عُطور
[align=right]
بُعَيْدَ الفجر، وقَرنُ الشمس يمد عنقه على استحياء من وراء الجبال الشرقية الشاهقة هدوءٌ ساجٍ يغلّف كُلّ المحيط . زوجتي وأنا ، و( كهيعص ) تتهادى من الحُصريّ إلى الخافقين والروحَين . القرية البعيدة نائمة أيضاً على السفح الآخر للوادي مثل هذه البيوت من حولنا بأهلها ومصطافيها الذين نام مُعظمُهم قبلَ قليل !
قطّة بيضاءُ مُرقّشة بالأسود وقُطيطتُها في بستان الزيتون تحت شُرفتي ، القُطيطةُ مستلقيةٌ على ظهرها وأمُّها تُداعبُها لَحْساً وعَضّاً لطيفاً ، ثم تنطّ القُطيطةُ فجأة وتنفلت من بين يدي أمها هاربةً باتجاه سور البستان الذي تعجز عن تسلقه ! فتلحق بها الأمُ وتقبض عليها من ذيلها الصغير الدقيق .
زهرُ العسل الذي يفترش جدار البيت المُطلّ على البستان يفوحُ بعطرِه الساحر ، يحمله إليّ نسيمٌ صاعِدٌ ، ويُعانق سورة مريم وعذوبةَ صوتِ الشيخ ، فتختلط العطورات الثلاثة !
أطلّتْ وحيدتي تحملُ وليدتَها ( لين ) حفيدتي الوحيدة ذاتَ العشرين يوماً ، قُطيطة أخرى في حضن أمّها !
- صباح الخير
- صباح الخير حبيبتي
وتُدني منّي ( لين ).. ألثم وجنتيها بملامسة شفتيّ ، وأشمّ فمَها الذي يُشبه فمَ السمكة الصغيرة من سَمكِ الزينة ! فيُخالط العطوراتِ الثلاثةَ عِطرٌ آخرُ في هذا الصباح المَرْيَمِيّ ! ثُمّ تُدنيها من جدّتها فتلتقطها منها وتضمّها إلى صَدْرها ، وتُباعدها ،ثم تضمّها ، ثمّ تُداعبُ شفتَها السفلى بسبّابتها ، وتكلّم عينيها الساهمتين في القادم المجهول !
بعد قليل أفاقت أمّي . سمعتُ سُعالَها الجافّ من غرفتها ، ثم أطلّت علينا بثياب الصلاة وقد ألقت على كتفيها شالَها القطنيّ :
- صباح الخير
- صباح الخيرات ... سِتّ الكلّ
وسارعتُ إلى يدها أقبّلها ، فسابقتني تُقبّل وجهي وجبيني ، فعبق بأنفي عطرٌ رائعٌ آخَرُ ! أخذتْ مجلسَها على كرسيّها وسَرَحتْ تتأمّل الأفقَ الجبليّ البعيدَ ، وتُسبّحُ اللهَ بحَبّات سُبحتها الطويلة
وعندما قامَ المُصلّونَ لِلظهْر ، أفاق النائمونَ عندَ الفجْرِ ، وفُُتِحَتْ نوافذُ ، وأطلّتْ نواهدُ وتناثرَتْ في الجَوّ موسيقا ؛ تولّى عنها عِطرٌ ، وأدْبَرَ صَفاءٌ !
[/align]
تعليق