غريب أمر هذا الرجل،منذ أن عرفته اندهشت بخصاله وطبائعه وتقشفه.كان يستطيع أن يعيش مكتفيا بالخبز الحافي لزمن،وأحيانا يمزجه بالتين أو الزبيب،تماما كما أفعل في رحلاتي حينما أعتمد التمر والجبن والخبز.لكن سقراط كان يرفض التخلي عن سيجارته وخصوصا سيجارة الصباح،وكأنها تفتح أمامه باب التأمل في أسرار الوجود والحياة.
عشق سقراط الفلسفة ودافع عنها ضدا على الأعداء أمثال السوفسطائيين.علاقة سقراط بالفلسفة غريبة،فهو أحبها وتزوجها،لم يفارقها أبدا وظل متيما بها إلى آخر لحظة من حياته،وبالمقابل هي عاملته أيضا بحب وشغف كبير،يكفي أنها جعلت اسمه محطة أساسية في تاريخ الفلسفة اليونانية كلها:فهناك تاريخ الفلسفة قبل سقراط حيث مرحلة الحكماء الأوائل الذين اهتموا بدراسة أصل الوجود ومصيره،وتاريخ الفلسفة بعد سقراط حيث اهتمت الفلسفة في هذه المرحلة بالسياسة والأخلاق والمعرفة،أي بكل ما يهم الوجود البشري بعيدا عن البحث عن أصل الكون، ولهذا يقال أن سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض.
عشق الفلسفة لسقراط هو الذي خلده،فمن المعلوم أنه لم يخلف لنا أثرا مكتوبا يدل عليه،فهل يعقل أن سقراط لم يكن على علم بمخاطر النسيان ولذلك لم يكتب؟
كيف يصح ذلك وهو يرفض أن يتحول إلى مجرد كائن متفرج تافه،لا أحد يعيره اهتماما أو يتذكره،لم يكن طفيليا ولكنه اشتهر بوجوده في حفلات الزفاف أو الخطوبة،إلى درجة تعود الناس على رؤيته،فبالإضافة إلى روحه المرحة،فإنه اشتهر بالغناء،مما جعله أحيانا يتحول إلى مغن بالصدفة ويثير إعجاب المدعوين للحفل(1).
كل ما نعلمه عنك يا سقراط هو ما رواه عنك معاصروك أمثال تلميذك المخلص أفلاطون والشاعر الهزلي أرسطوفان والأديب المتفلسف اكسانوفون.
سقراط النحات مال إلى محبة الحكمة في سن مبكرة،غذى عقله وهذب نفسه وفهم الحكمة بأنها كمال العلم لكمال العمل،واستفاد من مناهج السوفسطائيين ولم يأخذ بشكوكهم(2)واقتنع بأن العلم هو العلم بالنفس من أجل تقويم اعوجاجها.فهل كانت تكفيه تلك العبارة التي قرأها في معبد دلف (اعرف نفسك بنفسك)ليظل يردد باستمرار(إن كل ما أعرفه هو أني لا أعرف شيئا)ومع ذلك كان يعتبر نفسه بأنه في أتم السعادة.
هذا الشعار هو الذي حرره من الكهف الأفلاطوني حيث يعتبر السجناء الأوهام والظلال هي الحقيقة،وقد قام سقراط بدوره بتحرير أحد السجناء رغما عنه،حيث يقول:(فلنفرض أننا أطلقنا صراح واحد من هؤلاء السجناء وأرغمناه على أن ينهض فجأة ويدير رأسه،ويسير رافعا عينيه نحو النور.عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة.وسوف ينبهر إلى حد يعجز عنه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها من قبل،فما الذي تظنه سيقول،إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل،وأن رؤيته الآن أدق،لأنه أقرب إلى الحقيقة)3.
هذا هو حال الفيلسوف يا سقراط،إنه ذلك السجين الذي أخرجته رغما عن إرادته من ظلمات الكهف إلى أنوار الحقيقة،أطلقت صراحه ليصعد عبر طريق وعر،طريق الحقيقة الذي يحتاج إلى عناء وصبر.غير أن الحقيقة باعتبارها معشوقة المريدين لا تغري الجميع،فهي تجلب فقط العاشقين محبي الحكمة دون غيرهم لأنها معشوقة لذاتها كما تقول ،فهي تتطلب نقاء السريرة والعدل والإعتدال،وهذه هي محبة الحكمة.
لقد ظلت روحك تسكن الكثيرين من بعدك يا سقراط،فأنت أزلي حسب أرسطو،لأنك توجد في كل مكان من هذا الوجود يعمره الإنسان،فحيثما كان الإنسان إلا وهناك فلسفة،هاته الروح التي تتساءل باستمرار عن صفات هذا المخلوق الذي يستطيع التعلق بالحقيقة عبر طرحه لمجموعة من الأسئلة المقلقة التي تزعج وتوقظ العقل من نومه العميق.رغم حبك يا سقراط لمشاركة الآخرين أفراحهم لم تسلم من أذى الأعداء،وجدت نفسك أمام النفوس الوضيعة للسوفسطائيين،تلك النفوس التي تتآمر على محبة الحكمة وتبعد الشباب عنها نظرا لما تبثه فيهم من شكوك وتلطيخ لسمعتها وشرفها،لأنهم سماسرة وتجار للحقيقة ينشرون الكراهية والبلادة ، منحطين والمنحط لا ينتج إلا الإنحطاط.لكن العيب ليس فيهم بل هو بالأساس في من لا يصغي للحكماء ولا ينتفع من أعمالهم،ولا يجوز كما روى عنك تلميذك أفلاطون:(أن يتوسل القبطان إلى الملاحين أن يخضعوا لأوامره،ولا أن يقف الحكماء على أعتاب الأغنياء الجهال ولا أمام أولئك السياسيين الذين يفتقرون إلى التعقل ويطغى على نفوسهم الكسل وجمع المال)4.
ما أروع عنادك الراقي يا سقراط !
كيف تصر على العيش في فقر إلى درجة أنك تغسل ثيابك في العين وتتنتظر جفافها بلهفة حتى تتمكن من الذهاب إلى حفلة ما،وكان بالإمكان أن تحصل على دخل مهم من خلال ما تعلمه للناس؟ فهذا هيباس الكبير وهو سوفسطائي يقول:(آه لو تعلم كم كسبت في سيسيليا رغم وجود بروتاغوراس(زعيم السوفسطائيين)بها وصغر سني،فقد كسبت مائة وخمسين قطعة من النقد،وفي قرية صغيرة،فقد كسبت عشرين قطعة...علمت شابا في ثلاثة أيام الخ!!!)5
ما سر عنادك يا سقراط ؟لماذا شربت السم بإصرار وبذلك كانت آراؤك سببا في موتك؟لماذا لم تتنازل لتكون واحدا من القطيع،واحدا من العامة في المدينة الفاسدة؟!
في لحظة حرجة من حياتك يا سقراط وضعت أمام اختيار حاسم وصعب،إما الموت بتنفيذ حكم الإعدام أو الفرار من السجن بمساعدة أصدقائك،وخصوصا صديقك الوفي قريطون الذي أغراك بالفرار وهيأ السبل لذلك.فما كان منك إلا أن تختار أصعب الإختيارين،لماذا لم تفر لتنجو بنفسك وقد طالت إقامتك قرب الأنذال المخادعين الأدنياء،أصابتك دسائسهم لأنهم كثرة ويتملقون أهل الغلبة..
لقد جنيت على نفسك يا سقراط واخترت الموت،أي تنفيذ حكم الإعدام بحقك وأنت تعلم بأنك مظلوم،كنت شجاعا واتخذت قرارا صادرا من أعماق ضميرك.آثرت الإمتثال للقانون رغم الإدانة الظالمة التي مفادها أنك انتهكت القانون وأفسدت عقول الشباب بتساؤلاتك وسخريتك وتهكمك.
وفي فقرة من حوار سقراط بهذه المناسبة مع ضميره ممثلا في القانون نجده يقولl:إذا رحلت اليوم إلى العالم الآخر كرجل حكم عليه ظلما وبهتانا لا بسببي أنا القانون وإنما بسبب الناس.أما إذا فررت بعد أن تكون قد رددت على الظلم بظلم مشين،وعلى الشر بالشر،وبعد أن تكون قد نكثت بالعهود التي تربطنا،بعد أن تكون قد أسأت إلى من لم يسيء إليك وإلى نفسك وإلى أصدقائك وإلى وطنك وإلي أنا القانون،فإني عندئذ أصبح غاضبا عليك في هذه الحياة،وهناك قانون الآخرة لا يستقبلك بالترحاب لعلمه بأنك حاولت انتهاكي هنا عندما توقف الأمر على إرادتك الحرة.لا تدع نفسك لإغراء قريطون واستمع إلي)6.
وفعلا فقد استمع سقراط إلى نداء الضمير ووجد في فلسفته العون والقيادة للعقل والروح في تلك الظروف العصيبة...فهل يمكن أن نضحي بالحياة في سبيل الحقيقة؟.لا شك أن جواب سقراط واضح،و هو بكل حال وقع ضحية وحوش ضارية..
من خلال ما سبق،هل يمكننا أن نعيد سؤال نيتشة الذي انتقد سقراط بشدة ومع ذلك بقي يتساءل:هل أنت ميت حقا يا سقراط؟،وكأنه كان يشعر بوجوده رغم القرون التي تفصلهما.
لم تكتب ولم تدون ومع ذلك ظلت شخصيتك وروحك حاضرة لأكثر من ألفي سنة مضت، ولم يتم إخماد نار أسئلتك المزعجة بالقضاء عليك بتنفيذ حكم الإعدام بأثينا،وإرغامك على شرب الترياق أمام أصدقائك وتلامذتك وعائلتك؟
بفضل إيمانك بخلود الروح شعرت بالإطمئنان، فلم يتغير لون وجهك،ويدك لم ترتعش وهي تتسلم قدح السم من ذلك العبد الجلاد لتتناوله بمعنوية مرتفعة،واكتفيت بالقول:هل يسمح في مثل هذه اللحظات أن يؤدي الإنسان صلاته ليقترب أكثر من الآلهة؟!. حينما كنت مقتنعا بموتك وكأني سمعتك تردد ذلك البيت الشعري للمعري:
تعب كلها الحياة فما
أعجب إلا من راغب في ازدياد
مع العلم بأنك لم تكن متشائما،بل كنت تحاول إنارة الطريق لمواطنيك من أجل بناء غد أفضل،وقد يناسبك قول شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
-كنت يا سقراط تعارض العقائد والنظم السياسية بمدينتك أثينا،تنتقد ما آل إليه الوضع من شره للمال ومن فساد،ومما زاد الطين بلة هم السوفسطائيون الذين يدعون العلم بكل شيء،إلى درجة أن السوفسطائي هيباس الصغير مثلا كان يقول عن نفسه بأنه يتسابق كل سنة في الأولم ولم يجد من يرجحه علما وأنه يصنع ملابسه وحزامه وحذاءه وعطره،ويحذق الحساب والهندسة والفلك والموسيقى وقرض الشعر ويستطيع أن يدافع في آن واحد عن عشر قضايا ويجيب عن كل الإعتراضات فيها...يظهر بأن هذا السوفسطائي يعرف إذن أشياء كثيرة جدا...ما عدا الحقيقة والفضيلة.أما أنت يا سقراط فلا تدعي علما ولا تتقاضى أجرا،مدرستك هي الساحة العمومية،وهاجسك هو التجول بين الصغار والكبار،أسلوبك التهكم والتوليد،نعم تولد الأفكار من أذهان محاوريك،كما كانت أمك تولد النساء الحوامل.تتهكم بتصنعك للجهل وبتظاهرك بالتسليم بأقوال محاوريك،ثم تعترض بتساؤلاتك وشكوكك،غرضك كان تخليص العقول من العلم الزائف الذي بثه السوفسطائيون،يروي عنك تلميذك قولكlلا غرض لي في تجوالي في الشوارع إلا إقناعكم يا قوم صغارا وكبارا بألا تتبعوا الجسد ولا الثروات،وبأن تبذلوا جهدا مماثلا في كمال النفس.وأقول لكم أنه ليست الثروة التي تورث الفضيلة وإنما الفضيلة هي التي تورث الثروة وكل ما هو مفيد للأفراد والدولة).7
هكذا فقد أثرت مشكلة الجسد،واعتبرته سجنا للروح إن لم يكن أسوأ من ذلك،كما قدمت لنا نصيحة ثمينة تتجلى في عدم هدر العمر في جمع المال،وأن يحرص الإنسان على العمل لكمال نفسه بأن يداويها بالفلسفة،لذا يلزم على المرء تعلمها منذ الشباب،وقد خاطبت بولوس قائلا:lأجب بجرأة يا بولوس،فلن يصيبك من ذلك سوء،تقدم إلى العقل شجاعا كما تتقدم إلى الطبيب).إن مهمة العقل هي أن يأمر خصوصا وهو يسهر على رعاية النفس،و يقسم رغبات الإنسان إلى رغبات ضرورية وأخرى غير ضرورية،ومهمته تتجلى في التحكم فيها.والفضيلة هي صحة النفس وجمالها وقوتها،(إن الفلسفة هي التي تحافط على النوع الإنساني وتعطي لوجوده معنى،إذ من المحال أن نتصور أن ثمة حياة بدون فلسفة،ماذا سيكون مصير الإنسان في هذا العالم الذي انعدمت فيه متعة الفكر والتأمل؟هل ستختار الفلسفة الزمن المناسب للرحيل،وإفراغ الوجود من الدلالة والمعنى،وهل انتصرت السوفسطائية على الفلسفة في عصرنا الراهن؟)8.
المراجع:
1-لحظات..ويأتي سقراط:الدكتور عزيز الحدادي،منشورات دار ما بعد الحداثة،فاس ص:24
2-تاريخ الفلسفة اليونانية:يوسف كرم،دار القلم بيروت،ص:50
3-جمهورية أفلاطون:ترجمة فؤاد زكرياء،دار الكتاب العربي،ص:246
4-المرجع السابق
5-مع الفيلسوف:الدكتور محمد ثابت الفندي،دار النهضة العربية،بيروت،ص:60
6-المرجع السابق،ص:27
7-المرجع السابق،ص:70
8-لحظات ويأتي سقراط،ص:71
عشق سقراط الفلسفة ودافع عنها ضدا على الأعداء أمثال السوفسطائيين.علاقة سقراط بالفلسفة غريبة،فهو أحبها وتزوجها،لم يفارقها أبدا وظل متيما بها إلى آخر لحظة من حياته،وبالمقابل هي عاملته أيضا بحب وشغف كبير،يكفي أنها جعلت اسمه محطة أساسية في تاريخ الفلسفة اليونانية كلها:فهناك تاريخ الفلسفة قبل سقراط حيث مرحلة الحكماء الأوائل الذين اهتموا بدراسة أصل الوجود ومصيره،وتاريخ الفلسفة بعد سقراط حيث اهتمت الفلسفة في هذه المرحلة بالسياسة والأخلاق والمعرفة،أي بكل ما يهم الوجود البشري بعيدا عن البحث عن أصل الكون، ولهذا يقال أن سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض.
عشق الفلسفة لسقراط هو الذي خلده،فمن المعلوم أنه لم يخلف لنا أثرا مكتوبا يدل عليه،فهل يعقل أن سقراط لم يكن على علم بمخاطر النسيان ولذلك لم يكتب؟
كيف يصح ذلك وهو يرفض أن يتحول إلى مجرد كائن متفرج تافه،لا أحد يعيره اهتماما أو يتذكره،لم يكن طفيليا ولكنه اشتهر بوجوده في حفلات الزفاف أو الخطوبة،إلى درجة تعود الناس على رؤيته،فبالإضافة إلى روحه المرحة،فإنه اشتهر بالغناء،مما جعله أحيانا يتحول إلى مغن بالصدفة ويثير إعجاب المدعوين للحفل(1).
كل ما نعلمه عنك يا سقراط هو ما رواه عنك معاصروك أمثال تلميذك المخلص أفلاطون والشاعر الهزلي أرسطوفان والأديب المتفلسف اكسانوفون.
سقراط النحات مال إلى محبة الحكمة في سن مبكرة،غذى عقله وهذب نفسه وفهم الحكمة بأنها كمال العلم لكمال العمل،واستفاد من مناهج السوفسطائيين ولم يأخذ بشكوكهم(2)واقتنع بأن العلم هو العلم بالنفس من أجل تقويم اعوجاجها.فهل كانت تكفيه تلك العبارة التي قرأها في معبد دلف (اعرف نفسك بنفسك)ليظل يردد باستمرار(إن كل ما أعرفه هو أني لا أعرف شيئا)ومع ذلك كان يعتبر نفسه بأنه في أتم السعادة.
هذا الشعار هو الذي حرره من الكهف الأفلاطوني حيث يعتبر السجناء الأوهام والظلال هي الحقيقة،وقد قام سقراط بدوره بتحرير أحد السجناء رغما عنه،حيث يقول:(فلنفرض أننا أطلقنا صراح واحد من هؤلاء السجناء وأرغمناه على أن ينهض فجأة ويدير رأسه،ويسير رافعا عينيه نحو النور.عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة.وسوف ينبهر إلى حد يعجز عنه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها من قبل،فما الذي تظنه سيقول،إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل،وأن رؤيته الآن أدق،لأنه أقرب إلى الحقيقة)3.
هذا هو حال الفيلسوف يا سقراط،إنه ذلك السجين الذي أخرجته رغما عن إرادته من ظلمات الكهف إلى أنوار الحقيقة،أطلقت صراحه ليصعد عبر طريق وعر،طريق الحقيقة الذي يحتاج إلى عناء وصبر.غير أن الحقيقة باعتبارها معشوقة المريدين لا تغري الجميع،فهي تجلب فقط العاشقين محبي الحكمة دون غيرهم لأنها معشوقة لذاتها كما تقول ،فهي تتطلب نقاء السريرة والعدل والإعتدال،وهذه هي محبة الحكمة.
لقد ظلت روحك تسكن الكثيرين من بعدك يا سقراط،فأنت أزلي حسب أرسطو،لأنك توجد في كل مكان من هذا الوجود يعمره الإنسان،فحيثما كان الإنسان إلا وهناك فلسفة،هاته الروح التي تتساءل باستمرار عن صفات هذا المخلوق الذي يستطيع التعلق بالحقيقة عبر طرحه لمجموعة من الأسئلة المقلقة التي تزعج وتوقظ العقل من نومه العميق.رغم حبك يا سقراط لمشاركة الآخرين أفراحهم لم تسلم من أذى الأعداء،وجدت نفسك أمام النفوس الوضيعة للسوفسطائيين،تلك النفوس التي تتآمر على محبة الحكمة وتبعد الشباب عنها نظرا لما تبثه فيهم من شكوك وتلطيخ لسمعتها وشرفها،لأنهم سماسرة وتجار للحقيقة ينشرون الكراهية والبلادة ، منحطين والمنحط لا ينتج إلا الإنحطاط.لكن العيب ليس فيهم بل هو بالأساس في من لا يصغي للحكماء ولا ينتفع من أعمالهم،ولا يجوز كما روى عنك تلميذك أفلاطون:(أن يتوسل القبطان إلى الملاحين أن يخضعوا لأوامره،ولا أن يقف الحكماء على أعتاب الأغنياء الجهال ولا أمام أولئك السياسيين الذين يفتقرون إلى التعقل ويطغى على نفوسهم الكسل وجمع المال)4.
ما أروع عنادك الراقي يا سقراط !
كيف تصر على العيش في فقر إلى درجة أنك تغسل ثيابك في العين وتتنتظر جفافها بلهفة حتى تتمكن من الذهاب إلى حفلة ما،وكان بالإمكان أن تحصل على دخل مهم من خلال ما تعلمه للناس؟ فهذا هيباس الكبير وهو سوفسطائي يقول:(آه لو تعلم كم كسبت في سيسيليا رغم وجود بروتاغوراس(زعيم السوفسطائيين)بها وصغر سني،فقد كسبت مائة وخمسين قطعة من النقد،وفي قرية صغيرة،فقد كسبت عشرين قطعة...علمت شابا في ثلاثة أيام الخ!!!)5
ما سر عنادك يا سقراط ؟لماذا شربت السم بإصرار وبذلك كانت آراؤك سببا في موتك؟لماذا لم تتنازل لتكون واحدا من القطيع،واحدا من العامة في المدينة الفاسدة؟!
في لحظة حرجة من حياتك يا سقراط وضعت أمام اختيار حاسم وصعب،إما الموت بتنفيذ حكم الإعدام أو الفرار من السجن بمساعدة أصدقائك،وخصوصا صديقك الوفي قريطون الذي أغراك بالفرار وهيأ السبل لذلك.فما كان منك إلا أن تختار أصعب الإختيارين،لماذا لم تفر لتنجو بنفسك وقد طالت إقامتك قرب الأنذال المخادعين الأدنياء،أصابتك دسائسهم لأنهم كثرة ويتملقون أهل الغلبة..
لقد جنيت على نفسك يا سقراط واخترت الموت،أي تنفيذ حكم الإعدام بحقك وأنت تعلم بأنك مظلوم،كنت شجاعا واتخذت قرارا صادرا من أعماق ضميرك.آثرت الإمتثال للقانون رغم الإدانة الظالمة التي مفادها أنك انتهكت القانون وأفسدت عقول الشباب بتساؤلاتك وسخريتك وتهكمك.
وفي فقرة من حوار سقراط بهذه المناسبة مع ضميره ممثلا في القانون نجده يقولl:إذا رحلت اليوم إلى العالم الآخر كرجل حكم عليه ظلما وبهتانا لا بسببي أنا القانون وإنما بسبب الناس.أما إذا فررت بعد أن تكون قد رددت على الظلم بظلم مشين،وعلى الشر بالشر،وبعد أن تكون قد نكثت بالعهود التي تربطنا،بعد أن تكون قد أسأت إلى من لم يسيء إليك وإلى نفسك وإلى أصدقائك وإلى وطنك وإلي أنا القانون،فإني عندئذ أصبح غاضبا عليك في هذه الحياة،وهناك قانون الآخرة لا يستقبلك بالترحاب لعلمه بأنك حاولت انتهاكي هنا عندما توقف الأمر على إرادتك الحرة.لا تدع نفسك لإغراء قريطون واستمع إلي)6.
وفعلا فقد استمع سقراط إلى نداء الضمير ووجد في فلسفته العون والقيادة للعقل والروح في تلك الظروف العصيبة...فهل يمكن أن نضحي بالحياة في سبيل الحقيقة؟.لا شك أن جواب سقراط واضح،و هو بكل حال وقع ضحية وحوش ضارية..
من خلال ما سبق،هل يمكننا أن نعيد سؤال نيتشة الذي انتقد سقراط بشدة ومع ذلك بقي يتساءل:هل أنت ميت حقا يا سقراط؟،وكأنه كان يشعر بوجوده رغم القرون التي تفصلهما.
لم تكتب ولم تدون ومع ذلك ظلت شخصيتك وروحك حاضرة لأكثر من ألفي سنة مضت، ولم يتم إخماد نار أسئلتك المزعجة بالقضاء عليك بتنفيذ حكم الإعدام بأثينا،وإرغامك على شرب الترياق أمام أصدقائك وتلامذتك وعائلتك؟
بفضل إيمانك بخلود الروح شعرت بالإطمئنان، فلم يتغير لون وجهك،ويدك لم ترتعش وهي تتسلم قدح السم من ذلك العبد الجلاد لتتناوله بمعنوية مرتفعة،واكتفيت بالقول:هل يسمح في مثل هذه اللحظات أن يؤدي الإنسان صلاته ليقترب أكثر من الآلهة؟!. حينما كنت مقتنعا بموتك وكأني سمعتك تردد ذلك البيت الشعري للمعري:
تعب كلها الحياة فما
أعجب إلا من راغب في ازدياد
مع العلم بأنك لم تكن متشائما،بل كنت تحاول إنارة الطريق لمواطنيك من أجل بناء غد أفضل،وقد يناسبك قول شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
-كنت يا سقراط تعارض العقائد والنظم السياسية بمدينتك أثينا،تنتقد ما آل إليه الوضع من شره للمال ومن فساد،ومما زاد الطين بلة هم السوفسطائيون الذين يدعون العلم بكل شيء،إلى درجة أن السوفسطائي هيباس الصغير مثلا كان يقول عن نفسه بأنه يتسابق كل سنة في الأولم ولم يجد من يرجحه علما وأنه يصنع ملابسه وحزامه وحذاءه وعطره،ويحذق الحساب والهندسة والفلك والموسيقى وقرض الشعر ويستطيع أن يدافع في آن واحد عن عشر قضايا ويجيب عن كل الإعتراضات فيها...يظهر بأن هذا السوفسطائي يعرف إذن أشياء كثيرة جدا...ما عدا الحقيقة والفضيلة.أما أنت يا سقراط فلا تدعي علما ولا تتقاضى أجرا،مدرستك هي الساحة العمومية،وهاجسك هو التجول بين الصغار والكبار،أسلوبك التهكم والتوليد،نعم تولد الأفكار من أذهان محاوريك،كما كانت أمك تولد النساء الحوامل.تتهكم بتصنعك للجهل وبتظاهرك بالتسليم بأقوال محاوريك،ثم تعترض بتساؤلاتك وشكوكك،غرضك كان تخليص العقول من العلم الزائف الذي بثه السوفسطائيون،يروي عنك تلميذك قولكlلا غرض لي في تجوالي في الشوارع إلا إقناعكم يا قوم صغارا وكبارا بألا تتبعوا الجسد ولا الثروات،وبأن تبذلوا جهدا مماثلا في كمال النفس.وأقول لكم أنه ليست الثروة التي تورث الفضيلة وإنما الفضيلة هي التي تورث الثروة وكل ما هو مفيد للأفراد والدولة).7
هكذا فقد أثرت مشكلة الجسد،واعتبرته سجنا للروح إن لم يكن أسوأ من ذلك،كما قدمت لنا نصيحة ثمينة تتجلى في عدم هدر العمر في جمع المال،وأن يحرص الإنسان على العمل لكمال نفسه بأن يداويها بالفلسفة،لذا يلزم على المرء تعلمها منذ الشباب،وقد خاطبت بولوس قائلا:lأجب بجرأة يا بولوس،فلن يصيبك من ذلك سوء،تقدم إلى العقل شجاعا كما تتقدم إلى الطبيب).إن مهمة العقل هي أن يأمر خصوصا وهو يسهر على رعاية النفس،و يقسم رغبات الإنسان إلى رغبات ضرورية وأخرى غير ضرورية،ومهمته تتجلى في التحكم فيها.والفضيلة هي صحة النفس وجمالها وقوتها،(إن الفلسفة هي التي تحافط على النوع الإنساني وتعطي لوجوده معنى،إذ من المحال أن نتصور أن ثمة حياة بدون فلسفة،ماذا سيكون مصير الإنسان في هذا العالم الذي انعدمت فيه متعة الفكر والتأمل؟هل ستختار الفلسفة الزمن المناسب للرحيل،وإفراغ الوجود من الدلالة والمعنى،وهل انتصرت السوفسطائية على الفلسفة في عصرنا الراهن؟)8.
المراجع:
1-لحظات..ويأتي سقراط:الدكتور عزيز الحدادي،منشورات دار ما بعد الحداثة،فاس ص:24
2-تاريخ الفلسفة اليونانية:يوسف كرم،دار القلم بيروت،ص:50
3-جمهورية أفلاطون:ترجمة فؤاد زكرياء،دار الكتاب العربي،ص:246
4-المرجع السابق
5-مع الفيلسوف:الدكتور محمد ثابت الفندي،دار النهضة العربية،بيروت،ص:60
6-المرجع السابق،ص:27
7-المرجع السابق،ص:70
8-لحظات ويأتي سقراط،ص:71
تعليق