قراءة في قصيدة (أنتِ و خيط الفجر) لمزاحم الكبع.
من المهم للشَّاعر , و أعني هنا الشَّاعر الجيِّد , أن يستوعب التجارب الشِّعريَّة السَّابقة أو يطَّلع عليها على أقل تقدير , و من المهم أيضاً أن يتجاوزها و يقدِّم شيئاً جديداً و إن لم يكن الجديد موجوداً نتيجةً لتكرار المناسبة فليحاول إذنْ أن يصبغ المناسبة "المكرورة" (الحب مثلاً) ككل المناسبات في حياة البشر بصبغة شخصيَّة جدَّاً قد تدرجها في قائمة "الجديد" الذي يضمن بقاءها بقاءَ الشِّعر العظيم.
لا يخفى على من قرأ شعر مزاحم و غزليَّاته بالذَّات (و هي معظم شِعره) هذه النَّظرة التفاؤليَّة الجميلة فيها ففي حين اعتاد القارئ على انكسار المحب للمحبوب و خضوعه له فإنَّ مزاحم غالباً ما ينجح في قلب المعادلة من هذه الناحية فنجد أنَّه يأتي بمعاني تؤكِّد أنَّه الأفضل و الأجدر بالحب و الوصال بل ربَّما يرى أنَّه الشهريار الوحيد لشهرزاد هذا الزَّمان , و هذا شيء جميل يحق له فقط و هو يحمل صولجان الشِّعر.
يقول مزاحم الكبع في قصيدته (أنتِ و خيط الفجر):
إذا أردنا أن نتحدَّث عن التخييل و الصُّور الشِّعريَّة في هذه القصيدة بإنصاف يجب أن نقول أنَّها مليئة بالصُّور بل إنَّ الصور في القصيدة متتالية تتالي حبَّات المسبحة لا تكاد تنتهي واحدة منها حتَّى تجيء الثانية و كأنِّي بالشاعر يتعمَّد هذا في قصيدته و لكن للأسف تبقى الصور في معظمها ضمن الإطار التقليدي المحسوس فما المثير شِعريَّاً بل ما الغريب في أنَّ : (النوارس تطير) , (الورود تُجمَع و تُهدى للمحبوبة) , (المراكب تضلّ في البحر) , (المطر يهطل) ... إلخ ؟ , أظنُّ أنَّ المباشرة (و الكلام المكرور) لا تصنع شعراً و إن كان لا بدَّ للشاعر من الإتيان بالمحسوس فإنَّ عليه -على الأقل- أن يقوم توظيف المحسوس توظيفاً يجعله يفعل ما لم نتوقَّع منه.
كانت القافية على سهولتها ثقيلة الظِّل في بعض المواضع و لم تنجح في خلق أي انزياح أو مفارقة و لكنَّها أحدثت جرس نهاية البيت فقط و هذا واضح جدَّاً في أبيات مثل : (وأمزجُها بآهاتي ..بأحلامي بأجوائي) , و في أشطر مثل : (خيطُ الفجر أشيائي) , و هذا ما جعل الشَّاعر يقع في زوائد لفظيَّة لم تحقق أي نمو للقصيدة و لننظر للبيت التالي على سبيل المثال : (إذا ما شئتِ سيِّدتي .. إذا ما شئتِ حسنائي) , أعتقد أنَّ الشاعر يتفق معي أنَّ البيت كلُّه يريد أن يقول (إذا شئتِ) لكن الوزن و القافية جعلاه متورِّماً إلى هذا الحد.
في القصيدة أيضاً محاولات لفرض تصريع داخل القصيدة سيراً على خُطى القدماء لا يبرِّرهُ إلَّا أنَّ "نَفَس" الشَّاعر كان لحظة الكتابة طويلاً على ما يبدو أو أنَّه أراد لقصيدته بعد أن اكتملت أن تبدو أطول فأضاف لها بعض الأبيات حشواً , فلننظر للأشطر المتعاقبة التالية على سبيل المثال لا الحصر : (فقد فارقتُ لألائي / و قد فارقتُ آلائي / و قد فارقتُ ضوضائي) سنجد تكراراً غير مبرر لنفس الفكرة كان يمكن لشطر واحد أن يوصله للمتلقي بشكل أجمل لا يشي بتكلُّف الإطالة , أو فلننظر للأشطر التالية : (فلم أضعف لدعجاءِ/ولم أضعفْ لجيداءِ/ولم أضعف لغيداءِ/ولم أضعف لحوراءِ) .. ما المبرر لكل هذا ؟ , إن كانَ التكرار على سبيل المبالغة و إظهار "عدم الضَّعف" أمام كل أنواع النساء "الجميلات" حصراً فأظنُّ أنَّه كان جديراً بالشَّاعر استخدام تقنيَّة التشذير في مثل هذا المكان (إن كان لا بد من هذا المعنى).
يُخيَّلُ لي أنَّ الشاعر لم يكن يكتب قصيدةً , و لا أبيات , بل كان يكتب أشطراً و لهذا فقد كان زمام القصيدة يفلت منه بين الشطر و الآخر لدرجة تجعله يقتل استعاراته بنفسه أحياناً فهو يقول : (سأغدو نبع أشعارٍ ..حروفي همسُ أعضائي) , انظر معي لكلمة "حروفي" التي جاءت رصاصة في القلب بعد أن حلَّقنا عالياً في الشَّطر الأوَّل , فبعد الانزياح الجميل في "نبع أشعار" أتت "حروفي" التي أعادت الشِّعر حروفاً تُهمَس , و هو يقول : (أنا بحرٌ بلا حسنٍ ..كأنثى دون أثداءِ) , أسألكم بالله : ما الجميل في أن تكون الأنثى دون أثداء ؟ هل يريد الشاعر الألم من الصُّورة ؟ فليكن , لكن لا أعتقد أنَّه عاجز عن الإتيان بالمعنى الذي يريده بشكل أجمل خصوصاً مع بحر سهل جدَّاً مثل الهزج.
يبدو لي أيضاً أنَّ الشَّاعر كان لحظة الكتابة يحاول أن يصغي لموسيقى الهزج (و هذا حقه) مما جعله يقع في أمرين :
الأمر الأوَّل أنَّه خلط بين الهزج و بين مجزوء الوافر فبدأ القصيدة بالهزج و أتى بأشطر من مجزوء الوافر ضمنها و ذلك لأن الصرخة الفاصلة بين "مفاعلتن" و "مفاعيلن" لم تكن واضحة كفايةً بالنسبة لأذن الشَّاعر الموسيقيَّة.
الأمر الثاني أنَّه أصغى للعروض أكثر من إصغائه للقواعد فوقع في بعض الأخطاء النحوية مثل حذفه لنون الوقاية في : (و لكن حين تهديني) , ( و إنِّي حينَ تهديني) حيث أجبره البحر كما نرى على تحويل الخطاب من المؤنَّث إلى المذكَّر على عكس سير خطاب القصيدة من بدايتها و هذا الأمر غير مقصود على ما أرى علماً أنَّه يجوز مخاطبة الأنثى بصيغة المذكَّر.
في القصيدة أيضاً تناص واضح مع نزار قبَّاني الذي يقول :
تعالي و اسقطي مطراً .. على عطشي و صحرائي
ذلك أنَّ مزاحم الكبع يقول :
تعالي و اهطلي مطراً .. يروِّي جدبَ صحرائي.
أخيراً نقول بصدق أنَّ الرِّحلة عموماً مع مزاحم الكبع رحلة جميلة تمتع من يبحث عن الجمال و الحكمة و العاطفة السامية فوق الوحول رغم بعض المطبَّات الشِّعريَّة (كهذه القصيدة) التي نرجوا أن تكون قراءتنا لها قد نجحت في وضع قنديل ما على طريق الشاعر الذي تعلَّمنا منه الكثير و الذي احتضننا شِعريَّاً و ما زال.
مختار الكمالي
البوكمال
19-8-2010
من المهم للشَّاعر , و أعني هنا الشَّاعر الجيِّد , أن يستوعب التجارب الشِّعريَّة السَّابقة أو يطَّلع عليها على أقل تقدير , و من المهم أيضاً أن يتجاوزها و يقدِّم شيئاً جديداً و إن لم يكن الجديد موجوداً نتيجةً لتكرار المناسبة فليحاول إذنْ أن يصبغ المناسبة "المكرورة" (الحب مثلاً) ككل المناسبات في حياة البشر بصبغة شخصيَّة جدَّاً قد تدرجها في قائمة "الجديد" الذي يضمن بقاءها بقاءَ الشِّعر العظيم.
لا يخفى على من قرأ شعر مزاحم و غزليَّاته بالذَّات (و هي معظم شِعره) هذه النَّظرة التفاؤليَّة الجميلة فيها ففي حين اعتاد القارئ على انكسار المحب للمحبوب و خضوعه له فإنَّ مزاحم غالباً ما ينجح في قلب المعادلة من هذه الناحية فنجد أنَّه يأتي بمعاني تؤكِّد أنَّه الأفضل و الأجدر بالحب و الوصال بل ربَّما يرى أنَّه الشهريار الوحيد لشهرزاد هذا الزَّمان , و هذا شيء جميل يحق له فقط و هو يحمل صولجان الشِّعر.
يقول مزاحم الكبع في قصيدته (أنتِ و خيط الفجر):
إذا مـــــــــا شــــئـــــتِ إهـــــدائـــــيحــــــــروفَ الــــحـــــاءِ والــــبـــــاءِ
ســـــأغــــــدو نـــــبــــــعَ أشــــــعــــــارٍوبَـوحـي هـمــسُ أعـضـائـي
إذا مــــــــــا شـــــئـــــتِ ســـيِّـــدتــــيإذا مـــــــا شـــئــــتِ حــســنــائــي
ورودُ الـــــــشـــــــامِ أجـــمــــعُــــهــــاوأصــــــبــــــغُــــــهـــ ــــا بــــــــحــــــــنَّـــــــــاءِ
وأمــــــــزجُــــــــهــــــــا بــــــــآهــــــــاتـــــــــيبــــــأحــــــلامـ ــــــي بــــــأجـــــــوائـــــــي
إلــــــــــــى عـــيـــنـــيــــكِ أهــــديــــهـــــاوهــــــــــذا بـــــعـــــضُ إهـــــدائــــــي
أنـــــــا بــــحــــرٌ مــــــــن الأشــــــــواقِ لــــــكـــــــن دون أصـــــــــــــداءِ
فـــــكـــــلُّ مـــراكـــبــــي ضـــــلَّـــــتْوقـــــــــــد تــــــاهــــــت بـــأنـــحـــائـــي
وكــــــــلُّ نــــوارســـــي طـــــــــارتوغارت في المدى النائي
وكــــــــــــــلُّ لآلـــــــئــــــــي ذابـــــــــــــــتومـــائــــي لــــــــم يــــعــــد مــــائــــي
وســحــري لـــــم يــعـــد ســحـــراًفــــــقـــــــد فــــــارقـــــــتُ لألائــــــــــــــي
وقــــــــــــــد فـــــــارقــــــــتُ آلائـــــــــــــــيوقـــــد فـــارقـــتُ ضــوضــائــي
أنـــــــــا بــــحـــــرٌ بــــــــــلا حـــــســـــنٍكـــــــأنـــــــثــــــــى دون أثـــــــــــــــــــــــداءِ
وكـــــم حـســنــاء فـــــي دربــــــيمُــــنــــاهــــا كــــــــــــان إغــــــرائــــــي
فــــلــــم أضــــعـــــف لـــدعـــجـــاءٍولــــــــــم أضـــــعـــــفْ لـــجـــيــــداءِ
ولـــــــــــم أضـــــعــــــف لـــغــــيــــداءٍولـــــــــم أضـــــعـــــف لـــــحـــــوراء
فــكـــونـــي أنــــــــتِ أشـــرعـــتـــيوكـــــونـــــي أنـــــــــــتِ مــيـــنـــائـــي
وكـــــونـــــي شـــاطـــئــــاً تـــهـــفــــوإلــــــــــــــى لــــقـــــيـــــاه أشـــــــلائـــــــي
أعــيــديـــنـــي إلـــــــــــى نـــفــــســــيأزيـــــحــــــي كــــــــــــلّ أعــــبــــائــــي
تــعــالـــي واهــطــلـــي مــــطــــراًيُــــــروِّي جــــــدْبَ صــحــرائــي
تــعــالـــي أطــفـــئـــي بــالـــحُـــبْبِ والأشــــــواق رمــضــائـــي
فـغــيــرُكِ لــيـــس فــــــي قــلــبــيوخــــيــــطُ الــفـــجـــر أشــيـــائـــي
وأعـــــــلـــــــمُ أنـــــــنـــــــي صَــــــــــــــبٌّدوائـــي فــــي الــهــوى دائــــي
وأعــــــلــــــمُ أنــــــنـــــــي الـــمـــفـــتــــونُ فـــــــي شـــعــــري وإلــقــائـــي
وأعـــــــــلـــــــــمُ أنـــــــــنـــــــــي فــــــــــــــــــردٌوبـــــــــــــــــــــالآلا فِ أعــــــــــدائـــــــــــي
ولـــــكــــــن حــــــيــــــن تـــهـــديـــنـــيحــــــــروف الــــحـــــاء والــــبـــــاءِ
يـصـيــرُ الــكــونُ مُـخـتَـصــرَاًبــــــشـــــــهـــــــبـــــــاءٍ وفـــــــــيـــــــــحـــــــــاءِ
وروحــــــــي رهــــــــنُ مــــدرســـــةٍأُعَـــــــلَّــــــــمُ بـــــــــــــــدءَ إنـــــشـــــائـــــي
حـــروفُ الـعـشـقِ أحفـظُـهـاولا أســــعـــــى إلــــــــــى الـــــيـــــاءِ
فـــعـــنـــد الـــســـيـــن يــهــجــرنـــيفـــــــــــــؤادي كـــــــــــــومَ أشـــــــــــــلاءِ
وإنِّــــــــــــي حــــــيـــــــن تـــهـــديـــنــــيحــــــــروفَ الــــحـــــاءِ والــــبـــــاءِ
ســــأغــــدو واحـــــــــداً غــــيـــــرييــــــــــــرومُ يــــــــــــرومُ إعــــــلائــــــي
فـــــكـــــلُّ مـــصـــائــــبِ الـــدُّنــــيــــاســـتُـــخــــذَلُ قـــــبــــــل إبـــكــــائــــي
وكـــــــــلُّ ســــيـــــوف أعــــدائـــــيســـتــــفــــنــــى دون إدمــــــــائــــــــي
ســتــســرقــنـــي مـــــــــــن الأيَّــــــــــــامِ والأصــحـــابِ أضـــوائـــي
سـيـغـدو الـعـالــمُ الـعـصــرِيْيُ مــــحــــكـــــومـــــاً بـــــــــآرائــــــــــي
سـأمــشــي حــافـــيَ الـقــدمــينِ فـــــي تــيـــهٍ عــلـــى الــمـــاءِ
سـأمــنــحُــهــا نــــجـــــومَ الــــلَّـــــيلِ مَـــنَّــــاً بـــعــــضَ أســمـــائـــي
ســـــأغــــــدو فـــــخــــــرَ آبــــــائــــــيوأغـــــــــــدو فـــــخــــــرَ أبــــنــــائــــي
وكـــــلُّ الــكـــونِ كــــــلُّ الـــكـــونِ لــــــــــن يـــكـــفــــي لأنـــبـــائــــي
إذا مــــــــــا شـــــئـــــتِ ســـيِّـــدتــــيإذا مـــــــا شـــئــــتِ حــســنــائــي
ســـــأغــــــدو نـــــبــــــعَ أشــــــعــــــارٍوبَـوحـي هـمــسُ أعـضـائـي
فـغــيــرُكِ لــيـــس فــــــي قــلــبــيوخــــيــــطُ الــفـــجـــر أشــيـــائـــي
إذا أردنا أن نتحدَّث عن التخييل و الصُّور الشِّعريَّة في هذه القصيدة بإنصاف يجب أن نقول أنَّها مليئة بالصُّور بل إنَّ الصور في القصيدة متتالية تتالي حبَّات المسبحة لا تكاد تنتهي واحدة منها حتَّى تجيء الثانية و كأنِّي بالشاعر يتعمَّد هذا في قصيدته و لكن للأسف تبقى الصور في معظمها ضمن الإطار التقليدي المحسوس فما المثير شِعريَّاً بل ما الغريب في أنَّ : (النوارس تطير) , (الورود تُجمَع و تُهدى للمحبوبة) , (المراكب تضلّ في البحر) , (المطر يهطل) ... إلخ ؟ , أظنُّ أنَّ المباشرة (و الكلام المكرور) لا تصنع شعراً و إن كان لا بدَّ للشاعر من الإتيان بالمحسوس فإنَّ عليه -على الأقل- أن يقوم توظيف المحسوس توظيفاً يجعله يفعل ما لم نتوقَّع منه.
كانت القافية على سهولتها ثقيلة الظِّل في بعض المواضع و لم تنجح في خلق أي انزياح أو مفارقة و لكنَّها أحدثت جرس نهاية البيت فقط و هذا واضح جدَّاً في أبيات مثل : (وأمزجُها بآهاتي ..بأحلامي بأجوائي) , و في أشطر مثل : (خيطُ الفجر أشيائي) , و هذا ما جعل الشَّاعر يقع في زوائد لفظيَّة لم تحقق أي نمو للقصيدة و لننظر للبيت التالي على سبيل المثال : (إذا ما شئتِ سيِّدتي .. إذا ما شئتِ حسنائي) , أعتقد أنَّ الشاعر يتفق معي أنَّ البيت كلُّه يريد أن يقول (إذا شئتِ) لكن الوزن و القافية جعلاه متورِّماً إلى هذا الحد.
في القصيدة أيضاً محاولات لفرض تصريع داخل القصيدة سيراً على خُطى القدماء لا يبرِّرهُ إلَّا أنَّ "نَفَس" الشَّاعر كان لحظة الكتابة طويلاً على ما يبدو أو أنَّه أراد لقصيدته بعد أن اكتملت أن تبدو أطول فأضاف لها بعض الأبيات حشواً , فلننظر للأشطر المتعاقبة التالية على سبيل المثال لا الحصر : (فقد فارقتُ لألائي / و قد فارقتُ آلائي / و قد فارقتُ ضوضائي) سنجد تكراراً غير مبرر لنفس الفكرة كان يمكن لشطر واحد أن يوصله للمتلقي بشكل أجمل لا يشي بتكلُّف الإطالة , أو فلننظر للأشطر التالية : (فلم أضعف لدعجاءِ/ولم أضعفْ لجيداءِ/ولم أضعف لغيداءِ/ولم أضعف لحوراءِ) .. ما المبرر لكل هذا ؟ , إن كانَ التكرار على سبيل المبالغة و إظهار "عدم الضَّعف" أمام كل أنواع النساء "الجميلات" حصراً فأظنُّ أنَّه كان جديراً بالشَّاعر استخدام تقنيَّة التشذير في مثل هذا المكان (إن كان لا بد من هذا المعنى).
يُخيَّلُ لي أنَّ الشاعر لم يكن يكتب قصيدةً , و لا أبيات , بل كان يكتب أشطراً و لهذا فقد كان زمام القصيدة يفلت منه بين الشطر و الآخر لدرجة تجعله يقتل استعاراته بنفسه أحياناً فهو يقول : (سأغدو نبع أشعارٍ ..حروفي همسُ أعضائي) , انظر معي لكلمة "حروفي" التي جاءت رصاصة في القلب بعد أن حلَّقنا عالياً في الشَّطر الأوَّل , فبعد الانزياح الجميل في "نبع أشعار" أتت "حروفي" التي أعادت الشِّعر حروفاً تُهمَس , و هو يقول : (أنا بحرٌ بلا حسنٍ ..كأنثى دون أثداءِ) , أسألكم بالله : ما الجميل في أن تكون الأنثى دون أثداء ؟ هل يريد الشاعر الألم من الصُّورة ؟ فليكن , لكن لا أعتقد أنَّه عاجز عن الإتيان بالمعنى الذي يريده بشكل أجمل خصوصاً مع بحر سهل جدَّاً مثل الهزج.
يبدو لي أيضاً أنَّ الشَّاعر كان لحظة الكتابة يحاول أن يصغي لموسيقى الهزج (و هذا حقه) مما جعله يقع في أمرين :
الأمر الأوَّل أنَّه خلط بين الهزج و بين مجزوء الوافر فبدأ القصيدة بالهزج و أتى بأشطر من مجزوء الوافر ضمنها و ذلك لأن الصرخة الفاصلة بين "مفاعلتن" و "مفاعيلن" لم تكن واضحة كفايةً بالنسبة لأذن الشَّاعر الموسيقيَّة.
الأمر الثاني أنَّه أصغى للعروض أكثر من إصغائه للقواعد فوقع في بعض الأخطاء النحوية مثل حذفه لنون الوقاية في : (و لكن حين تهديني) , ( و إنِّي حينَ تهديني) حيث أجبره البحر كما نرى على تحويل الخطاب من المؤنَّث إلى المذكَّر على عكس سير خطاب القصيدة من بدايتها و هذا الأمر غير مقصود على ما أرى علماً أنَّه يجوز مخاطبة الأنثى بصيغة المذكَّر.
في القصيدة أيضاً تناص واضح مع نزار قبَّاني الذي يقول :
تعالي و اسقطي مطراً .. على عطشي و صحرائي
ذلك أنَّ مزاحم الكبع يقول :
تعالي و اهطلي مطراً .. يروِّي جدبَ صحرائي.
أخيراً نقول بصدق أنَّ الرِّحلة عموماً مع مزاحم الكبع رحلة جميلة تمتع من يبحث عن الجمال و الحكمة و العاطفة السامية فوق الوحول رغم بعض المطبَّات الشِّعريَّة (كهذه القصيدة) التي نرجوا أن تكون قراءتنا لها قد نجحت في وضع قنديل ما على طريق الشاعر الذي تعلَّمنا منه الكثير و الذي احتضننا شِعريَّاً و ما زال.
مختار الكمالي
البوكمال
19-8-2010
تعليق