يوم في غزة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • طارق عليان
    أديب وكاتب
    • 06-01-2008
    • 147

    يوم في غزة

    كان ويوما جميلا منذ الصباح الباكر, الشمس أشرقت كالعادة وأدفأت هذا الصباح الخريفي الجميل, الأطفال يسيرون إلى مدارسهم فرادى وجماعات, والعاملون إلى أماكن عملهم, لا شيء يعكر روتين هذا اليوم الجديد من أيام قطاع غزة سوى أجواء الحصار, و إحساس داخلي تولد لدي بأن خطبا ما سيقع ليعكر صفاء هذا اليوم الغير عادي لقطاع غزة, مددت يدي لأوقف سيارة تقلني إلى مكتبي في المدينة, فتوقفت أربع سيارات دفعة واحدة, فالبطالة وسوء الأحوال الاقتصادية والحصار جعلت مهنة السائق من المهن الأوسع انتشارا هنا في غزة, أضف إلى ذلك بسطات السجائر المنتشرة في كل مكان, جلست في المقعد الخلفي حيث كان المقعد الأمامي المفضل للجميع مشغولا من قبل شاب في منتصف العمر.مددت يدي لأعطي للسائق أجره إلا أنه كان مشغولا بإشعال سيجارة والنظر إلى الطريق في نفس الوقت, انتظرت إلى أن فرغ من إشعال السيجارة وناولته شيكلا.
    - الأجرة شيكل ونص يا أستاذ.
    - ليش مين اللي قال؟
    - إمبارح سعر الدولار ارتفع والأجرة صارت شيكل ونص.
    - يا سيدي تفضل.
    لم أكن جاهزا لافتعال معركة في هذا الصباح, فكل شيء ينبئني بأن خطبا ما سيحدث ولم أرغب في أن أكون جزءا منه, كان الشاب الجالس في المقعد الأمامي يستمع إلينا والتوتر بادي بشكل ملفت للنظر, توقعت أنه غير راض عن رفع أجرة التاكسي وكان ما توقعته في محله اخرج من جيب سترته شيكلا وناوله للسائق.
    - شيكل ونص يا استاذ.
    - والله ما معي غيره.
    - يا سيدي ما قلناش حاجه بس هاي عاشر راكب معوش نص شيكل.
    - انت مش مصدق.
    - لأ انا مصدق با عمي ومسامح كمان.
    هدأ الوضع قليلا, وأستمر السائق في قيادة سيارته والنظر إلى الشارع المزدحم بالمارة والسيارات في آن واحد, وما لم يكن عاديا هو سلوك ذلك الشاب في المقعد الأمامي, فمازال التوتر يعتريه لسبب ما, ساقني الفضول لمعرفة ذلك, ركزت نظراتي على تصرفاته, كان يفرك يديه بعصبية حينا و يقضم أظافره حينا آخر, لم يكن السائق يهتم لأمره كان مشغولا بمراقبة الشارع و تدخين سيجارته...
    السيجارة نعم هي السيجارة, قلت هذا لنفسي وأنا أراقب حركات الشاب.
    كان الشاب ينظر إلى السائق وهو يتلذذ بتدخين سيجارته ويزيد هذا من توتره, عيناه تتابع الدخان المتطاير من السيجارة بشغف, ويلاحق حركات السائق وهو يمتص سيجارته ل يدخل الدخان إلى أعمق مكان في رئتيه, ثم يطلق له العنان ليخرج من فمه وأنفه بحرية تامة وهو في حالة من النشوة الواضحة, في حين تراقبه عينا ذلك الشاب البائس بكل أسى وحسرة, كان جسده يرتجف ويداه تزدان حركة وتوتر, عيناه تراقبان تصاعد الدخان في فضاء المكان الضيق, ذكرني هذا الموقف بما رايته أيام دراستي في جمهوريه روسيا الاتحادية, حيث وقف عسكري ثمل في حافلة للركاب بجانب فتاة يعجز القلم عن وصف جمالها, كانت الفتاة تجلس على المقعد بجانبه وتبرز مفاتنها بشكل صارخ, كان ذلك العسكري الثمل يفرك يده بجانب تلك الفتاة ويحاول لمس جسدها ولكنه يتراجع في اللحظة الحاسمة, كان متوترا ثملا شبقا وإلى جانبه تغزو مفاتن تلك الفتاة كل أركان كيانه كما تغزو هذه السيجارة كل أركان كيان هذا الشاب البائس في المقعد الأمامي للسيارة.
    قررت فض هذا الاشتباك بنفسي فلا مناص, سأدخل يدي إلى جيبي وأخرج علبة سجائري وأقسمها مناصفة بيني وبين هذا الشاب البائس, ولكن قبل أن آتي بحركة تفضح نواياي, تذكرت أني أقلعت عن التدخين من شهرين لعجزي عن تحصيل ثمن السجائر في ظل هذا الغلاء والاحتكار.
  • طارق عليان
    أديب وكاتب
    • 06-01-2008
    • 147

    #2
    أوجه دعوة للأخوة لمشاهدة وقراءة القصة ونقدها وذلك للاستفادة من تجارب الكتاب..
    شكرا للجميع

    تعليق

    • د . محمد أيوب
      أديب وكاتب
      • 16-05-2007
      • 101

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة طارق عليان مشاهدة المشاركة
      كان ويوما جميلا منذ الصباح الباكر, الشمس أشرقت كالعادة وأدفأت هذا الصباح الخريفي الجميل, الأطفال يسيرون إلى مدارسهم فرادى وجماعات, والعاملون إلى أماكن عملهم, لا شيء يعكر روتين هذا اليوم الجديد من أيام قطاع غزة سوى أجواء الحصار, و إحساس داخلي تولد لدي بأن خطبا ما سيقع ليعكر صفاء هذا اليوم الغير عادي لقطاع غزة, مددت يدي لأوقف سيارة تقلني إلى مكتبي في المدينة, فتوقفت أربع سيارات دفعة واحدة, فالبطالة وسوء الأحوال الاقتصادية والحصار جعلت مهنة السائق من المهن الأوسع انتشارا هنا في غزة, أضف إلى ذلك بسطات السجائر المنتشرة في كل مكان, جلست في المقعد الخلفي حيث كان المقعد الأمامي المفضل للجميع مشغولا من قبل شاب في منتصف العمر.مددت يدي لأعطي للسائق أجره إلا أنه كان مشغولا بإشعال سيجارة والنظر إلى الطريق في نفس الوقت, انتظرت إلى أن فرغ من إشعال السيجارة وناولته شيكلا.
      - الأجرة شيكل ونص يا أستاذ.
      - ليش مين اللي قال؟
      - إمبارح سعر الدولار ارتفع والأجرة صارت شيكل ونص.
      - يا سيدي تفضل.
      لم أكن جاهزا لافتعال معركة في هذا الصباح, فكل شيء ينبئني بأن خطبا ما سيحدث ولم أرغب في أن أكون جزءا منه, كان الشاب الجالس في المقعد الأمامي يستمع إلينا والتوتر بادي بشكل ملفت للنظر, توقعت أنه غير راض عن رفع أجرة التاكسي وكان ما توقعته في محله اخرج من جيب سترته شيكلا وناوله للسائق.
      - شيكل ونص يا استاذ.
      - والله ما معي غيره.
      - يا سيدي ما قلناش حاجه بس هاي عاشر راكب معوش نص شيكل.
      - انت مش مصدق.
      - لأ انا مصدق با عمي ومسامح كمان.
      هدأ الوضع قليلا, وأستمر السائق في قيادة سيارته والنظر إلى الشارع المزدحم بالمارة والسيارات في آن واحد, وما لم يكن عاديا هو سلوك ذلك الشاب في المقعد الأمامي, فمازال التوتر يعتريه لسبب ما, ساقني الفضول لمعرفة ذلك, ركزت نظراتي على تصرفاته, كان يفرك يديه بعصبية حينا و يقضم أظافره حينا آخر, لم يكن السائق يهتم لأمره كان مشغولا بمراقبة الشارع و تدخين سيجارته...
      السيجارة نعم هي السيجارة, قلت هذا لنفسي وأنا أراقب حركات الشاب.
      كان الشاب ينظر إلى السائق وهو يتلذذ بتدخين سيجارته ويزيد هذا من توتره, عيناه تتابع الدخان المتطاير من السيجارة بشغف, ويلاحق حركات السائق وهو يمتص سيجارته ل يدخل الدخان إلى أعمق مكان في رئتيه, ثم يطلق له العنان ليخرج من فمه وأنفه بحرية تامة وهو في حالة من النشوة الواضحة, في حين تراقبه عينا ذلك الشاب البائس بكل أسى وحسرة, كان جسده يرتجف ويداه تزدان حركة وتوتر, عيناه تراقبان تصاعد الدخان في فضاء المكان الضيق, ذكرني هذا الموقف بما رايته أيام دراستي في جمهوريه روسيا الاتحادية, حيث وقف عسكري ثمل في حافلة للركاب بجانب فتاة يعجز القلم عن وصف جمالها, كانت الفتاة تجلس على المقعد بجانبه وتبرز مفاتنها بشكل صارخ, كان ذلك العسكري الثمل يفرك يده بجانب تلك الفتاة ويحاول لمس جسدها ولكنه يتراجع في اللحظة الحاسمة, كان متوترا ثملا شبقا وإلى جانبه تغزو مفاتن تلك الفتاة كل أركان كيانه كما تغزو هذه السيجارة كل أركان كيان هذا الشاب البائس في المقعد الأمامي للسيارة.
      قررت فض هذا الاشتباك بنفسي فلا مناص, سأدخل يدي إلى جيبي وأخرج علبة سجائري وأقسمها مناصفة بيني وبين هذا الشاب البائس, ولكن قبل أن آتي بحركة تفضح نواياي, تذكرت أني أقلعت عن التدخين من شهرين لعجزي عن تحصيل ثمن السجائر في ظل هذا الغلاء والاحتكار.
      الأخ طارق
      نهاية جيدة تؤكد أننا جميعا في الهوا سوا ، ولكن الأجود منها تلك الإرادة التي تسلح بها الراوي الذي قرر ترك عادة التدخين السيئة بسبب ارتفاع أسعار الدخان بشكل جنوني ، لي بعض الملاحظات لا مجال للتطرق إليها الآن فالوقت متأخر ، ربما أعود للقصة في وقت لاحق إن شاء الله .

      تعليق

      • طارق عليان
        أديب وكاتب
        • 06-01-2008
        • 147

        #4
        دكتور محمد ايوب
        شكرا لتقبلك الدعوة وقراءة هذا العمل الكتابي المتواضع, ربما قد تسنح لكم الفرصة لبعض الملاحظات التي ستكون بلا ادنى شك في غاية الفائدة لي...
        شكرا لكم ودمتم بخير

        تعليق

        • ناصر والي
          • 30-01-2008
          • 6

          #5
          استاذ طارق
          قصة رائعة جدا تدخل الى صميم الوجدان الانساني
          لك مني كل تحية ومن حقي التساؤل ما قيمة الرمز في القصة؟؟؟
          شكرا لك

          تعليق

          • طارق عليان
            أديب وكاتب
            • 06-01-2008
            • 147

            #6
            استاذ ناصر والي
            غزة تئن أمام العالم, غزة جرح نزف في جبين البشرية, غزة طفلة صغيرة يلهوا بها الكبار ....
            الرمز هو أنا أنت نحن !!!!

            تعليق

            يعمل...
            X