همسات بردى" قصص ولوحات"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.محمد أنس بركات
    عضو الملتقى
    • 14-01-2010
    • 51

    مكتبة اللغة العربية وآدابها همسات بردى" قصص ولوحات"

    محمد النجار
    شهاب أدبي.. لمع وانطفأ
    1900-1961
    منقول من كتاب عبقريات
    للكاتب والأديب عبد الغني العطري


    عندما كان على قيد الحياة... عاش على هامش الحياة الأدبية.
    وعندما رحل, كان رحيله بصمت وهدوء.
    لم يشعر بغيابه سوى نفر من بقايا الأهل والصحب.
    لم يرثه أحد من الكتّاب أو الأدباء.
    ولم تنشر نبأ رحيله صحيفة ولا مجلة.
    ولكنه كان يستحق كثيرا ً من التقدير والتكريم.
    وتنبّه الأدباء والدارسون إلى ما قدّم في عالم القصة... عندما لم يكن للقصة شأن في أدبنا المعاصر.
    وصفه شاكر مصطفى بأنه " مشروع" قصّاص بارع, لمع كشهاب الليل ثم انطفأ.
    وخصَّه عدنان بن ذريل بدراسة استغرقت عددا ً كبيرا ً من صفحات كتابه" أدب القصة في سورية".
    وتحدّث عنه آخرون, وأشادوا بما قدم وأبدع, وأجمعوا على اعتباره رائدا ً من رواد القصة في سوريا, رغم المآخذ التي سجلوها على قصصه.
    فمن هو هذا الكاتب الجريء, الذي لمع كشهاب الليل ثم انطفأ؟.
    وما هي قصصه التي فازت بإعجاب جيل من الشباب, واستنكار فئة من المتزمتين؟

    لمحة عن حياته
    ابصر محمد النجار النور بدمشق في العام 1900 وهو ابن السيد أمين.
    تلقى علومه الابتدائية والثانوية في بعض مدارس دمشق.
    عُيّن بعدها في وظيفة متوسطة المستوى في وزارة الصحة والإسعاف ظل فيها إلى أن أحيل إلى التقاعد.
    تزوج وأنجب ثلاثة أولاد.
    كانت له في حياته هوايتان: المطالعة, ومحاولة الكتابة بين آونة وأخرى. وله هواية أخرى هي لعبة الشطرنج التي كان يمارسها مع بعض الأصدقاء في مقهى الروضة, بالقرب من داره التي لا تبعد عن المقهى أكثر من خطوات. وإذا ذكرنا أن َّ عمله في وزارة الصحة التي لا تبعد كذلك عن داره ومقهاه أكثر من دقائق معدودات, أدركنا أن تنقلاته كانت محدودة, لا تتجاوز خمس دقائق من السير الوئيد؛ وأدركنا كذلك أنه لم يكن يحرص على الابتعاد عن هذا المحيط إلا ّ قليلا ً, غير أنه على كل حال, كان حريصا ً على الاتصال بأبناء الشعب, وسماع أخبار الطبقة الشعبية الفقيرة والكادحة.
    كذلك كان شديد الاهتمام بتلقف أنباء المغامرات العاطفية التي تروى عن هذا الشاب أو تلك المرأة. واستطاع محمد النجار من ثم ّ أن يستغل هذه القصص والمغامرات ويصوغ منها قصصا ً أو ما يشبه القصص, ويجمعها في كتاب قوبل لدى بعض الطبقات بالإعجاب, ولدى بعض آخر باللوم والاستنكار.





    نظرات في أدبه وإبداعه
    لم يكن محمد النجار كاتبا ً أديبا ً, وقاصا ً مبدعا ً, بمعنى الأدب السليم, ومفهوم القصة الفنية المعاصرة.
    ما قدمه هذا الكاتب ينحصر في كتابين اثنين, وعدد محدود من المقالات نشرها له المؤلف في مجلته " الدنيا" التي كان يصدرها في الأربعينيات وحتى الثامن من آذار 1963.
    أول هذين الكتابين يحمل عنوان " في قصور دمشق", وهو مجموعة قصص قصيرة بلغت الثلاثين, ومعظمها يدور حول مغامرات عاطفية وقعت لهذا أو ذاك من الناس؛ وقد صاغها الكاتب بأسلوب رشيق وعبارات خفيفة الظل تغري بالمطالعة والمتابعة؛ وهي في واقع الأمر لوحات طريفة أكثر من أن تكون قصصا ً متكاملة البناء ومستوفية لشروط القصة الناجحة.
    وقد ينطبق على هذه القصص صفة " ريبورتاج" صحفي أكثر مما ينطبق عليها لقب قصة ناجحة, تحتل مكانتها المرموقة إلى جانب ما أبدعه كتّاب القصة وأدباؤها البارزون والأعلام.
    وعلينا حين نوجه أصبع الاتهام إلى قصص محمد النجار, وننفي عنها صفة القصة الناجحة, علينا قبل هذا أن نذكر الفترة الزمنية التي مارس خلالها الأستاذ النجار كتابة قصصه, أو لوحاته, أو " ريبورتاجاته" الصحفية, وللقارئ المنصف بعدها أن يطلق عليها ما يشاء من هذه الصفات والنعوت.
    في الثلاثينيات, عندما كتب محمد النجار قصصه هذه, لم تكن القصة في سورية قد ظهرت وعرفت بمعناها الصحيح. كان الأدباء الأعلام, وهم بطبعة الحال من المحافظين والمتزمتين, يهاجمون وينتقدون كل من يكتب القصة, أو يدعو إلى كتابتها.
    المؤلف كاتب هذه السطور, عندما بدأ بإصدار مجلته " الصباح" في العام1941, كان يتعرض للنقد والهجوم من بعض هؤلاء الأعلام لأنه كان يشجع كتّاب القصة, ويحرص على نشر قصة جيدة في كل عدد من أعداد مجلّته. كذلك تعرض للنقد والمؤاخذة حين أعلن عن مسابقة لأحسن قصة؛ وكانت أول مسابقة للقصة يُعلن عنها في الصحافة السورية.
    بعد هذا, لابدّ لنا من الاعتراف بأن محمد النجار أسهم بشق الطريق, ووضع اللبنة الأولى في صرح القصة السورية المعاصرة, شأنه في ذلك, شأن صنوه علي خلقي, الرائد الآخر للقصة؛ وإن اختلف الاثنان في طريقة الكتابة والمعالجة.
    وإذا لاحظنا أنَّ الأديب الكبير الدكتور منير العجلاني غامر بكتابة مقدمة لقصص محمد النجار هذه, وأثنى عليها, رغم ما فيها من جرأة بالغة, أدركنا أن العجلاني كان يهدف, وهو العائد حديثا ً من فرنسا بعد تخرجه من معاهدها العالية, إلى تشجيع أدب القصة, وحث الأدباء على تقديم المزيد منها.
    ولعله من المهم, ونحن نتحدث عن قصص النجار هذه, أن نصغي إلى رأي كاتبها في قصصه, وهو يقدمها إلى القارئ.
    يقول المؤلف في تقديمها:
    " هذه القصص المنتزعة من جسم الحياة, هي قصص التقطت صور أصحابها من أناس, بعضهم ما برح يختال في ساحة الوجود, والبعض الآخر غدا في جوف الأرض.
    وهي قصص تستطيع التأكد أنها بريئة من التصنع والخيال.
    وهي قصص قد يبدو بعضها صريحا ً وجريئا ً لطائفة من الناس.
    وهي قصص, إذا كان لي من ذنب في إخراجها, فذنبي أنني وضعت بين الأيدي صورا ً أمينة صادقة إلى أبعد حدود الأمانة والصدق.





    وقد يكون من الخير أن اعترف بأنني آثرت اقتناص هذه القصص والنماذج الطريفة من هواء هذه المدينة. إذن فليس من الحق والعدل أن يزعم أحد أن الطيور المحلّقة في سماء دمشق كلها أو معظمها على هذه الشاكلة".
    هكذا قدَّم محمد النجار قصصه إلى القارئ, وهكذا دافع عن اللوحات الجريئة التي رسمها وصورها وسجل أحداثها.
    ولا بدّ هنا من التأكيد أن َّ قصص النجار- كما يقول صاحبها نفسه- واقعية, شعبية, منتزعة من صميم الحياة؛ فالكاتب من الشعب, وهو ابن الشعب, يعشق مجالسة أبناء الشعب, روّاد المقاهي, وسماع طرائفهم وأخبارهم. كانت حياته مع البسطاء في هذه المقاهي, يصغي باهتمام إلى روادها, ويتابع أخبار الناس والآخرين فيها. ومن أفواههم استطاع الأستاذ النجار أن يسجل بعض ما سمعه من قصص مثيرة, أضاف إليها بقلمه الرشيق ما تحتاجه من توابل وملونات, تعطيها نكهة شهية, تجذب القارئ, وترغمه على متابعة قصص الكتاب حتى النهاية.
    في كتابه الثاني, يسجل النجار لقطات اجتماعية بأسلوبه المعهود الذي يتصف بالرشاقة, والأناقة, وخفة الظل. هذه اللقطات, يضفي عليها الكاتب جوا ً قصصيا ً شائقا ً؛ فهي كما يقول, منتزعة من صميم حياة الشعب ومعاناته. وتظل هذه القصص تحمل رائحة
    " الريبورتاج" أو التحقيق الصحفي الجذاب الذي يلامس شغاف القلب ويدخله أحيانا ً دون استئذان.
    وتتسم قصص النجار في " الهمسات" بالسرد والتصوير, ويروي فيها أحداثا ً ويقدم صورا ً من صميم الحياة. وقد استطاع النجار في قصصه هذه أن يلتقط الصور الشعبية, وأن يبدع في رسم أجوائها إلى حدّ بعيد... بعيد.
    ولعل خير ما نختم به الحديث عن القاص الرائد محمد النجار هو العودة إلى المقدمة الثانية التي صاغها لكتابه الثاني أديبنا الكبير الدكتور منير العجلاني.
    في هذه المقدمة يقول العجلاني: " كدت أقارن بين إحدى قصصه وبين ( ألف ليلة وليلة), ولكن الشبه بعيد, فكتاب (همسات بردى) يصور ليالي هذا العصر, وهذا البلد, وليس فيه جنّي, ولا مارد, ولا عفريت؛ بل ليس فيه شيء من عالم الخيال, ومن أفق المحال؛ فالمؤلف- كما قلت- واقعي, بل ( وقائعي) لأنه لا يذكر أشياء تشبه الواقع, ولكنه يأخذ مادته من القصور, والدور, والمحاكم, والأسواق, والمقاهي, والأندية. إنه يشبه مصور الصحف الذي يتصيد لها من هنا وهناك المناظر الغريبة, الرائعة, الناطقة, بل هو خير كثيرا ً من المصور, لأن َّ عدسة المصور تقف عند الأجساد والمظاهر؛ أما ريشة الأستاذ النجار, فإنها تنفذ إلى أعماق الضمائر".

    وبعد... فعندما رحل محمد النجار عام 1961 إلى دار البقاء, رحل- كما أشرنا في بداية هذا الحديث- بصمت وهدوء. لم تشر إلى رحيله جريدة, ولم يرثه كاتب, ولم يشيعه إلى مقره الأخير سوى عدد قليل جدا ً من بقايا الأهل والأصدقاء. واليوم يعود الباحثون والدارسون من جديد إلى ما قدّمه محمد النجار ليناقشوه, ويمعنوا البصر والبصيرة فيما أنتج وأبدع.









    رسالة عَبرَ الزمن
    بقلم الدكتور محمد أنس بركات

    تساقطت أوراقك الأخيرة في الموعد الذي بدأت تتبرعم فيه أول أيام حياتي, أوراق عانت من حر ّالصيف لكن أشعة الشمس أعطتها بعض اللمعان والحيوية, ثم ّ جاء الخريف ليصبغها ببعض الألوان الجميلة النادرة , وباغتها الشتاء بصقيعه وقسوته لتتكسر على مهب الريح. غادرت َ الدنيا إلى عالم الخلود ولم يبلغ عمري آنذاك السنة, ولكنك تركت عملا ً جعل من أوراقك المتناثرة على الأرض سمادا ً تتغذى عليه جذع الشجرة التي ننتمي إليها جميعا ً, هكذا حال الدنيا وهكذا قدر كل إنسان, وها أنت في عالم الخلود السرمدي, عند ربّ كريم نطمع بعفوه ورضاه.
    ماذا أقول لك وأنا أنسخ قصصك على الحاسب الإلكتروني, بعد ما يقارب الخمسين سنة على وفاتك؟ تطورت الحياة والتقنات, وبقي الإنسان ذلك الذي عهدته بجبروته وضعفه, بصدقه ورياءه, بحبه وبغضه- بكل ما أودع من الفضائل والرذائل- في دوامة أبدية يصارع نفسه الأمارة بالسوء, ويتقرب من الله عز وجل علّه يسمو إلى محبة الله وغفرانه.
    وماذا عن شخصيات قصصك؟ لقد بات جميعهم سكان التراب كما سنسكنها جميعا ً لا محالة, ولكن شخصيات أخرى خرجت على جهاز التلفاز لتصور الماضي بما حواه من ايجابيات وسلبيات, وتعطيه من الألوان والصور البديعة ما يجعلنا نعشق تلك الشجرة الجميلة التي تعود إليها أصولنا؛ نعم , ظهر باب الحارة, وبقعة ضوء, ومرايا, وبرامج أخرى, وكلها من الصميم والتراث.. من الياسمين والورد الجوري..من القرنفل والفلّ.. من جذور ثقافة لن تموت طالما ترتوي من معين الحياة.
    وجاءت أجيال من الكتّاب والروائيين, أولئك الذين عشقوا وطنهم ولم يستبدلوه بمال الدنيا, وقفوا ضد التيار.. أشعلوا المشكاة ولم يلعنوا الظلام..وكانوا ولا زالوا نبراسا ً لكل من تاه في أعماق الظلام.
    إلى كل من أحب وطنه وعشق تراثه, إلى كل من عرف أن َّ النهار لا يولد إلا ّ من ليل ٌ مُليَّل ٌ, إليكم أهدي حبي وعمل جدّي المتواضع.

    الدكتور محمد أنس بركات











    همسات بردى

    قصص ولوحات
    محمد النجار " شهاب أدبي... لمع وانطفأ "
    [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/user/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]محمد النجار
    [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/user/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/user/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/user/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image004.gif[/IMG]إلى روح جدّي محمد النجار ( 1900-1961) ميلادي
    تغمده الله برحمته
    الدكتور محمد أنس بركات
    [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/user/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image006.jpg[/IMG]



    على الهامش


    حين أخرجت إلى الناس في عام 1937 الطبعة الاولى من كتاب ( في قصور دمشق) لم تتداولني الاحلام ولم يتقاذفني الغرور بل تابعت طريقي وانا ادري انها مغامرة صغيرة لامهرب منها لاستكشاف ودرس قيمة تلك البضاعة التي أبسطها , فهي اما صالحة فالاقبال والرواج هما الدليل العملي على جودة انتاجها وحسن صنعها, واما هزيلة شاحبة فالاهمال والاعراض هما خير رد عليها وعلى صاحبها, فلما نال الكتاب الجائزة الاولى في مسابقة الكتب بعاصمة لبنان, ثم طبع ثانية وثالثة ورابعة, ايقنت انني اتجاوب مع الجمهور الاكبر من الناس والبي النداء المكبوت ... وحتى الفئات الجامدة, تلك التي ثارت اذ توهمت فيما اخرجت السم الناقع فراحت تقرع اجراس الخطر هنا وهناك, وتنذر المرة تلو المرة , بان الوباء الجارف في مطالعة تلك القصص ومس ذلك الكتاب !!
    اقول , حتى هؤلاء اشفقوا اخيراً على صحتهم التي ذوت واصواتهم التي بحت من كثرة ماغيروا وبدلوا في الانغام والاوزان في غير جدوى ولاطرب ! .
    والحق , لقد تردد في بادئ الامر لفيف من كرام الناس إزاء تلك المزاعم والحملات غفوة لاحساب لها في عمر الزمن , لكنه افاق فيما بعد ليبصر اولئك المتزمتين يتبادلون الكتاب ويتهادونه في السر والعلن ! .
    ولما دارت عجلة الأيام دورة اخرى واتضح أن َّ الذين قرأوا الكتاب وطالعوه لم يشعروا باعراض الوباء واوجاع السم بل احسوا بنشوة ومتعة وطرافة وتفتحت اعينهم جيدا ً على ماحولهم , حينئذ , ابتسموا وفطنوا إلى مغزى تلك المناورة , ومن ثم ّ انهارت الخرافة , وعرف الناس جميعا ً انها محاولة غير ناجحة لترويج بضاعة رديئة في أوساط طيبة بريئة .
    وها أنا اليوم اقدم بكل تواضع انتاجي الثاني ( همسات بردى ) واحسب أن ّ السوق الحر والرأي العام هما الحكم العادل والميزان الصادق , فإما علي وإما لي , ولن الومن ّ إلا ّ نفسي ...
    ثم اني مازلت ارحب بكل نقد مهما عنف , لأني اقدر الناقدين قبل أن ّ اشكر المادحين , ولأني اعتقد في النقد- ولو كان غير بريء – اشعاعات لاتخلو من توجيه صحيح إلى مواطن الصواب قد تفيد في المستقبل فائدة كبرى .
    ولابد ّ لي اخيرا ً من الاشادة بفضل الدكتور منير العجلاني الذي تلطف وتولى مرّة ثانية تقديم هذا الكتاب ونقده بقلمه الآسر , كما أخص بالثناء ذوق الاديب المهذب اسكندر لوقا الذي رسم الغلاف وعناوين القصص بريشته الملهمة .


    المقدمة
    بقلم معالي الدكتور منير العجلاني

    كانت القصة في بلادنا , إلى سنوات قلائل , وقفا ً على العجائز , يتخذنها وسيلة إلى تسلية الأطفال الصغار والبلوغ بهم في رفق أو عنف .. إلى ساحل النوم , وكان زمانها الماضي البعيد ( كان ياما كان , في قديم الزمان ) , ومكانها البلد البعيد ( وراء البحار والقفار , والتلال والجبال ... ) .
    أمّا الأطفال الكبار , الذين تجمعهم ليالي الشتاء وأمسيات رمضان في مقهى الحي , فكان غذاؤهم الروحي أسمى من " الحكاية " قليلا ً , وإن شئت فهو لون من الحكاية مخصوص , يتحدث عن البطولات والحروب , والدسائس والمكايد , وربما استطعنا أن نسميه الملاحم , كملحمة عنترة مثلا ً ...
    من كان يصنع هذه الحكايات والملاحم ؟
    ومتى أغلق باب الاجتهاد في القصص , كما أغلق في المذاهب الدينية , فعاش الرواية المقلد , المردد , ومات القاص المبتكر المبدع ؟
    سؤالان قد نجد كثيرا ً من الصعوبة في الاجابة عنهما , فلنكتف الآن بتقرير أمر واحد : هو أن فن القصة في بلادنا لم يعش قط على هامش الحركة الأدبية , ولم يكن قط علامة من علامات الجمود الفكري أو الانحطاط الخلقي , وإنما كان دائما ً آية الخصب والترف , حتى ليصح أن نقول : أن حياة القصة , قصة الحياة – حياة العقل والقلب !
    وبعد , فهذا فن القصة ينهض من الرماد , تحمل مشعله قبضة من ادبائنا الشبان , فيهم القوي , وفيهم الضعيف , ولكنهم يؤلفون في جملتهم الطليعة التي يبقى لها على الدهر فضل السبق , إلى الكشف عن الآفاق الجديدة .
    لم يتعلم شبابنا فن القصة في الحكايا والملاحم القومية , ولكنهم تعلموها- فيما أظن- في أدب الغرب , وتعلّق أكثرهم بأذيال المدرسة الواقعية , وهذا مانباركه لهم , فإنهم ينحنون على الأرض التي ولدوا على أديمها , ويلتمسون منها وحدها غذاءهم , مثلهم في ذلك كمثل الرسامين الذين اخذوا ريشتهم من الغرب ولكنهم غمسوها في دمهم وصوروا بها أعشاشهم التي درجوا منها .. هذه الدنيا الصغيرة المحببة التي ندعوها الوطن !
    والأخ الفاضل الأستاذ محمد النجار , من هؤلاء الشبان الذين مشوا في موكب الطليعة , ولعل كتابه الذي ارادني على تقديمه إلى الجمهور – مشترطا ً علي ّ أن اكون ناقدا ً لامادحا ً – من هذه الكتب التي لاتحتاج إلى من يقدمها , وحسبي أن أقول فيه : أنه جهد مخلص , لتصوير أخلاقنا , باسلوب قصصي . وسيرى القارئ أن الأستاذ النجار كاتب واقعي , لايستوحي صورته من فكرة , لأن الصورة عنده هي الفكرة .
    كدت اقارن بين احدى قصصه وبين قصص ( الف ليلة وليلة ) , ولكن الشبه بعيد , فكتاب " همسات بردى " يصور ليالي هذا العصر , وهذا البلد , وليس فيه جني ّ ولامارد ولاعفريت , بل ليس فيه شيء من عالم الخيال , ومن افق المحال , فالمؤلف , كما قلت , واقعي , بل " وقائعي" لأنه لايذكر أشياء تشبه الواقع , ولكنه يأخذ مادته من القصور والدور والمحاكم والأسواق والمقاهي والأندية , فهو يشبه مصور الصحف , الذي يتصيد لها , من هنا وهناك , المناظر الغريبة , الرائعة , الناطقة , بل هو خير كثيرا ً من المصور , لأن ّ عدسة المصور تقف عند الأجساد والمظاهر , وأما ريشة الأستاذ النجار فانها تنفذ إلى أعماق الضمائر , ومن الحق أن نقول في كثير من الصراحة أن الأستاذ النجار لايثير لذتنا بغرابة الوقائع , وعنفها- وهو أسلوب " الهزة العضوية" الذي عيب فيه الروائي ( أوجين سو) ومن ينسجون على منواله- ولكنه يثير لذتنا بطريقة ( آلان لوميير) , التي تُصور الأشياء في حجمها وحرارتها وطراوتها ويبوستها وكثافتها , طريقة " البسيكوفيزيولوجي " التي تجمع بين الروح والبشرة , والغريزة والفكرة , وهو, في ذلك , لايبتعد عن اسلوب كتابه الأول " في قصور دمشق " .
    لقد انهيت تقدمتي لكتاب " في قصور دمشق" , بهذه الكلمات , أخاطب فيها المؤلف : " .. أما لغتك فأنها لاترضي شيوخ الأدب .. فاحرص ماشئت على تقويمها, ولكن استبق فيها بربك هذا الشيء اليسير من اللغة العاميّة , لأنه يكسبها حلاوة وندوة وحرارة , وهل الفن غير هذا ؟ . "
    وماقلته أمس , اعيده اليوم , لاتوكيدا ً له , ولكن اعتذارا ً عنه ... فالاسلوب هو الرجل – كما يقول مثل افرنسي- والنجار هو هذا الذي بين ايدينا , فما ينبغي لنا أن نطمع بتغييره , وسيجد أدباء المستقبل في هذه القصص التي كتبها النجار , وفي امثالها , صورة عالمنا وعصرنا في حقيقته العارية ؛ وقد تكون " التراكيب العامية " التي استكثر منها في بعض قصصه , وهي جزء من
    " الفولكلور" الشعبي , مصدر الهام لأدباء كثيرين , يأتون بعد أدباء الطليعة , ولا ضير من اقتباس التراكيب العامية , فقد استعملها سيد أدباء الغرب شكسبير فما نقصت من قدره , بل زادت في عظمته .
    لقد أقبل الجمهور على قراءة كتاب " في قصور دمشق" الذي صور نقائص المجتمع بريشة ناقد تشيع روح النكتة والمرح في نقده وسخره , وسيكون نصيب هذا الكتاب الجديد من اقبال الجمهور واعجابه أكبر تقدير للمؤلف الفاضل فيمضي في تغذية الحركة القصصية بالمفيد الممتع .


    قراءة الكتاب على الصفحة الإلكترونية التالية:
    abarakat.spaces.live.com
    د. محمد أنس بركات
  • ركاد حسن خليل
    أديب وكاتب
    • 18-05-2008
    • 5145

    #2
    الأخ العزيز الأستاذ الفاضل د.محمد أنس بركات
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وكل عام وأنتم بخير
    أشكرك جزيل الشكر علىهذا النقل
    قدّمت لنا قامة أدبية لم تلق حظها في الإنتشار
    برغم كونه قاصًّا بارعاً
    تفخر الساحة الأدبية أن تضم نتاجه القصصي
    محمد النجار.. الذي عاش بصمت ورحل بصمت
    أستاذ عرف لغة عصره وواقعه فسطّر ابداعًا قصصيًّا
    يتعلّم منه كتّاب القصة الذين يودّون البعد عن التّصَنّع
    أوالجنوح إلى الخيال

    أهلاً بك ومرحبًا يا دكتور
    بانتظار كل جديد
    تقديري ومحبتي
    ركاد أبو الحسن

    تعليق

    • د.محمد أنس بركات
      عضو الملتقى
      • 14-01-2010
      • 51

      #3
      جزيل الشكر أخي وأستاذي الفاضل ركاد حسن خليل
      كل عام وأنتم بخير وتراثنا ولغتنا بخير
      مباركة أيامكم, وجزيل الشكر على جهودكم, وتحية لكل أعضاء الملتقى, تحية حب وتقدير واجلال للعطاء, وهل أجمل من العطاء..
      رمضان مبارك
      أنس

      تعليق

      يعمل...
      X