قراءة في ديوان الجرح إذا تنفس للشاعرة نجاة الماجد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نجاة الماجد
    شاعرة واعلامية سعودية
    • 29-05-2009
    • 192

    قراءة في ديوان الجرح إذا تنفس للشاعرة نجاة الماجد

    بسم الله الرحمن الرحيم


    لقد شاع حديثًاً في الأوساط الأدبية و النقدية أن التقديم للدواويين الشعرية يتجاوز بكثير ما تحمله دلالة الكلمة ؛ حيث بات ينظر إليه ـ أعني التقديم ـ على أنه لون أدبي لما يحمله من أفكار و معان وتوجهات وجدانية تنأى به عن كونه توطئة لعمل أدبي أو إبداع فكري ، هذا فضلاً عما توسم به لغة المقدمة من صياغة أدبية تضوع منها نفحات نقدية . إن المقدمة في الغالب لا تفتأ أن تكون واحدة من إحدى الاثنتين : الأولى يُقرأ الديوان من خلالها ، و الأخيرة تُقرا هي ذاتها من خلال الديوان ، وهنا حتمًا توقع القارئ في إشكالية ؛ لأنه من الصعب أن يكون في مثل هذه المقدمات تطابقية بين ما يحمله الديوان و ما حُملت به المقدمة .


    إن التقديم الجيد من وجهة نظري هو المنكًه بمذاق الالتحام وعدم الالتحام بالنص في آن واحد ؛ فلا يمنع أن يكون في المقدمة ما يؤسس لقراءة الديوان وسبر أغواره ، و في الوقت ذاته لا تُحمّل المقدمة بتوجيهات مباشرة أو غير مباشرة تقود القارئ لمسارات بعينها لحمله على رؤية الديوان من هذه الثقوب التي نقشها المقدم عمدًا لينفذ منها القارئ إلى قراءة الديوان من زاوية واحدة. ورغم ذلك فإنه من الصعب أن تكون المقدمة وحدها هي التي توجه القارئ لقراءة الديوان إلا أنه من المستحيل أيضًا ألا يتأثر بها القارئ إيجابًا أو سلبًا على إطلاق القول.


    لقد ذكر الشاعر الفرنسي الشهير (ألفريد دي موسيه) أن أفضل ناقد هو الجمهور ؛ فهو وحده الذي يضمن للمبدع خلود كلماته ، ويشعره بأن إبداعه لم يذهب سدى.


    و عليه فإنني هنا لست بصدد التعليق أو القراءة النقدية لقصائد الديوان شكلًا أو مضمونًا ؛ لأني سأترك هذا لقريحة القراء المتذوقين ، هذا فضلًا عن أنني أرى أن ما تحويه قصائد هذا الديوان من حداثة في الطرح و إبداعية في التناول يحتاج الحديث عنه إلى أضعاف الأوراق المخصصة للتقديم .


    لقد توقفت بصعوبة، و انتزعت نفسي بقوة بعد الانتهاء من قراءة عدد غير كثير من قصائد الديوان قبل أن تدفعني نشوتي لأدلف للقصيدة التالية ؛ لأتسآل كيف يكون هذا الديوان( الجرح إذا تنفس ) هو باكورة الإنتاج الشعري للشاعرة نجاة الماجد ؟ لقد انتهجت الشاعرة القصيدة العمودية بكل إبداعية وبراعة نأت بها عن الأوزان العرجاء و القوافي المصنوعة التي ندر أن يخلو منها شعر الكثيرين ممن انتهجوا هذا اللون الأصعب ـ الشعر العمودي ـ في جيل ما بعد الحداثة باستثناء سٌلة من الشعراء المبدعين كانوا و لا زالوا هم الأقوى بموهبتهم في زمن قل فيه هذا اللون الشعري لدرجة أنه أضحى الحديث عنه بزمن الفعل الماضي فقط .


    لقد شعرت منذ الوهلة الأولي،و أنا أطالع هذا الديوان أنني أمام موهبة من نوع خاص ممن أنضجتهم الفطرة الشعرية السوية ، فولدوا كبارًا ، وعندها تذكرت مقولة الشاعر الروسي الكبير "رسول حمزاتوف " "هناك صعوبتان في عبقرية الشعر، الأولى عانى منها الشاعر الأول في تاريخ البشرية الذي ربما لا تعرف البشرية اسمه حتى الآن ؛ لقد أبدع شيئًا لم يسبقه إليه أحد بالفعل . أما الصعوبة الأخرى يعاني منها الشاعر الذي يبدع بعد كل ما كتبه آلاف الشعراء ؛ لذا فإن من يجد الشعر سهلًا فهو ليس مبدعًا"


    إن الشاعرة نجاة الماجد قد خاضت الصعوبة الثانية و اجتازتها بنجاح ، فقد استطاعت بموهبتها الفريدة أن تكسر حواجز المعقول إلى اللامعقول وتطوف بأرواح المعاني و الأفكار بين الرومانسية الحالمة و الواقعية الصادقة و الوطنية الخالصة ، تجول بين الماضي و الحاضر في أطياف أنثوية رشيقة . لقد امتلكت نجاة الماجد مقدرة لغوية فائقة مكنتها من نواصي اللغة، فانسابت الألفاظ و المعاني بين يديها عذوبة و تدفقًا، وتكسرت أمام شاعريتها كل الحواجز فأضحت تحلق بشعرها في سماء الفكر و الوجدان معًا. تأخذك جرأتها و اقتاحمها النقاط الحصينة في أعماق النفس ، وتستثني فيك الإحساس بحواجز الزمن في مساحة جديدة هي مزيج بين المعقول و اللامعقول تتنافى مع إعمال الإرادة لاتخاذ أي قرارغير الذي تريده الشاعرة نفسها .


    ولأنني أكدت في بداية المقدمة أنني لست بصدد قراءة نقدية للديوان فإنني سوف أجاهد نفسي ألا أقع في شرك التناقض عندما أعرج على قليل من جم اللمحات الإبداعية للشاعرة نجاة الماجد تاركًا للقارئ فسحة في أن يسبح بخياله في بحور هذا الديوان.


    لقد تناولت نجاة الماجد في الإحدى عشرة قصيدة الأولى من ديوانها البكر ( الجرح إذا تنفس) التركيز على النزعة الرومانسية الحالمة التي أسست فيها لرؤيا جديدة للمرأة العربية التي جعلتها أكبر من أن تتقولب في مجرد كونها ضحية أو متمردة ، لقد ترفعت عن الولوج في مضامين هاتين الفكرتين اللتين أثقلهما مداد التاريخ من كثرة الاستخدام ، لكنها قدمت الأنثى في ثوب جديد نسجته من من نعومة الإحساس و رشاقة الفكرة و عذوبة الكلمات و صرامة الإرادة التي منحتها القوة الخالدة في اقتحام قلب الرجل و تحطيم معبد ضعف الأنثى الوهمي الزائف التي تقوقعت فيه إرادتها عبر الزمن.


    وهذا التمرد على الصورة التقليدية للمرأة أبرزته نجاة الماجد من خلال التمرد على الصورة التقليدية و اللفظة المستهلكة، و الفكرة المطروحة ، فعمدت إلى فري غير مألوف في إبداعية الفكرة وحداثة الطرح ، أما موسيقها فتداعب أوتار قلبك بلمسات خالدة تعود بك إلى ما وراء الشعور ، فيتولد في الذات رغبة قوية في أن تحيا بين هذه الكلمات و تتمثلها.


    إن أفكار الشاعرة نجاة الماجد في قصائد ديوان الجرح إذا تنفس كانت بمثابة قفزات نوعية جريئة خالفت فيها المفاهيم السائدة من حولها ، تستطيع من خلال قصائدها أن ترى كل شيء في عيون كلماتها في أثواب جديدة لم ترها من قبل ، فمن المألوف أن تفهم المعاني و الدلالات التي تحملها الأبيات و لكن من الصعب إن لم يكن مستحيلًا أن تشم رائحة الكلمات أو تنتشي بتراكيب عذرية لم يجرؤ على اقتحامها أحد قبل نجاة الماجد .


    إن من يطالع ديوان الجرح إذا تنفس سوف يستشعر أنه يحيا الحاضر بروعة وعراقة الماضي، حيث يتعبد بالقصائد الدينية المنمقة بقيم الدين الإسلامي السمحاء ، وتمجيد أواصر التقرب إلى الله بحج بيته وعروج جبل عرفة ، فهو بحق بستان حافل و حديقة غناء تتزود منها الرغبة في الطاعة و التقرب إلى الله ، وتتنسم منها روعة تاريخك وحضارتك ، و ترسخ فيك روح الوطنية و الفداء و توقظ فيك معاني الحب و نشوة الحياة.


    لقد استطاعت نجاة الماجد في هذا الديوان بإبداعية نادرة أن تنبه في الحب نشوته، وفي الذكر رجولته ، و في المرأة أنوثتها و في الطبيعة وسامتها، و في العروبة نخوتها و في البشرية إنسانيتها من خلال مزجها بين قصائد الذات و المجتمع و الوطن ، وكانت الصبغة الأنثوية المبدعة هي اللحمة بين هذه الأقطاب ، فضلًا عن أن الحضور القوي للمرأة في هذا الديوان قد أضفى شفافية على المعنى و عذوبة في الموسيقا.


    و أخيرًا ، فإنني أرى أن اختيار الشاعرة لهذا العنوان(الجرح إذا تنفس) يحمل دلالات كثيرة ، أهمها أنه متماش مع إحساسها بمرارة الألم و رغبتها في الإصرار على الحياة ، و يؤكد على أن السعادة رغم حرص الإنسان عليها لا تولد من المشاعر إلا شذرات مما يولدها الألم ؛ فكأنها من هذا العنوان تخاطب قراءها قائلة: هذا جرحي قد عالجته بكلماتي و إحساسي ، و أني باقية أضمد جراح أمتي ؛ لأنني (أنثى غير).



    الدكتور/ محمود عبد الحافظ خلف الله


    أكاديمي وناقد مصري
    [frame="3 98"]
    ( عن نادي الجوف الأدبي

    صدر ديواني الشعري الأول
    تحت عنوان / الجرح إذا تنفس )
    [/frame]
  • خالد الوحيمد
    عضو الملتقى
    • 20-02-2010
    • 52

    #2
    موفقة شاعرة عروبتنا قبل وطننا ، بالتأكيد سيخلد سيرتكِ التاريخ لأنك جمعتي إحساس الحضارة والتاريخ وأشياء وأشياء كثير حين قراءة قصائدك نكتشف حكايات الزمان بألوانه ، دمتي مبدعة وأسم يلمع بين السنى والسناء ، تحياتي لكِ يا شاعرة الحرمين الشريفين .

    تعليق

    • محمد زعل السلوم
      عضو الملتقى
      • 10-10-2009
      • 2967

      #3
      تحياتي شاعرتنا نجاة الماجد
      لا اعتقد ان الدراسة النقدية لأي شاعر والتقديم له تخرج حتى عن تفسير كلماته
      فكل انسان يقرأ قصائد الآخر من منظوره هو وليس من منظور الشاعر ذاته
      وجهة نظرك واقعية وهامة
      لكن التفاهم الفكري والمقاربة والتعبير لا رقيب لهما
      فالشاعر هو من يخلق الجو النفسي لدى المتلقي والمتلقي هو من يقيس القصيدة
      وينقدها ويعبر عن مكنوناتها
      تحياتي اليكي أكختي العزيزة
      وألف مبروك على صدور ديوانك
      محمد زعل السلوم

      تعليق

      يعمل...
      X