قراءة نفسية في البيت الأول من (اليوم الثالث للحزن) للشاعر د. جمال مرسي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد حسن محمد
    أديب وكاتب
    • 16-05-2007
    • 716

    قراءة نفسية في البيت الأول من (اليوم الثالث للحزن) للشاعر د. جمال مرسي

    [frame="2 80"]
    [poem=font="Simplified Arabic,5,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    ألو .. هل تُجِيبُ النِّدا يَا حَبِيبِي=أَتَسمَعُ صَوتِي ، و جَمرَ نَحِيبِي ؟[/poem][/frame]

    إنه ليس هناك وقت للقصيدة إلا وقت المحادثة الهاتفية.. أو أنا يحلو لي أن أمارس رعشات القصيدة هنا في تخيل المحادثة تلك المحادثة التي تبدأ برغبة حقيقية فعلية في انتظار الرد.. وهي فعلا ليس لها محل من الزمان إلا بعد أيام من العادة اليومية من مباركة صوت الأب لابنه الحبيب إلى نفسه.. وذلك من السؤال فيما بعد..
    (ألو) يا كم أسمع هذه الكلمة بهمزة مد.. (آ لو)
    لكنها هنا بهمزة عادية ليست ممدودة.. همزة تقطع المسافة الصوتية سريعاً لتصل إلى نهاية الكلمة .. تلك النهاية التي يعقبها صمت الطرف الآخر..
    هي بهمزة عادية تخلصت من كل تكاليف الصوت المظهرية من العرف المصري المعهود عندنا والذي سمعت عنها من أحد أصدقائي أنها من دعائم الإتيكيت أو رسم الشخصية أو الرقي أمام الطرف الآخر حين يفخم ويمد في أحرفه..
    هنا لا مدود..
    ولا تفخيم..
    ولا .. ولا..
    بل واقعية السرعة النفسية حين تظفر باللحظة وتنفرد بالرجل الرقيق الحزين.. سرعة الخطوات النفسية في الكلمة ونطقها واضح جد الوضوح..
    من كلمة واحدة فقط رسم الشاعر لنا خطوطاً طولاً وعرضا تصف الموقف.. بل وأكاد أقول من كل زواياه..
    ذلك الموقف الذي ناسب أشد المناسبة البحر الذي يشبه موجات البحر المكرورة أو دوائر الماء بعد إلقاء الحجر..
    الفارق بين المشبه والمشبه به.. أن هنا المساحات تقاس بالإحساس بدءاً يعقبه عمل دءوب لكافة الحواس الممكنة..
    ألو.. هل تجيب الندا يا حبيبي..
    ليس تحضيضاً ولا حثاً ولا ولا وإن حمل إيحاءات من التحضيض والحث.. لكنه سؤال.. أعقب نقطتين:
    - هما قطعتان من الخط لعلهما أشبه ببقايا الصدى.. /بقايا الصوت المهزوز الراعش.. قد تكونان!!
    - هما على كل حال تمثلان مساحة خاوية ومليئة في نفس الوقت..
    إنهما لا تقولان شيئا متعارفا عليه بأنه يعني شيئا يعني ليس لهما معنى في لغة العرب، وفي نفس الوقت لهما جسمان موجودان الآن في الورقة.. جسمان مستديران مصمتان.. وأكيد أن الصندوق مهما كان خالياً فإن لوجوه فائدة وحكمة ما..
    هل تجيب الندا يا حبيبي..
    هل..
    الهاء التي تحكي لحظة قاسية على القلب حين تحس بتدفق دمه ممزوجاً بتأوه الزفرة أو زفرة التأوه المعلنة هنا في هائية الشاعر.. والتي تناسب لحظات الانتظار المشفق من الآتي تماماً..
    هل..
    يا أبي أنا لا أسمع صوتك...
    هل تجيب..
    ليس هنا أي ذكر لكون الأب الراحل غير سامعٍ الندا، بل هناك شبه قطع بأنه سامع للندا وقد يكون شبه القطع واعياً أو غير واعٍ .. ليس هذا مركز المسألة .. المركز نقطته إجابة الندا الآن أو لا..هذا هو المسئول عنه، أنه سمع فهذا أمر كان من بدهيات إحساس الشاعر، وأن أباه موجود أصلا على الطرف الآخر من الخط فهذا ما قاله الشاعر حين سأل عن إجابة الندا، لا عن فاعل إجابة الندا فالسؤال (هل تجيب الندا/ وليس أأنت تجيب الندا)..
    ولو جئنا لما قاله سيبويه في أن هناك فائدة في ما اضطر العرب إليه في شعرهم.. فهنا أجد في قصر كلمة "الندا" ما يصدق هذا القول فعلا.. إنها معادلة كتابية أو صوتية بين ما كان من النداء فعلا ..
    فقط كانت .. (ألو + . .) وهو ليس نداء كاملاً إنه جزء من النداء وإن كان أثبت معنى النداء أصلا..
    أو أراد الشاعر أن يحاكي بين صوته في الواو الممدودة في "ألو" بالمد في "الندا" ..
    أو أراد الشاعر أن يحاكي بين صوته المتردد صدى/ المهتز في مساحة النقطتين بعد ألو بالمساحة الصوتية الحزينة والواسعة التي تخلفها مدة الألف في "الندا.........."..
    كل هذه احتمالات ممكنة للمعنى الذي يرسم نفسه بقوة الحدث.. وضغط المشاعر..
    ومن هنا يتحول "الندا" إلى نداء غير مألوف، ولم نعتده فيما قرأناه.. رغم أن تركيب الجملة يوحي بأنه تركيب مطروق.. ووليد لحظة انفعال فحسب..
    وأنا لا أنكر ولادته في لحظة انفعال، ولكني أثبت فقط قدرة هذه اللحظة بصدقها +_طاقة الشاعر النفسية واللغوية والشعرية = تركيبا مختلفاً.
    ولذا –أيضاً- كانت كلمة (حبيبي) في منتهى البكاء.. في ذروة الرقة وتصاعد الحدث الهاتفي إلى قمته البالغة الإثارة وجعاً، وانفعالاً بحجم ما أفجع شاعرنا..
    ولا شك في إمكانات "يا" للنداء ..
    وللمنادى الناء أو كالناء يا..
    أَتَسمَعُ صَوتِي ، و جَمرَ نَحِيبِي ؟
    أنا جزمت في البدء أن الشاعر لم يأبه إلى مسألة أن والده سمع نداه أولم يسمعه وكان السبب عندي سهلا وجائز الوقوع جدا وهو في ثلاثة احتمالات:
    - من بدهيات إحساس الشاعر أن أباه يحس به دوما، ويعرف ما به، وذلك أمر واقع عند كثيرين يسمونها بعملية التنبؤ، ولكن التنبؤ هنا مختلف فهو قبل كل شيء إحساس الأب بابنه وبما يعتمل في صدره، ثم بعد هذا تتدخل عمليات المخ في التنبؤ بمعناه الطبي أو في المأثور الديني.
    - رغبة نفسية أو محاولة نفسية في تخطي تلك المرحلة (هل تسمعني الآن بوضوح؟؟) نظراً لقسوة تلك الكلمة الآن في هذا الموقف الذي يجاهده الشاعر بما أوتي من طاقة ضد الفناء..
    - اعتياد الشاعر أن يحدث أباه كل يوم جعل بدايات المحادثة الهاتفية أمراً غير مأبوه له، وإنما ما بعد البدايات.
    هذا كله وارد، ولكن الواقع برز مكشراً عن تفاصيله التي حاولنا تجاوزها، فالوالد رحل، وليس على الطرف الآخر من خط الاتصال الهاتفي.. ومن ثم حضرت مسألة أن يكون سامعاً أصلا..
    لعل الشاعر لم يرد هذا، ولكن أراد أن يقول لنفسه ليس المهم أن تجيب مهما كان في إجابتك من السلامة لنفسي ما فيها، ولكن الأهم أن تسمع.. أن تعاود الاتصال بي بسمعك وإحساسك.. وبانتهاء البيت يكون الشاعر حدد رغبته في أن يسمعه وأمر الإجابة أو عدمها مرحلة لاحقة أو على الأقل لم يأت وقتها..
    ما أروع هذا التراجع وهو يصور تلك الصحوة التي توقظ الشاعر من بدهيات مشاعره..
    من زاوية حاصرتني المفارقة بين الواقع وبين ما نحمله من بدهيات شعورية نكون في أمس الحاجة أحياناً ألا نراجعها..
    تلك المفارقة التي تفرض نفسها الآن في ثوبها الكئيب الخانق..
    أبي يعرف ما في قلبي دوما .. يحس بآلامي .. فهل هو يجيب النداء الآن؟؟
    الواقع يفرض سؤالا آخر: هل هو يسمع النداء.. ؟؟
    بل أيسمع الصوت؟ مجرد الصوت؟ ضاعت هنا المعاني والكلمات بدلالاتها المعجمية كوسيلة اتصال.. تبقى صوت الهاء في (هل) والحاء في (حبيبي/ نحيبي) والجيم (تجيب / جمر).. ومنثورات النون والميم والباء)
    تلك الباء التي ظهرت ذات يوم لأجل أن يعبر تكرارها عن (بابا)..
    لكنها هنا جمعت حياتين حياة (بابا) وحياة (حـ/ /ـبيبي).. وأنا هنا لا أستدعي فكاهة من اللفظ ولا أحسب أن الموقف يستدعيها في ذهن أحد، ولكني أقصد حياة ذلك المسمى (بيبي) وحياة ذلك المسمى (بابا).. أي حياة الطفل الصغير الذي يرعاه (بابا) وحياة الأب الحكيم المعلم الذي يحب (ـبيبي)..
    لا أدري هل كان في قصد الشاعر هذا أم لا..
    أنا وجدت ما يبرر تفكيري في مثل هذه الجمالية وهو البيت الرابع
    [frame="2 80"]
    [poem=font="Simplified Arabic,5,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    و كُنتُ إذا مـا بَثَثتُـكَ حُزنِـي=تقـولُ فِـداكَ العُيـونُ حَبِيبِـي[/poem][/frame]

    ف(حبيبي) الأولى من الابن للأب.. و(حبيبي/البيت الرابع) نفس اللفظ من الأب للابن..
    لعلها اجتمعت بشكل غير واع، في (حــ/بيبي) تلك الباءات التي رسمت لنا خطاً نفسياً، وتفسيريا للعلاقة الرائعة التي جمعت الأب والابن..


    :
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد حسن محمد; الساعة 17-05-2007, 19:24.
  • د. جمال مرسي
    شاعر و مؤسس قناديل الفكر و الأدب
    • 16-05-2007
    • 4938

    #2
    الحبيب الرائع أحمد حسن محمد
    و الله و كأنك تعيش معي الحدث لحظة بلحظة
    و كأنك تسمع همس صوتي الحزين و هو ينادي المرحوم بإذا الله ألو .. هل تجيب الندا يا حبيبي
    أشعر بقربك مني في هذه اللحظة و لهذا جاءت هذه القراءة التي لم أمل منها و لا من قراءتها
    مرات و مرات عبارة عن نقل دقيق لكل ما كان يجول في نفس الشاعر ساعتها
    لله أنت أخي أحمد
    كلمات الشكر لا توفيك حقك و سأنتظر البيت الثاني و الأخير و ما بينهما
    دمت لأخيك بكل الحب
    و تقبله خالص ............... ودي
    أخوكم أبو رامي
    sigpic

    تعليق

    • أحمد حسن محمد
      أديب وكاتب
      • 16-05-2007
      • 716

      #3
      [align=center]والله أتمنى لو أهديتك كل قصائدك بقراءات تحليلية ذات مستوى علمي جميل..
      أنت أغلى وكبير دوما..
      أشكرك ألف مرة لكل ما تفعله لأجلنا[/align]

      تعليق

      • عادل العاني
        مستشار
        • 17-05-2007
        • 1465

        #4
        أديبنا وشاعرنا المبدع أحمد

        أقرأها لأكثر من مرة , وأكتشف فيها بعدا آخر للقراءة وفهم المعنى , والغوص في أعماق المشاعر الإنسانية.

        وننتظر قراءاتك للأبيات الأخرى...

        تحياتي وتقديري

        تعليق

        • أحمد حسن محمد
          أديب وكاتب
          • 16-05-2007
          • 716

          #5
          أستاذ الغالي الرائع الجميل..
          الشاعر الكبير
          عادل العاني

          دوما أجد ليديك في الكلمات أثرا ما..

          أسأل الله أن أكمل قراءة بقية القصيدة بهذه التحليلية التي تمكنني بإذن الله..
          وأن أفي ببعض حق أخ كبير حبيب مثل الدكتور جمال شاعرنا الرائع عليّ محبا محبا..


          بوركت أيها الغالي..
          وبورك الشاعر الحبيب..
          ورحم الله والدنا المتوفى وأسكنه فسيح جناته

          تعليق

          يعمل...
          X