أسرار عن زيارة الإمام موسى الصدر لتيزي وزو في 1976
محاضرة " سنية " لأكبر زعيم شيعي في ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر
أقام في فندق " لالا خديجة " والتقى هواري بومدين وأخذ بنصائحه
لم يكن السيد حسن نصر الله إلا طفلا في سن السادسة عشرة، ولم يكن الإمام الخميني قد عاد إلى إيران وفجّر ثورته عندما زار الزعيم الشيعي الكبير موسى الصدر الجزائر، ومدينة تيزي وزو تحديدا، التي احتضنت ملتقى الفكر الإسلامي العاشر، الذي كانت تسهر عليه وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية في عهد الراحل الكبير مولود قاسم نايت بلقاسم، وبرعاية خاصة من الزعيم الراحل هواري بومدين، الذي لم يكن يغيب عن الملتقى أو على الأقل يقرأ كلمة افتتاح الأشغال نيابة عنه مولود قاسم نايت بلقاسم.
صحيفة الشروق الجزائرية
محاضرة " سنية " لأكبر زعيم شيعي في ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر

أقام في فندق " لالا خديجة " والتقى هواري بومدين وأخذ بنصائحه
لم يكن السيد حسن نصر الله إلا طفلا في سن السادسة عشرة، ولم يكن الإمام الخميني قد عاد إلى إيران وفجّر ثورته عندما زار الزعيم الشيعي الكبير موسى الصدر الجزائر، ومدينة تيزي وزو تحديدا، التي احتضنت ملتقى الفكر الإسلامي العاشر، الذي كانت تسهر عليه وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية في عهد الراحل الكبير مولود قاسم نايت بلقاسم، وبرعاية خاصة من الزعيم الراحل هواري بومدين، الذي لم يكن يغيب عن الملتقى أو على الأقل يقرأ كلمة افتتاح الأشغال نيابة عنه مولود قاسم نايت بلقاسم.
- كان الإمام موسى الصدر من أوائل الشخصيات التي زارت الجزائر بعد الاستقلال، حيث حضر رفقة وفد سياسي وديني لبناني كبير أرسله الرئيس اللبناني في ذلك الوقت اللواء فؤاد شهاب، وكان همّ موسى الصدر الذي يبلغ حينها سن34 عاما فقط، موسى الصدر من مواليد 1928 بمدينة قم الإيرانية، كان يريد أن يجمع السنّة بالشيعة، حيث مكث لمدة أسبوعين بين المغرب ومصر والجزائر التي وصلها في ذات اليوم الذي وصل فيه الوفد اللبناني الكبير، ودافع عن مشروعه الكبير في إجراء حوار فكري بنّاء بين المراكز الإسلامية والحوزات العلمية الشيعية في لبنان.. ورغم فشل مساعيه إلا أنه في عام 1964 أطلق فكرة حوار الديانات، حيث كان أول من سعى إليها والتقى في روما بالبابا عام 1967 قبل النكسة.. وكانت ميزة الغائب المختفي موسى الصدر أنه صديق الجميع، إلى درجة أن الصحافة العربية شبهت علاقته بمفتي الديار السنية اللبنانية الشيخ حسن خالد بالتوأم من شدة اقترابهما من بعضهما .
صلى في جامع ارزقي شرفاوي .. أبهرته جبال جرجرة وشبهها ببيروت
وعندما علم الإمام موسى الصدر بقوة ملتقيات الفكر الإسلامي التي تقام في الجزائر، صار يشارك فيها بانتظام ويقدم محاضرات فكرية راقية ويلتقي بعظماء الجزائر ومنهم الراحلون الكبار مالك بن نبي ومولود قاسم نايت بلقاسم وأحمد حماني وعمار طالبي وهواري بومدين.. ولكن مشاركته في الملتقى العاشر الذي احتضنته تيزي وزو، كانت الأبرز .
وشارك الصدر رفقة مشاهير العلماء من أهل السنة من أمثال الدكتور محمد عبده يماني، وزير الإعلام والثقافة السعودي، والدكتور عبد الرحمن الصابوني، عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق بسوريا، والأستاذ مصطفى الزرقاء.
وشوهد الإمام في شوارع تيزي وزو بلباسه الشهير وهو يشبهها ببيروت الغربية، وكانت وسطية موسى الصدر تدهش الحاضرين، إلى درجة أنهم اعتقدوا أنه سني وليس شيعيا، حيث كلما أقيمت الصلاة إلا وكان الأول في الصفوف مع إخوته من السنة، وحتى المحاضرة التي ألقاها أمام الطلبة والعلماء، والتي عنونها بـ "روح التشريع الإسلامي وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي" ذات طابع سلفي خالص.. كانت محاضرة الإمام موسى الصدر سنية خالصة من أكبر زعيم شيعي في ذلك الوقت، إلى درجة أن الإمام عندما كان يذكر خاتم الأنبياء يقول صلى الله عليه وسلم دون الصلاة على آله تفاديا ربما لأي تأويل، رغم أن الكثير من علماء السنة الكبار يقولون صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم العلامة الجزائري عبد الحميد بن باديس الذي لم يصل في حياته على خاتم الأنبياء إلا وصلى على آله، وختم موسى الصدر محاضرته بالحديث عن الحكم الإسلامي ومصادره، مركزا على ضرورة الأخذ من كتاب الله أي القرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم في إجماع الأمة، وقال إن هذه المصادر لا يجب أن تراجع من قبل الباحثين عن وضع القوانين، بل البحث يتجه في المبادئ الدولية الحقوقية وفي تجارب الأمم الأخرى.
تعلق الإمام موسى الصدر بالجزائر كان واضحا، إذ زارها بعد سنتين من استقراره في لبنان واختارها في الشهور الأولى لاستقلال الجزائر لأجل بعث حوار المذاهب رفقة المغرب ومصر، وبقي وفيا لها، وكانت أيضا آخر زيارة له في حياته قبل اختفائه الشهير إلى الجزائر أيضا.
آخر سفرية في حياته كانت إلى الجزائر
في حوار سابق لابن الإمام موسى الصدر وهو السيد علي، الذي درس في السوربون في باريس، قال لجريدة الأهرام الدولي إن آخر زيارة للإمام إلى ليبيا كانت بعد نصيحة تلقاها من الرئيس الجزائري هواري بومدين.. كانت نار الفتنة في لبنان قد اشتعلت وكان المرض قد بدأ من التمكن من جسد الراحل هواري بومدين، وأصبح موسى الصدر أحد البيادق السياسية الواجب تحركّها وتحريكها في المنطقة فقام بزيارة ماراطونية إلى سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية وانتهى بالجزائر، حيث استقبله بومدين في صائفة 1978 ونصحه بأن يتوجه إلى ليبيا ويتحاور مع الفصائل الفلسطينية، وأخذ الإمام بنصيحة هواري بومدين، وعاد إلى لبنان لتجهيز جدول أعماله، ولكنه اختفى في رحلة طرابلس روما عبر الجوية الإيطالية "آليطاليا".. ومازال اختفاؤه من أكبر الألغاز المحيرة في التاريخ، وتبقى الاتهامات المتبادلة بين الكثير من الأطراف مجرد تأويلات من دون سند .
وغالب الظن أن الإمام توفي، لأنه لو كان في السجن ولو كان مازال حيا لبلغ من العمر الآن 82 عاما.. لم يعش الإمام الصدر عودة أستاذه الخميني إلى طهران في فيفري 1979 ولم يعش حرب تموز التي نجح فيها تلميذه السيد حسن نصرالله، ولكنه أحب الجزائر كثيرا، كما أحبها الخميني الذي قال في خطابه الأول أمام الإيرانيين إن عليهم أن يتعلموا من ثورتي الجزائر والفيتنام، كما أحبها أيضا السيد حسن نصر الله الذي ذكرها في الكثير من خطبه، ولكن الأستاذ والتلميذ لم يزورا الجزائر كما فعل موسى الصدر، وربما الأجواء المحلية والدولية هي التي ساعدته لأن يكون الشخصية الشيعية الأكثر زيارة للجزائر في التاريخ .
مجلة "الأصالة"، التي كانت تصدرها وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية الجزائرية، وهي من أرقى الصحف في العالم الإسلامي، في عدد ديسمبر 1976، نشرت محاضرة الإمام موسى الصدر كاملة، وكانت المجلة فعلا مستقلة بكل ما تعنيه الكلمة، وتتمتع بحرية لا مثيل لها، حتى أنها في ذات العدد طرحت جدلا كبيرا ومثيرا جدا حول مشروب "مالطا" الذي وضعته في السوق الشركة الوطنية للمياه المعدنية، وأفتى الشيخان أحمد حماني وعلي شنتير بحرمته دون خوف من أي جهة، رغم أن صاحبة المشروب مؤسسة تابعة للدولة في زمن الحزب الواحد، كما انتقدت بقوة تباين تقويم بداية شهر ذي الحجة ولم تجد حرجا في توجيه النقد اللاذع للملكة العربية السعودية .
كيف اختفى وأين اختفى الإمام موسى الصدر.. الرجل أخذ معه سرّه ولكن محاضراته التي ألقاها في مختلف ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر مازالت شاهدة على علاقته القوية بالجزائر، إلى درجة أن البعض ظنه من منظمي ومن رعاة هذا الملتقى الضخم والعملاق الذي كان مفخرة الجزائر في عهد عظمائها من أمثال الشيخ أحمد حماني ومولود قاسم ومالك بن نبي وهواري بومدين .
صحيفة الشروق الجزائرية