كيف كان شكل السيل قبل أن يسقفوه؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • تقوى مساعدة
    عضو الملتقى
    • 03-01-2008
    • 60

    كيف كان شكل السيل قبل أن يسقفوه؟

    كيف كان شكل السيل قبل ان يسقفوه


    أخذت تفكّر بهذا السؤال الذي يعبرها لأول مرة , بينما كانت تعبر شارع سقف السيل للمرة الألف..

    كيف كان شكل عمان حينها ؟ هل كانت مدهشة و جميـــــلة كما هي الان ؟.... هل كان هنالك فتاة مثلي تجتاز ضفـــــة السيل و تفكر كيف سيبدو لو سقفوه ؟!!!
    لا بــــــد ان جماعـــــــات مـــــن الــبـــلاعـــــيط و الاولاد العريان كانوا يمضون نهاراتهم فيه ....صح ؟ و لا بد أنّ دكانا ما كان يبيع الصنادل و الشورتـــــــــــــات و كريم الشمس للمصطافين..

    أضحكها هذا الخاطر...
    ضحكت فاهتزّ صدرها الذي أمضى وقتا متيبسا عازفا عن إطلاق تنهيدة الوجع ...

    كانت قد رأت دكانا يبيــع الفـــــــوّاشات و عجلات البـــحرخلف الجامع الحسيني , لماذا يبيعها يا ترى ؟



    إما انــهم يشتــــــاقون لأيام "السيـل الكشـــف" أو أنهــــــم يستشرفون مستقبلا سيــــــحمل فـــــيه الـــــبحر نـــــفسه ويأتي الى عمّان ليفرد بضاعته في زحمة الجبال !!! ...

    كانــــــــــت تقبض على مغلف الصور بين يديها و تتشرّب المشهد المحيط بها بكل حواسها...

    باغتها ذلك الشعور الاثم بالحياة .....
    النساء الكثيرات اللواتي يفترشن الرصيف ليبعن أشتال الزهور , و الملابس المستعمله , و كميّات من أشيــــــــــاء تتعجّب إن كانت تفيد أحدا ... جِلَد غاز , أشرطة مقطوعه , أزرار مكسوره و قطع أخرى توحي بمحاولة استحــــــلاب النقود من خراب الفقراء ..


    كشك المجلات الذي يبيع مجلات مستعمـــــــــــلة من حقب تاريخية تشكّ الان أنها مرّت ... أيعقــــــــــل أن العام تسعة وثمانيــــن –مثــــلا- جــاء فــــعلا ! مـــدهش جـدا كيف يتلاشى الوقت لدرجة أننا نشك – في نهاية الامر – بأنه جاء أصلا!!...

    أغلـــفة يظهر علـــيها مايكل جاكســـــون أبو سمـــــرة , و عمرو دياب و هو يغني بمايكروفون ذي سلــــــــــك طويل و يرتدي جاكيت جلد شبيه بالزي الموحد للجيـــش الروسي..


    الحمّالون و الصغــــار و المــــــــتشردون و المجانيـــــــن .. الكندرجـــي الحافـــي وهـو يصلــح الزنابيــب والشباشــــــب و يدق الكعوب ...

    و عجــوز يرثـي بُسُطــاًَ تراثيــّة و هو يلبس نظارة متناهــية في الصغــــر , و يحــدق فــي عمله, كأنما لينسى ان العالم من حولــه يمضـــي مسرعـــا ناسيــــــا إيـــــــــــــــــــاه في
    صندوق الايام الخلفي...

    بوابيـــر كاز , و شنابــر لوكسات , و لــيفة حــمّام عليهـــــا فتـــاة صينيـــة معصعصــه ... أطقــم كاســـات , و جـــوارب نسائية خفيفــــــه , رُقع لرُكـــب البنطلـــونات و أغـطيـــــــة
    لمناهل المجاري ..... و محل يبيع العصير...

    كل هذه الأشياء العجيبة في أرخبيل واحد اسمــــه سقـف السيـــل ؟؟ !! ...


    ضحكــــت مرّة ثانية ... و استنشقــــت المزيـد من الهواء ..هجمت عليها رائحة أخذت تتعربـــش على ذاكرتـــــــها دون هوادة ....

    رائحة بالة الكنادر !!

    رائحة الجلــد الطبيعــــي النفّاذة المنبعثـــه مــن مـــــحل ذي جــدران مغطـــاة بأحذيــــــة الطليان , و يتدلى من سقفـــــه حبال تحمل المزيد منها....

    أخذتها الرائحة مباشــرة الى صورة قديمة لها بـيـن حطــــام الذاكرة ... كانت صغيرة بما يكفي لأن ترتطم نهاية الحبــــــل المتدلي من السقف بخدها الصغير , و تحمل بيدها كعكـــــــة زعتر اشترتها لها أمها عن البسطة ...

    تذكـــر المشهــــد بوضـــــــــــوح و شفـــــــافيـــــــــــــة ...تذكر رائحة الجلد و صوت فايزة أحمد في الخلفيــة " أنــــــا قلبي ليك ميال .... و مفيش غيرك علبال ..إنتا و بس اللــــي حبيبي ... مهما يقولوا العزّال " و خالها و أمهـــا يبحثان عن حذاء مناسب حتى يسافـــــر بــه خالهــــا الى بغـــــــداد...

    لفت نظرها حذاء عليه ارنوب زهــــري موضـــــــوع فـــــي الصف الملاصق للسقف ...
    قالت لخالها – الذي يقف في نظرها كنخلة باسقة لم تنحن -:خالـــــو بـــــدي الأرنــوب .
    قال دون ان ينظر تجاهها : بعديـــــــن ...

    ظلّّت رائحة الجلد توهن قلبها دائما , و تشـي بالرحيل و الطريق المتجه نحو البعيد....المؤســـف في الامــــر أن خالهــــا ذهـــب الى بغــداد و لـــم يرجع حتى الان..


    قال جمع من الناس انه قتـــــل في حرب الخليـــج , و قــال اخرون انه تزوج من امرأة كردية و توارى في جبـــــال الشمال , و قال اخرون أنه فقد الذاكرة و صـار أكبر متسول في نواحي الاعظمية.....

    كل التخمينات أوصلتها الى نقطة واحدة : بما ان موته و حياته لم يحدّدا فهذا يعني أنه قد يعـود في أي لحظة !..

    كانت تتخيله يعود ...
    في لحظات وهنها و موت روحها كانت تـــــــراه يعــــــــــود طويلا باسقا , أشعث أغبر , يلبس بدلة عسكريـــــــــــــــــــة مغبرّة , و يلبس نفس الحذاء الذي اشتروه يومهـــــــــــــــــا..
    نعم نفسه ......

    كانت تمني نفسها ان لا تجدي سنوات المشي و الرحيــــــــل نفعا في إذابة ذلك الحذاء الذي يشكل الرابـــط الاخير له بسقف السيـــل....
    و كانت تتخيله يفتح حقيبه رثّة و يُخرج لها الارنــــــــــــوب الزهري مغبرّا , و يقول لها : اسف خالو .. الأرنــــــــــــوب اتغبّر ...


    دائما كانت تبكي عندما تتخيل أنه عاد بالأرنوب ..
    أشياء كثيرة فقدت طعمها و معناها مع الوقت .. موات القلب فرغ آلاف الحميميات من معانيها .. ماذا لو رات الأرنوب في مكة مول الآن ؟ ..هل ستهتم بأن تشتريه أم هل ستفكر بأن الأرنوب شبيه بخالها الذي لولا الغياب لكان خالا عاديا لا يظهر إلا يوم العيد؟!!

    نفضت عن ذاكرتها الصور القديمة ..
    فتحت مغلف الصور و نظرت ببرود ..
    صورتها و هي تجلس على طرف كنبة الاستوديو وحيدة ...
    صورتها و هي تقف وحيدة على يسار الديكور ..
    و المزيد من الصور الفردية التي تنزلق فيها إلى أحد جانبي الصورة ..

    أخذت نفسا عميقا فامتلأ صدرها برائحة الجلد فذوبها الحنين...
    انسجمت في بكاء مر و عتيق ..انسحبت إلى الشارع و عيونها تطفح بوجعها ...
    ظلت تمشي .. وجدت عجوزا عراقية تبيع السجائر ..
    جلست إلى جوارها و انتحبت بمرارة ...

    نظرت إليها العجوز باستغراب أمومي .. ثم حزمت أمرها و احتضنتها ..

    عندما لامس خدها شادور المرأة الأسود ، غرقت فيه و شعرت بأنها طفلة في مهد..دفعها هذا إلى المزيد من البكاء .
    سألتها العجوز : ايش بيش تبكين ؟ فانخرطت في رواية طويلة قالتها دون أن تبتلع ريقها..

    قالت لها كم أحبته .. و أحبت الكون من خلاله و في ثناياه .. حدثتها عنه ، و عن أصابعه المنحوتة و أظافرها المبرودة ، و عن شعره الذي لا ينفك يسقط على عينيه .. عن رائحة سجائره و نزقه . و مزاجه النكد ..

    قالت لها أنها قبل سبعة أيام بالضبط مرت من هذا الشارع معه ،و أنها أشارت بيدها إلى استوديو عتيق .. قالت له: تيجي نتصور سوا ؟ فقال لها و هو يدوس عنق سيجارته : بعدين ..بعدين ..

    في ذات المساء كان في غرفته يحاول أن يعض على غطاء ولاعته بأسنانه ، فانفلتت القطعة الفولاذية داخل فمه و وجدت طريقها إلى حلقه ..

    راح يختنق..
    هرعوا به إلى المستشفى ..
    كان فني التصوير الشعاعي غائبا في مكان ما ..
    لم يتمكن الأطباء من تحديد مكان غطاء الولاعة فاختنق ببطء و مات !!

    مات .. هكذا ببساطة .. لأنه رفض أن يتصور مرتين في اليوم ذاته !!

    قالت لها أنه ما عاد من الممكن أن تترك أصابعها في يده في مشوار مسائي ذات خريف.. ما عاد من الممكن ان تنحني على كتفه في صورة ..

    "ما عاد من الممكن أن نكون .. لأنه توقف عن الوجود "..

    " لماذا قال : بعدين !! .. لماذا ظن أنه يملك الأبد و لم ينتبه إلى أن حجزه ينتهي ذلك المساء؟!"

    "لماذا رحل.. و لم يترك لي على طاولة الوجع صورة ؟"

    "ماذا لو وضعت صوري المنفردة جنبا إلى جنب مع أول أرنوب أراه .. هل ستعود اللحظات؟ ..هل سيعود العمر المتسرب على حدود كلمة ؟
    بعدين ؟!
    بعدين؟!
    لماذا لم يكتف بـ"بعد" واحدة بل قال اثنتين ؟ .. أي ظلم هذا الذي ظلمه للزمن .. ظلمني .. ظلم الأمنيات و الفرص التي تتهافت على أكتافنا و ننفضها كالقشرة بقول : بعدين ؟! "

    و بينما كانت هي مندمجة في البكاء هتف أحد المارة معترضا على المشهد : و بعدين !!

    ضحكت .. رفعت رأسها .. رأت سبيل الحوريات ..
    قالت له ذات مساء أن الحوريات كن يأتين إلى السبيل ليغتسلن بالعطر ثم يكملن رحلتهن في بحر عمان المبهم ..
    سمعت خطو زعانف خلفها ..
    التفتت و مشت ... هناك كانت عمان التي تذوب كل التفاصيل أمامها ثم لا يبقى في الروح شيء سواها.
    [align=center]لا أوقع .. لأنني حاليا لا أتوقع [/align]
  • مصطفى بونيف
    قلم رصاص
    • 27-11-2007
    • 3982

    #2
    الكاتبة المبدعة تقوى ....اسمحي لي أن أصفق لك على هاته القطعة الرائعة .
    استمتعت كثيرا ببلاغة وصفك وسردك.
    أحاسيسك وصلتني ....وحركت مشاعري .
    كنت رائعة حقا ....وبلا مجملات ..


    أتمنى أن ازور عمان ذات يوم ...وأتمشى في شارع
    سقف السيل
    أبدعت
    أخوك مصطفى بونيف
    [

    للتواصل :
    [BIMG]http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc3/hs414.snc3/24982_1401303029217_1131556617_1186241_1175408_n.j pg[/BIMG]
    أكتب للذين سوف يولدون

    تعليق

    • تقوى مساعدة
      عضو الملتقى
      • 03-01-2008
      • 60

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى بونيف مشاهدة المشاركة
      الكاتبة المبدعة تقوى ....اسمحي لي أن أصفق لك على هاته القطعة الرائعة .
      استمتعت كثيرا ببلاغة وصفك وسردك.
      أحاسيسك وصلتني ....وحركت مشاعري .
      كنت رائعة حقا ....وبلا مجملات ..


      أتمنى أن ازور عمان ذات يوم ...وأتمشى في شارع
      سقف السيل
      أبدعت
      أخوك مصطفى بونيف
      عمان مدينة معجزة يا صديقي و أتمنى لك أن تراها وسط صمتها و ضجيجها و زحف القصص في ثناياها و شوارعها
      شكرا للمرور
      [align=center]لا أوقع .. لأنني حاليا لا أتوقع [/align]

      تعليق

      • عثمان علوشي
        أديب وكاتب
        • 04-06-2007
        • 1604

        #4
        [align=center]المبدعة تقوى مساعدة،
        سررت جدا بقراءة قصة من قصصك الجميلة...
        صياغة للأحداث مليئة بالأحاسيس والأفكار الداخلية...
        مهارات سردية متميزة
        مزيدا من العطاء أختي تقوى
        بانتظار المزيد[/align]
        عثمان علوشي
        مترجم مستقل​

        تعليق

        يعمل...
        X