عُطور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى حمزة
    أديب وكاتب
    • 17-06-2010
    • 1218

    عُطور

    عُطور


    [align=right]
    بُعَيْدَ الفجر، وقَرنُ الشمس يمد عنقه على استحياء من وراء الجبال الشرقية الشاهقة هدوءٌ ساجٍ يغلّف كُلّ المحيط . زوجتي وأنا ، و( كهيعص ) تتهادى من الحُصريّ إلى الخافقين والروحَين . القرية البعيدة نائمة أيضاً على السفح الآخر للوادي مثل هذه البيوت من حولنا بأهلها ومصطافيها الذين نام مُعظمُهم قبلَ قليل !
    قطّة بيضاءُ مُرقّشة بالأسود وقُطيطتُها في بستان الزيتون تحت شُرفتي ، القُطيطةُ مستلقيةٌ على ظهرها وأمُّها تُداعبُها لَحْساً وعَضّاً لطيفاً ، ثم تنطّ القُطيطةُ فجأة وتنفلت من بين يدي أمها هاربةً باتجاه سور البستان الذي تعجز عن تسلقه ! فتلحق بها الأمُ وتقبض عليها من ذيلها الصغير الدقيق .
    زهرُ العسل الذي يفترش جدار البيت المُطلّ على البستان يفوحُ بعطرِه الساحر ، يحمله إليّ نسيمٌ صاعِدٌ ، ويُعانق سورة مريم وعذوبةَ صوتِ الشيخ ، فتختلط العطورات الثلاثة !
    أطلّتْ وحيدتي تحملُ وليدتَها ( لين ) حفيدتي الوحيدة ذاتَ العشرين يوماً ، قُطيطة أخرى في حضن أمّها !
    - صباح الخير
    - صباح الخير حبيبتي
    وتُدني منّي ( لين ).. ألثم وجنتيها بملامسة شفتيّ ، وأشمّ فمَها الذي يُشبه فمَ السمكة الصغيرة من سَمكِ الزينة ! فيُخالط العطوراتِ الثلاثةَ عِطرٌ آخرُ في هذا الصباح المَرْيَمِيّ ! ثُمّ تُدنيها من جدّتها فتلتقطها منها وتضمّها إلى صَدْرها ، وتُباعدها ،ثم تضمّها ، ثمّ تُداعبُ شفتَها السفلى بسبّابتها ، وتكلّم عينيها الساهمتين في القادم المجهول !
    بعد قليل أفاقت أمّي . سمعتُ سُعالَها الجافّ من غرفتها ، ثم أطلّت علينا بثياب الصلاة وقد ألقت على كتفيها شالَها القطنيّ :
    - صباح الخير
    - صباح الخيرات ... سِتّ الكلّ
    وسارعتُ إلى يدها أقبّلها ، فسابقتني تُقبّل وجهي وجبيني ، فعبق بأنفي عطرٌ رائعٌ آخَرُ ! أخذتْ مجلسَها على كرسيّها وسَرَحتْ تتأمّل الأفقَ الجبليّ البعيدَ ، وتُسبّحُ اللهَ بحَبّات سُبحتها الطويلة
    وعندما قامَ المُصلّونَ لِلظهْر ، أفاق النائمونَ عندَ الفجْرِ ، وفُُتِحَتْ نوافذُ ، وأطلّتْ نواهدُ وتناثرَتْ في الجَوّ موسيقا ؛ تولّى عنها عِطرٌ ، وأدْبَرَ صَفاءٌ !
    [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    لو أنك أبدلت العنوان ، ووضعت لنا سطرا أخيرا
    وكان ذاته السطر الأول لقلت أن ما أمامى قصة
    هذه لوحة قصصية مكتوبة بعناية ، و تصوير دقيق
    ترنمت فيه و تداخلات الأصوات ، بل تدخلت فيه
    و تلاعبت على مساحته الوجوه و الأشكال ما بين قطيط
    و أسرة مكونة من رب أسرة و وزج و أم .. وحفيدة
    و ابنة .. كل هؤلاء مصطفي .. و لم تستطع أن تقدم لنا
    حدثا ما ، و لو من باب جذب الانتباه ، و شد القاريء للمتابعة
    ما قيمة اللغة الجميلة هنا ، إن لم تقدم لنا درسا رائعا مثلها ؟

    أريد أن أقول لك مصطفى الجميل ، أنا أثناء الكتابة لا نقدم الواقع
    لأنه لن يقنعنا إذا قدم على تلك الصورة ، لا بد للخيال من مساحة
    و هنا نعيد ترتيب مفردات عالمنا حسب ما يقتضي الحال
    أى نخلق حياة من تلك المفردات !!

    كنت سعيد بقراءتك
    و لكن !!!!!!


    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • مصطفى حمزة
      أديب وكاتب
      • 17-06-2010
      • 1218

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
      لو أنك أبدلت العنوان ، ووضعت لنا سطرا أخيرا
      وكان ذاته السطر الأول لقلت أن ما أمامى قصة
      هذه لوحة قصصية مكتوبة بعناية ، و تصوير دقيق
      ترنمت فيه و تداخلات الأصوات ، بل تدخلت فيه
      و تلاعبت على مساحته الوجوه و الأشكال ما بين قطيط
      و أسرة مكونة من رب أسرة و وزج و أم .. وحفيدة
      و ابنة .. كل هؤلاء مصطفي .. و لم تستطع أن تقدم لنا
      حدثا ما ، و لو من باب جذب الانتباه ، و شد القاريء للمتابعة
      ما قيمة اللغة الجميلة هنا ، إن لم تقدم لنا درسا رائعا مثلها ؟

      أريد أن أقول لك مصطفى الجميل ، أنا أثناء الكتابة لا نقدم الواقع
      لأنه لن يقنعنا إذا قدم على تلك الصورة ، لا بد للخيال من مساحة
      و هنا نعيد ترتيب مفردات عالمنا حسب ما يقتضي الحال
      أى نخلق حياة من تلك المفردات !!

      كنت سعيد بقراءتك
      و لكن !!!!!!


      محبتي
      ====
      [align=right]
      أخي الحبيب ، الأستاذ ربيع
      وأنا أحييك ، ولكن من غير ( لكن ) ...
      فلك قراءة مميزة ، عميقة وحرة . فتقبل احترامي وتقديري
      وإن سمحتَ لي أود القول : إن اللحظة الإنسانية التي يوقفها الأديب ربما تفرض عليه قوامها وزيّها وحتى حركاتها ، وفي ظني أن اللغة الجميلة بحد ذاتها غاية فكيف إذا أوحت أو صورت مشهداً ينتهي بمفارقة دقيقة ؟ ثم ألا ترى معي أخي الأكرم أننا أصبحنا نسبح في القصص ، مع هذا المجتمع الضائع المنعتق من كل القيم إلا من رحم ربك !! حتى اشتكى المشهد الجميل المقدس من تطفل قبحه عليه !!
      دمت بخير أستاذ ربيع
      [/align]

      تعليق

      يعمل...
      X