دون أن تدري! !
تنهار باكية، وتلقي بنفسها بين ذراعيه، يلثم يدها وثيابها ، ثم تتجمد مرة أخرى غير مصدقة، ويعود يردد : (( أنا هو .. أنا ولدك ياأ مي .. أنا يامن وضعتني رضيعا في صندوق وتركتني للموج والريح ، ومعي. . هل أكمل أم تأكدت الآن؟
.. هيه ياأمي .. أنا هو)).
يتبع
الحلقة الرابعة
الفصل الثاني
فى أعماق الأعماق
الأمور تزداد تعقيدا ، فقد خانه تقديره للوقت .. مرت أيام عديدة دون أن ينتبه لها ، فيحار ماذا يفعل ؟!
إلا أنه كان يفكر بمزاج رائق ، و أريحية عالية ، أخيرا يملك سلاحا ، غاية فى القوة و الحسم إلى جانب الفرشاة السحرية ، التى أهداها إليه الصبي ، بدرباسم و أبوه السندباد الحمال ، كما عرفنا من قبل !
يقول سندباد لضحى : أستطيع بسيفي هذا عمل قارب من خشب الأشجار ، يسعنا ، و نرحل به من هنا ، فربما تصادفنا فى الطريق إحدي السفن ، فتحملنا إلى بلادنا ، لكن إحساسا داخليا يقول لي أن أمي تعيش تعيسة ، و أنها بحاجة لوجودي ، و إذا ما تأخرت عنها سوف تحدث أشياء فى غاية الخطورة ؛ سوف أستخدم الفرشاة السحرية ؛ رغم أن مدادها يجف .. نعم .. سوف أستخدمها لآخر مرة يازوجتي !".
فجأة تضطرب ضحى ، يصيبها الهلع ، فتدور حول نفسها ، تهرول هنا و هناك .. خلف الأشجار .. على الساحل ، و هى تصرخ و تنادي :" ضرغام .. ضرغام .. أين أنت .. كان يلعب هنا .. كان يرغب فى نزول البحر ، فنهرته ، لا بد أنه فعلها .. إنه عنيد مثلك .. عنيد ".
يطير سندباد فى أرجاء الجزيرة ، يموت بحثا ، بسرعة يتقدم من البحر ، يخوض فى الماء ، يغطس .. يغطس بعيدا ، ينساب إلى الغويط ، يسبح بسرعة .. يسابق الوقت . لن يتحمل الصغير ثقل الماء .. يارب كن معي .. يارب نجه . يسري هاجس داخله :" ربما اختطفه الجنى ، لكنني سجنته ، قبرته تحت التراب بيدي هاتين ".
يغوص أكثر ، تعود نفس الأفكار :" ربما كان الشرير الذى يتربص بنا ".
يغوص إلى القاع .. يغوص أكثر ، يحس ضغطا قويا يقع عليه .. الضغط يثقل . يحس بقوى رهيبة تسحقه سحقا ..ألم فظيع على عينيه ، بسرعة مذهلة يبتعد هاربا؛ لقد تسلل إلى عمق تستحيل معه الحياة . يجري .. يجري ؛ كأنه يهرب من مصير محتوم .. نعم أوغل كثيرا . يحمد الله على نعمة الحياة ، أن ظل حيا ، لا بد من الفرشاة .. نعم .. لكن الفرشاة جف مدادها ، لم يبق سوى السحر ، نعم السحر .. يتحول إلى قرموط ضخم حسب مستوى الغطس ، يبحر ثانية إلى القاع ، و سؤال يهاجمه :" هل يمكن أن يكون حيا إلى الان ؟!".
يكاد اليأس يطبق عليه بأنيابه المفترسة ، لكن ذرة أمل تجتذبه إلى المغامرة ، يحس ثقلا على رأسه .. على عينه .. قوي خفية تجتذبه كأنه مجال مغناطيسي .
يستخدم سحره ليتواءم وضغط القاع . لا يتوقف .. مستمر هو فى بحثه . فجأة يري أشباحا مضيئة تتحرك ، بعضها يتلوى كإفعوان ، و البعض ينطلق كسهم ، و البعض جامد كحجر أصم .
يندفع أكثر . ياربي إنها مخلوقات .. كائنات بحرية رهيبة . هاهى تدنو منه . إنها تفغر أفواهها كفجوات من نور .. إنها تسعى لالتهامه . إنه ينجذب إليها ، يكاد يغرق داخلها كسمكة . تتباعد ثم تصدر دخانا كثيفا .. دخانا من نور زاعق يعشي العين . لم يبق أمامه سوى الهرب .. يهرب ، تزاحمه فكرة ، فيرجع ثانية ، يدنو من هذا المهرجان ، هذا الحي المتحرك بأضوائه .. منها الأحمر و الأزرق .. و الأرجواني .. الفوسفوري .. و الأصفر.. كل الألوان .. كلها تتحرك و كلما كان سندباد ينجذب ، تختلط الألوان ، فتصبح لونا واحدا ، و بقوته السحرية ينازعه شعور مجرد شعور أن ضرغاما هنا .. فى جوف إحداها .. يخمن أيها ، ثم يسارع إلى واحدة ، يرغمها على التحرك ، و كأنه يميزها بعين حرارية ترى خلف الستر ، و على بعد أميال .
حين كان يعبر بها منطقة الأعماق السحيقة يصيح بغضب :" أخرجيه فورا .. هيا .. أخرجي ما عندك ؟!".
و بألم تجيب :" لم أسعي إليها ، اقتحمت على قبري ، ووقعت بين مخالب ضيائى .. هاهى .. لم أتذوقها بعد ".
الكائن الضخم المهول الحجم يلفظ من داخله ضرغاما و صبيا آخرا و فرسا مجنحا ، ثم يلقى مصرعه فى الحال ، بينما كان سندباد يرقى إلى طبقات السطح ، و عندما يصل إلى الشاطيء يطرحهما على بطنيهما بسرعة عفاريتية ، و يضغط .. يضغط على صدريهما ، وتهرع ضحي الناحبة ، تساعده فى انقاذهما ، و عيونها تفيض بدمع هتون كبحر سخي .
يقلبهما سندباد على البطن ، ثم الظهر ، يضغط .. يضغط بقوة ، ومع ذلك لم يتحركا ، لم تند عنهما نفثة هواء .. يبتهل راكعا لله ، ثم يقبل ضرغاما قبلة الحياة .. يدفع تيار شهيقه فى جوف ولده مرة .. اثنتين .. ثلاث .. و أخيرا ، هاهى أنفاسه تتردد ، فيخليه لضحي ، يتقدم إلى الصبي الآخر ، إنه شاب يافع .. نعم ليس صبيا ، و بسرعة أيضا يفعل به ما فعل لابنه ، و لم يتركه حتى ترددت أنفاسه .. هذه معجزة .. معجزة ؛ فالمعروف أن من يصل إلى هذا العمق ينسحق ، و يدق عظمه ، يصبح هباء منثورا ، و يكفي دليلا على هذا المخلوق القاعي .. لقد نزف ، و انهار ، ومات عندما اجتاز عالمه !
تأزف ساعة الرحيل ، و بقوته السحرية يكون مركب صغير أمامهم ، يسعهم بالكاد ، و يركبون . يجدف سندباد ، وهو يحدق فى وجه الشاب الغريب .. كان يحمل ملامح أهل الصين ، هاهو يفيق من الحمي .. نعم .. كانت دموع جافة تضيء حدقتيه ، و باستغراب يتعرف على رفقائه .
كان نفس السؤال فى عيون من يحيطون به ، فيتنهد بأسى و يقول :" أنا رجل طيب ، أحب الخير و السلام و الرحمة ، أن تسود بين مختلف الكائنات .. وقد ألهمنى الله ، فاستطعت تخليص الطير و الإنسان من التنين اللعين ، الذى كانت سبعة شموس و ستة أقمار تمده بالقوة ، خلصتها منه ، و لأننى رجل يحب الخير ، وعملى حيث يكون الناس و المخلوقات فى حاجة إلى ، كان لا بد لى من الرحيل ، و إسعاد الناس .. كل الناس .. كل المخلوقات . لكن زوجة من زوجتي الاثنتين تقص جناح فرسي المجنح ، و تقص الأخري الجناح الثاني .. حدث هذا دون علمي ، وحينما ركبت الفرس سقطنا معا فى البحر ، هذا ما حدث لي ".
بعد وقت طويل يفطن سندباد إلى أنه يدور فى نفس البقعة ، و كلما كان يتقدم خطوة ، يدور فى فلكها ، فيتأكد من عبث ما يفعل ، و يقرر أمرا ، يقلبه على كافة الوجوه ، لا بد من الوصول إلى بلاده .. لا بد .. إذا لم تلتقطهم سفينة لن يصلوا إلا بعد شهور طويلة .
فجأة يتمتم ، ويزمزم مثلما يفعل السحار ، و بعنف عجيب ، حتى يغرق فى بحر من عرق ساخن ؛ كأنه يتمزق إربا ، ثم يخوض فى الماء ، ضحى فزعة ، و ضرغام وشيجار البطل يهيبان به أن يعود ، لكنه يبتعد عن القارب ما وسعه ، ثم يتحول إلى رخ .. رخ ضخم ، وسط دهشة الجميع ، يدنو من القارب بحذر شديد ، ثم يهتف :" هيا .. اركبوا .. هيا ياشيجار البطل .. ضرغام تأكد أن أمك تستوي على ظهري جيدا ".
كانت مفاجأة بالفعل ، هل يمكن أن يكون هو نفس الرخ الذى حملها إلى جزيرة ....؟ لا .. لا .. إنها تسمع صوت سندباد يأمرها بامتطاء ظهره .. لا .. لا يمكن أن يكون هو .. إنه زوجها المحبوب .. هكذا كانت تقابل هذه المفاجأة .
على ظهر الرخ كان شيجار يحكي لضرغام عن الرجل ذي العين القاتلة ، وكيف كان يحتاج إلى أربعة رجال أقوياء لرفع جفنيه ، ثم يتقدم كجيش كامل العدة و العتاد ، يفتك بالجيوش .. عينه تفتك بالجيوش .. يحكي كيف هزمه حين تمكن من إزاحة الرجال الأربعة ، ومن بعد قضي عليه بكل سهولة ، و يحكي له عن الحية التى كانت تحب نغمات صاحب الناي ، فتبيض له كل يوم بيضة من الذهب ، و لكن شيطانة الطمع تسوس فى رأسه ، وتوحي له بقتل الحية حتى يأخذ كل ما فى بطنها من بيضات ذهبية .
فى الخلاء كان الرخ يحط على الأرض ، ثم يتخلص من راكبيه ، يغيب عن الأنظار ، بعد قليل يقبل عليهم سندباد من نفس الجهة ، فتسرع ضحي لملاقاته سعيدة ، وإن يظل سؤال على شفتيها :" لم و متى ؟!
ياله من ذكاء ميزه به الله ، يبرز فى المواقف و المهام الكبري .. يقول سندباد :" كان لا بد ياضحي .. إن الرحلات التى قمت بها ، كان للسحر فيها نصيب كبير و خطير ، و الساحر الشرير يطاردنا فى كل مكان نحل به ، وكان لا بد من وضع حد لهذا الشرير .. إنه لن يتركنا ، حتى نتعلم لغته و أسلوبه ، فنعرف نقاط ضعفه ، وساعتها يسهل القضاء عليه ".
تهمس ضحي :" لكنني أخشي أن تستهويك اللعبة ؟!".
يبش سندباد فى وجهها ، يؤكد لها كذب ظنونها ، لكنها تعود تقول :" و المرأة المؤمنة التى ذهبت للملكين ببابل ترجوهما أن يعلماها السحر .. أتذكر ؟!".
يهز رأسه :" نعم .. أذكر ياضحي ؛ فلا تخافي و لا تحزني ".
ينتحي شيجار بسندباد ، يكاشفه بضرورة السفر لاستكمال ما بدأه فى بلاد الصين . يربت على ساعده ، ويودعه بحرارة ، ويتمنى له التوفيق فى مساعيه الخيرة ، بينما يتعلق به ضرغام ، و لم يطلقه حتى وعده بزيارة ، حين تنتهي مهامه .
يغادر شيجار العائلة السندبادية ، يخطو السندباد بضحي و ضرغام ، يوغل فى المدينة .. آه أيها الوطن الغالي .. كم أنا مشتاق إليك .. كم أود لو آخذك بين أحضاني .. أن أقبل كل حبة رمل من أرضك الحبيبة .
كانت مشاعر حارة تنتابه ، وهو يتقدم ، بعد قليل ..سوف يري أمه ضوء المكان ، يلثم يديها الطاهرتين .. بعد قليل يطمئن قلبه ، يزول عنه إحساسه بالغربة ،و يستريح .. يستريح من عناء السفر و الترحال .
يتجمد سندباد فجأة أمام مشهد مثير ، يطالب ضحي و ضرغام بالتوقف ، حتى يقف على جلية الأمر . يعرج صوب جمع من الناس ، و قبل أن تقع عليه عين ، يتذكر أمرا هاما ، ألا و هو أنه مكشوف ومعروف للجميع ، و للساحر الشرير ؛ لذا فقد كان يقرر التحول إلى يمامة بنية اللون .. تحلق فوق الجميع ، ثم تحط على فرع شجرة .
كانت لمة كبيرة من الناس ، تلتم حول رجل يذيع أمرا عجبا !!
سندباد فى قلعة التنين !
الحلقة الثالثة
سجينة القصر!!
يالها من يمامة بنية اللون، تلك التي تضرب بجناحيها الهواء، ثم تحط على فرع شجرة، على مقربة من اللمة التي ينعقد شملها ، لترى مايدور، من أحداث وكلمات، ترهف لها سمعها لتقف على جلية الأمر، وأحوال البلاد والعباد ، ومايخفى عليها من أمور جسام.
يقول أحد الرجال: ((الأمير محمود أمر بالهجوم على الأغنياء، والاستيلاء على أموالهم وأرضهم ونسائهم، ومن يعترض على هذا الأمر يقتل في الحال! ! )).
يهتف شاب متألمأ : ((لي عم أحبه وأحترمه، وهو غني جدأ ، فهل أفعل مثلما يأمر الأمير؟؟ إن قلبي وضميري يرفضان فعل هذا الجرم!!)).
يقهقه واحد من بينهم قائلأ: ((إذا لم تفعل فعلها غيرك يا رجل!! ستكون أنت أرحم على عمك من غيرك!!)).
يهمس أخر في أذن جاره: ((لكن هذا اعتداء وغشم، لقد سحر بائع الغرابيل الناس.. سحرهم والله، بعد أن صدقوا ما أذاعته الشياطين العملاء من كرامات ومعجزات لا أساس لها)).
يطغى صوت من بينهم : (( لابد من القضاء على هذاالأفاق .. إنه فتنة .. فتنة)).
يتوقف إذ ينخسه آخر فى كتفه قائلا: (( ألاترى عيون الأمير وأعوانه؟ .. ثكلتك أمك)).
ينسحب البعض حزينأ، بلا حيلة يمضي خوفا من بطش الأمير،بينما يحتدم النقاش، وتعلو حدته بين الباقين، ثم يعرجون متحدثين عن كرامات ومعجزات الأمير، الذي لايعرفون من أين جاء.. أصله وفصله!!
فبينما كان واحد يقول:((أما رأيت بعينيك التي تشبه عين البقر كيف أبصر الأعمى على يده!! وكيف أبرأ الأبرص!! ألم تره؟!!)) تنكسر نظراتهم، كان أخر يهيب بهم في عزم: ((ولكن يا رجال، فات زمن الأنيباء، فلانبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، لاأخفي عليكم سرا، أنا لا أصدق مايشاع عن هذا الرجل!!)).
يهاجمه رجل، وهو يكتم أنفاسه: ((اسكت ياكافر.. ياأ بله!!)). ومع طول المجادلة، يتحول النقاش إلى قتال، تخفت الكلمات لتتصارع الأيدي بالمعاول والفؤوس والبلط والخناجر، تتعالى الصيحات، وتتفجر الدماء ، تلطخ أوراق الشجر الذي كان يحيط بالمنطقة، فتحلق الطيور باكية شاكية لربها ظلم العباد!!
لم تستطع اليمامة بنية اللون السيطرة على مشاعرها، بل لم تقو على الحركة، وكأن شللا يصيبها، ويطيح بها فجأة، وهي ترى مامر بصاحبها من أحداث في هذه البلاد، وكيف نازل الشيطان،حين أرغمه على الهرب، ونازل العنقاء المبجلة، والمقابلة غير المنتظرة بين السندباد وأمه الملكة، وحكاياتها غير المنتهية عن جدوده الميامين، وأبيه الفارس الرهوان!! كانت تتذكر كل هذا والدموع تنهمر بغزارة، فتبلل جسدها كله، ثم تتمتم: ((ياأمي سمحت بحدوث كل هذا؟!! كيف ياأهلي وعشيرتي سمحتم؟!! يأتيكم المسخ كاذبأ فتعمى عيونكم وضمائركم وتصدقون؟!!)).
كان يعرف أمه الملكة، يعرفها جيدا، ويعلم تمام العلم أنها لايمكن أن تسمح بما يحدث، وأن في الأمر سرأ، وحتما سوف يعرفه، ويحل ألغازه، وعند هذا الحد تغادر اليمامة الشجرة، وعيناها غير قادرتين على رؤية الطريق، فتحوم حول نفسها، وتلف،حتى تعود لها قوتها، ثم تقصد ضحى و((ضرغام))، فتحط على كتفها، تنتابها نوبة بكاء أخرى، تزلزل ضحى، فتشاطرها البكاء، ثم برقة تأخذها بين كفيها، وتربت عليها، وهنا يخرج سندباد عن صمته: ((أنا يا ضحى.. أنا.. هيا ابحثي عن مسكن لكما .. إن حال البلاد أسوأ مما كنت أتصور)).
تنتحي جانبا، فتسمع منه الكثير من أحوال البلاد، ثم تنصرف اليمامة بعد أن أكدث على سرعة العودة فور الوصول إلى الملكة الأم، تحلق بعيداً.. بعيدأ، حتى تصبح على مشارف القصر الملكي، فينقلب سندبادإلى صقر أسود جسور، يطير في الأعالي، على القمم، ومن فوره ينقض على قصر الحاكم، الذي شيده الشيطان كما عرفنا من قبل، وينزل الصقر على السطح العالي بين الحراس المزودين بالأسلحة، ثم يسرع بالاختباء رغم أن هذا ليس طبعه، يختبىء قبل أن تدركه العيون، ثم يمرق إلى الدرج، فيتحول إلى قط جميل، كان يهبط الدرج في تؤدة وجلال، وسرعان مايصبح قريبا من جناح كبير حجاب القصر. كانت الأصوات عالية، والصيحات تدوي: ((اشربوا نخب انتصار أميركم، فلسوف يخرج من الحصار منتصراً!!)).
يتفجر الضحك مزلزلا أركان القصر، ثم يطغى صوت غليظ: ((لابد أن ينتصر.. نعم)). ويغمغم أخر: ((هل يعود هذه المرة؟!)).
وبتلذذ يهتف الأول: ((سوف يعود لنحتفل بالنصر.. نعم.. نعم. ويتبع كلامه بقهقة صاخبة يتجاوب لها الحضور، يكتفي القط الجميل بماسمع، ويتسلل الى قاعة أسفل القصر، لم يجد أحدا، فيواصل بحثه حتى يصبح في دهليز مظلم، لايتوقف، يستمر، وفي الدهليزكان الحراس منتشرين هنا وهناك، فيخمن القط أنه ربما كان يؤدي الى سجن القصر، وبالفعل يتأكد من ذلك: كانت تلطم أذنيه أصوات ولغط الحراس، يموء القط، فيهشه أحدهم، ينفلت منسحبا بينما حارس يردد: ((لماذا نهرته؟!! الدهليز يبكي من قرض الفئران.. انها تكاد تتسلى علينا)).
لكن القط الجميل ينط هنا وهناك برشاقة، يرهف سمعه جيدأ، ويبصر الحراس وهم يتلصصون على سجين ما، ثم يقول أحدهم: ((انها تنام منذ أيام، ولا تأكل أو تشرب.. أخشى أن تموت)).
يتنهد زميل له ويردد : ((كانت أعدل من حكم من الأمراء .. إنى مازلت أذكر يوم تتويج مخلصنا سندباد .. كأنه اليوم)).
باستفزاز مفاجئ يقول ثالث : ((هل يعقل ما يقع فى هذه البلاد .. محمود الأهبل بائع الغرابيل والمناخل؟!! لقد رأيت الأولاد منذ سنين يرمونه بالحجارة.
ينخسه أحدهم في كتفه ناهرأ : ((اسكت. . خيبة الله عليك! !)).
يتأكد للقط أن هذه الزنزانة هي ضالته المنشودة، فيتحول إلى سنجاب جميل أيضأ ، كان يتسلق الحائط بسرعة مذهلة، ثم يعبر الزنزانة من خلال فتحاتها الضيقة، ويدخل، ليرى أمامه الملكة ضوء المكان ملقاة على الأرض ككومة من خرق، والحشرات تحيط بها ، وهي غارقة في نوم كأنه الموت، بينما كان طائر يتحرك على جسدها ، ثم يدهم أسراب الحشرات التي كانت تنتشر حولها ، بل ويلتقط بمنقاره الكثير منها ، وحين يبصر السنجاب يزقزق، ويقترب من رأس الملكة كأنه يهمس في أذنها ، لكنها لاتتحرك، بينما السنجاب يقترب، والطائر يبتعد مذعورأ ، ويحط على نافذة، ويروح يزقزق، ولما لم يجد استجابة يختفي! !
ينهار السنجاب ألمأ ، لكنه يقترب، يداعب خصلات شعرها برقة!!
يسقط قلب سندباد ، حين يعرف أنها لاتتحرك، ولاتتنفس، يبكي: آه لو يستطيع الصياح ليملأ الدنيا صياحأ وغناء. . آه ياأمي. وتحين من الملكة التفاتة، تغمغم كأنها تحلم: (( ألاترى أني مريضة. . ضعيفة، وليس لدي شيء يؤكل . . ابتعد . . ابتعد أرجوك)).
يهمس في أذنها : ((أمي .. أمي .. أنا هو .. أنا السندباد!!)).
تتراخى الأم، تغمض جفنيها وهي تتمتم: ((الأوهام ثانية!! كثيرأ ماتهاجمني، انها لاترحم ضعفي.. لقد ذهب ولدي ولن يعود، لن يعود يا ضوء المكان.. من أعمالكم سلط عليكم.. صدق والله صدق!! لابد أنه سجين.. انه ولد بار كريم النفس!!)).
يضغط على كتفها هاتفأ : ((أنا ياأ مي .. أنا السندباد .. أنا السندباد ولدك!!)).
هنا تحرك الأم جفنيها ، وقد دبت فيها الحياة، فأشرق وجهها بالنور: (( أرجوك ياأمي .. لاتحدثي صوتأ .. أرجوك!!)).
وتراه. . تراه بملء جفنيها ، فيفر النعاس والتعب والضعف، لكنها فجأة ترتمي مسترخية وهي تتمتم: (( أنت ثانية أيها الساحر اللئيم!! لك أن تسخر مني، وتستهزى، بي .. لكن فرج الله قريب. هاهو قادم ".
لم يعد أمامه حيلة، لابد من الخروج من جلد السنجاب، نعم، ليكون بشحمه ولحمه أمامها ، ويحنو عليها مردداً : (( أمي .. أنا .. انظري!! )).
هذه المرة تكاد تحس بغريزة الأم ، لكنها من طول رقدتها في هذا السجن، وكثرة ماحاوله الشيطان معها لم تصدق، فتحدق في وجه سندباد ، وتند عنها صرخة لولا سرعة سندباد بوضع كفه على فمها لفضحت حضوره، وأهلكته دون أن تدري! !
تنهار باكية، وتلقي بنفسها بين ذراعيه، يلثم يدها وثيابها ، ثم تتجمد مرة أخرى غير مصدقة، ويعود يردد : (( أنا هو .. أنا ولدك ياأ مي .. أنا يامن وضعتني رضيعا في صندوق وتركتني للموج والريح ، ومعي. . هل أكمل أم تأكدت الآن؟
.. هيه ياأمي .. أنا هو)).
يتبع
الحلقة الرابعة
تعليق