الطبيب نوري الوائلي
ياسين
أوجعت قلبي مُخبراً ومُجيبا = وقصمت ظهري ناعياً وكريبا
ونزعت من عيني المعابة أدمعاً = وشعلت فيها لوعةً ونحيبا
وعصفت في أذني دويّ نوائحٍ = وجعلت فجري عتمةً ومغيبا
وأزحت عن جمر المواجع لبنةً = قد صاغها قلبي الضروع حسيبا
وتسارعت في الصدر مثل دقائقي = دقاتُ قلبي حسرةً ولهيبا
فسقطت لا اقوى لحمل مواجعي = ورجفت ذرعاً منهكاً وسكيبا
ووقفت أجمع للمصاب عزائماً = قد هدّها جورُ الزمان عصيبا
آه , لقد مات اللذي من جوده = ملك الفؤادُ من الجمال مطيبا
لم أنس يوماً كان قلبي راجياً = فأجابني بالمكرمات حبيبا
قد قال لي مرحى بثغرٍ باسمٍ = وأزاح غيري حاسداً وكئيبا
فعلوت فيها للمناقب رغبة = وملكتُ منها رضّعاً وشبيبا
وملكت تاجاً للجمال متوّجاً = ونهضت منها عالماً وأديبا
ترعى وتزرع والجنائن خضرة = والكف ينضحُ معسلاً وحليبا
ولبست زيّاً للرصافة معلماً = يُضفي الوقار ويُجمل التهذيبا
وملكت من زهو الحياة بساطةً = لم تعرف التسويفَ والتكذيبا
وحرثت أرضك قانعاً ومؤملاً = فجنيت منها خضرةً وزبيبا
وجريت تدفع في الشوارع محملاً = وتبيع فيها جبنةً وضريبا
ونهضت قبل الفجر تحلب جاثياً = وجمعت عشباً سائغاً ورطيبا
يا نخل بغداد الطويل وسعفه = يا طيبةً تحوي القلوب رحيبا
يا عمّ يا حمل المواجع صابراً = عند الكروب ويا أعزّ قريبا
أنت العراق طبائعاً ومشاعراً = أنت الروافد صافياً وشريبا
للموت لم أءسفْ فموتك سنة = والموتُ حقّ لم يجار طبيبا
الموتُ فينا رغم جهل قلوبنا = والكلّ يسعى للرقيب منيبا
أسفي لفقدك حين قلبي نائياً = عن مقلتيك ولا يراك قريبا
لم تشبع العينان منك ولم تزل = في مقلتيها واحةً وعشيبا
الزوجُ تذهبُ للقاء فلم تجد = أبّاً يؤانسها ولا تطبيبا
الطفلُ لم ينعم برؤية جدّه = والجدّ يرحلُ موجعاً وغريبا
قد أنشبت سننُ المنون بحملنا = لم تُبق منا صاحباً وقريبا
وتكاثرت فينا كجذو مشاتل = وغدت لها أرضُ الديار خصيبا
وتتابعت جمّ الصعاب وحمّلت = منها الرؤسُ مناحةً ومشيبا
تختارُ مثل النحل فوق مزارع = فتصيبُ فينا زاهداً ونجيبا
جارَ الزمان على العراق وأهله = فغدى بهم سهم المنون مصيبا
وأذاقهم بالنائبات مصائراً = قد شاب منها جاهلاً وأريبا
حتى تعالت في العراق تذيقنا = من كلّ كرب مبهماً وعجيبا
وخرجت من بلد الكرام مُراغماً = فلقيت دربي عاصفاً وكثيبا
عشنا وربّك غربة حتى غدت = فينا المواجع مضرباً وضريبا
وتلاحقتنا بالكروب كأنّها = فينا كمن عاشَ الحياة سليبا
لا أهل يجمعنا بهم شوقٌ ولا = أنس يزيحُ عن الفؤاد خطوبا
ماتت أحبّتنا ولم تحفل بهم = منّا العيون مودّة ورغيبا
ياسين يرحمك الرحيمُ برحمة = ويزيحُ عنك مساوءاً وذنوبا
ويريك في يوم الحساب مُحمداً = فتذوقُ منه شفاعةً وشروبا
تفدى عراق الصابرين لترتقي = من كلّ بيت منحراً وصبيبا
ولك الأكفّ الى السماء تضرعاً = أن لا يريك من الزمان نكيبا
تعليق