آخر حمير الأدب ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عبد السميع نوح
    عضو الملتقى
    • 14-11-2008
    • 108

    آخر حمير الأدب ..

    آخر حمير الأدب .



    كنتُ أعرفه في شبابي ، وكنتُ أعرض عليه أعمالي فيشجعني كثيرا ، حتى توهمتُ أني أديب كبير ، وبعد زواجي لم أجد للأدب مكانا في حياتي ، وسأثبتُ لكم ذلك عمليا ، هذه القصة (آخر حمير الأدب) ستدل على أني هجرت الأدب ولم أعد أمتلك الموهبة التي كانت ، كنت في فترة دراستي وشبابي ولوعا بالشعر والقصة وأيضا الرسم ، كانت كراساتي الشعرية تحتوي على صور من رسم يدي، كل صورة تعمق فكرة ما لقصيدة ما ، ولكن بعد الزواج انتهى إحساسي بالحرمان ، وتلقائيا توقفت عن الكتابة إلا لماما ، ومن اللمام هذه القصة الجديدة (آخر حمير الأدب) حتى كلمة "لمام" ألا تجدون أنها نشاز وخالية من أي بريق من برائق الأدب ، أيضا كلمة برائق ، لاأدري أهي صحيحة أم خطأ ، ولكن لايهم ، فأنا غير مهتم كثيرا بصحة الأسلوب ولا بالدراما في هذه القصة .
    أتكلم عن هذا الأديب الحقيقي زززززز ، الأستاذ زززززز رجل مكافح ، لم يملَّ ، ولم يتوقف عن طرق أبواب الشهرة برغم بهاظة الجهد ، (سامحوني في كلمة بهاظة ، أنا نفسي غير مستريح لها ،ولكن ليس هذا هو المهم )
    قوبل الأستاذ زززززز بكل جحود ونكران ، فلم يعترف له ولاناقد واحد بالريادة التي حققها في عالم الشعر ، أما في القصة القصيرة فإن له إضافات جديدة وباهرة ، ولكن الحياة الثقافية عوراء كما تعلمون .
    أصيب الأستاذ زززززز بحالة قرف ، ولكنه ظل يتحرك ويحاول من باب قوة الدفع والعادة ، ولكنه لم يعد يؤمل في الناس خيرا ، هذا الرجل كان أستاذا في ضرب التقليد والمعروف المكرر ، وهو يسافر من طنطا أو المحلة إلى القاهرة ـ العاصمة الكبرى ـ على حماره في ثمان ساعات ركضا .
    وكلما دخل دارا للنشر أو اتحاد الكتاب أو أي مركز ثقافي قوبل باستهزاء ، وكلما استهزأ به الأدباء والنقاد ازداد الرجل تمسكا بحماره الوفي ، كان يقرأ في عين حماره أفكار قصصه التي دمرت التقليدي والمعروف وأتت بالجديد الخارق ، نشر الأستاذ زززززز ثلاثين مجموعة قصصية ،ولم يكتب عنه ناقد واحد كلمة توحد الله ، ووزع على كل الجرائد النسخ الكاملة لأعماله شعرا وقصة ولافائدة ،


    بدأ صغار الأدباء يتخرجون على يديه وينتشرون ، أما هو فلا .
    ولما فتح الله عليَّ بالمال الكثير بسبب تركي للأدب ، ظننتُ أنه سيفعلها ويتبعني ، ولكن الرجل ازداد إصرارا وراح يعيد عليَّ اسطوانته المشروخة (هأ المشروخة ! ماعلينا ) بأن أعود للكتابة وأنها أغلى من كنوز الدنيا ، فاستعفيت بما استعفيت به من قبل .
    مرت على زواجي ست وعشرون سنة ، أما هو فتزوج واستمر زواجه ليلة كاملة ، وعاش بعدها مطلقا إلى الآن ، أنجبت طليقته عقوبة على هذه الليلة ثلاثة توائم بنات . وبعد زواجهن ، عاش مرة أخرى وحيدا مع حماره ، حمار السيد زززززز ، كانوا يتندرون به في اللقاءات الأدبية وأحيانا يقدمه أحدهم حين ينوه عن وصول السيد زززززز وحماره فيقرأ الجملة مقلوبة : السيد زززززز حمار .
    مات حمار الأستاذ زززززز ، وحزن عليه حزنا شديدا ، وكنتُ أعلم حبه الشديد لحماره ، فقلتُ على سبيل المجاز " مات زززززز " فأسرع أحدهم واستخرج شهادة وفاة باسم الأستاذ زززززز البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما .
    وكانت آخر قصة قصيرة للأستاذ زززززز ، قرر أن يكتبها عمليا ، غيَّر من ملامحه ، وانتحل شخصية من خياله لابن عم له قادم من الواحات ، وتمت مراسم دفن زززززز في جثمان حماره ، واستطاع إرشاء اللحاد وطبيب الصحة وكل من له علاقة بالأمر .
    في كل سنة كلما أقبل شهر أغسطس أقيمت احتفالات الذكرى السنوية للأديب العبقري ، وراح الأدباء والنقاد يندبون حظهم ويتحسرون على أيام عبقري الأدب الأستاذ زززززز ، وتتوالى كلمات النقاد وأرباب الفكر والأدب والثقافة : " لقد كان علامة مضيئة في تاريخ الأدب العربي " .. "لقد أعطى أمته كنوزا من الفكروالأدب لاتقدر بمال " .. "زززززز اسم لن يمحوه الزمن " إلى أن وقف وزير الثقافة يلقي كلمته السنوية وكان مما قاله : " لقد تعودنا ألا نكرم الأديب إلا بعد وفاته ، وهي آفة يجب أن نتخلص منها ، وأنا أعدكم من اليوم بتشكيل لجنة عليا تقترح علينا الأسماء التي يجب تكريمها ، وسنقوم فورا بتكريمها ، أيها الأخوة إنكم لاتعلمون مدى الحزن والحسرة في قلوب الدولة بسبب أننا لم نتمكن من تكريم السيد زززززز وتوفير أهنأ حياة له وهو على قيد الحياة ، وهذا الرجل يستحق أن تخلد الدولة اسمه ولذلك قررنا أن نطلق اسمه على نهر النيل فيكون اسمه نهر زززززز ، وعلى الأهرام "
    وهنا ردد الجمهور : زززززز
    وعلى السد العالي .
    زززززز
    ووقف رئيس الجامعة التي لم يتخرج فيها السيد زززززز وقال : " هل تعلمون أن السيدزززززز هو أو واحد أطلق كلمة السجنجل على المرآة ؟
    وهنا ردد الجمهور : زززززز
    وقال الوزير : لو كان هذا الرجل حيا في عهدي وعهد رئيسنا الملهم لفعلنا له من التكريم كيت وكيت وكيت ..لقد تعلمنا من الانجليز كيف يحبون شكسبير ، ومن الألمان كيف يحبون جوتة ، ومن الفرنسيس كيف يحبون هوجو .. لسنا أقل منهم أبدا ..

    وهنا وقف السيد زززززز الذي كان جالسنا في وسط الحضور وخلع باروكة الشعر واللحية والشارب ، وقال للحضور : ها أنا ذا .. أنا زززززز ، أروني ماذا تفعلون ؟


    وقررت الحكومة استعمال الشفقة مع السيد زززززز وأوصت عليه العاملين بالسراية الصفراء خيرا ..
يعمل...
X