ذكرياتٌ بلونِ الفرح ..-1 - ( أهلا رمضان )
يأكل قلبي إحساس يشبه الغيرة . أختي التي تكبرني بسنوات , حظيت بشرف لم أحظ به بعد . يمكنها الجلوس إلى مائدة الإفطار مع أبي و أمي .أكثر من ذلك , بإمكانها أن تقترح أصنافا تحبها من الطعام , تطبخها لها أمي بكل سرور . يحق لها أن تتدلّل .. فهي تصوم . و حقا هذه المرّة . أختك كبيرة..تقول لي أمي . أفهم ما تعنيه..فلطالما وشوشنا في ما بيننا , نحن صديقات و زميلات في المدرسة , بذلك السر العظيم و الحدث الكبير الذي ينتظرنا , يوم تفتّق الأنوثة أكمام طفولتنا , لتحملنا من عالمنا المحدود , الضيّق , الصبياني , إلى عالم آخر , أرحب , و مختلف تماما . عالم تتحدد فيه علاقاتنا بأنفسنا, بأجسادنا الغضّة , بالمجتمع.. و بشهر رمضان أيضا .
كم كنت أهفو لذلك اليوم , يوم أكبر , مثل أختي و بنت خالتي و بنات عمي , يومها سيصبح لزاما علي أن أصوم شهر رمضان , فعلا , في كل أيامه , و ليس فقط يومي النصف و السابع و العشرين كما اعتاد والدي أن يشجعنا على ذلك . هو تقليد عائلي , أسلوب معيشة , لا يخرج عنه أحد : نحن الأطفال , قبل أن نودع عهد الطفولة لانشارك الصائمين مائدة الإفطار . لا نأكل إلا بعد أن ينتهي الكبار من الأكل . لم يكن الأمر يحزنني , و لكن الفضول يدغدغني أحيانا كثيرة ..و تشتد بي الرغبة في أن أكون كبيرة , مثل أختي ,و أن أصوم لكي أحظى باهتمام أكبر , لكي تسألني أمي كل ساعة إذا كنت بخير , إذا لم أحس بالعطش , و يسألني أبي إذا كنت أرغب في حلوى معيّنة يشتريها لي .
و في انتظار ذلك اليوم الموعود , كان علي ّ أن أكتفي بمركزي المتواضع في البيت أيام رمضان , و أن أرضى بأدواري الصغيرة , الثانوية , مقارنة بأختي .
كنت أرى البيت قبل حلول الشهر بأيام ينقلب رأسا على عقب . تغسل أمي الأغطية و المفارش . تنظّف الجدران و الأسقف . تلمّع الأواني النحاسية بسائل خاص و قطعة قماش قطنية , بينما يهتم أبي بالبوتاجاز . يتفقّده و ينظّفه .. يكون الإستعداد على أتمّه , و رغم كل ذلك يبقى دائما في آخر أيام شعبان , أمر لم تتمه أمي بعد .
كنت أرافقها إلى السوق الأسبوعية التي كانت آنذاك تحط رحالها كل يوم سبت في وسط المدينة .
- هذا آخر سوق قبل سيدنا رمضان . لابد أن أنتهي من شراء اللوازم .
تقول أمي و هي تضع ' مالايتها ' السوداء استعدادا للخروج .
أبدا , لم أكن أسمع فردا في العائلة يذكر رمضان , إلا و تسبقه لفظة ' سيدنا ' .
يعلّق أبي بنبرته الجادة الرزينة :
- سيدنا رمضان شهر العبادة و التوبة , لا شهر الشراء و التبذير .
يضيف متذمرا :
- الأسعار التهبت . كل شيء تضاعف ثمنه . الشياطين تصفّد في هذا الشهر تاركة مكانها لشياطين الإنس من التجار .
ينسحب إلى غرفته و هم يتمتم :
- حسبنا الله و نعم الوكيل .
أمي تدرك أن رمضان شهر العبادة , تحرص عليها و تأمرنا بها و لكن ..كيف لا تشتري شيئا ؟ أيعقل ؟ ألن تشتري أوان جديدة لاستقبال الضيف الكريم ؟ المطبخ يئن تحت ثقل الأواني المكدّسة.. صحون من كل حجم و فناجين و قدور و كئوس , و رغم ذلك , لابد من شراء الجديد , و لو حتى ملاعق أكل !
ليلة الشك ليلة مميّزة . تشع بالنور و الإيمان و السلام . كنت أحسها غير عادية في كل شيء . بهجة ترتسم على الوجوه . فرحٌ تنطق به العيون . اكتظاظ. كبير في الحوانيت و الأزقة . رائحة التوابل و البهارات تملأ الأنوف . عشرات المصابيح الملوّنة تزيّن المسجد الوحيد في المدينة, و يرتفع منه صوت جهوري , قوي , يرتّل القرآن . يغمرني إحساس بالأنس بذلك الصوت و أفتقده بعد رمضان ...
القرآن الكريم و مناظر الفرحة و الأشخاص المبتسمون و الأضواء المشعّة في أكثر من مكان , كل ذلك كان يشحن قلبي الصغير بفرح عذريّ , حقيقي , نقيّ , لا يضاهيه أي فرح آخر .
تلك الليلة , يشتري أبي لحما و خضارا و فاكهة . و تحضّر أمي عشاءً كأنه الوليمة . و على غير عادتنا , يطول بنا السهر ننتظر إعلان ثبوت رؤية الهلال..هلال رمضان .و نواصل السهرة بتحضير وجبة السحور .
الليل و السهر ! أكثر ما كنت أحب في رمضان ! تحوّل الليل إلى نهار ! توهّج الأحياء و الشوارع بالأنوار ..بألوانها المختلفة.. و جيراننا الذين تصيبهم فجأة حالة من السلم و الكرم غير المسبوق .. يعلّق كل جار أمام بيته مصباحا , يتركه مضاءً إلى ما بعد السحور .
قبل آذان المغرب , نجتمع صبايا و بنات الحي , نترقّب الآذان .
قبل آذان المغرب , نجتمع صبايا و بنات الحي , نترقّب الآذان .
و بعد الإفطار أخرج لألتقي صويحباتي من بنات الجيران . نجلس أمام عتبة البيت . نتحدث أو نلعب .و كنت أحيانا أغني و هن متحلّقات حولي .
تعليق