حيـــــرة العــــــاشق
بقلم / محمد بوحوش*
قراءة في المجموعة الشعرية " يتغمدني بالنشيد الرماد "
للشاعر محمد علي الهاني
تصــديــر :
" إن الشعراء والروائيين هم أعزّ حلفائنا وينبغي أن نقدّر شهاداتهم أحسن تقدير لأنهم يعرفون أشياء بيد السماء والأرض لم تتمكّن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها، فهم في معرفة النفس شيوخنا نحن الناس العاديين لأنهم يرتوون من منابع لم يتمكّن العلم من بلوغها " سيغموند فرويد "هذيان وأحلام ".
1- مقـدمـــة :
كان "أورفيوس" بألحانه الساحرة يروض حتى الوحوش التي استكانت من فرط عذوبة ألحانه وقد ذهب منها التوحش والافتراس . ومثله كان الكلام المبين الذي يوقع النفوس مؤانسة وطربا ودهشة وسحرا.
وقد بنت العرب على الكلام أقوالها المأثورة 'الشاعر أمير الكلام' و'إنّ من البيان لسحرا' وهو الكلام الذي يستعاذ بالله منه لفتنته وسحره. فالشاعر خيميائي أو كيميائي العصر بامتياز يؤلف من اللغة سحرا وفتنة وغرابة ودهشة ويكسو أفكاره ومشاعره فنا خالصا يوهم ويوقع الإنسان في شراكه. فللكلمة وقعها وفتنتها لذلك فإنّ الأفكار إذا ما استوعبها الناس استولت على قلوبهم وعقولهم وصارت إلى قوة مادية وفعل تغيير.
حتى الآن مازالت قاطرة الشعر المدمّاة محملة بالأحلام والقيم الجميلة وبكل ما هو إنساني ونبيل.
وفي هذه المنزلة تأتي قراءتنا للمجموعة الشعـرية المـوسومة بـ"يتغمّدني بالنشيد الرماد"1 للشاعر التونسـي 'محمـد علـي الهانـي' . وإذا كانت للقراءات مداخل ومناهج
ومفاهيم تحكمها لتحليل الظاهرة الشعرية وصفا وتأويلا للوقوف عند خصائصها وفـرادتها
فإنّ هذه القراءة تقطع مع كل ما هو تقليدي ووصفيّ لتكون قراءة قارئ عاشق متعشّــق لمقاصد الكلام باحث عن إمكانات مفتوحة على التأويل.
2- مناخات الخطاب الشعري :
الشعر هو هذا الانحراف والانزياح عن المألوف من القول وله مناخاته ومنطقه الخاص. فهو خطاب في مستوى ثان للغة "غير النثرية" مرسل على فكرة أو أفكار ذات علائق وتجانس. والمناخ يتجاوز الغرض والموضوع. فهو بؤرة هي بمثابة ضوء يتعدد في اتجاهاته ويتلاشى ليتجمع من جديد في منطقة ما هي مركز لأفكار ومشاعر متضاربة ومتناقضة أحيانا إلا أنها تشترك في خاصيات محددة. وقد أمكن وفق هذا المنظور تنويع قراءة الديوان على محاور هي تباعا : الشعر على الشعر، وطن الشعر، حيرة العاشق .
3- الشّعر على الشّعر :
للشعر تقاطعاته مع عناصر متعددة أبرزها الواقع والذاكرة والأسطورة والسحر والدين والمعرفة والموت والحلم واللاوعي والطفولة ... لكن ماذا عندما يتقاطع الشعر مع الشعر؟.
الشاعر باعث البهجة من رحم الجرح فإذا هو سماء من الصحو وقامة من الفرح:
إنّ جرحـي قـوس قــزح2
والتقوّل في الشعر وعليه يتخذ لدى 'محمد علي الهاني' معاني ورموزا شتى فهو فرس النار الراقد في الأعماق أو هو جرح مفتوح على الأيام والألوان… ألم أزلي يحمل طعم الموت ولون الإرهاق لكأن الشاعر مخبرٌ لكل هذا وذاك منتج للعشق والحياة ورغيف الكلام السلسبيل من رحم العذاب يقول :
احرقنـي ... ! احرقنـــي ... !
فرمـــادي مـاء حــياة للمـوتــي
ورغيف للجوعى ، ورسـول بين العشـاق3
والشعر بمثابة قمر يُولّـدُ صورا وأهازيج ومسافات مخضوضرة. إنه الوردة التي تكبر في قلب الشاعر والفجر المشتعل بالأحلام حتى أن اللغة هي الأخرى بمثابة شمس تلملم شتات الشاعر ليزهر قمر الشعر نغما وفرحا ومُنى.
ثم إن الشعر هو أيضا جرس للأوجاع وقمر للحزن يستحيل إلى يواقيت من نار ونور فوق شفاه الآهات واخضرار للمسافات عند الشروق. والشاعر بلبل غرّيد يجمّع الضوء ويغزل حلو النغم يقول :
بلبل فـارق الـعشّ نحو القمــر
واستـوى فوق النجوم يجمّع ضوءا
وبالـضّوء يـغزل حـلو الــنغم4
لقد عرف الشعراء بنرجسيتهم المفرطة و تساميهم وغرورهم أحيانا فالشاعر كائن متعال ولا شك. فهو لذلك يمجّد ذاته ويضخّم آلامه يقول محمد علي الهاني :
فــي دهـالـيز الوجـاع : مرهق حـتى الصــداع
مـوغل فـي الزحف نـارا : نحو أزهــار الشعــاع
طــائر الـفينـيق إنّـي : عـائد بعد الضيــــاع
والجــراح الخضر شمس : ودمـي القــاني شـراع5
هنا يكون الشاعر طائر الفينيق هذا الأسطوري الذي يموت ويحيـا من رماده وهنا أيضا تتجلّى إحدى المواضيع التي استنزفها الشعراء قولا فلا شيء سوى الاحتفاء بالصور الشعرية وكأن اللغة تولع في قول ذاتها لذاتها تفننا في الصياغة والتصوير.
وفي مقام آخر يأتي القول الشعري في صيغة إجلال الشاعر لهذا النمط من القول حتى أنه يهبه أجنحته واخضراره. فشعر الشاعر هو معادل للصباح والصداح والأقاحي والربيع والنبض والجراح إلى غير ذلك من المفردات من قبيل الاخضرار والانتظار والانشراح والتغريد. لكأن الشعر هو بهجة الشاعر ودليله في الحياة :
مضـيئا تمرّ كصبح يحاور نبضـي
فأمضــي إلى حيث تمضــــي
ولست أضلّ فأنت صبــاحـــي6
في نزيف الصور الشعرية والإحالات الاستعارية المتوالية وفي مناخ سريالي يقطع مع المنطقي والدلالي والعقلاني تجيء بعض القصائد مفتوحة على احتمالات تأويل لا تنتهي. إننا أمام قصيدة مفتوحة على كون من الاحتمالات الدلالية إذ أن التعتيم عبر الصور السريالية والرموز والمجازات جعل من القصيدة عالما من التعمية والألغاز. وهنا تتكوّن اللغة في احتفالية مبهرة تنتصر لإيقاعها وبلاغتها ورقصها الخاص الذي لا يحصرها في أي دلالة معينة :
النوافير تبحث عن وردة في دمي
يتوهّج في نسغها بيدر
والصباحات تخرج من عشبها
باقة من وعود .
النوافير تبحث عن وردة في دمي
كلما هبّت الريح حصّنها عاشق بالنشيد7
إن تداعي الصور وكثافتها ساهم في انفلات الدلالة إلا أن بعض الومضات الشعرية ساهمت في إنارة عتمات القصيدة وعند هذا الحد فإن الصورة الشعرية مثلما يشير"لويس أراغون" في استعادة لأفكار الحركة السوريالية ورائدها "أندري بروتون" إلى أن إثم السوريالية هو الاستعمال اللامعياري والرغبة المفرطة في هوس الصورة ليتجلّى الشاعر خالقا وخزّافا محمّلا بالفراشات جاعلا من اللغة طينه العاري ويتمثّل لنا في صورة إلاه خلاّق مالك لمادة الخلق وهي الطين الذي هو عجينة يشكّلها كيفما شاء ليصنع قصائده :
والطين في عريه
يتنقّل من لهب في النّزول
إلى لهب في الصعود ؟8
بهذه الاستعارة الموسّعة للخلق الإلهي يقف الشاعر في حيرة أمام أسئلة الوجود الكبرى متخذا من مادة الخلق ( الطين/اللغة) حلما ونشيدا :
مطر... مطر
يستفيق الندى من مباهجه
سفر ... سفر
يستريح الندى من صواعقه
ويعود إلى أمّه عاريا مثل سنبلة
يحمل الطين والطمي
آه! لماذا يحمّـلني الطين كل كوابيسه
وأحمّـله حلمي وانتشاري9
هكذا يحمّـل الشاعر طين اللغة حلمه وانتشاره وخلوده وكيف له أن يموت؟ :
أنا لن أموت ...
وإن متّ....
يسترجع الميتون فوانيسهم
من دمي واخضراري10
سؤال الوجود الكبير هو البحث عن الخلود ولا شيء يخلد الإنسان بعد موته سوى الفن.
وأخيرا فإنّ الشّاعر حين يتقمّص حالته ليعبّر عنها يستدعي معجما غنيا من المفردات يتوزّع بين كونين، كون من الجمر والجرح والاشتعال والصهيل والزحف ودحرجة الرياح للإحالة على حقل من الآلام تعتمل في ذات الشاعر كي يُولّـد الكلام، وكون معجمه من اللّقاح والحلم والجناح والنشيد والبروق والصباح الجديد. وبين هذين الكونين يكون الشّاعر بمثابة جواد :
تكلّم ، تكلّم ...
فليس الكلام مباحا
وأسرج جوادك يحمل صهيلك للميّتين لقاحا11
هكذا يصبح الشاعر حمّال لقاح وصانعا للصباح عبر معاناة كأنها زحف نحو الأعالي.
4- وطن الشّاعر:
إن الوطن لدى "محمد علـي الهانـي" وطنان ، وطن للصلب والحتف والاغتــراب
والمنفى وآخر للشدو والأحلام والفرح الآتي :
في المنفى أبقى مصلوبا 12
فما زال الوطن من الموضوعات المتداولة في الشعر وها هو الشاعر في أهازيجه وأغانيه يسمو بالوطن إلى مراتب المعشوق الأوحد وإلى ما هو جليل ومقدّس. وهو في هذا المضمار يدور في فلك الفكرة المستعادة فمدح الوطن والإطناب في مدحه من صفة العشّاق:
... يتوهّج في خافقي
وطني كوكبا من ذهب.
ويقول أيضا:
يا وطني، أنت فوق الصّفات وفوق النعوت.13
إلاّ أنّ الوطن ليس هذا الفردوس الأرضي الذي نجلّـه ونعشقه بل هو أيضا قضايا وأيّ قضايا ؟ أوليس من حق الشاعر أن يعتب على الوطن أحيانا ليكشف عما يعانيه الإنسان من عذابات واغتراب وحرمان لا سيّما إذا كان هذا الإنسان شاعرا ؟ ولئن كان 'محمد علي الهاني' في بعض قصائده عن الوطن يخوض في غرض متداول وتقليدي معهود ومكرور. فإنّه في عديد القصائد الأخرى يحشرنا في أفق أكثر اتساعا. فالوطن لديه ليس حفنة من تراب أو مساحة جغرافية محددة بل هو كون يمتد من الماء إلى الماء مكلّلا بأنجم مزهرة ولعل النجمة الأكثر سطوعا وبريقا وألقا هي نجمة العراق:
فإذا انتفضت في دمي نجمة
وتطاير منها الضياء
وضعت يدي فوق قلبي
وقلت : العراقْ 14
هذا الوطن الأجمل الذي كان حلما عربيا تشرئب إليه الأعناق لما حمله من مشروع نهضوي ولد من رحم الخراب العربي.
ومن مظاهر التـغنّي بالوطن وبالبطولة العربية تناول الشاعر للانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية التي فجّرها أطفال الحجارة فإذا به على غرار أسلافه يمجّد قدرة العربي على المقاومة والتضحية والشهادة في سبيل الوطن وفي سبيل التعلّق بالحياة وحب البقاء رغم تتالي الهزائم العربية والواقع المريض حيث يقول :
وإذا رميت حجارة
تشدو بكفك أنجم ، تعشوشب الأقمار
في الأرض الخراب، يزدهر الأمل.15
ويؤكد الشاعر التزامه بقضايا وطنه التزاما بحلم هو سنبلة في ذاكرة الإنسان العربي الذبيح ووجدانه وعقله ليستعير من الصخر علامات البقاء والثبات المتجذّر في العروبة الأصيلة حتى إن الريح بمحمولها الثوري تكبر وتتنامى في قلب الطفل العربي كدلالة له على البذرة القادمة والأمل المنشود والقوة الدافعة للتغيير، تغيير لحالة الوطن المسبيّ يقول الشاعر :
والوطن العربي مسيح
هل تكبر في قلب الطفل الريح ... ؟ 16
ويقدّم الشاعر الطفل الشهيد في صورة مريـم وهو يهز إليه جذوع النخيل فتعبق رائحة العشب فجرا.والعلاقة واضحة بين فعل الشهيد الذي هو التضحية من أجل الوطن وصفة الصّهيل الذي للجواد كرمز عربي للعنفوان والشّهامة والأصالة والقوّة والشّموخ وفي هذا المضمار يقول الشاعر :
تجيء الخيول التي ودّعتني
على ضفّة الياسمين وضاعت..
أعلّمها لغة الأرض والرفض
والنّار والماء ...
آه... !يعاودها الشوق
تبرق ترعد عند الأصيل
تزخرف رمل الصحارى
بروق الصّهيل ...17
ويوغل الشاعر في الالتزام بقضايا واقعه العربي في قضيته الأكثر تأجّجا.وهي القضية الفلسطينية وتأتي قصيدة "الله أكبر يا مآذن فاشهدي" لتعبّر بحميمية ودرامية عن ملحمة الطفل الفلسطيني الرمز 'محمد الدرة'. وإن أبدع الشاعر بلغة أصيلة وبليغة عن الحدث فإنه لم يأتِ بما هو بديع على صعيد الأفكار. فالقصيد غرضيّ وصفيّ جرى على منوال القول القديم من إبراز للصفات الجليلة للشهيد والتشهير بالعدو وبطشه إلى التّغني بالبطولة والشّهادة والثأر للفقيد :
قمر توزّع في دماء محمد
فتوهّجت من جرحه شمس الغد...18
يا للطفولة من رصاصة مجرم
فصلت شذا عن وردة في المورد!...19
قمر توزّع في دمائك فانتصب
نلت الشهادة يا محمد فَاسْعَدِ...
قسما سنثأر يا شهيد ونمتطي
أجراحنا نحو اخضرار الموعد. 20
والقصيد مزدحم بالصور الشعرية المبتدعــة وبلغة مجـازية لا تخلو من الومضات و الإشراقات.
وفي مجال آخر يعتمد الشاعر "الرمز" كأداة فنية إذ الشعر إيحاء وتلميح وترميـــز.
فللتعبير عن الحالة الفلسطينية اتخذ الشاعر من مفردة ' العشّ ' رمـزا للوطن ومن مفردة "العصفـــور" رمزا للفلسطيني الثائر. فالعشّ دلالة على البقـاء والدفء والحنيـن إلى البيت /الوطن إلاّ أن ريح الاحتلال والبطش نسفت هذا العشّ:
هبّت ذات رماد ريح نسفت عشا
في عينيْ عاشقه وعد
يرحل من حرف الضاد إلى نبع النور. 21
والفلسطيني هو هذا العصفور الراحل والمرتحل الشادي للوعد وللفرح القادم إلاّ أنّه في ظلّ ما يحيط بالعصفور من عسف وبطش وحصار فلابدّ من مؤازرة عربية كي يعود عصفور المنافي والشتات والإبعاد إلى عشّه يقول الشاعر :
الحرف الأوّل من دمنا نار
والحرف الثّاني من دمنا ثلج
والحرفان خراب
إن لم يشتركا في حمل العشّ إلى العصفور . 22
ومرة أخرى يتناول 'محمد علي الهاني' الواقع العربي مستعيرا له صفة المرارة التي هي للقهوة المرّة من دون سكّر. وهنا تكون القهوة رمزا للغذاء والانتشاء والتيقظ وتتحول إلى إزعاج ودمار لشدة مرارتها :
قهوتُك المُرّة تزعجني وتدمّرني...
سأدّمر كلّ إناء لا يسع السّكّر حتى أظفر
بالسّـكّر في إحدى العلب ... 23
لكن من أين السـكّر والوطن العربي لم ينتجه منذ قرون على حد تعبير الشاعرالذي
يزجّ بنا في مفارقات مبنية على الإرباك والدّهشة والمفاجأة خارقا انتظارات المتلقي القائمة
على الدلالات المعهودة ومنطق الكلام؟
وتتّسم مأساة الإنسان العربي لدى "محمد علي الهاني" بوجع تاريخي يتخذ من "الحسين بن علي" قناعا لهذه المأساة ومن 'كربلاء' مكانا مقدسا ومسرحا لعمق هذه التراجيديا فإذا الشاعر يستشعر نبضه وجعا وجرحا في كربلاء لتيْـنع منه أغنية وبرق وشفق وشروق :
أيها العاشقون ... قفوا
أورق النبض في كربلاء
وذي نخلة الحلم
هذا انتظاري وهذا انشطاري
وهذا دمي يتسلق برق المشاعل في طلقتين
وجعي يستضيء بأغنية يا حسين .24
إنّ حلم الإنسان العربي يجد ينابيعه في أرض التّوهّج ولهيب الرماد وبداية المأساة وهي " كربلاء " :
...المواعيد مكتظة بالينابيع
في كربلاء لنا قمر
والنّدامى انهمـار النّدى
من نبيذ الشروق .25
إلى أن يقول :
خذيني إليك أيا نخلة الحلم
إن الصواعق تنهض من ومضة
في رمادي على وترين .26
ليست كربلاء سوى العراق النازف والمحاصر وليس الحسين سوى الإنسان العراقي والعربي في محنته ومأساته ومأزقه التاريخي. إن هذا ليس سوى إسقاط تاريخي على واقع حالي لا سيّما ونحن نذكر جيدا مأساة الحسين حين حاصره في العاشر من محرم سنة 61 هجري عمر بن سعد بن أبي وقاص وأحاطه بجيشه وقطع عنه وذويه المؤونة حتى مات الحسين بكربلاء جوعا وعطشا. وما أشبه الأمس باليوم !
5- حيـــرة العـــاشق :
لم يكن 'محمد علي الهاني' في مسيرته الشعرية شاعرا متصوّفا ولم يوظّف المعجم اللغوي الصوفي وحقوله الدلالية إلاّ أننا في هذه المجموعة نعثر على مفارقة كبرى: قصيدة 'حمّى العشق' والعنوان إحالة مباشرة وحرفية على مفردات حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي بالخصوص فالعاشق محموم وهو يعانق الراح وقد تعتعه السّـكر :
هات الخمرة حانت آهات الطلق ...
تعتعني السّـكر....
فزدني سكرا ....
حرّرني بالخمرة من كل ذنوبي
يتناثر جسدي ضوءا
فوق كسوف الشرق .27
فإذا بالعاشق المتصوّف في حلقات الذكر بلا جسد حد الغيبة والفناء :
أحرقني ... أحرقني..
بين النور وبين النار
أنا أتملّى وجهك في مرآة رمادي...
أتلذّذ يا معشوقي الأوحد
عند النشوة بالحرق .28
إن فناء العاشق بالنور وبالنار واستحالته إلى رماد من الذكر والسّـكر والاحتراق إنّما هو تطهّر من كلّ الآثام وتحرّر من سجن الجسد تَوْقًا إلى عالم نوراني روحانيّ.
لكـن لسائل أن يسأل لم هذه الانعطـافة الصوفية للشاعر؟ لقد سبـق أن ذكرنـا بأن 'محمـد علـي الهاني' قد طرح في هذه المجموعة أسئلة وجودية لا تخلو من الحيرة والدهشة الكونية أمام أسرار العشق والألم والخلق والخلود ولم يظفر بغير أسئـلة متوالدة عن أسئلة سابقة. ثم إن مرض الشاعر1* قد زاد من هذه الحيـرة فغدا كائنا هشّـا وليس بوسع الانسان أمام هزيمتـه وكبريائه وحيرته الوجودية وحقيقته الزائلة كما ليس للعاشق سوى التوبة والهدي ملتجئا إلى عالم الروح والحقّ. ألـم يكن هذا ديدن العشــاق جميعا كعمــر الخيام وأبي العتاهية وأبي نواس؟!
إن هذه القصيدة لا تعبّر عن تجربة حية ومعاش صوفـي بقدر ما تعبر عن حالــة استثنائيــة متفردة و وحيـدة توظّـف معجم المتصـوفة لتعبّر عن التجاء الشاعـر إلى الروحــانيات وقد اكتــوى بلوعة الألم والعشـق وفناء الجسد. إننا حقا أمام هشــاشة الكـائن/ الإنســان الذي هو فَراش يحتضن النور في غبطة وولع لتكون نهايته الاحتراق بإفناء الجسد وصعود الروح:
... كبّر يا صاح بلا جسد
يتجلَّ الله لنا
في الرّاح وفي الروح وفي الأفق 29
6- خــاتمــة :
في هذا الكتاب الشعري نقف عند حقيقة شاعر أصيل مجيد للغة ومُحْتَـفٍ ببلاغاتـها ودلالاتـها الخاصة مستندا إلى زخم إيقاعي متنوع. ومعه نتأكد من أن مظاهر الحداثــة الشعرية التي يمثّلها شعر التفعيلة كأنموذج سائد اختاره الشاعر ما زالت متوهّجة وواعـدة
وعصيّة على التجاوز من حيث أنّها لم تقطع مع المعادلات الشعرية الكونية كالمـوازنة بين الإبداع والتّلقي والذاتي والموضوعي والنثري والشعري.
هكذا يبهرنا الشاعر محمد علي الهاني في هذه المدوّنة " يتغمدني بالنشيد الرماد "بما هو أصيل ومستحدث وهو يعيد إلى الشعر حميميته وجماليته وعلاقته الحيّة والأكثر خصوصية بالواقع .
الهوامش :
1- -" يتغمدني بالنشيد الرماد " مجموعة شعرية صادرة عن منشورات التبيين الجاحظية بالجزائرفي طبعتها الأولى 2005 وهي متحصلة على الجائزة الأولى مفدي زكرياء المغاربية للشعر سنة 2004 لصاحبها الشاعر " محمد علي الهاني ". وهو من مواليد سنة 1949 بتوزر بالجنوب التونسي وقد نال عدة جوائز وطنية وعربية منها جائزة الدولة التشجيعية في أدب الطفل سنة 1983 والجائزة الأولى لمفدي زكرياء للشعر بالجزائر لسنة 1996 وسنة 2004 والجائزة الأولى للملكة نور الحسين لأدب الأطفال في مجال الشعر عمّـان 1998. وقد أصدر الشاعر سبعة دواوين شعرية منها ثلاثة للأطفال إضافة إلى كتاب لغوي. وهو عضو باتحاد الكتاب التونسيين وترجمت بعض قصائده إلى الروسية والسلوفاكية والفرنسية، كما أنه عضو في الهيئة الاستشارية لمجلة (القصيدة)الجزائرية...
1*- تعرّض الشاعر سنة 2001 إلى جلطة دماغية أفقدته ملكاته العقلية والحسية من ذاكرة ونطق وكتابة وهو يتماثل تدريجيا إلى الشفاء.
2- ديوان " يتغمدني بالنشيد الرماد " قصيد : " سماء الفرح " ص 11
3- المصدر نفسه، قصيد " فرس النار " ص 18
4- المصدر نفسه، قصيد " البلبل " ص 29
5- المصدر نفسه، قصيد " طائر الفينيق " ص 39
6- المصدر نفسه، قصيد " وهبتك أجنحتي واخضراري " ص 45
7- المصدر نفسه، قصيد " تغزل نبض النزيف الأجنة " ص 59
8- المصدر نفسه، قصيد " تغزل نبض الزيف الأجنة " ص 64
9- المصدر نفسه، قصيد " يتغمد ني بالنشيد الرماد " ص 70 و ص 71
10- المصدر نفسه، قصيد " يتغمد ني بالنشيد الرماد " ص 73
11- المصدر نفسه، قصيد " حلم الجمر " ص 74
12- المصدر نفسه، قصيد " الفرح الآتي " ص 15
13-المصدر نفسه، قصيد " سبع أغنيات للوطن " ص 30
14-المصدر نفسه، قصيد " نجمتان " ص 12
15- المصدر نفسه، قصيد " البطل " ص 13
16- المصدر نفسه، قصيد " هل تكبر الريح؟ " ص 22
17- المصدر نفسه، قصيد " الكتابة بالصهيل " ص 25 وص 26
18- المصدر نفسه، قصيد " الله أكبر يا مآذن فاشهدي " ص 42
19- المصدر نفسه، قصيد " الله أكبر يا مآذن فاشهدي " ص 43
20- المصدر نفسه، قصيد " الله أكبر يا مآذن فاشهدي " ص 44
21- المصدر نفسه، قصيد " عش العصفور " ص 48
22- المصدر نفسه، قصيد " عش العصفور " ص 50 و51
23- المصدر نفسه، قصيد " السـكّر " ص 14
24- المصدر نفسه، قصيد " وجعي يستضيء بأغنيتين " ص 52 و53
25- المصدر نفسه، قصيد " وجعي يستضيء بأغنيتين " ص 53
26- المصدر نفسه، قصيد " وجعي يستضيء بأغنيتين " ص 55
27- المصدر نفسه، قصيد " حـمّى العشق " ص 76
28- المصدر نفسه، قصيد " حـّمى العشق " ص 77
29- المصدر نفسه، قصيد " حـّمى العشق " ص 78
بقلم / محمد بوحوش*
قراءة في المجموعة الشعرية " يتغمدني بالنشيد الرماد "
للشاعر محمد علي الهاني
تصــديــر :
" إن الشعراء والروائيين هم أعزّ حلفائنا وينبغي أن نقدّر شهاداتهم أحسن تقدير لأنهم يعرفون أشياء بيد السماء والأرض لم تتمكّن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها، فهم في معرفة النفس شيوخنا نحن الناس العاديين لأنهم يرتوون من منابع لم يتمكّن العلم من بلوغها " سيغموند فرويد "هذيان وأحلام ".
1- مقـدمـــة :
كان "أورفيوس" بألحانه الساحرة يروض حتى الوحوش التي استكانت من فرط عذوبة ألحانه وقد ذهب منها التوحش والافتراس . ومثله كان الكلام المبين الذي يوقع النفوس مؤانسة وطربا ودهشة وسحرا.
وقد بنت العرب على الكلام أقوالها المأثورة 'الشاعر أمير الكلام' و'إنّ من البيان لسحرا' وهو الكلام الذي يستعاذ بالله منه لفتنته وسحره. فالشاعر خيميائي أو كيميائي العصر بامتياز يؤلف من اللغة سحرا وفتنة وغرابة ودهشة ويكسو أفكاره ومشاعره فنا خالصا يوهم ويوقع الإنسان في شراكه. فللكلمة وقعها وفتنتها لذلك فإنّ الأفكار إذا ما استوعبها الناس استولت على قلوبهم وعقولهم وصارت إلى قوة مادية وفعل تغيير.
حتى الآن مازالت قاطرة الشعر المدمّاة محملة بالأحلام والقيم الجميلة وبكل ما هو إنساني ونبيل.
وفي هذه المنزلة تأتي قراءتنا للمجموعة الشعـرية المـوسومة بـ"يتغمّدني بالنشيد الرماد"1 للشاعر التونسـي 'محمـد علـي الهانـي' . وإذا كانت للقراءات مداخل ومناهج
ومفاهيم تحكمها لتحليل الظاهرة الشعرية وصفا وتأويلا للوقوف عند خصائصها وفـرادتها
فإنّ هذه القراءة تقطع مع كل ما هو تقليدي ووصفيّ لتكون قراءة قارئ عاشق متعشّــق لمقاصد الكلام باحث عن إمكانات مفتوحة على التأويل.
2- مناخات الخطاب الشعري :
الشعر هو هذا الانحراف والانزياح عن المألوف من القول وله مناخاته ومنطقه الخاص. فهو خطاب في مستوى ثان للغة "غير النثرية" مرسل على فكرة أو أفكار ذات علائق وتجانس. والمناخ يتجاوز الغرض والموضوع. فهو بؤرة هي بمثابة ضوء يتعدد في اتجاهاته ويتلاشى ليتجمع من جديد في منطقة ما هي مركز لأفكار ومشاعر متضاربة ومتناقضة أحيانا إلا أنها تشترك في خاصيات محددة. وقد أمكن وفق هذا المنظور تنويع قراءة الديوان على محاور هي تباعا : الشعر على الشعر، وطن الشعر، حيرة العاشق .
3- الشّعر على الشّعر :
للشعر تقاطعاته مع عناصر متعددة أبرزها الواقع والذاكرة والأسطورة والسحر والدين والمعرفة والموت والحلم واللاوعي والطفولة ... لكن ماذا عندما يتقاطع الشعر مع الشعر؟.
الشاعر باعث البهجة من رحم الجرح فإذا هو سماء من الصحو وقامة من الفرح:
إنّ جرحـي قـوس قــزح2
والتقوّل في الشعر وعليه يتخذ لدى 'محمد علي الهاني' معاني ورموزا شتى فهو فرس النار الراقد في الأعماق أو هو جرح مفتوح على الأيام والألوان… ألم أزلي يحمل طعم الموت ولون الإرهاق لكأن الشاعر مخبرٌ لكل هذا وذاك منتج للعشق والحياة ورغيف الكلام السلسبيل من رحم العذاب يقول :
احرقنـي ... ! احرقنـــي ... !
فرمـــادي مـاء حــياة للمـوتــي
ورغيف للجوعى ، ورسـول بين العشـاق3
والشعر بمثابة قمر يُولّـدُ صورا وأهازيج ومسافات مخضوضرة. إنه الوردة التي تكبر في قلب الشاعر والفجر المشتعل بالأحلام حتى أن اللغة هي الأخرى بمثابة شمس تلملم شتات الشاعر ليزهر قمر الشعر نغما وفرحا ومُنى.
ثم إن الشعر هو أيضا جرس للأوجاع وقمر للحزن يستحيل إلى يواقيت من نار ونور فوق شفاه الآهات واخضرار للمسافات عند الشروق. والشاعر بلبل غرّيد يجمّع الضوء ويغزل حلو النغم يقول :
بلبل فـارق الـعشّ نحو القمــر
واستـوى فوق النجوم يجمّع ضوءا
وبالـضّوء يـغزل حـلو الــنغم4
لقد عرف الشعراء بنرجسيتهم المفرطة و تساميهم وغرورهم أحيانا فالشاعر كائن متعال ولا شك. فهو لذلك يمجّد ذاته ويضخّم آلامه يقول محمد علي الهاني :
فــي دهـالـيز الوجـاع : مرهق حـتى الصــداع
مـوغل فـي الزحف نـارا : نحو أزهــار الشعــاع
طــائر الـفينـيق إنّـي : عـائد بعد الضيــــاع
والجــراح الخضر شمس : ودمـي القــاني شـراع5
هنا يكون الشاعر طائر الفينيق هذا الأسطوري الذي يموت ويحيـا من رماده وهنا أيضا تتجلّى إحدى المواضيع التي استنزفها الشعراء قولا فلا شيء سوى الاحتفاء بالصور الشعرية وكأن اللغة تولع في قول ذاتها لذاتها تفننا في الصياغة والتصوير.
وفي مقام آخر يأتي القول الشعري في صيغة إجلال الشاعر لهذا النمط من القول حتى أنه يهبه أجنحته واخضراره. فشعر الشاعر هو معادل للصباح والصداح والأقاحي والربيع والنبض والجراح إلى غير ذلك من المفردات من قبيل الاخضرار والانتظار والانشراح والتغريد. لكأن الشعر هو بهجة الشاعر ودليله في الحياة :
مضـيئا تمرّ كصبح يحاور نبضـي
فأمضــي إلى حيث تمضــــي
ولست أضلّ فأنت صبــاحـــي6
في نزيف الصور الشعرية والإحالات الاستعارية المتوالية وفي مناخ سريالي يقطع مع المنطقي والدلالي والعقلاني تجيء بعض القصائد مفتوحة على احتمالات تأويل لا تنتهي. إننا أمام قصيدة مفتوحة على كون من الاحتمالات الدلالية إذ أن التعتيم عبر الصور السريالية والرموز والمجازات جعل من القصيدة عالما من التعمية والألغاز. وهنا تتكوّن اللغة في احتفالية مبهرة تنتصر لإيقاعها وبلاغتها ورقصها الخاص الذي لا يحصرها في أي دلالة معينة :
النوافير تبحث عن وردة في دمي
يتوهّج في نسغها بيدر
والصباحات تخرج من عشبها
باقة من وعود .
النوافير تبحث عن وردة في دمي
كلما هبّت الريح حصّنها عاشق بالنشيد7
إن تداعي الصور وكثافتها ساهم في انفلات الدلالة إلا أن بعض الومضات الشعرية ساهمت في إنارة عتمات القصيدة وعند هذا الحد فإن الصورة الشعرية مثلما يشير"لويس أراغون" في استعادة لأفكار الحركة السوريالية ورائدها "أندري بروتون" إلى أن إثم السوريالية هو الاستعمال اللامعياري والرغبة المفرطة في هوس الصورة ليتجلّى الشاعر خالقا وخزّافا محمّلا بالفراشات جاعلا من اللغة طينه العاري ويتمثّل لنا في صورة إلاه خلاّق مالك لمادة الخلق وهي الطين الذي هو عجينة يشكّلها كيفما شاء ليصنع قصائده :
والطين في عريه
يتنقّل من لهب في النّزول
إلى لهب في الصعود ؟8
بهذه الاستعارة الموسّعة للخلق الإلهي يقف الشاعر في حيرة أمام أسئلة الوجود الكبرى متخذا من مادة الخلق ( الطين/اللغة) حلما ونشيدا :
مطر... مطر
يستفيق الندى من مباهجه
سفر ... سفر
يستريح الندى من صواعقه
ويعود إلى أمّه عاريا مثل سنبلة
يحمل الطين والطمي
آه! لماذا يحمّـلني الطين كل كوابيسه
وأحمّـله حلمي وانتشاري9
هكذا يحمّـل الشاعر طين اللغة حلمه وانتشاره وخلوده وكيف له أن يموت؟ :
أنا لن أموت ...
وإن متّ....
يسترجع الميتون فوانيسهم
من دمي واخضراري10
سؤال الوجود الكبير هو البحث عن الخلود ولا شيء يخلد الإنسان بعد موته سوى الفن.
وأخيرا فإنّ الشّاعر حين يتقمّص حالته ليعبّر عنها يستدعي معجما غنيا من المفردات يتوزّع بين كونين، كون من الجمر والجرح والاشتعال والصهيل والزحف ودحرجة الرياح للإحالة على حقل من الآلام تعتمل في ذات الشاعر كي يُولّـد الكلام، وكون معجمه من اللّقاح والحلم والجناح والنشيد والبروق والصباح الجديد. وبين هذين الكونين يكون الشّاعر بمثابة جواد :
تكلّم ، تكلّم ...
فليس الكلام مباحا
وأسرج جوادك يحمل صهيلك للميّتين لقاحا11
هكذا يصبح الشاعر حمّال لقاح وصانعا للصباح عبر معاناة كأنها زحف نحو الأعالي.
4- وطن الشّاعر:
إن الوطن لدى "محمد علـي الهانـي" وطنان ، وطن للصلب والحتف والاغتــراب
والمنفى وآخر للشدو والأحلام والفرح الآتي :
في المنفى أبقى مصلوبا 12
فما زال الوطن من الموضوعات المتداولة في الشعر وها هو الشاعر في أهازيجه وأغانيه يسمو بالوطن إلى مراتب المعشوق الأوحد وإلى ما هو جليل ومقدّس. وهو في هذا المضمار يدور في فلك الفكرة المستعادة فمدح الوطن والإطناب في مدحه من صفة العشّاق:
... يتوهّج في خافقي
وطني كوكبا من ذهب.
ويقول أيضا:
يا وطني، أنت فوق الصّفات وفوق النعوت.13
إلاّ أنّ الوطن ليس هذا الفردوس الأرضي الذي نجلّـه ونعشقه بل هو أيضا قضايا وأيّ قضايا ؟ أوليس من حق الشاعر أن يعتب على الوطن أحيانا ليكشف عما يعانيه الإنسان من عذابات واغتراب وحرمان لا سيّما إذا كان هذا الإنسان شاعرا ؟ ولئن كان 'محمد علي الهاني' في بعض قصائده عن الوطن يخوض في غرض متداول وتقليدي معهود ومكرور. فإنّه في عديد القصائد الأخرى يحشرنا في أفق أكثر اتساعا. فالوطن لديه ليس حفنة من تراب أو مساحة جغرافية محددة بل هو كون يمتد من الماء إلى الماء مكلّلا بأنجم مزهرة ولعل النجمة الأكثر سطوعا وبريقا وألقا هي نجمة العراق:
فإذا انتفضت في دمي نجمة
وتطاير منها الضياء
وضعت يدي فوق قلبي
وقلت : العراقْ 14
هذا الوطن الأجمل الذي كان حلما عربيا تشرئب إليه الأعناق لما حمله من مشروع نهضوي ولد من رحم الخراب العربي.
ومن مظاهر التـغنّي بالوطن وبالبطولة العربية تناول الشاعر للانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية التي فجّرها أطفال الحجارة فإذا به على غرار أسلافه يمجّد قدرة العربي على المقاومة والتضحية والشهادة في سبيل الوطن وفي سبيل التعلّق بالحياة وحب البقاء رغم تتالي الهزائم العربية والواقع المريض حيث يقول :
وإذا رميت حجارة
تشدو بكفك أنجم ، تعشوشب الأقمار
في الأرض الخراب، يزدهر الأمل.15
ويؤكد الشاعر التزامه بقضايا وطنه التزاما بحلم هو سنبلة في ذاكرة الإنسان العربي الذبيح ووجدانه وعقله ليستعير من الصخر علامات البقاء والثبات المتجذّر في العروبة الأصيلة حتى إن الريح بمحمولها الثوري تكبر وتتنامى في قلب الطفل العربي كدلالة له على البذرة القادمة والأمل المنشود والقوة الدافعة للتغيير، تغيير لحالة الوطن المسبيّ يقول الشاعر :
والوطن العربي مسيح
هل تكبر في قلب الطفل الريح ... ؟ 16
ويقدّم الشاعر الطفل الشهيد في صورة مريـم وهو يهز إليه جذوع النخيل فتعبق رائحة العشب فجرا.والعلاقة واضحة بين فعل الشهيد الذي هو التضحية من أجل الوطن وصفة الصّهيل الذي للجواد كرمز عربي للعنفوان والشّهامة والأصالة والقوّة والشّموخ وفي هذا المضمار يقول الشاعر :
تجيء الخيول التي ودّعتني
على ضفّة الياسمين وضاعت..
أعلّمها لغة الأرض والرفض
والنّار والماء ...
آه... !يعاودها الشوق
تبرق ترعد عند الأصيل
تزخرف رمل الصحارى
بروق الصّهيل ...17
ويوغل الشاعر في الالتزام بقضايا واقعه العربي في قضيته الأكثر تأجّجا.وهي القضية الفلسطينية وتأتي قصيدة "الله أكبر يا مآذن فاشهدي" لتعبّر بحميمية ودرامية عن ملحمة الطفل الفلسطيني الرمز 'محمد الدرة'. وإن أبدع الشاعر بلغة أصيلة وبليغة عن الحدث فإنه لم يأتِ بما هو بديع على صعيد الأفكار. فالقصيد غرضيّ وصفيّ جرى على منوال القول القديم من إبراز للصفات الجليلة للشهيد والتشهير بالعدو وبطشه إلى التّغني بالبطولة والشّهادة والثأر للفقيد :
قمر توزّع في دماء محمد
فتوهّجت من جرحه شمس الغد...18
يا للطفولة من رصاصة مجرم
فصلت شذا عن وردة في المورد!...19
قمر توزّع في دمائك فانتصب
نلت الشهادة يا محمد فَاسْعَدِ...
قسما سنثأر يا شهيد ونمتطي
أجراحنا نحو اخضرار الموعد. 20
والقصيد مزدحم بالصور الشعرية المبتدعــة وبلغة مجـازية لا تخلو من الومضات و الإشراقات.
وفي مجال آخر يعتمد الشاعر "الرمز" كأداة فنية إذ الشعر إيحاء وتلميح وترميـــز.
فللتعبير عن الحالة الفلسطينية اتخذ الشاعر من مفردة ' العشّ ' رمـزا للوطن ومن مفردة "العصفـــور" رمزا للفلسطيني الثائر. فالعشّ دلالة على البقـاء والدفء والحنيـن إلى البيت /الوطن إلاّ أن ريح الاحتلال والبطش نسفت هذا العشّ:
هبّت ذات رماد ريح نسفت عشا
في عينيْ عاشقه وعد
يرحل من حرف الضاد إلى نبع النور. 21
والفلسطيني هو هذا العصفور الراحل والمرتحل الشادي للوعد وللفرح القادم إلاّ أنّه في ظلّ ما يحيط بالعصفور من عسف وبطش وحصار فلابدّ من مؤازرة عربية كي يعود عصفور المنافي والشتات والإبعاد إلى عشّه يقول الشاعر :
الحرف الأوّل من دمنا نار
والحرف الثّاني من دمنا ثلج
والحرفان خراب
إن لم يشتركا في حمل العشّ إلى العصفور . 22
ومرة أخرى يتناول 'محمد علي الهاني' الواقع العربي مستعيرا له صفة المرارة التي هي للقهوة المرّة من دون سكّر. وهنا تكون القهوة رمزا للغذاء والانتشاء والتيقظ وتتحول إلى إزعاج ودمار لشدة مرارتها :
قهوتُك المُرّة تزعجني وتدمّرني...
سأدّمر كلّ إناء لا يسع السّكّر حتى أظفر
بالسّـكّر في إحدى العلب ... 23
لكن من أين السـكّر والوطن العربي لم ينتجه منذ قرون على حد تعبير الشاعرالذي
يزجّ بنا في مفارقات مبنية على الإرباك والدّهشة والمفاجأة خارقا انتظارات المتلقي القائمة
على الدلالات المعهودة ومنطق الكلام؟
وتتّسم مأساة الإنسان العربي لدى "محمد علي الهاني" بوجع تاريخي يتخذ من "الحسين بن علي" قناعا لهذه المأساة ومن 'كربلاء' مكانا مقدسا ومسرحا لعمق هذه التراجيديا فإذا الشاعر يستشعر نبضه وجعا وجرحا في كربلاء لتيْـنع منه أغنية وبرق وشفق وشروق :
أيها العاشقون ... قفوا
أورق النبض في كربلاء
وذي نخلة الحلم
هذا انتظاري وهذا انشطاري
وهذا دمي يتسلق برق المشاعل في طلقتين
وجعي يستضيء بأغنية يا حسين .24
إنّ حلم الإنسان العربي يجد ينابيعه في أرض التّوهّج ولهيب الرماد وبداية المأساة وهي " كربلاء " :
...المواعيد مكتظة بالينابيع
في كربلاء لنا قمر
والنّدامى انهمـار النّدى
من نبيذ الشروق .25
إلى أن يقول :
خذيني إليك أيا نخلة الحلم
إن الصواعق تنهض من ومضة
في رمادي على وترين .26
ليست كربلاء سوى العراق النازف والمحاصر وليس الحسين سوى الإنسان العراقي والعربي في محنته ومأساته ومأزقه التاريخي. إن هذا ليس سوى إسقاط تاريخي على واقع حالي لا سيّما ونحن نذكر جيدا مأساة الحسين حين حاصره في العاشر من محرم سنة 61 هجري عمر بن سعد بن أبي وقاص وأحاطه بجيشه وقطع عنه وذويه المؤونة حتى مات الحسين بكربلاء جوعا وعطشا. وما أشبه الأمس باليوم !
5- حيـــرة العـــاشق :
لم يكن 'محمد علي الهاني' في مسيرته الشعرية شاعرا متصوّفا ولم يوظّف المعجم اللغوي الصوفي وحقوله الدلالية إلاّ أننا في هذه المجموعة نعثر على مفارقة كبرى: قصيدة 'حمّى العشق' والعنوان إحالة مباشرة وحرفية على مفردات حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي بالخصوص فالعاشق محموم وهو يعانق الراح وقد تعتعه السّـكر :
هات الخمرة حانت آهات الطلق ...
تعتعني السّـكر....
فزدني سكرا ....
حرّرني بالخمرة من كل ذنوبي
يتناثر جسدي ضوءا
فوق كسوف الشرق .27
فإذا بالعاشق المتصوّف في حلقات الذكر بلا جسد حد الغيبة والفناء :
أحرقني ... أحرقني..
بين النور وبين النار
أنا أتملّى وجهك في مرآة رمادي...
أتلذّذ يا معشوقي الأوحد
عند النشوة بالحرق .28
إن فناء العاشق بالنور وبالنار واستحالته إلى رماد من الذكر والسّـكر والاحتراق إنّما هو تطهّر من كلّ الآثام وتحرّر من سجن الجسد تَوْقًا إلى عالم نوراني روحانيّ.
لكـن لسائل أن يسأل لم هذه الانعطـافة الصوفية للشاعر؟ لقد سبـق أن ذكرنـا بأن 'محمـد علـي الهاني' قد طرح في هذه المجموعة أسئلة وجودية لا تخلو من الحيرة والدهشة الكونية أمام أسرار العشق والألم والخلق والخلود ولم يظفر بغير أسئـلة متوالدة عن أسئلة سابقة. ثم إن مرض الشاعر1* قد زاد من هذه الحيـرة فغدا كائنا هشّـا وليس بوسع الانسان أمام هزيمتـه وكبريائه وحيرته الوجودية وحقيقته الزائلة كما ليس للعاشق سوى التوبة والهدي ملتجئا إلى عالم الروح والحقّ. ألـم يكن هذا ديدن العشــاق جميعا كعمــر الخيام وأبي العتاهية وأبي نواس؟!
إن هذه القصيدة لا تعبّر عن تجربة حية ومعاش صوفـي بقدر ما تعبر عن حالــة استثنائيــة متفردة و وحيـدة توظّـف معجم المتصـوفة لتعبّر عن التجاء الشاعـر إلى الروحــانيات وقد اكتــوى بلوعة الألم والعشـق وفناء الجسد. إننا حقا أمام هشــاشة الكـائن/ الإنســان الذي هو فَراش يحتضن النور في غبطة وولع لتكون نهايته الاحتراق بإفناء الجسد وصعود الروح:
... كبّر يا صاح بلا جسد
يتجلَّ الله لنا
في الرّاح وفي الروح وفي الأفق 29
6- خــاتمــة :
في هذا الكتاب الشعري نقف عند حقيقة شاعر أصيل مجيد للغة ومُحْتَـفٍ ببلاغاتـها ودلالاتـها الخاصة مستندا إلى زخم إيقاعي متنوع. ومعه نتأكد من أن مظاهر الحداثــة الشعرية التي يمثّلها شعر التفعيلة كأنموذج سائد اختاره الشاعر ما زالت متوهّجة وواعـدة
وعصيّة على التجاوز من حيث أنّها لم تقطع مع المعادلات الشعرية الكونية كالمـوازنة بين الإبداع والتّلقي والذاتي والموضوعي والنثري والشعري.
هكذا يبهرنا الشاعر محمد علي الهاني في هذه المدوّنة " يتغمدني بالنشيد الرماد "بما هو أصيل ومستحدث وهو يعيد إلى الشعر حميميته وجماليته وعلاقته الحيّة والأكثر خصوصية بالواقع .
الهوامش :
1- -" يتغمدني بالنشيد الرماد " مجموعة شعرية صادرة عن منشورات التبيين الجاحظية بالجزائرفي طبعتها الأولى 2005 وهي متحصلة على الجائزة الأولى مفدي زكرياء المغاربية للشعر سنة 2004 لصاحبها الشاعر " محمد علي الهاني ". وهو من مواليد سنة 1949 بتوزر بالجنوب التونسي وقد نال عدة جوائز وطنية وعربية منها جائزة الدولة التشجيعية في أدب الطفل سنة 1983 والجائزة الأولى لمفدي زكرياء للشعر بالجزائر لسنة 1996 وسنة 2004 والجائزة الأولى للملكة نور الحسين لأدب الأطفال في مجال الشعر عمّـان 1998. وقد أصدر الشاعر سبعة دواوين شعرية منها ثلاثة للأطفال إضافة إلى كتاب لغوي. وهو عضو باتحاد الكتاب التونسيين وترجمت بعض قصائده إلى الروسية والسلوفاكية والفرنسية، كما أنه عضو في الهيئة الاستشارية لمجلة (القصيدة)الجزائرية...
1*- تعرّض الشاعر سنة 2001 إلى جلطة دماغية أفقدته ملكاته العقلية والحسية من ذاكرة ونطق وكتابة وهو يتماثل تدريجيا إلى الشفاء.
2- ديوان " يتغمدني بالنشيد الرماد " قصيد : " سماء الفرح " ص 11
3- المصدر نفسه، قصيد " فرس النار " ص 18
4- المصدر نفسه، قصيد " البلبل " ص 29
5- المصدر نفسه، قصيد " طائر الفينيق " ص 39
6- المصدر نفسه، قصيد " وهبتك أجنحتي واخضراري " ص 45
7- المصدر نفسه، قصيد " تغزل نبض النزيف الأجنة " ص 59
8- المصدر نفسه، قصيد " تغزل نبض الزيف الأجنة " ص 64
9- المصدر نفسه، قصيد " يتغمد ني بالنشيد الرماد " ص 70 و ص 71
10- المصدر نفسه، قصيد " يتغمد ني بالنشيد الرماد " ص 73
11- المصدر نفسه، قصيد " حلم الجمر " ص 74
12- المصدر نفسه، قصيد " الفرح الآتي " ص 15
13-المصدر نفسه، قصيد " سبع أغنيات للوطن " ص 30
14-المصدر نفسه، قصيد " نجمتان " ص 12
15- المصدر نفسه، قصيد " البطل " ص 13
16- المصدر نفسه، قصيد " هل تكبر الريح؟ " ص 22
17- المصدر نفسه، قصيد " الكتابة بالصهيل " ص 25 وص 26
18- المصدر نفسه، قصيد " الله أكبر يا مآذن فاشهدي " ص 42
19- المصدر نفسه، قصيد " الله أكبر يا مآذن فاشهدي " ص 43
20- المصدر نفسه، قصيد " الله أكبر يا مآذن فاشهدي " ص 44
21- المصدر نفسه، قصيد " عش العصفور " ص 48
22- المصدر نفسه، قصيد " عش العصفور " ص 50 و51
23- المصدر نفسه، قصيد " السـكّر " ص 14
24- المصدر نفسه، قصيد " وجعي يستضيء بأغنيتين " ص 52 و53
25- المصدر نفسه، قصيد " وجعي يستضيء بأغنيتين " ص 53
26- المصدر نفسه، قصيد " وجعي يستضيء بأغنيتين " ص 55
27- المصدر نفسه، قصيد " حـمّى العشق " ص 76
28- المصدر نفسه، قصيد " حـّمى العشق " ص 77
29- المصدر نفسه، قصيد " حـّمى العشق " ص 78
تعليق