في اللحظة الأخيرة ....
"الأحجية بدأت تحنّ على عجزي، الملامح كادت تتجلّى ،
الألوان المتبعثرة في تلك اللوحة، خطت أولى خطواتها نحو العناق، والريشة التي قررت أن تصبح جزءا من الكون، لأول مرة تلتقي الشمس وتنجح برسم بعض من أشعّتها ، أشعّة أعيد من خلالها تشكيل نفسي، تلك التي فقدتها مرة في الظلام، ولم أجد بعضا منها إلا عندما قرر أن يدخلني مملكته ..لاأزال أذكر تلك البوابة، كانت دافئة كعينيه، لامعة كالبرق الذي أراد فجأة أن يحقق الأماني، ومن هنا أضاءت الحياة أولى شموعي، وأعلنت الفصول ولادتي ..
كنت أعرف أنه العهد الجديد، المطر أعدّ طقوس الحياة، الندى كان يتراقص على شفتيّ، على زهوره المتفتحة، حينما همس وقال اقتربي، هممت لأعانق صوته، شعرت أنني أعرفه، لم أكن متأكدة، إما كان اللحن الذي تعزفه السماء كل مساء ضاحكا، أو ربما دندنات الياسمين، وتمتماتها، حينما تنحني لتقبل يد الربيع كل عام .......!
دنوت بخطاي المتباطئة، خوفا من أن يكون ما أنا فيه حلما، فأصحو، وخوفا على نسيمه الذي أحاطني من أن يهرب .....
على كرسيّه المذهّب بالسحر، كان يجلس، مبتسما، تداعبه أطياف حاولت أن تلهيه عنّي، أحسّ بغيرتها فأمرها أن تحملني إليه...
هنا تلاشى الزمان، والمكان، وربما أنا نفسي...
لا أدري من أين نبتت أجنحتي، حلقّت في فضائه.. نعم طرت،وكان عبيره ينعش الروح ويحيها، ولما أرهقني كونه اللا محدود، ركبت زورق عينيه، وأبحرت ...إلى أن غبت تماما ..
وإلى اليوم ما زلت غائبة، أين؟ لا أعرف، لكنني أعرف أنني معه، هناك ، حيث كل شيء يرقص، والزهور تمتم طوال الليل، دون أن تؤرقني كوجهه الذي لا تتوقف أحاديثه مع الجمال والسحر...
في روحه المطلّة على المروج، زرع لي دالية، أمسكت قلمي ورحت أنقش له على كل عنقود قصيدة، إلى أن وصلت إلى حبّات غريبة ، ظننت أن لونها الشفّاف سيزيد من حروفي تألقا، لكن فجأة عصفت السماء، تغير لون المروج، وامتدت أفرع الشجر إلى السماء، تردد تراتيل ما، ظننتها القيامة، بحثت عنه، فوجدته يركض نحوي، حضنني، ثم لملم حبات العنب المتناثرة، قبّلها، وأعادها إلى حضن العنقود..
قال: لا تعبثي بالمحظور، لا تعبثي بوجودك في قلبي....
كلّ شيء عاد تقريبا كما كان ..الغناء ... الرقص .... والصفاء ..
حاولت أن أفهم كلامه، أيّ محظور كان هذا !!
حضنه، عيناه ، وأناشيد العصافير، كلها طلبت مني تجاهل الأمر ..
عاد العزف إلى عالمنا، لكن أصواتا كانت تخترق الألحان ...
هي تناديني، تلك الحبات المحظورة، تناديني....
ليلا ونهارا تناديني، كنت أظنها مجرد تعويذة، أو لعنة من لعنات العقل حين يجتاح كل لحظة مجنونة نعانقها بكل ما نملك من قوة، وأمل، وابتسامات...
الحبات تنادي مجددا........ تطلق صفارات الإنذار .. كل شيء صار يصرخ: المحظور ..المحظور ...
القصر أخذ يتمايل، أو ربما زلزال اجتاحني أنا فقط .... يا إلهي!
ماذا أفعل؟ أذناي ما عادت تقوى على التحمّل، الرعب دبّ فيّ، يقول لي لبّي النداء ...
هل أقطفها ؟............................."
أغلقت الدفتر بتنهيدة عصفت بها، لأول مرة تكتب قصة لا تنهيها .. نظرت جانبا فوجدت بريده، رسائل لطالما تلقتها من أكتاف المستحيل، مزقتها برفق بعد تردد..بكت، وابتسمت ..نظرت إليها كأنها تريد التبرير: "قالت هكذا أفضل" .. داعبها النسيم الواقف على شرفتها، اقتربت منه، حاولت أن تودعه الرسائل وحبات العنب، خافت عليها من البرد .. حضنتها...
تذكرت ذلك الدُرج، من وجدانها أحضرت المفتاح، فتحت شقّا منه، امتد ذلك الشيء يريد الخروج، يريد الهروب بعد أن تنفسّ عبير الحرية أخيرا، النور لم تعتد عليه القضبان، فصعّب المهمّة...
في برهة كانت قد رمت الجزء الآخر من روحها بسرعة وأقفلت الدرج مجددا ......
أسرعت نحو الدفتر، فتحته، أمسكت القلم بعنف اعتادت أن تمارسه على نفسها ..
"كان عذابك ......هي أحرفي ..هي أحرفي ..
الزرع انتهى من مواسمي الآن، وحان وقت حصاد الفرح من عينيك ........"
بسمة الصيادي
3/8/2010
تعليق