أضغاث

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالمنعم حسن محمود
    أديب وكاتب
    • 30-06-2010
    • 299

    أضغاث

    أضغاث
    نعم..، طاحونة الأيام لا يفتر قرصها عن الدوران، هكذا يجب أن يدرك الجميع، ولكن ملامح هذا الرجل الغريب المدعو (قسم السيد) ترفض هذا الافتراض بشدة، وتفترض أن لا علاقة لها بهذا القرص، (لقسم السيد) مهارة خاصة به، فمع كل إطلالة عام جديد، يملأ جيبه الأمامي بجنيهات جديدة وزاهية ومفعمة برائحة الحبر، ويقترب من موظف نافذة العُمر الكهل المعروف لسكان المدينة بأنه لا يرتشي، ويدقُ ثلاث دقات متتالية، وبإيقاع متفق علية، تنفرج أسارير باب المكتب قليلاً، يدخل عبر هذه الإنفراجة المرسومة وفق مساحة جسده الضئيل، ويضع حزمة من الأوراق الخضراء أمام موظف العُمر الكهل، ويخرج بملامح معفية تماماً من آثار دوران قرص الأيام، هكذا ظل يرشي موظف العُمر الكهل متى ما أراد، ولكن لماذا تتبعني ملامحه وتصادفني أينما أذهب...
    الساعة التي تتحكر في أمعائي تشير الآن لأوان الهّم اليومي، وعليّ أن ألبي نداء الطبيعة، وأفرغ ما طحنته أسناني أمس، المسافة التي بيني وبين الحفرة يجب أن توفر لها الدولة خطاً حديدياً، قفزتُ من على سريري، واتجهتُ صوب الحفرة، قطرات من العرق تنثال على جبهتي، جبهتي التي تقبع في عروقها ملامح ذلك الرجل التي لا تعترف بالقرص، انحنيتُ نصف انحناءة، وبأطراف أناملي تمكنتُ من رأس الإبريق، لوحتُ به في كل الاتجاهات أمام الحفرة التي تنتظرني بفارغ الصبر، الماء الذي في قاع الإبريق لا يكفي للمهة التي جئتُ من أجلها، وتذكرتُ ثانيةً أن على الدولة أن توفر بطريقة أو أخرى حافزاً آخر تضيفه لمعاشي الشهري حتى لا أجعل الإبريق جزءاً من قائمة التأخير، في نهاية الأمر استعنتُ بحيلة قديمة مكنتني من تلبية النداء واسكات تلك الساعة، اختصرتُ طقوسي الصباحية اختصاراً مُخلا...
    وقفتُ منتظراً على طرف الشارع، وكما توقعتُ جاء (قسم السيد) بملامحه المتمردة ووقف خلفي تماماً، وقبل أن ينتظم في وقفته المعهودة، هجم عليه عسكري يرتدي بزة باهتة، وجمع بقبضة واحدة ثلث جلبابه في يده، هالني ما رأيت، الملامح التي كنت أظنها لا تعترف بعامل الزمن، ولا تعير قرص الأيام اهتماماً، ها قد تبدلتْ وتعرتْ وأفضتْ إلى عمرها الحقيقي، شَّكَل ملامحه الجديدة، ورسم كتلة من الاستياء رمق بها العسكري الفظ الذي يحتفظ بثلث جلبابه، قررتُ أن يكون هذا اليوم عطلة بسبب الإبريق واحتفاءاً بهذا المشهد..، هشّم صاحب الملامح المتبدلة كتلة الاستياء إلى حصى صغيرة، حتى أن العسكري لم يعد يراها، ترك ملامحه في مكانها وزج يده في جيبه، وتناول كيساً منتفخاً، أدخل أرنبة أنفه في الكيس واستنشق بعمق رائحة (العماري) الجيد، ومده إلى العسكري الذي أرخى من قبضته، ونامت أعصابه تدريجياً وهو يضم الكيس إليه، انتهزها (قسم السيد) بعد أن ترك قرص الأيام وساماً فوق ملامحه فرصةً، تخلص من نعليه ببطء، انطلق كالسهم في تجاه الريح، الريح غيرت مسارها، وهو مازال يركض، يلهث، تعثر دون أن ينتبه وارتطم بالأرض المتورمة من الأرق، تناثرت من جيوبه رزمة من الجنيهات، الريح التي استبدلت مسارها حملت رزمة الجنيهات ورمتها أمامي، تلفتُ جيداً، تأكدتُ أن لا أحد يراقبني، وأن الهدوء يخدشُ الهدوء، هجمتُ على رزمة الجنيهات دفعة واحدة، وخبأتها في جيبي، نهضتُ فزعاً على صوت ارتطامي بالبلاط، أخرجتُ يدي من جيبي، فخرج معها (الريموت)، تثاءبتُ، استغفرتُ، ولعنتُ كل كابوسٍ لاحقني في يوم من الأيام، عدتُ إلى فراشي وطبطبتُ على جدار الملح وتأكدتُ بأني مازلتُ آمنا في (جدة)، تلك المدينة المبتهجة بأنوارها..
    ابتسمتُ ابتسامة كبيرة "وطنطنتُ..طن طن طن ياخرطوم وييينك ويينك..،" شربتُ قارورة كاملة من حليب المراعي، إلتصقتُ بالشاشة البلورية مرة أخرى، خرقَ بصري تفاصيل الجسد الرخامي الذي يتمايل أمامي، عقدتُ في سري المقارنات والمفارقات، طعنتُ في نزاهة لجنة التحكيم، لم تدهشني هذه البنت اليابسة التي توجتها اللجنة ملكة لجمال أمريكا، فضلتُ بديلاً عنها (لونسكي)، ومن بيروت إلى بيروت تجولتُ مع (الريموت)، وحين نتعب سوياً من رحلاتنا المكوكية نستريح معاً في أم درمان..
    (وبهدي لحن المساء لأخواني في أسمرا، وأمي في القاهرة، ولأبوي في العين...
    وبنسأل ضيفنا ما عندك علاقة بالكورة يا أستاذ..؟
    أبدا والله يا ابني ماعندي، وما بحبها، وما بشاهدها..
    خلاص أيها المشاهد الكريم، سنشاهد استراحة كروية ونواصل..)
    أغلقتُ الفضاء، ومنافذ التكييف، وخرجتُ اتحسسُ دربي، وقفتُ في الصف مؤدباً، جاء رجل يلتفُ عقالاً أسود رفيع حول رأسه، وخاطبنا كخبيرٍ، وقال إنه يحبنا كثيراً كسودانيين، وعليه الرأس الواحد بألفِ مئة ريال كي نهرّبكم إلى الرياض، لم أحتج، تكومتُ مع الآخرين وبإجماع مستقبلي أسكتنا دوراتنا الدموية، تسلحفت بنا الشاحنة تشقُ سكون الصحراء، توسدتُ سلة أحلامي، وبحلقتُ في الظلام، لا شئ سوى الطنين، وحرارة الأنفاس البشرية، سمعتُ خريراً يندلق في شئٍ كالنايلون، تحسستُ مسالكي، ولمستُ كل ثقب في جسدي، همس جاري في أذني..
    (الله يجازي اللي كان السبب)
    لم أرد عليه، غفوتُ، وقبل أن أدخل في كابوسٍ جديد، صحوتُ على أثر ماءٍ بارد يندلق فوقي، رفعتُ رأسي ورأيته يرفعني إلى أعلى بيد لها قبضة تمكنتْ من ثلث جلبابي، كان عسكرياً يرتدي بزة لامعة ينتمي إلى دوريات الليل، أدخلتُ يدي في جيبي وتناولتُ كيسا مليئا (بالعماري) الجيد شممته جيداً، عدتُ مع رائحته إلى أرض الواقع، حضر عقلي كاملاً، أغلقتُ منافذ الشرود، وهبتُ الكيس إلى الرجل الذي يقف خلفي بملامحه التي لا تعترف بدوران قرص الأيام، توقفت أمامنا حافلة تئن كأنها تحمل طناً من الحديد الصلب، صعدنا سوياً، صممتُ أن لا أدع (قسم السيد) يدفع قيمة التذكرة، رغم أني لم استلم راتبي بعد.
    التواصل الإنساني
    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    أستاذ عبد المنعم،
    جاء نصّك قمّة في الإبداع و الجدّيّة و الصدق و الوجع.
    كانت متعة حقيقيّة أن قرأت لك.
    تحيّة لك.إنّي متابع أعمالك منذ هذه الّلحظة إن شاء الله.
    تحيّة محبّة و ودّ لك أستاذي العزيز.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • عبدالمنعم حسن محمود
      أديب وكاتب
      • 30-06-2010
      • 299

      #3
      تسلم وتشكر أ.محمد فطومي
      على هذا المرور الذي أسعدني كثيراً..
      مع تقديري واحترامي
      التواصل الإنساني
      جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


      تعليق

      • الحسن فهري
        متعلم.. عاشق للكلمة.
        • 27-10-2008
        • 1794

        #4
        [align=center]
        المشاركة الأصلية بواسطة عبدالمنعم حسن محمود مشاهدة المشاركة
        أضغاث




        نعم..، طاحونة الأيام لا يفتر قرصها عن الدوران، هكذا يجب أن يدرك الجميع، ولكن ملامح هذا الرجل الغريب المدعو (قسم السيد) ترفض هذا الافتراض بشدة، وتفترض أن لا علاقة لها بهذا القرص، (لقسم السيد) مهارة خاصة به، فمع كل إطلالة عام جديد، يملأ جيبه الأمامي بجنيهات جديدة وزاهية ومفعمة برائحة الحبر، ويقترب من موظف نافذة العُمر الكهل المعروف لسكان المدينة بأنه لا يرتشي، ويدقُ ثلاث دقات متتالية، وبإيقاع متفق علية، تنفرج أسارير باب المكتب قليلاً، يدخل عبر هذه الإنفراجة المرسومة وفق مساحة جسده الضئيل، ويضع حزمة من الأوراق الخضراء أمام موظف العُمر الكهل، ويخرج بملامح معفية تماماً من آثار دوران قرص الأيام، هكذا ظل يرشي موظف العُمر الكهل متى ما أراد، ولكن لماذا تتبعني ملامحه وتصادفني أينما أذهب...
        الساعة التي تتحكر في أمعائي تشير الآن لأوان الهّم اليومي، وعليّ أن ألبي نداء الطبيعة، وأفرغ ما طحنته أسناني أمس، المسافة التي بيني وبين الحفرة يجب أن توفر لها الدولة خطاً حديدياً، قفزتُ من على سريري، واتجهتُ صوب الحفرة، قطرات من العرق تنثال على جبهتي، جبهتي التي تقبع في عروقها ملامح ذلك الرجل التي لا تعترف بالقرص، انحنيتُ نصف انحناءة، وبأطراف أناملي تمكنتُ من رأس الإبريق، لوحتُ به في كل الاتجاهات أمام الحفرة التي تنتظرني بفارغ الصبر، الماء الذي في قاع الإبريق لا يكفي للمهة التي جئتُ من أجلها، وتذكرتُ ثانيةً أن على الدولة أن توفر بطريقة أو أخرى حافزاً آخر تضيفه لمعاشي الشهري حتى لا أجعل الإبريق جزءاً من قائمة التأخير، في نهاية الأمر استعنتُ بحيلة قديمة مكنتني من تلبية النداء واسكات تلك الساعة، اختصرتُ طقوسي الصباحية اختصاراً مُخلا...
        وقفتُ منتظراً على طرف الشارع، وكما توقعتُ جاء (قسم السيد) بملامحه المتمردة ووقف خلفي تماماً، وقبل أن ينتظم في وقفته المعهودة، هجم عليه عسكري يرتدي بزة باهتة، وجمع بقبضة واحدة ثلث جلبابه في يده، هالني ما رأيت، الملامح التي كنت أظنها لا تعترف بعامل الزمن، ولا تعير قرص الأيام اهتماماً، ها قد تبدلتْ وتعرتْ وأفضتْ إلى عمرها الحقيقي، شَّكَل ملامحه الجديدة، ورسم كتلة من الاستياء رمق بها العسكري الفظ الذي يحتفظ بثلث جلبابه، قررتُ أن يكون هذا اليوم عطلة بسبب الإبريق واحتفاءاً بهذا المشهد..، هشّم صاحب الملامح المتبدلة كتلة الاستياء إلى حصى صغيرة، حتى أن العسكري لم يعد يراها، ترك ملامحه في مكانها وزج يده في جيبه، وتناول كيساً منتفخاً، أدخل أرنبة أنفه في الكيس واستنشق بعمق رائحة (العماري) الجيد، ومده إلى العسكري الذي أرخى من قبضته، ونامت أعصابه تدريجياً وهو يضم الكيس إليه، انتهزها (قسم السيد) بعد أن ترك قرص الأيام وساماً فوق ملامحه فرصةً، تخلص من نعليه ببطء، انطلق كالسهم في تجاه الريح، الريح غيرت مسارها، وهو مازال يركض، يلهث، تعثر دون أن ينتبه وارتطم بالأرض المتورمة من الأرق، تناثرت من جيوبه رزمة من الجنيهات، الريح التي استبدلت مسارها حملت رزمة الجنيهات ورمتها أمامي، تلفتُ جيداً، تأكدتُ أن لا أحد يراقبني، وأن الهدوء يخدشُ الهدوء، هجمتُ على رزمة الجنيهات دفعة واحدة، وخبأتها في جيبي، نهضتُ فزعاً على صوت ارتطامي بالبلاط، أخرجتُ يدي من جيبي، فخرج معها (الريموت)، تثاءبتُ، استغفرتُ، ولعنتُ كل كابوسٍ لاحقني في يوم من الأيام، عدتُ إلى فراشي وطبطبتُ على جدار الملح وتأكدتُ بأني مازلتُ آمنا في (جدة)، تلك المدينة المبتهجة بأنوارها..
        ابتسمتُ ابتسامة كبيرة "وطنطنتُ..طن طن طن ياخرطوم وييينك ويينك..،" شربتُ قارورة كاملة من حليب المراعي، إلتصقتُ بالشاشة البلورية مرة أخرى، خرقَ بصري تفاصيل الجسد الرخامي الذي يتمايل أمامي، عقدتُ في سري المقارنات والمفارقات، طعنتُ في نزاهة لجنة التحكيم، لم تدهشني هذه البنت اليابسة التي توجتها اللجنة ملكة لجمال أمريكا، فضلتُ بديلاً عنها (لونسكي)، ومن بيروت إلى بيروت تجولتُ مع (الريموت)، وحين نتعب سوياً من رحلاتنا المكوكية نستريح معاً في أم درمان..
        (وبهدي لحن المساء لأخواني في أسمرا، وأمي في القاهرة، ولأبوي في العين...
        وبنسأل ضيفنا ما عندك علاقة بالكورة يا أستاذ..؟
        أبدا والله يا ابني ماعندي، وما بحبها، وما بشاهدها..
        خلاص أيها المشاهد الكريم، سنشاهد استراحة كروية ونواصل..)
        أغلقتُ الفضاء، ومنافذ التكييف، وخرجتُ اتحسسُ دربي، وقفتُ في الصف مؤدباً، جاء رجل يلتفُ عقالاً أسود رفيع حول رأسه، وخاطبنا كخبيرٍ، وقال إنه يحبنا كثيراً كسودانيين، وعليه الرأس الواحد بألفِ مئة ريال كي نهرّبكم إلى الرياض، لم أحتج، تكومتُ مع الآخرين وبإجماع مستقبلي أسكتنا دوراتنا الدموية، تسلحفت بنا الشاحنة تشقُ سكون الصحراء، توسدتُ سلة أحلامي، وبحلقتُ في الظلام، لا شئ سوى الطنين، وحرارة الأنفاس البشرية، سمعتُ خريراً يندلق في شئٍ كالنايلون، تحسستُ مسالكي، ولمستُ كل ثقب في جسدي، همس جاري في أذني..
        (الله يجازي اللي كان السبب)
        لم أرد عليه، غفوتُ، وقبل أن أدخل في كابوسٍ جديد، صحوتُ على أثر ماءٍ بارد يندلق فوقي، رفعتُ رأسي ورأيته يرفعني إلى أعلى بيد لها قبضة تمكنتْ من ثلث جلبابي، كان عسكرياً يرتدي بزة لامعة ينتمي إلى دوريات الليل، أدخلتُ يدي في جيبي وتناولتُ كيسا مليئا (بالعماري) الجيد شممته جيداً، عدتُ مع رائحته إلى أرض الواقع، حضر عقلي كاملاً، أغلقتُ منافذ الشرود، وهبتُ الكيس إلى الرجل الذي يقف خلفي بملامحه التي لا تعترف بدوران قرص الأيام، توقفت أمامنا حافلة تئن كأنها تحمل طناً من الحديد الصلب، صعدنا سوياً، صممتُ أن لا أدع (قسم السيد) يدفع قيمة التذكرة، رغم أني لم استلم راتبي بعد.
        [/align]
        بسم الله.

        نعم، مررت بها،
        وتهت بين تفاصيلها..
        هي أضغاث،
        اسم على مسمى.
        غير أن السرد فيها مسترسل ومشوق.

        أرجو أن تتفضل بمراجعة ما وسمته باللون الأحمر.
        والله المستعان..

        رمضان كريم،
        وتحيات أخيكم.
        التعديل الأخير تم بواسطة الحسن فهري; الساعة 25-08-2010, 14:00.
        ولا أقـولُ لقِـدْر القـوم: قدْ غلِيَـتْ
        ولا أقـول لـباب الـدار: مَغـلـوقُ !
        ( أبو الأسْـود الدّؤليّ )
        *===*===*===*===*
        أنا الذي أمرَ الوالي بقطع يدي
        لمّا تبيّـنَ أنّي في يـدي قـلــمُ
        !
        ( ح. فهـري )

        تعليق

        يعمل...
        X