رؤية في الكوميديا الإلهية لدانتيى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرؤوف النويهى
    أديب وكاتب
    • 12-10-2007
    • 2218

    #16
    [align=justify]مشاركةً ومساهمةً متواضعةً،أُقدم هذه المقالات التى كتبتها فى وقت سابق ،لعلها تحوز الإعجاب وبعض التقدير.
    عبدالرؤوف النويهى

    ******

    الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالى الأعظم دانتى أليجييرى "الفلورنسى مولدا لا خلقا "(1)


    كنت ومن صغرى معجبا بالشاعر الأعظم دانتى ، هذا الإيطالى ذائع الصيت ، الفلورنسى مولدا لا خلقا ، وكثيرا ما سمعت والدى يرحمه الله ، وهو يذكر أن الكوميديا الإلهية مأخوذة من رسالة الغفران لأبى العلاء المعرى ، وثبت فى يقينى آنذاك ، أن دانتى ليس بعبقرى وإنما العبقرى هو أبو العلاء المعرى .
    وسعيت أن أحصل على الكوميديا ، وقرأت بعض الملخصات عنها ولكنها لم تشف غليلى ، ومرت سنوات طويلة ، وفى سنة 1988وفى إحدى زياراتى المتعددة لمكتبة دار المعارف بطنطا ، عثرت على الجزئين الأول (الجحيم )والثانى (المطهر ) ترجمة الدكتور / حسن عثمان ، والذى عكف على ترجمة الجزء الأول بدءا فى 21/10/1951ونشرته دار المعارف فى سنة 1959، ولم يئل جهدا ، فاستمر فى ترجمة الجزء الثانى المطهر وتم نشره فى سنة 1964عن ذات الدار 0وبكل الشوق الجارف الذى نما بداخلى طوال سنوات صباى وشبابى ، تفرغت لقراءة الكوميديا متحديا نفسى ، أن أعرف وأتعرف على هذه الآية من آيات الفن الجميل وكيف أخذها من أبى العلاء ، وكانت المقدمة للجزء الأول قدبلغت 77صفحة من حجم الكتاب 494صفحة ووهو النشيد الأول والبالغ أربعة وثلاثون أنشودة ، وتبدأ الأنشودة الأولى
    ((((فى منتصف طريق حياتنا ،وجدت نفسى فى غابة مظلمة ،إذ ضللت سواء السبيل ...آه ،ما أصعب وصف هذه الغابة الموحشة الكثيفة القاسية ،التى تجدد ذكراها لى الخوف !))))ثم الجزء الثانى المطهر وبلغت مقدمته 52صفحة من حجم الكتاب 506صفحة وهو النشيد الثانى والبالغ ثلاثة وثلاثون أنشودة وتبدأ الأنشودة الأولى فيه (((الآن يرفع زورق فكرى أشرعته ،لكى يجرى على مياه أهدأ،تاركا وراءه خضما ،وسأتغنى بتلك المملكة الثانية ،حيث تتطهر الروح الإنسانية،وتصبح جديرة بالصعود إلى السماء0بحرا)))))وتبدل يقينى الذى زرعه فى والدى ، وتأكد لى أن هناك فرق كبيرجدا بين الكوميديا ورسالة الغفران ، وأن الكوميديا هى آية من آيات الفن الملحمى الراقى وأنها عوالم متعددة من الشعر والموسيقى والشخصيات الكثيرة والمحاكمات التى تجرى لهم ، وكان رائده ودليله ومرشده شاعر اللاتين الأعظم "فرجيليوس " صاحب الإنيادة وأناشيد الريف ،ولم أتمكن آنذاك من قراءة الجزء الثالث (الفردوس))ومرت الأيام والسنون ، وأثناء إنعقاد معرض القاهرة الدولى للكتاب فى يناير سنة 2005وجدت الجزء الثالث الفردوس والصادر عن دار المعارف ،الطبعة الثانية سنة 2002 ،وكأنى عثرت على جزء
    من نفسى ،كان تائها وضالا فأمسكت به وأنا سعيد كل السعادة ......هكذا إكتملت الكوميديا بأجزائها الثلاثة 0والجزء الثالث بلغت مقدمته 77صفحة من حجم الكتاب 700صفة وتذييل من ص604حتى 638وهى النشيد الثالث والبا لغ ثلاثة وثلاثون أنشودة ،وتبدأ الأنشودة الأولى منه (((((إن مجد من يحرك الكائنات يتغلغل فى أرجاء العالم ، ويزداد بهاؤه فى جانب ويقل فى سائر الجوانب ..)))
    لقد قدم الأستاذ الدكتور / حسن عثمان ،إلى اللغةالعربية ، عملا شامخا وأدبا رفيعا وفنا راقيا ، بلغة سلسة ،وبيان ناصع ، جزاه الله أحسن الجزاء وأعظم الثواب .[/align]

    تعليق

    • عبدالرؤوف النويهى
      أديب وكاتب
      • 12-10-2007
      • 2218

      #17
      الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالى الأعظم دانتى أليجييرى "الفلورنسى مولدا لا خلقا " (2)


      [align=justify]((ربما لم يترجم كتاب إلى اللغات الأجنبية _غير الكتاب المقدس _كما ترجمت الكوميديا الإلهية ،وبلغت فى لغات بعينها عشرات المرات ، فقد ترجمت إلى الإنجليزية حوالى 47مرة ،وكانت الدوافع للترجمة ماتحويه الكوميديا من أدب وفن ،وبما تتضمنه من سياسة قومية ،ومن سيا سة دولية عا لمية ،وبما تحتوى عليه من أساطير ،وتواريخ ،وعلوم ، لاهوت ،ولغويات ، قد اجتذبت كثرين إلى رحابها ،فوجدوا فيها وسيلة لإرضاء ذوقهم ،وزيادة معارفهم ،وتدريب ملكاتهم فى مجالات الأدب واللغة والعلم 0ويواصل مترجم الكوميديا ،الدكتور / حسن عثمان ، الحديث عن دانتى ،ويتشابه ثلاثة من عظماء العالم فى قوة الروح ، ولطف الحس ، وسعة الأفق ، والثورة على القديم ، وفى التطلع إلى بناء مجتمع إنسانى مثالى ، وإن اختلفت أداة التعبير عند كل منهم فالأول دانتى أليجييرى ، الذى أراد فى الكوميديا أن يقيم عا لما جديدا ، أسا سه العدالة والحرية والنظام والوحدة ، والطهر والصفاء والأمل والحب .والثانى ميكلأنجلو بوناروتى ، الذى عبر فى تماثيله الشاهقة وصوره الإلهية عن بناء عصر جديد ، تسوده القوة والحرية والصدق والذوق الرفيع .والثالث لودفيج فان بيتهوفن ، الذى هدف الحانه الرائعة إلى إقا مة عا لم مثالى ، قوامه الحق والفن والحرية والسلام ، وبلغ به الأمر أن تطلع إلى خلق إله جديد! !وفى كل من هؤلاء قوة وضعف وساذجة وحكمة ، وبراءة وإدراك عميق ، وأسى ونيران ودموع ، وسخط ويأس ومرارة ، وفلسفة وصوفية ،وحب وصفاء وأمل وإيمان 0خرج ثلاثتهم من الأسى والشجن بالصبر عليهما ، وظفروا بالإبداع ، وحَلقوا فى أجواز الفن الرفيع ،بما لم يصل إليه غيرهم 0صوروا الطبيعة ،ورسموا الإنسان ،وصفوا الأرض ، با لقلم والريشة والأزميل واللحن ، وأخرجوا للإنسانية روائعهم الخالدة )0
      وسأحاول وبإيجاز أن أتكلم قليلا ، عن الشاعر الأعظم دانتى ، ولد دانتى فى فلورنسا فى أواخر مايو 1265وعمد باسم دورانتى أليجييرى ، ومن المعانى التى تقال فى تفسير اسمه حامل الجناح الباقى على الزمن وهو ينتمى إلى أسرة يقال أنها تنحدر عن أصل رومانى نبيل ، وتدعى أسرة إليزيى التىترجع إلى عهد يوليوس قيصر ، ووقت مولده كانت أسرته متواضعة الحال وماتت أمه وهو فى سن مبكرة ثم مات أبوه ولما يكتمل دانتى دور الشباب .ومس الحب شغاف قلبه وهو فى التا سعة فأحب بياتريتشى ابنة فولكو بورتينارى من أثرياء فلورنسا ، ويقال أنه رآها بعد ئذ فى سن الثامنة عشرة ،وتزوحت بياتريتشى بآخر ثم ماتت فى شرخ الصبا ، فامتلك الحزن فؤاد دانتى ولم ينسها طوال حياته بل كانت مصدر إلهامه لرائعته الكوميديا ، وفى الأنشودة الثلاثين من النشيد الثانى المطهر (هكذا بدت لى _بين سحابة من الأزهار التى تصاعدت من أيدى الملائكة ،وهوت إلى باطن العربة وإلى خارجها _هكذابدت لى سيدة _ تكللت بغصن الزيتون فوق نقابها الأبيض ،وارتدت ثوبا فى لون الشعلة المستعرة ،تحت عباءة خضراء 0وروحى التى لم يك قد نالها منذ أمد بعيد ما ألفته من العجب والرعدة ، حين كانت تمثل فى حضرتها ،أحسست _دون أن أتبين بعينى منها مزيدا _السلطان العارم القديم ،بالسحر الخفى الذى انبعث منها 0وما إن أصابت ناظرى قوتها الساحقة 0التى جرحتنى بسهامها ،من أن أتجاوز عهد الطفولة _حتى اتجهت إلى يسارى بالثقة التى يجرى بها الطفل الصغير نحو أمه ، عندما يخاف أويتألم _)0وانصرف دانتى إلى الدراسة ، وتلقى التعليم السائد فى عصره ، درس القانون والطب والموسيقى والنحت والفلسفة والطبيعة والكيمياء والفلك والسياسة والتصوير والتاريخ واللاهوت ،ودرس تراث اللاتين ، وألمّ بتراث اليونان والشرق ، وعرف ثقافة العصور الوسطى ، وتعلم الفرنسية ولغة البروفنس ، ودرس أدب التروبادور ، ولم يقتصر دانتى على حياة الدرس والشعر ، بل اشترك فى الحياة العسكرية وكان فارسا شجاعا .[/align]

      تعليق

      • عبدالرؤوف النويهى
        أديب وكاتب
        • 12-10-2007
        • 2218

        #18
        الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالى الأعظم دانتى أليجييرى "الفلورنسى مولدا لا خلقا " (3)


        [align=justify]وشارك فى معركة كامبالدينو سنة 1289والتى اشتعلت بين الجبلين بزعامة أريتزو وبتشجيع من الملك الفرنسى شارل الثانى ، وبين الجلف بزعامة فلورنسا ، وكان دانتى فى طليعة فرسان فلورنسا ، وقاتل قتالا عنيفا وكذلك اشترك فى القتال ضد بيزا ، واسهم فى حصار قلعة كابرونا ، والذى انتهى بسقوطها فى أيدى القوات الفلورنسية ، كان دانتى جنديا شجاعا لايتأخر فى الدفاع عن بلده ويبذل فى سبيلها كل مرتخص وغال ، ولم يكن بالذى ينأى عن مجتمعه ويعيش فى برج عاجى وإنما منغمسا فيه ،وتزوج وأنجب ثلاثة أبناء ، بيترو وجاكوبووبياتريتشى (لم ينس دانتى حبيبته وملهمته بياتريتش،أطلق أسمها على إبنته )وهكذا كان دانتى العظيم صادقا مع نفسه ومشاعره 0
        وفى سنة 1295سجل اسمه فى نقابة الأطباء والصيادلة ، وصار من حقه الدخول فى الوظائف العامة والحياة السياسية0أصبح عضوا فى مجلس قبطان الشعب ، ثم عضوا فى مجلس المائة ورسولا من قبل حكومته إلى بعض البلدان الإيطالية لتسوية المشاكل المثارة بينها وبين فلورنسا ، وأحرز تقدما بفضل شاعريته وثقافته ، الأمر الذى اختير به عضوا فى مجلس السنيوريا وهو يمثل سلطة الحكومة العليا فى فلورنسا ، واعتبرمن أكفأ رجال السياسة واثر صراع بين بابا روما وفلورنسا وقيام دانتىبرفض مطالب البابا ، وكالعادة تم تلفيق الإتهامات وصدرت ضده أحكام عديدة ونفى عن وطنه فلورنسا وتشرد فى المدن الإيطالية وهو عزيز النفس ، جم الكبرياء ، شامخ الرأس ، مرهوب الجانب .
        مضى دانتى العظيم فى حياة التشرد والنفى ، وامتطى دابة وعبر التلال والأنهار ، وسار فى كثير من الأحايين على قدميه اللتين تورمتا وأصابهما السقم والجروح ، مضى حاملا متاعه القليل وأوراقه وبعض كتبه ، متعرضا لأهوال الطريق وقطاع الطرق الأشرار .
        كم من المرات تعرضت للأهوال أيها المتشرد العظيم ؟؟؟؟
        كم من المرات خرج عليك الأشرار وأوسعوك ضربا وتمزيقا وإهانة ؟
        كم من المرات ، عشت أيها الشاعر العظيم لا تجد قوتا ، لا تجد ماءا ، لا تجد مكانا مريحا تريح فيه هذا الجسد العليل ؟
        ما أشقى نفسك أيها العظيم وأنت تتسول الطعام لتسد جوع الجسد المضنى !! أكاد أراك وأنت مشرد فى الفيافى والبيد والجبال ، ممزق الثياب ، سيىء الهندام ، تسأل المأوى أنى يكون ، تستريح تحت ظل شجرة من الهجير ، تغفو لحيظات ثم تواصل المسيرفى ظلمات ليل لايرحم وظلمات أناس فقدوا المشاعر والأحاسيس....
        أراك تعدو خائفا مرتعبا فى ليل الخناجر والظنون .......

        وفى سنة 1316عاد دانتى إلى فيرونا وقضى بعض الوقت فى ضيافة أميرها كان جراندى دلا سكالا ، المعجب بالعبقريات ورجال العلم والأدب والشعراء .ووجد دانتى هدوءا وراحة وسكينة فأهدى له النشيد الثالث من الرائعة الكوميديا الإلهية (الفردوس )لكن دائما وأبدا تأتى الرياح بمالاتشتهى السفن وكأن حياة التشرد والنفى لافكاك منها ، حمل دانتى العظيم اوراقه ويالها من أوراق هى الخلود السرمدى الأبدى ...وتنقل بين المدن مانتوا وجوبيو وأودينى .
        واجتاز حدود رومانيا فى سنة 1317وكان عمره آنذاك 52عاما، وكأن القدر يريد أن يمن عليه ببعض الهدوء والراحة ، فلم يكد يعبر الحدود حتى سارع أميرها جويدو نوفلو إلى دعوته فى رافنا ، وجنبه مؤنة السؤال وطلب المعونة ، واعطاه مكانة ومكانا ، وعهد إليه بالعمل أستاذا وسفيرا ,وفرض له راتبا مجزيا حتى لايعيش عالة على أحد ...
        هاهى الدنيا ياأيها الشاعر الأعظم التى اثقلت روحك بالعذاب والشقاء والفقر والتشرد والنفى والغربة ..قد أتت إليك بجمالها وحلاوتها وسعدها وفرحتها كى تعيد إليك البسمة والضحكة ، واصبح له الكثير من الأصدقاء من علية القوم واستقرت حياته بعد عناء ومشقة وبؤس وإملاق ، وأتت إليه أسرته، أولاده، بيترو الذى كان محاميا ، وجاكوبو و أسرة الإبنين، وقدمت ابنته بياتريتشى التى صارت راهبة فى دير سان استيفانو دل أوليفيا فى رافنا ، واعتاد دانتى أن يتريض فى غابة رافنا وعلى شاطىء الأدرياتيك ، يفكر ويتأمل ويصغى للطيور ويستمتع بالزهور والورود والأشجار 0وحدث عراك فى البحر بين تاجرمن رافنا وسفينة بندقية انتهى إلى قتل القبطان وبعض رجاله ، وقطعت البندقية العلاقات السياسية مع رافنا واشتعلت الحرب الكلامية بينها وتعقدت الأمور إلى الحد أن تقوم الحرب المدمرة بينهما، فلم يجد أمير رافنا بدا أن يقوم دانتى بالسفارة بين البلدين وحل المشاكل التى نجمت عن هذا العراك الذى سيأخذ البلدين لحرب شعواء ، واستطاع العظيم دانتى بما أؤتى من حصافة وعبقرية من إنهاء المشكلة والتهدئة بين البلدين ، وأثناء عودته من البندقية برا ، عبروا منطقة مستنقعات ، فأصيب دانتى بالملاريا ووصل إلى رافنا مريضا ولم يتحمل الحمى،وأسلم الروح ليلة13/14سبتمبر مات دانتى العظيم واضعا يده فوق صدره وكانت عيناه مغلقتين ووجهه متصلبا .
        إيه ايها الشاعر الأعظم ، إنك لم تمت ولم تنته حياتك ، بل صرت خالدا أبد الدهر ..عشت 56عاما ولكن الخلود مثواك والرفعة مكانتك الشامخة التى لاتطاولها قامة ..وهانحن بعد 741سنة من مولدك مايو سنة 1265ومماتك ليلة13/14 سبتمبر 1321 نقف وبكل تقدير وتبجيل ونقول ماأجمل الحياة وأروعها بصحبة الكوميديا الإلهية
        عبدالرؤوف النويهى
        3 - مارس - 2006


        [/align]

        تعليق

        • عبدالرؤوف النويهى
          أديب وكاتب
          • 12-10-2007
          • 2218

          #19
          [align=justify]الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالى الأعظم دانتى أليجييرى "الفلورنسى مولدا لا خلقا " (4)

          وهكذا استراح أخيرا "دانتى العظيم ".وفى ليلة وفاته ، لم ينم ولداه وابنته ، ولم ينم أمير رافنا ، ولم ينم مريدوه ومحبوه وأصدقاؤه .
          كانت ليلة حزينة أشد ما يكون الحزن ، وأعلن أمير رافنا ، الحداد العام فى بلدان الإمارة ..وألقى رثاءً مؤثرا أطرى فيه مزايا الشاعر العظيم وأشاد به وبأفعاله كل الإشادة ووعد بإقامة قبر يليق بالشاعر العظيم ، لكن أمور السياسة لاتستقيم ولم يتم تنفيذ الوعد، مما حدا بأصدقائه بدفن الجثمان فى كنيسة براتشافورتى للفرنتشسكان .
          ومرت السنون وبعد نصف قرن ويزيد من وفاة دانتى ، شعرت فلورنسا أنها أخطأت خطأً فادحا وظلمته ظلما غير مبرر ، فهو ابنها البار الذى أحبها وحملها بين أضلاعه وديعة غالية وثمينة ، فترات تشرده ونفيه وتنقله بين البلاد ، لم ينسها ولم يطعن فيها وإنما حريص عليها كل الحرص ، وتشهد ابيات الكوميديا بذلك ، فأذاعت الكوميديا ودرستها لأبنائها وصارت الملحمة الأثيرة ، وذاع صيتها فى الإمارات المجاورة ، واكتشف الناس فيها أحلامهم وأمانيهم ومشاعرهم المكبوتة ، وجدوا فيها أنفسهم وتغنوا بها ورددوا أبياتها وعشقوا صاحبها وتاقوا إليه هذا المتشرد العظيم الغائب عنهم بجسده الحاضرعندهم بأدبه وفنه الخالد (الكوميديا الإلهية ) وإزاء الضغط الشعبى ، أرادت فلورنسا الجاحدة لإبنها البار والعاقة له ، أن تصلح خطئها الجسيم والأشد جسامة ، فطلبت من رافنا ، أن تسمح لها بنقل رفات دانتى ، ليستقر فى فلورنسا ، ورفضت رافنا وعارضت أشد المعارضة .
          ومرت عدة قرون وفلورنسا تشعر بالندم على ماصنعته بإبنها ذائع الصيت الشاعر الأعظم دانتى ، وفى بداية القرن السادس عشر الميلادى، وإثر تولى البابا ليو العاشر رئا سة الفاتيكان وبإلحاح من رجالات فلورنسا ، تدخل البابا وطلب من رافنا السماح لفلورنسا بنقل رفات دانتى إليها ،وهل يمكن بأى حال من الأحوال رفض طلب البا با؟؟وتم فتح المقبرة وجد التابوت فارغا إلا من بعض عظام ،ولم يكتمل ما سعت إليه فلورنسا .
          وفى سنة 1865وفى فترة الإحتفال بمرور 600سنة على ميلاد الشاعر الأعظم دانتى ، فى رافنا وأثناء إجراء بعض الترميمات بكنيسة براتشافورتى ، ظهر تابوت خشبى داخل أحد الجدران ، مكتوبا عليه أن الأب أنطونيو سانتى قد أخفاه سنة1677وجد به هيكل عظمى ،وافق قناع الموت لدانتى 00ووضعت بقايا دانتى العظيم فى تابوت من البللور ثلاثة أيام ، ثم نقل فى حفل مهيب إلى كنيسة براتشافورتى وحضره مندبو فلورنسا ،ونقش على التابوت
          (ليست فلورنسا بل أهواء الحزبية هى التى حكمت عليه بالنفى الأبدى )0وتعظيما وتقديرا من رافنا الودودة ،أقامت برجا تذكاريا به ناقوس من البرونزوالفضة ، ساهمت فيه بلديات إيطاليا بالأموال ،ولكن فلورنسا مفجوعة فى شاعرها الأعظم وندمها الذى لا يغتفر على مدى الحياة ،لما أحاق به من ظلم وعذاب وتشرد وإهانة ونفى أبدى .وفى سنة 1829 م قامت فلورنسا بتشييد قبر رمزى للشاعر الأعظم دانتى فى كنيسة سانتا كروتشى ويتكون القبر من تابوت فارغ ،يعلوه تمثال جالس للشاعر وقد توج بإكليل الغار،وإلى يمين التابوت سيدة واقفة ،ترمز لإيطاليا وتشير بيدها إلى الكلمات المحفورة أسفل تمثال دانتى ،والتى تقول (مجدوا الشاعر الأعظم )، والتى أنطقها دانتى على لسان خالد الذكر هوميروس ، تمجيدا فى شا عر اللاتين فرجيليوس (سمعت وقتئذ صوتا يقول :"مجدوا الشاعر الأعظم " إن شبحه يعود وكان قد ارتحل ) الأنشودة الرابعة ، الجحيم ، البيت 79
          ولم تجد إيطاليا سوى هذا البيت من الكوميديا معبرا عن تقديرها لشاعرها الأعظم دانتى، وإلى يسار التابوت تمثال سيدة أخرى ، ترمز لفلورنسا ، وهى محنية أسفل التابوت ، وبيدها إكليل الغار الذى حلمت يوما أن تضعه على رأسه حيا ، وهى والهة تبكى ندما وحزنا على ما فعلته واقترفته فى حق الشاعر الأعظم ، وستظل تبكى أبد الدهر ، ويبقى دانتى علما شامخا ، وشاعرا متميزا ، وإنسانا رائعا .تهفو إليه النفوس ، وتسعى نحوه القلوب ، وتناجيه الأفئدة ..[/align]

          تعليق

          • عبدالرحمن السليمان
            مستشار أدبي
            • 23-05-2007
            • 5434

            #20
            [align=justify]السلام عليكم،

            كنت كتبت حاشية ونشرتها في الملتقى بعنوان "ظاهرة الاستلهام الشعري" ذكرت فيها بعض الأعمال الغربية المستوحاة من أعمال عربية ومنها كوميديا دانته، وعبثا حاولت العثور عليها، لا في الملتقى ولا في أرشيفي الخاص، فقد تكون ذات فائدة للأستاذة رشا.

            من جهة أخرى، لدي نسخة ممسوحة ضوئيا من ترجمة الكوميديا الكاملة في العربية، فإذا كان في ذلك فائدة للاطلاع عليها أرسلها لرفعها إلى مكتبة الكتب علما أني أعتقد أن على المثقف العربي الاطلاع على جميع ما يقال فينا اطلاع معرفة نافية للجهالة كما يقول أهل القانون، وليس اطلاع غير ذلك!!!

            ولمحيي الدين بن عربي رسالة بعنوان "رسالة الإسرا إلى مقام الأسرى" يصف فيها الرحلة الصوفية السماوية يجدر بالتوقف عندها في هذا الخصوص.

            وتحية طيبة عطرة.[/align]
            التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان; الساعة 27-03-2008, 16:14.
            عبدالرحمن السليمان
            الجمعية الدولية لمترجمي العربية
            www.atinternational.org

            تعليق

            • رشا
              • 09-03-2008
              • 5

              #21
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
              أساتذتي الكرام :
              شكراً جزيلاً على تعاونكم معنا ومداخلاتكم بشأن (دانتي)
              أرجو تزويدي بكل جديد وخاصة فيما يخص( الحياة الجديدة) لدانتي ، أو أي أثر تركه ابن حزم في الغرب.
              جزاكم الله عنا كل خير
              تحياتي
              رشا

              تعليق

              • ناهد تاج هاشم
                عضو الملتقى
                • 28-12-2007
                • 207

                #22
                صباح الخير
                شكرا أستاذ عبد الرؤوف على هذه المساهمات المفيدة ، والشكر الجزيل أيضا للدكتور عبد الرحمن على ماأضافه. وبالعودة للعزيزة رشا أقول هناك نقطتان هامتان بالنسبة للكوميديا الإلهية وموضوع تأثرها بالأدب العربي والفلسفة الاسلامية.
                بداية على صعيد الصياغة وأجزائها فهي متأثرة برسالة الغفران لأبي العلاء المعري . لكنها على صعيد كثير من الأفكار التي طرحتها يوجد بقوة تأثير فكر ابن حزم فيها ، مثلا موضوع الحب . في طوق الحمامة للإمام ابن حزم هناك باب في تعريف الحب. وينطلق ابن حزم من قول للرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام بأن "الأرواح جنود مجندة ". وهذا يقودنا لمفهوم برز في فلسفة ابن حزم له علاقة بكون الأرواح تبحث دائما عن من تأتلف معه وبالتالي الحب واللقاء كما كان جليا في طوق الحمامة هو لقاء الأرواح. الأن كيف نربط ذلك بكوميديا دانتي. بداية نلاحظ هناك تقارب كبير بين ماطرحه ابن حزم وبين حب دانتي لبياترس وموضوع أنه صادفها والتقى بها بالجنة في تخيله لالتقاء أرواحهما على الرغم من عدم تلاقي جسديهما في الدنيا لكون بياترس تزوجت من غيره . هذا له تلاقيه مع فلسفة ابن حزم ومفهوم الحب والتقاء الأرواح.
                مرة جديدة شكرا للعزيزة رشا
                مودتي
                ناهد

                تعليق

                يعمل...
                X