رحيل الشاعر والكاتب السوري محمود ياسين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.محمد شادي كسكين
    عضو الملتقى
    • 13-12-2007
    • 291

    رحيل الشاعر والكاتب السوري محمود ياسين

    رحيل الشاعر والكاتب السوري محمود ياسين / بقلم : لبنى ياسين

    توفي والدي الشاعر والكاتب السوري محمود ياسين نائب رئيس حزب الاتحاد الاشتراكي في سورية سابقا .
    إثر جلطة دماغية وذلك في دمشق يوم الأحد 1-8 الأول من شهر آب الجاري دعواتكم الصالحة له لمحة موجزة عن الراحل مـحـمــــود ياســــين
    العمل : صحفي وإعلامي وكاتب دراما متفرغ ( صاحب ومدير عام مؤسسة أفاميا للإنتاج الإعلامي ).
    المؤهل الدراسي : حاصل على بكالوريوس تجارة / إدارة أعمـال عـام ١٩٦٨ ومن مواليد ١٩٤٣ .
    العـمــل الســياسي : اعتزل العمل السياسي في بدايات عام ١٩٩٠ وهو يشغل منصب نائـب رئيـس حـزب الاتحـــــــاد الاشتراكي في سورية، ورئيس تحرير جريدته، وذلك بسبب تمزق الحزب , وتفرغ لإنتاجه التلفزيوني وكتاباته الدرامية والشعرية منذ ذلك الحين .
    الوظائـــــف الســـــــابقـة :
    معاون المدير العام و المدير التجاري للمؤسسة العامة للصناعات الكيميائية في سوريا التي تدير(١٤ ) شركة فرعية لأهم الصناعات الكيميائية في سوريا ( الأدوية الزجاج البلاستيك الأسمدة الإطارات الورق وغيرها ) .
    مدير استثمار الشركة السورية العربية للفنادق والسياحة التي تمتلكها الكويت - السعودية - ليبيا - وسوريا والتي بنت ثلاثة فنادق في سوريا ( سفير حمص , سفير معلولا , والفراديس بدمشق ).
    أحد مؤسسي هيئة المناطق الحرة في سوريا وأحد مدرائها .
    رئيس جمعية الصم والبكـم في مدينة اللاذقية في سوريا لعــدة سنوات .
    صاحب ومدير عام مؤسسة أفاميا للإنتاج الإعلامي التي أنتجت من تأليفه ( المسلسل التلفزيوني مواكب النغم ) والفيلم التلفزيوني ( سوريا الحضارات من الجو) وفيلـم ( أوغـاريت أول أبجــــدية وأول موسيقى في العالم وهـو من إخراجـــــــــه ) .
    الخبــــــرات الإعلاميـــــة و الصحفيــــــــة :
    ١ ــ مذيع تلفزيون في سوريا لسنتي ١٩٧٣ و ١٩٧٤ .
    ٢ ــ مراسل لإذاعة قطر في سوريا لعدة سنوات .
    ٣ ــ محرر في مجلة إلى الأمام لعــدة سنوات .
    ٤ ــ مراسل جريدة الثورة السورية في القاهرة لعدة سنوات .
    ٥ ــ كاتب في جريدة الاتحاد الإماراتية ( الملحق الثقافي دنيا الاتحاد) لموضوعات يومــية إسلامـية طـيلة شــــــهر رمضان من كل سنة (حلقات الأوائل لرمضان ١٤٢٢ـ ونساء من التاريخ لرمضان ١٤٢٣/٢٠٠٢).
    ٦ ــ كاتب في جريـدة (السياسة الكويتيــة ) لرمضان سنة ١٤٢٤ هـ / ٢٠٠٣ م سلسلة ( الأوائل من النساء ) .
    ٧ ــ عضو لجنة التحكيم في مهرجان القاهرة الثالث للإذاعة و التلفزيون ١٩٩٧ .
    ٨ ــ عضو لجنة التحكيم الدولية في مهرجان النيل الدولي الأول و الثاني لأغنية الطفل لدورتي ( ١٩٩٩ و٢٠٠٠ )
    و قد كتب خلالهما للافتتاح ( أوبريت هيا يا أطفال العالم للدورة الأولى. وأوبريت شكراً يا مصر التي غناها مطربون أتراك و مصريون للدورة الثانية ) .
    ٩ ــ معتمد رسميا ( كاتب دراما أول في الإذاعة المصرية منذ عام ١٩٩٧) .
    أهـــــم الأعمــــال و النشاطـــات الصحفيـــة الخاصــــــــة :
    ١ ــ معرض التصوير الضوئي ( تحية من الجو إلى سوريا الحضارات ) .. ستون لوحة جوية للآثار السورية .
    ٢ ــ الفيلم الوثائقي ( سوريا الحضارات من الجو) تصوير جوي شامل مع كبار علماء الآثار العالميين تأليفا وإنتاجا .
    ٣ ــ الفيلم الوثائقي ( أوغاريت أول أبجدية وأول موسيقى في العالم ) . تألـيفا وإنتاجا وإخراجا
    ٤ ــ أوبريت (الحجر يكتب تاريخ العصر) من تلحين احمد حجازي وبطولـة الفنانة سهير المرشدي مع سبعـة
    مطربين من مصر وسورية والسودان والعراق قدمت بذكرى الانتفاضة في نقابة الصحفيين بالقاهرة السيدين أمين الجامعة العربية ونقيب الصحفيين العرب والمصريين , ثم قدمت بمسرح الهناجر بدار الأوبرا .
    أهـــم النشاطــــــات الإعلاميـــة والتلفزيونيـــــة :
    ١ ــ تأليف و إنتاج مسلسل مواكب النغم ( ١٥ ) حلقة تتطرق لمختلف مقامات و مجالات الموسيقى مع كبار نجوم الموسيقى و الغناء و التمثيل في سوريا .
    ٢ ــ مسلسل هانيـبال أسد قرطا ج قصة وسيناريو وحوار ( قيد استكمال الكتابـة ) - المخرج نجـدة أنزور.
    ٣ ــ مسلسل الأباطـــرة العــــرب قصة و سيناريو و حوار .... قيد استكمال الكتابـة
    ٤ ــ مسلسل شـمــس العــــــــرب قصة و سيناريو و حوار .... قيد استكمال الكتابـة
    ٥ ــ مسلسل الأوائل في كل مجـال قصة وسيناريو وحوار ، أذيع منه ( ١٠٨ ) حلقات في إذاعة
    صوت العرب عام ١٩٩٦ ( وهو قيد التحويل إلى مسلسل تلفزيوني ). ٦ ــ الانهيار مسلسل تلفزيوني درامي مخدراتي بالتنسيق مع جهات مختصة وعلمية .. قيد الاستكمــال .
    ٧ ــ مسلسل القادمون مع الفجر ( ٣٠ حلقة تلفزيونية ) إعداد وسيناريو وحوار وهو قيد التنفيذ .
    ٨ ــ برنامج نجوم العرب .. إعداد للقناة الأولى في التلفزيون المصري عام ١٩٩٧ ( ١٧ ) حلقة خلالهــا (٥١ )
    مطرباً شاباً و( ١٧ ) مطربـاً محترفــاً و مشهورا . ٩ ــ مسلسل اللغة والحضارة ( يعلم اللغة العربية للأطفال) - قصة وسيناريو وحوار وأشعار ومن إخراج الدكتورشيرين قاسم لشركة صوت القاهرة في مصر عام ٢٠٠٤ . ١٠ــ مسلسل حكايا الحضارات ( شخصيات هامة من المواقع الأثرية ) قصة وسيناريو وحوار وهو قيد التنفيذ .
    ١١ــ أوبرا علاء الدين بدمشق عام ١٩٧٤ من ألحان الراحل مطيع المصري وإخراج محمد الطيب وبطولة كبار الفنانين والمطربين في سورية . ١٢ــ سيناريو فيلم سينمائي عن ملكة مصر الفرعونية ( حتشبســوت ) بطولة الهام شاهين ومن إخراج .. وهو قيد التحضير للإنتاج .
    ١٣ ــ مسلسل تلفزيوني عن حياة وإبداع العلامة ( ابن خلــدون ) من بطولة الفنان محمد صبحي بانتظار المنتج او المنتج المشارك ليكون إنتاجا مشتركا .. قيد التحضير
    ١٤ ــ مسرحية ( فرسان الإرادة في مملكة الحب ) خاصة بالمعاقــين الصغار, وقـد نفذت بثلاثة وعشرين طفلا
    معـاقاـً دون مشاركة من سواهم سنة ٢٠٠١ في القاهرة كأول تجربة عربية ، وهي من إخراج عباس احمد .
    ١٥ ــ أوبريت ( الحجر يكتب تاريخ العصر ) عن الانتفاضة وهي المشار إليها سابقا .
    ١٦ ــ مسلسل ( الأوائل .. من النساء ) من اخراج جمال حماد لاذاعة صوت العرب بمصر لعـام ٢٠٠٤ .
    ١٧ ــ مسلسل ( فيليب العربي امبراطورا على العالم ) قصة وسيناريو وحوار قـيد الكتابة .
    ١٨ ــ الخليفة الغـّريـد ابراهيم بن المهدي قصة وسيناريو وحوار قـيد الكتابة .
    ١٩ ــ الـحــّرة ( أروى ملكة اليمن ) قصة وسيناريو وحوار قـيد الكتابة .
    ٢٠ ــ كتابة سيناريو و تعليق الفيلم الوثائقي ( الفسطاط وفتح عمرو بن العاص لمصر عن مادة علمية للدكتور رأفت النبراوي عميد كلية الآثار المصرية اخراج عبد اللطيف نصار .. والفيلم للقناة الثانية في التلفزيون المصري .
    ٢١- عشر حلقات اذاعية عن حضارات واعراس دول مجلس التعاون للانتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون .
    أهم المؤلفات الأدبية المطبوعة والمسموعة :

    ديــــوان قصـائد ناشــئ ١٩٥٨ وكنت طالبا في الثالث الا عدادي .
    ديوان شعراء معاصرون من ســـورية ( إعداد ) ١٩٦٨
    ديوان أغنيــات جريحـــــة ١٩٧٣
    ديــوان قصــائد ناصريــة ١٩٧٤
    اوبريــت معركة ذي قــار ألحان مطيع المصري ومن إخراج سعيد جوخدار ١٩٨١
    مسرحية ( فرسان الإرادة في مملكة الحب ) خاصة بالأطفال المعاقين والمشاراليها سابقا
    كتاب ( ســـورية الحضـارات ) من خلال مفكرة ( أجندة ) الحضارات سنة ١٩٩٥
    الديــوان المسمــوع الأول ( التأليف الموسيقي للملحن المصري حسـين علـي إسماعيل ومن أداء المطربـة هـــالـة الصبـاغ مع الشــاعـر ) .
    الديوان المسموع الثانـي اختارت موسيقاه وأشرفت على تسجيله بصوت الشاعـرة الأستـاذة مـنارابو هـيف .

    الجــوائــــز :
    يحمل جائزة الشباب العربي والافريقي للشعر من المجلس الاعلى للآداب بمصر لسنة ١٩٦٨ وجائزة شعرالانتفاضة ( الثالثة من ٦٧٠ شاعرا عربيا واسلاميا ) من وزارة الثقافة الايرانية لسنة ١٩٩٢. و درع مجلة ديوان العرب الالكترونية لعام ٢٠٠٦ مكرما من سورية عن مجمل أعماله .
    تم تكريمه من قبل ديوان العرب في الرابع من تموز ٢٠٠٦ تقديرا لإبداعاته الأدبية حيث قدمت المجلة له درع الموقع.
    كما تم تكريمه في الجمعية الدولية للمترجمين العرب بمنحه دكتوراة فخرية.
    محمود ياسين-- إعلاميا : عمل مذيعا في التلفزيون السوري اوائل السبعينيات من القرن الماضي .. ثم محررا سياسيا ثم مراسلا اذاعيا ومراسلا صحفيا منذ اوائل الثمانينات ... وإبداعيا : كاتب دراما اول حسب تصنيفه بالإذاعة المصرية عام 1997- شاعر يحمل عدة جوائز عربية ودولية مع دكتوراه فخرية بالإبداع عام 2008- له تسع دواوين ومسرحيات شعرية منشورة - له عدة اوبريتات سياسية منفذة في سورية ( أوبرا علاء الدين 1975 ) وفي مصر ( برنامج نجوم العرب من القناة الأولى بالتلفزيون المصري 1997.. واوبريت فرسان الإرادة للمعاقين 2001- واوبريت الحجر يكتب تاريخ العصر 2002 - واوبريت هيا يا اطفال العالم في ختام مهرجان النيل الدولي لأغنية الطفل 1999) .. وله فيلمان وثائقيان عن حضارات سورية - وأيضا له العديد من المسلسلات والبرامج التلفزيونية والإذاعية - سياسيا : نائب رئيس حزب الاتحاد الاشتراكي في سورية سابقا .

    [size=4][color=#FF0000][align=center]إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت [/align][/color]
    [color=#008000][align=center]أنتم حين نرحل صوت حرفنا الباقي في الصدى [/align][/color][/size]
  • د.محمد شادي كسكين
    عضو الملتقى
    • 13-12-2007
    • 291

    #2
    رحيل أول القراء
    إلى الروح الطيبة التي غادرتني ذات فقد دون وداع، وتركتني أعاني اليتم، إليك يا أبي، عسى أن تكون الجنة مثوااك.
    لبنى ياسين

    لم أبكِ..
    كل مساحات الفقد التي اكتسحت قلبي، كل مشاعر اليتم التي باغتتني، كل الأوجاع التي داهمت قلبي، ولم استطع أن أبكي..ولا حتى دمعة واحدة..يقولون أن الدمع يجف أحيانا، وأنا كنت أعاني من تصحر عينيّ، ومن اصفرار قلبي..ومن خريف لم يعد في وسعه أن يغادرني.
    كأننا نظن في أعماقنا أن الموت أمر يحدث للآخرين فقط، أولئك الذين نسمع بهم ولا نعرفهم، لا يحتلون مساحة من قلوبنا، وأن أحبابنا يبقون معنا حتى نهاية مشوار العمر لحظة بلحظة، لا يغادروننا أبداً، لذلك عندما يقترفون الموت يرمون بنا –دون قصد منهم- في بئر دون قرار، يتركوننا في صدمة غير متوقعة لرحيل غير مبرر، ويخلفون وراءهم في قلوبنا شعوراً عميقاً بالذنب، ولا نستطيع أبدا أن نغفر لأنفسنا الأوقات التي غادرناهم فيها، واللحظات التي ضيعنا فيها على ذاكرتنا فرصة التملي جيداً في ملامحهم..نظراتهم الدافئة العميقة، والصوت الآسر الهادئ الذي لا أحد يستطيع سماعه ..سوانا نحن.
    عندما قرأت قصة "رحيل آخر القراء"، خطر في بالي أنك أنت وحدك من أسميه أول القراء، ولكن السطور خادعتني، فلم أنتبه إلى المفارقة، إلى أن أول القراء الذي أعدّ حقيبة السفر منذ زمن ورفع أشرعة الرحيل، ترك لنا أن نلاحظ الإشارات على الدرب، لم أنتبه إلى أنه لم يقترف وداعاً لائقاً، لأنه أراد أن يكون كنجمة في ليلة حالكة، أراد أن يرحل دون صوت، فالهدوء ديدنه، أراد أن يرحل وكنا نغلق دونه البوابات، ونقطع عليه الدروب، ونسجنه داخل جدران غبية لم تستطع الاحتفاظ بظله طويلاً، كنا نصر عليه بأن يبقى، ونخبره بأنه لم يئن أوان الفراق بعد ، لكنه كان يعلم في أعماقه بأنه قد آن، ولم يخبرنا، ولم نكن بمستوى الذكاء الكافي لنقرأ عينيه الزرقاوين جيداً، فإذا به يرحل بغتة بينما كنا نستعد للقاء، أي قلب في وسعه أن يحتمل رحيلاً كهذا يا أبي؟ يا صديقي؟ يا أحب الناس إليَ، ومرة أخرى..لماذا لا نشعر بالقيمة النفيسة لمن نحب إلا عندما يغادروننا تاركين وراءهم فراغات وثقوباً وجراحاً وأوجاعاً لا نعرف كيف علينا أن نتعايش مع تقلباتها في قلوبنا؟.
    أسبوع وزيارات صاخبة وأخرى هادئة، وشعور عميق بالذنب، وشعور أعمق بالفقد، هو ذا ما فصل بين وجه استطيع أن أقبــّله، أن أضاحكه وان أحدثه بأشياء لا تحصى، أشياء ربما لا أقوى على إخبارها لأحد آخر، وبين فراغ هائل يكاد يبتلع روحي، ووجه لم يعد في وسعي أن أقبـّله..ولم يعد بمقدوري إلا أن أتذكر تفاصيله.
    أبي..أفتقد وجودك، رقم جوالك يحاسبني عن إهمالي له ولا يدري أنه لم يعد هناك في الطرف الآخر من يستقبل شوقي مرحباً، عنوانك البريدي ينظر إليّ معاتباً، ولا يفهم أن من كان يقرأ رسائلي..لم يعد هنا، وكلمة الراحل يا أبي..كلمة الراحل ، كيف أخبرك عن صداها في قلبي الذي ما يزال يرفض رحيلك ولا يصدقه، ألهذا الحد يمكن لكلمة من ستة حروف أن تحفر في القلب أنفاقا مظلمة لا سبيل لعبورها أبداً؟!.
    كان أحداً حاراً ذلك الذي أخبرتني فيه أختي عن طريق الجوال أنك في المشفى، ارتديت ثيابي وجئتك على عجل وأنا مؤمنة بأنها وعكة عابرة وستمر كما مر غيرها، وأعود لأبادلك أحاديث لا تنتهي، لكنني عندما نظرت في عيون أخوتي رأيت نعوتك في عيونهم، في أجفانهم المنتفخة نحيباً، في القلق الذي يشاكس نبرة الصوت عند الحديث، رجوت الممرض أن يتركني أدخل إليك، ورغم ممانعته في أول الأمر إلا أن شيئاً ما في صوتي، وفي الانكسار الذي اعتراني فجأة جعله يشفق ويترك لي الباب لأدخل خلسة، وجدتك وقد امتدت الأنابيب تخترق يديك وقدميك وقلبك، إلا قلبك يا أبي...فليتركوه عنهم فلا قبل لهم بمعرفة ما به، كان بطنك يرتفع وينخفض بقوة، عيناك جاحظتان، واللون الأزرق داخلهما ثابت ينظر إلى شيء بعيد لا أحد يراه سواك، همست في أذنك أنني أحتاج إليك كثيراً فلا تهرب، وأخبرتك أن الوقت ما زال مبكراً للاستسلام، وأنه بوسعك أن تقاوم لأننا ننتظرك هنا، وأن عليك أن تحتفل بنجاح حفيدتك ودخولها الجامعة، همست في أذنك بأشياء كثيرة، لم أعد أذكر بعضها، ولا أعرف لماذا وكيف قلتها، كان كل همي أن أعطيك سبباً مقنعاً لئلا تستسلم، لكي تقاوم ولو قليلاً دبيب الموت القادم، لكي تمنحنا سويعات نتحدث فيها معاً، وربما لكي نحظى بوقت لوداع يليق بمكانتك يا أبي، كان نبضك يتغير مع كل كلمة أقولها، ثم يعود لحاله بين الجملة والأخرى، بينما لم يتجاوب فيك إلا النبض، النبض الذي كان يحمل لنا بشارة مزيفة، ورحلت يا أبي..يا أول القراء، رحلت فمن سيحتل مكانك في قلبي؟ من سيصبح القارئ الأول لخربشاتي؟ من سيعاتبني على غلطة لغوية ارتكبتها هنا أو هناك؟ من ستدمع عيناه لأن لقصصي نكهة الحزن ورائحته؟ من يا أبي؟ من؟!
    وأي مفارقة هذه أن أكتب القصة الأولى التي لن تقرأها عنك..وبقلمك الذي رحلت دونه وما زال يشكو اليتم، وأن تكون أولى قصصي التي أكتب فيها عن أمر شخصي جداً..تحكي عن رحيلك الذي ما زال كذبة أرفض تصديقها؟
    أدويتك وقفت تنظر إلينا بدهشة، جهاز الضغط كان مجروحاً بفقدك، ساعتك، أقلامك، وحبات الحلوى المتناثرة..كلها يا أبي كانت ثكلى بك.
    وعندما أردنا أن نفتح جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بك، تداعت قلوبنا وجعاً، جهازك الذي حرصت على أن تدون فيه كل صغيرة وكبيرة بترتيب واضح، كأنك كنت تعلم أن رحيلك قد حان فرتبت لنا كل شيء لئلا نتعب في البحث عنه.
    والصورة يا أبي صورتك..لماذا حفظتها باسم " الصورة الأخيرة لي"؟ ألكي تحمل ما بين حروفها نعوة الراحل المتعب؟.
    أخر ما سأسر به إليك يا أبي أنني أشعر بالخيانة، أشعر بأنني ارتكبتها في حقك عندما تركتك تحت التراب وعدت وحدي، أشعر بأنني خائنة ولا أعلم كيف كان لي أن أرتكب تلك الخيانة في حقك، ولا أدري كيف كان لي ألا أرتكبها أيضاً.
    أبي
    لم أبكِ حتى الآن رغم أن كل ما فيّ يبكي.
    فهل ستغفر لدموعي؟
    لم أبكِ رغم أن قلبي يتمزق..إلا أنها-دموعي-تعاندني، توجع عينيّ فتنتفخ الأخيرة، وتحرقني، وأتمنى أن أبكي، أن أخرج هذا اللهيب من عيني وقلبي، لكنني لا أستطيع.
    لم أبكِ يا أبي...هل تصدق أن شخصاً يفقد عزيزاً مثلك ولا يبكيه؟
    مجروحة أنا يا أبي، محترقة، ممزقة، ضائعة، كل ما فيّ يبكي إلا عينيّ.
    مدانتان هما بخيانة أحب الناس.
    مدانتان بالجفاف والقسوة.
    مدانتان بالوجع لكنهما لا تنضحان ولا أدري كيف، ولا أفهم لماذا؟
    أبي...
    إلى رحمة الله
    إلى غفرانه
    إلى جنته بإذن الله
    عسانا نلتقي هناك يوماً.


    --

    لبنى ياسين

    كاتبة وصحفية سورية

    عضو اتحاد الكتاب العرب

    عضو فخري في جمعية الكاتبات المصريات
    [size=4][color=#FF0000][align=center]إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت [/align][/color]
    [color=#008000][align=center]أنتم حين نرحل صوت حرفنا الباقي في الصدى [/align][/color][/size]

    تعليق

    • جمال فرح
      شاعر وأديب
      • 11-11-2009
      • 1247

      #3
      لاحول ولاقوة إلا بالله
      لاحول ولاقوة إلا بالله
      لاحول ولاقوة إلا بالله
      إنا لله وإنا إليه راجعون
      اللهم اغفر للشاعر والكاتب الكبير وارحمه وأسكنه فسيح جناتك
      وألهم إبنته أختنا لبنى وأهله وأصحابه ومحبيه الصبر والسلوان
      اللهم آمين
      sigpic

      http://elklma.alamontada.com/forum.htm

      تعليق

      • د. سميح فخرالدين
        عضو الملتقى
        • 11-09-2010
        • 98

        #4
        بسم الله الرحمن الرحيم (( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً )) صدق الله العظيم.

        ببالغ الحزن والأسى تلقينا في داراللغة العربيّة وآدبها في الجولان العربي السوري المحتل نبأ وفاة الشاعر والكاتب والمبدع العربي السوري، المعلّم الكبير محمود ياسين. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته وألهم ابنته وأهله وجموع محبّيه الصبر والسلوان . ونقول لأختنا ولزميلتنا الكاتبة لبنى ياسين :
        للباكيات من المآقي نادِ = واصرخ بأعلى الصوتِ والترداد
        ما مات محمودٌ ولا موتٌ له = وزفافه في الموت للميلاد
        ما زال حيا والقصائدُ نبضُه = تجري مع الأنفاس للآباد
        محمود لم نجد الدواءَ لدائِنا = وبكاؤُنا من حُرقةِ الأكباد
        محمود شِعرُكَ يقظةٌ فكريةٌ = أبداً يُرتِّلُها الكناري الشادي
        وتركتَنَا أسرى لشِعرك نرتوي = من بحر فكرٍ شاسعِ الأبعادِ
        قسماً بعزّة أرضنا ودمائِنا = أن ندحرَ المحتلَّ في الميعادِ
        والحقلِ والمحراثِ والزرعِ الذي = يا ما حَصدتَ وشاهدِ الأشهادِ
        إنّا سنَـزرعُ عشقنا وصمودنا = والقلبَ والأشعارَ في الأنجاد
        محمودُ حي في ضمائرِ شعبهِِ = في همّهِ في أرضهِ في الضادِ
        محمودُ درعٌ للبقاءِ وثورةٌ = شقَّت طريقَ النصر للأحفادِ
        بإخلاص
        د. سميح فخرالدين مؤسس دار اللغة العربية وآدابها في الجولان السوري المحتل- مجدل شمس

        تعليق

        يعمل...
        X