ينساب الى ترعة أذنيه عبر السماعة صوت مبحوح مشحون يبث في داخله أحاسيس غامضة وعذبة أحدثت رجة في وجدانه ،ربما كان صوتها يتأمل اسمها على الشاشة، يتحمل بثبات ضغط اللحظة،هو ذا الاسم مكتوب بشكل صحيح وبحروف لاتينية "فاطمة بو غادير"..تقفز إلى داخله أشلاء صور قديمة ترفض الرحيل عن ذاكرته..تلتحم الأشلاء يشد بعضها بعضا ...تكتمل اللوحات...تتوهج ألوانها،فتدب في أعماقه حركة غريبة آتية من زمن بعيد...
تسأله بالصوت والحرف:
ـ أأنت؟؟؟
لا يجيب يلوذ بصمت يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
سنوات طويلة مرت على وداعه لها في مكتب المأذون حين وقع عقد الطلاق مكرها وانسل صامتا كما الآن يحمل في عينية سحب أمطار ثقيلة لجمت قدرته على تلفظ كلمة أخيرة... غاص في زحمة شارع لا يعرفه، بحث عن مكان توارى فيه عن العيون الفاحصة حتى حان موعد القطار ليعود وحيدا إلى مدينته الصحراوية البعيدة...
يعود الصوت المبحوح يسأل بإلحاح :
ــ أأنت هو؟؟؟
تنزلق أنامله على الأزرار دون شعور :
ــ وهل أنت...أنت؟؟؟
يهاجمه شك يعصف بإحساساته،يتذكر حكايات النت وألاعيبها ،عالم افتراضي رحب ورهيب،يستعصي على المسك،يكتب ثانية :
ــ إذا كنت أنت هي فأريني وجهك يتحرك الآن وأنت تخاطبينني...رجاء حاولي...
ماذا لو تكون هي بالذات التي فارقها منذ أكثر من عقد ونيف؟ولأنه يفهم قلبه تماما كما تفهم الأم طفلها، فقد أخذ على نفسه عهدا ألا يبحث عنها وأن يهرب من صورته ما استطاع إلى ذلك سبيلا ،واجه ليال حرجة وهو يجاهد ليمحو ذاكرته ويبدأ في تأثيثها من جديد،تملص من ماضيه أو كاد، حتى الملابس التي تزين حضوره معها ، جمعها في كيس كبير وتكرم بها على صديق معوز، أختاره من بلدة بعيدة حتى لا يراها فوق ظهره إلا لماما...
مسكين هو ومسكينة هي..
اجتاحه إعصار فقد قديم، لاحظ أن نافذة المحادثة قد أغلقت تلقائيا.... ارتمت أنامله على الأزرار تنقرها كديك استبدّ به الجوع،وأخذ يكتب :
ــ فاطمة..اسمعيني للمرة الأخيرة،..قلبي اهتزّ لك بعنف..وصدقته أنك أنت تماما ،فلماذا التخفي وراء الشاشة...أنت التــــــ...
انقطع النت وخنق أنفاسه ، بيديه أسند رأسه المصدوع ..أغمض عينيه عما حوله وفتحهما على الداخل...
يومها اهتزت المدينة بالصراخ..صراخ حقيقي هذه المرة،اجتاح الشوارع والأزقة الفرعية،واجتاحه فرح عارم وهو يسمع على الملأ ما كان يقال همسا،شعارات وحناجر وسواعد..تنديد واستنكار ورفض ...اعتقد أن ساعة وطنه قد قامت وعادت عقاربها تدق بكل هذه القوة ..مرر بعض الشعارات تحرك وسط الجماهير الغاضبة،اخترق الصفوف وعلا صوته في المقدمة..لم يبال بخراطيم الماء ولا بهراوات رجال الأمن ....كان أقوى وأقدر على أن يقود هذا الفيضان نحو وجهته الحقيقية...لكنهم طوقوه وضعوا على رأسه كيسا أسود واقتادوه...وعصيهم تلهب مؤخرته،لكن صوته ظل مرتفعا حتى داخل عربتهم المخيفة........
حين كان قربها صبيحة ذلك اليوم وهو يتناول فطوره ..حاول أن يجعلها في صميم الحدث،لكنها كانت ترجوه أن يأخذ الحيطة من اندفاعه الذي لا يحد نحو التغيير المنشود الذي ظل يهذي به حد الجنون ،لثم جبينها وغاب في الزحمة، ولم يكن يدري أنها آخر قبلة من التي استنفذت قلبه بالكامل...
مضت سنوات طويلة وهو في زنزانته الانفرادية لا يدري من زمانه شيئا إلا هذه الحلكة الدائمة والنتانة القاتلة وصرخات الجلادين وهي تستخرج من ضحاياها آخر الأنات...
وحين أفرج عنه بعفو رسمي وأشرقت في عينيه شمس غريبة تمنى لو قضى نحبه هناك ،على أن يرى شارعا يزدحم بكل صور القمع والقهر تشع من عيون المارة،وبدا له أنه طفل يتعلم المشي بخطوات واهنة ،يلتفت يمينا ويسارا فلا يذكر شيئا عن هذا المكان الذي يوجد فيه....
بحث عن فاطمة في كل مكان، تقصى أخبارها فلم يسعفه أحد..
وأخيرا اهتدى إلى بيتها الجديد وحين التقيا اكتشف أن أشياء كثيرة قد تغيرت إلا عينيها.... بسمتها..حبها له.. وحين اقترب من عينيها أكثر لطمه إحساس غريب بأن وراء الأكمة ما وراءها..انتفض على صوت والدها وهو يأمره بأن يطلق ابنته إن كان يريد بفاطمة خيرا..وبأن تحت ضغوط عليا رهيبة لابد من الامتثال لمطلبها........
اختلى بها وألم بتفاصيل الحكاية ...وقررا معا أن يفترقا..
شيء ما رن في مسمعه وحين رفع رأسه لاحظ أنه قد استرجع اتصاله بالشبكة وبأن ثمة رسائل تنتظره :
ــ نبضات قلبي ذات إيقاع مختلف ونفسي تحدثني أنك أنت
ــ قل لي ما خبر المنديل الذي احترق؟
ــ لماذا لا ترد؟
تأكد تماما أنها هي
ذات غروب تموزي التقيا على موعد هناك خارج المدينة لقاءا أخيرا....
كانت شمس حبهما وسعادتهما تغرب خلف جبال الشوق والحسرة....
وكانت شمس الطبيعة تنسج سبائك من ذهب متوهج وتسكبه على الجبال حول المدينة،فتمتد ظلال الأشجار من حولهما في دلال،يرتبك وهو يراها محمرة العينين تنظر في سواد عينيه فيحس بثقل الأسئلة وهول اللحظة..يعلم أنه لن يراها بعد اليوم أبدا،وتعلم هي أيضا ذلك.
ممنوع عليها أن تظل زوجة لإنسان صعلوك يتمرد على النظام،هكذا قرر الأب وخضعت هي،
ولأنه طالع لتوه من الزنزانة بجسم منخور وذاكرة متلاشية فهو بلا لقمة ولا جناح فقد استسلم لخضوعها قسرا،وقرر تطليقها بلا شروط...........
حين أشعل سيجارته هروبا من حرجه وارتباكه امتدت يدها بمنديل مطرز يحمل اسميهما قالت:
ــ أريد أن نراه معا يحترق.....
خنقها شهيق مر وبكت،وبكى والمنديل يحترق.....
لم يرد عليها قفز من سريره تاركا وراءه صورا من حلم جميل على صوت الطبل الكبير والمسحراتي يلسعه بقوة..فيهز أركان الحارة...
العربي الثابت
تعليق