بعد منتصف الليل.. إجباريًا
كان صباه امتدادًا لطفولة صاخبة بالتفوق الدراسي وإعجاب الأهل والأساتذة وحُبّ الأقران مما ساهم في زيادة ثقته بنفسه، وقد ظهرتْ هذه الثقة في تفوقه على أقرانه في كل شيء؛ حتى صار نجمه لامعًا خاصة في مباريات الكرة في أيام الأجازة الصيفية التي كانت تجمعه برفاقه من أبناء الشارع الذي تقيم فيه أسرته بإحدى قرى الدلتا حيث يقضون الساعات في لعبٍ تتخلله استراحاتٌ صغيرةٌ يحللون فيها أحداث المباراة الأخيرة لينتهي الأمر غالبًا بإلقاء اللوم على أحد أفراد التشكيل المنهزم فيتم استبداله بعضو لم يكن مشاركًا في المباراة أو بلاعب من الفريق الآخر على سبيل الاستعارة المؤقتة..
كانوا يبدءون لعبهم بعد عصر كل يوم فلا يفترقون إلا لتناول ما تيسر من عَشاء سريع يعودون بعده ليبدءوا سمرهم الليلي وبعض الألعاب المحببة حتى ينتصف الليل فيفترقون على وعدٍ بلقاء جديد في اليوم التالي.
كانوا أبناء حي واحد تربط أهله علاقات محبة جسدتها العشرة الطويلة والعلاقات المتشابكة، وكانوا مهذبين يحترمون المارة من الرجال والنساء فلا يتأخرون عن إغاثة ملهوف أو قضاء حاجة يطلبها أحد الكبار من أهل حيِّهم؛ فاكتسبوا محبة الجميع إلى أن حدث تغير طفيف في التركيبة السكانية عندما تزوج عم حنفي الذي يحمل على كاهله ستين صخرة من صخور العمر من سعاد التي مازالت تتبختر في ربيعها الخامس عشر.
وبرغم أن هذا هو الزواج الرابع أو الخامس لعم حنفي المعروف بكثرة الزيجات وقلة عمرها فإنه لم يفكر في اصطحاب عروسه إلى حيث يعمل في تلك المدينة البعيدة وظل يكتفي بزيارة شهرية قصيرة تاركًا عروسه تكابد وحدة مفترسة وليلا موحشا ليس به أنيس ولا جليس.
كانت مشكلة سعاد الكبرى أن زوجها قد جلبها من قرية بعيدة وأنها لم تعمل على كسب محبة جيرانها بإظهار الود أو بالكلمة الطيبة وإنما على العكس بدأت تفتعل المشاكل مع كل من يحيط بها خاصة مع هؤلاء الفتية الذين هم في نفس عمرها تقريبا، وعبثًا حاول الفتية تجنب مشاكساتها فقد كان لديها إصرار غريب على افتعال المشاكل، حتى كان يوم انتهزت اقتراب الكرة من باب بيتها فخطفتها ودخلت إلى بيتها مسرعة، وعندما أصبح صاحبنا أمام باب البيت وجدها واقفة أمامه تحتضن الكرة، ولم يكد يطلب منها إرجاعها حتى أشارت إليه في تحدٍ مثير أن يتقدم ليأخذها من حضنها فاحمرَّ وجهه خجلاً وهز رأسه اهتزازات أفقية متتالية، ورجع إلى أقرانه منكس الرأس لكنها لاحقته بأقذع الألفاظ مدَّعيةً أنه حاول مغازلتها والاعتداء عليها فانفضَّ الفتية في سكون إلى بيوتهم لا يلوون على شيء وكلُّهم ذهول مما حدث لزميلهم.
توجه صاحبنا إلى بيته في صمت، ودلف إلى فراشه مبكرًا لكن النوم لم يعرف لجفنيه سبيلا حتى جاء الصبح بقنبلة من العيار الثقيل عندما حضر إلى البيت من يستدعيه للتوجه إلى قسم الشرطة ليجد نفسه أمام محقِّق يوجه له تهمة بالتسلل إلى منزل عم حنفي في غيابه محاولا الاعتداء على زوجته الشابة الصغيرة.
كانت التهمة سخيفة غير منطقية مما جعل صاحبنا يقسم في ذهول أن شيئًا من هذا لم - ولا يمكن أن- يحدث، ولقد كانت ملامحه ونبرات صوته تصرخ بصدقه مما جعل المحقق يتعاطف معه ويعلن تصديقه لكنه – في الوقت ذاته - لا يستطيع إهمال شكوى من هذا النوع دون تنازل صاحبتها.
- وما العمل إذًا؟
نظر المحقق إليه نظرة ذات مغزى، وقال له:
- سأعطيك فرصة أخيرة لإنقاذ نفسك ومستقبلك.. سأدعوها للجلوس معك في مكتبي وأترككما معًا لخمس دقائق.
وعندما أصبح صاحبنا في مواجهتها سألها في توسل:
- لماذا فعلتِ ذلك؟
أجابت بعين قوية:
- دعك من هذا السؤال والتفِتْ لما هو أهم:
هل تعدني أن تكمل سهرتك معي كل ليلة بعد انصراف زملائك
- نعم؛ نطقها وهو يهز رأسه اهتزازات رأسية متتالية معلنًا الموافقة على ما طلبتْ.
تعليق