ملفات: ملف الراحل الشاعر محمود المحروق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.محمد شادي كسكين
    عضو الملتقى
    • 13-12-2007
    • 291

    ملفات: ملف الراحل الشاعر محمود المحروق

    [align=center]
    الجمعية الدولية للعلوم والثقافة
    السويد
    المركز الإفتراضي لإبداع الراحلين
    ملف رقم " 1"




    ملف الراحل الشاعر محمود المحروق
    1931- 1993م
    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة د.محمد شادي كسكين; الساعة 08-09-2010, 22:22.
    [size=4][color=#FF0000][align=center]إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت [/align][/color]
    [color=#008000][align=center]أنتم حين نرحل صوت حرفنا الباقي في الصدى [/align][/color][/size]
  • د.محمد شادي كسكين
    عضو الملتقى
    • 13-12-2007
    • 291

    #2
    الشاعر محمود المحروق
    وبدايات الشعر الحر في العراق

    أ.د. صالح علي حسين الجميلي
    جامعة تكريت /كلية التربية/العراق
    قسم اللغة العربية

    المقدمة
    هذه الدراسة تسلط الضوء على قضية الريادة في الشعر الحر في العراق ،وكما اتفق او كاد يتفق اغلب الباحثين على ان الريادة من نصيب نازك الملائكة والسياب ،ومنهم من يتبعهم البياتي والحيدري وشاذل طاقة ، ولكن شاعرنا ظل بعيداً عن دائرة الضوء هذه .
    حاولت هذه الدراسة ان تضع المحروق في مكانه الصحيح بين الشعراء الرواد اذا كانت الريادة تعني اسبقية النشر في الصحف اما اذا كانت الريادة تعني الابداع الشعري المتميز فهذا شيء اخر غير الذي عنيت به الدراسة ،لان ذلك سيقدم شعراء ويؤخر اخرين في سلم الابداع لان الحكم هذا سيكون للجودة من دون النظر الى مدة تتفاوت بين عدة اشهر او سنة لان ذلك الزمن لايعني شيئاً في عمر الابداع الشعري .
    دارت هذه الدراسة على ثلاثة محاور : تناول الاول موقع المحروق في الساحة الشعرية العراقية في نهاية الاربعينيات ومطلع الخمسينات ،حاولت ان اثبت انه من رواد الشعر الحر في العراق ولكن بعده عم وسائل النشر في بغداد جعله بعيداً عن دائرة الضوء ومن ثم ادى ذلك الى غياب اسمه عن الساحة الشعرية والادبية .
    واختص المحور الثاني بريادة المحروق في الشعر الحر في مدينة الموصل وذلك ومن خلال تقديم ابرز الدواوين التي صدرت في المدينة في تلك الحقبة ، اما المبحث الثالث فقد دار حول اراء المحروق النقدية وأهميتها في تأسيس الحركة النقدية في الموصل وانضاج منطلقاتها واتجاهاتها بعد.

    المحروق وبدايات الشعر الحر في العراق(1)
    تضاربت الافكار والاراء في منصف الاربعينات ومطلع الخمسينات حول مفهوم الشعر الحديث عند ظهوره كما اخلفت التسميات والمصطلحات وتعددت المفاهيم فهو عند نازك الملائكة اسلوب جديد ... وهو ليس خروجاً على طريقة الخليل وانما هو تعديل لها(2) وهو عند السياب شعر متعدد الاوزان والقوافي(3) ثم ظلت التسميات قلقة لا تستقر على حال لاسباب كثيرة اهمها جسامة (الحدث) الذي ارتطم بجدار متين من التراث الهائل لامة تمتد جذورها في عمق التاريخ واهم ما يميز تراثها الشعري الممتد من العصر الجاهلي حتى وقتنا الحاضر .
    لقد تسارع مصطلح (الشعر الحر )في الظهور على السنة الشعراء والنقاد وان ترددت معه انذاك مصطلحات اخرى مثل(الشعر المرسل ) و(الشعر المطلق) او المنطلق وغيرها من المصطلحات واغلب الظن ان تسمية (الشعر الحر) جاءت خطئاً من المصطلح الانكليزي (Free Verse) الذي يعني الشعر الطليق من الوزن والقافية وهو نوع من التجديد في الشعر الغربي ،نوه عنه شعراء المهجر وكتبوا بعض قصائدهم على نمطه.
    وعند الحديث عن بداية (الشعر الحر) في العراق لابد ان نتاول خارطة الشعر الحر في الوطن العربي في تلك الحقبة من الزمن فلقد ظهر هذا النوع من التجديد والخروج على الاوزان والقوافي في مصر ولبنان وقبل ظهوره في العراق حيث ان شعراء كثيرون قبل نازك والسياب بعض قصائدهم على هذا النط الجديد منهم خليل شيبوب ولويس عوض وعلي احمد باكثير في ترجمة لمسرحية (روميو وجوليت ) التي نشرت عام 1947 وذكر في مقدمتها انها كانت تنتظر الطبع منذ عشرات سنوات ومنهم ايضاً محمد فريد ابو حديد ونيقولا فياض وفؤاد الخشن وسليم حيدر وغيرهم(4) كانت اغلب قصائدهم تنشر في مجلة الاديب اللبنانية في منتصف الاربعينيات ونشرت جريدة (العراق) عام 1929 قصيدة من (الشعر الحر ) لأنور شاؤول تحت عنوان من الشعر المرسل يقول فيها:
    ولكتوني مثلما كنت او سوف أكون
    مثلاً للعاشقين
    وإذا ما غبت يوماً فيكن طيفي بجنبك
    باسماً أحلى ابتسام
    ناثراً زهر السلام...(5)
    ومن هنا يبدو لنا ان بداية (الشعر الحر ) لم تكن في العراق وعلى يدي السياب او نازك الملائكة او غيرهما ،كما تقول نازك الملائكة ((كانت بداية حركة الشعر الحر سنة 1947في العراق . ومن العراق بل من بغداد نفسها زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله او كادت(6) وغلب الظن ان نازك والسياب والشعراء الاخرين قد قرأوا تلك القصائد وتأثروا او في الاقل كانت تلك النماذج وقفة تأمل وتفكير لهؤلاء المبدعين فضلاً عما كانوا قد اطلعوا عليه من الشعر الغربي في لغته الأصيلة او المترجم ،وبما ان شعراءنا قد اتسموا بالرتابة والنمطية في القصيدة العربية وما كانوا يحسون به انه عارمة على القديم لذلك اتجهوا الى هذا اللون الجديد من الشعر .
    واذا اردنا الخوض في مسالة الريادة في الشعر الحر في العراق فلا بد ان نتتبع او تجربة في هذا اللون الجديد من الشعر اذ تقول نازك الملائكة ان قصيدتها المعنونة (الكوليرا) وعي من (المتدارك ) كانت هي البداية:
    طلع الفجر
    اصغ الى وقع خطى الماشين
    في صمت الفجر ،اضغ ،انظر ركب الباكين
    عشرات اموات ،عشرونا
    لاتحصى ،اصغ للباكين
    اسمع صوت الطفل المسكين
    موتى ،موتى ، ضاع العدد .
    موتي موتي ، لم يبق غد
    في كل مكان جسد يندبه محزون
    لا لحظة اخلاد لا صمت .
    هذا ما فعلت كف الموت
    الموت الموت الموت .
    تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت(7)
    وقد نشرت هذه القصيدة في بيروت ،ووصلت نسخها الى بغداد في اول كانون الاول 1947وفي النصف الثاني من الشهر نفسه في بغداد ديوان بدر شاكر السياب (ازهار ذابلة ) وفيه قصيدة حرة الوزن عنوانها (هل كان حباً)(8) وقد علق عليها في الحاشية بانها من الشعر المختلف الاوزان والقوافي من بحر (الرمل )
    هل يكون الحب اني
    بت عبداً للتمنى
    ام هو الحب اطراح الامنيات
    والتقاء الثغر بالثغر ونسيان الحياة
    واختفاء العين في العين انتشاء
    كانثيال عاد يغني في هدير
    او كظل في غدير (9)
    ثم تقول نازك الملائكة عن هذه الريادة ((ان ظهور هاتين القصيدتين لم يلفت نظر الجمهور ومضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحف شعراً حراً على الاطلاق(10) وفي عام 1949 صدر ديوانها (شظايا ورماد ) وقد ضمنته مجموعة من القصائد الحرة وقد اثيرت حوله مناقشات حامية في الاوساط الادبية في بغداد وقد تنبا الكثيرون بفشل هذه الدعوة لكن تلك الدعوة بدات تنمو وتتسع بعد ذلك وفي اذار 1950 ظهر ديوان عبد الوهاب البياتي (ملائكة وشياطين ) وفيه القصائد حرة الوزن تلا ذلك ديوان (المساء الاخير ) لشاذل طاقة 1950 ثم صدر ديوان (اساطير ) لبدر شاكر السياب في ايلول 1950واخذت الدواوين بالظهور وراحت دعوة الشعر الحر تتخذ مظهراً اقوى حتى راح بعض الشعراء يهجرون اسلوب الشطرين هجراً قاطعاًَ ليستعملوا الاسلوب الجديد (11)
    وفي تلك الاثناء كان الحروق قد نشر في جريدة (صوت الكرخ) العدد 48في تشرين الثاني 1949 قصيدة (ظلام) وهي اول قصيدة حرة تكتب في مدينة الموصل في عام 1948 وتحديداً قصيدة (الساعة الحمقاء)(12) مؤرخة في 1950 الا ان بعد الشاعر عن صحافة العاصمة جعله بعيداً عن مسالة الريادة التي كان له الدور الاول بل البارز فيها يقول شاعرنا في قصيدة (ظلام )
    مضينا ..... وفي قلبنا
    تهاويل جياشة بالفناء
    وكنا وكان الزمان لنا
    ملاحم تنشدها بالهناء
    وترشف من نخبها
    رحيق الهوى والحياة
    وفي قلبها
    سكبنا الدموع
    شابيب تدنوينا للفناء
    فتندب احلامنا
    ونمضي ..... وما من رجوع
    ++++++++
    غفونا على نغمة واحدة
    وعين الدجى هاجدة
    وبتنا عبيد الهوى الظالم
    على شاطئ الذكريات
    اسارى شباب
    تمرد فوق التراب
    وعربد بالامنيات
    وفي سكرة الحالم
    تنفس ليل العذاب
    وزمجرت الهاوية
    وماتت اناشيدنا الباكية
    وعم الظلام ..... فاين الشموع؟
    ++++++++
    حنانيك ياجتتي
    لمن هذ ه الاغنيات ؟
    هناك على الضفة الحالمة
    تداعبها النيرات
    وترقص من حولها باسمة
    وترقصت انت
    لمن ادمعي الاهبة ؟
    وشرق ظغى كالغمام ؟!
    لقد لفني ثوب هذا الظلام
    فاين المنى الغاربة ؟
    واين حنيني وقيثارتي؟
    سامضي ..... سامضي وما من رجوع(13)
    وقد ظهرت تلك القصيدة في ديوانه المرسوم (قيثارة الريح) المطبوع في مطابع الاتحاد الجديدة في الموصل عام 1954ولا يخفى ما لذا العنوان من تطابق حرفي مع ديوان السياب ذي العنوان نفسه (قيثارة الريح) المطبوع في بغداد عام 1971(14) وهذا ما يؤيد ما ذهبنا اليه من ان الابداع والشهرة ينطلقان من صحافة العاصمة والا فكيف نعلل تطابق العنوانين من دون ان يشير احد الى ذلك ان قراءة فاحصة لصور (ظلام الحروق) تقود قارئها الى صور قصيدة السياب (سراب)(15)
    فقول المحروق
    تهاويل جياشة بالعناء
    قريب جداً من قوا السياب :
    تهاويل مرسومة في السراب
    وقول المحروق :
    ونمضي وما من رجوع
    قريب من قول السياب
    سنمضي ويبقى السراب
    اما قول المحروق :
    وزمجرت الهاوية
    وماتت اناشيدنا الباكية
    فلعله يقع في دائرة المعنى من قول السياب :
    وتدفعا غنوة باكية
    الى الهاوية
    والقصيدتان من وزن واحد (هو المتقارب ) لذلك كانت قريبتين من بعضهما في البناء والايقاع والتجربة الى حد الغرابة ! فها نجد تفسيراً لذلك ؟
    ان المنهج العلمي يقتضي ان نشير الى قصيدة السياب (سراب ) كانت قد ظهرت ضمن ديوانه (اساطير ) المطبوع عام 1950 في حين ان قصيدة المحروق كانت قد ظهرت او مرة عام 1949 في جريدة (صوت الكرخ) كما مر بنا سابقاً ، والسؤال الذي يبقى قائماً هو هل كان السياب قد قرا قصيدة (ظلام) للمحروق وتأثر بها فصاغ تجربته على هدى منها ؟ ام انه كان قد نشر (سراب)قبل ذلك في احد الدوريات فتمكن لحروق من الإطلاع عليها والتأثر بها؟ ان تاريخها في ديوان السياب يشير الى انها قد نظمت في 27/3/1948 وهو تاريخ السنة نفسها التي يؤرخ المحروق قصيدته لها.
    اننا نظن كل الظن ان السياب قد نشر (سراب) في أحدى الدوريات العربية قبل نشرها في الديوان فكان ان تاثر بها المحروق على الرغم من اننا لم نعثر لحد الان على ما يؤيد ذلك غير ان الذي جعلنا نذهب الى ذلك الظن هو ان ديوان المحروق (قيثارة الريح ) يلعن في بعض قصائده عن تاثير واضح بأكثر من شاكر ولاسيما علي محمود طه بعد نازك والسياب فضلاً عن تاثره بالمهجرين فكان ان وجد هذا التاثر طريقة الى قصائده في مرحلته الاولى(16)
    لعل هذا التطابق ياتي من باب توارد الخواطر بين الشاعرين او ان الدراسات القادمة ستكشف لنا من هو الاسبق في هذا الميدان . وقد ظهرت انذاك دراسات نقدية كثيرة لديوان شاعرنا (قيثارة الريح ) من ابرزها دراسات احمد محمد المختار(17) ود. جلال الخياط(18)
    والمرحوم هاشم الطعان(19) والمرحوم اكرم فاضل(20) وغيرهم وكانت هذه الدراسات اقرب الى العرض منه الى النقد ولم تكون تهتم بمسالة الريادة لان الريادة لم تكن تعنى شياً ولانها لم تكن واضحة المعالم والاسس لانها في مرحلة البدايات


    المحروق وبدايات الشعر الحر في الموصل
    تناولنا قضية الريادة في الشعر الحر في العراق وكيف كانت معركة حامية الوطيس قد نشبت على صفحات الاداب والاديب والصحف العراقية حول من بدا الشعر الحر اولاً اهو : نازك او السياب ؟ وعن انتقال التجربة من بغداد الى الموصل يقول المحروق ((اني لم اقرا لاي شاعر موصلي قصيدة من الشعر الحر نهاية الاربعينات منشورة ولاغير منشورة الا في دواوين صدرت عام 1950 وما بعده))(21) فقد صدر لشاذل طاقة ديوانه الاول (المساء الاخير ) عام 1950 وفيه قصائد حرة غير مؤرخة ومنها قصيدة ((المقبرة الخرساء ))
    حين اقضي
    والى المقبرة الخرساء امضي
    ويهيل الترب فوق الرمس حفار القبول
    فاذكريني
    واسالي النجم الذي يسرق ومضي
    عن احاديث الدهور
    والسنين
    واذا عدت الى القبر مساء
    ورايت الدود يعسي في الحفيرة! ..
    فدعيه انه يبغي الغذاء!...
    ويمني النفس امالاً كبيرة!...
    فلقد كنت اصخت السمع يوماً في الظهيرة !...
    وسمعت الدود يشكو الجوع شكوى البائسين !
    وتهافت على الترب ..ونكست الجبين!
    فاذا عدت الى قبري ..فجودي بالحنان
    لضحايا لم تكن تعرف معنى للامان
    ثم جودي للمسجى في الحفرة ...
    بين صم الصخر .. باللقيا الاخيرة !
    حين امضي
    والى المقبرة الخرساء امضي ..
    وعلى التابوت شعري !
    فادفنيه مع جثماني ..بقبري..
    لم يكن اعذب لحن ..
    غير اني ..
    لن اطيق القبر والوحشة وحدي!
    انه مثلي ميت ..اه لو يدفن عندي!..(22)
    وصدر لبشير حسن القطان (اغاني الربيع )عام 1952 وفيه قصائد غير مؤرخة ايضاً ،واغلب الظن انها كتبت عام 1952 وبعضها عام 1951 يقول في قصيدة (شبح الغريب) :
    من خلف نافذتي الحزينة في الغروب
    ابصرت في الدروب الكئيب
    شبح الغريب
    نظراته الحيرى تحدق في ذهول
    وتظل تحلم بالحقول
    خلف التلال
    خلف التلال الشاحبات
    في ذلك الصمت الرهيب
    قدماه من طول المسير
    ادماهما الشوك المدبب والصخور
    ولظى الرمال
    ويداه ترتعشان من سقم مرير
    وتلوحان من الشقاء وتنعيان الى السماء
    املاً يموت على الشفاه
    وصبابة جفت على كف الحياه
    وتمر اشباح السنين
    وتشير منه الذكريات الغافيات على الشجون
    فيظل يرقب والدموع
    تكوي الخدود الذابلات من الصدى
    والظامئات الى الندى
    وعيونه التعبي تسائل في خشوع
    اين الشموع؟
    اين الشموع وكيف امضي والطريق
    قد لفه الليل البهيم
    هذه الوساوس في فؤادي تستفيق
    وانا اخاف من الدموع على الصخور
    بين القبور....!!(23)
    ثم صدر في عام 1954ديوان قيثارة الريح لمحمود المحروق وفيه- الى جانب القصائد العمودية – قصيدتان من الشعر الحر وفي الديوان لوحات فنية رسمتها ريشة الشاعر مما يدل على موهبة فنية اخرى يمتع بها شاعرنا وقد نشرت قصيدة (ظلام) في صحف بغداد عام 1949 وهي مؤرخة عام 1948 ولعل سبب نشرها بعد عام من كتابتها يعود الى انها تمثل مرحلة مبكرة من تجربة الشعر الحر في العراق ، وكانت خطوة متوجسة حذرة في منزلقات كثيرة ومعارك حامية الوطيس بين مؤيد ومهاجم لهذا النمط الجديد من الشعر الخارج عن القانون .
    يقول شاعرنا عن تلك القصيدة ((كانت تجربتي الاولى في الشعر الحر على بحر المتارب لانه هادئ النغمات حزين النبرات(24) وكتب شاعرنا عام 1948و1949و1950 قصائد اخرى نشر بعضها عام 1950 حين بدا عود الشعر الحر يقوى ويمد جذوره المستمدة من الشعر العربي الاصيل وليست خارجة عنه كما توهم البعض ، ومن ذلك قصيدة (الساعة الحمقاء) التي تصور لوعة الشاعر وحزنه في الحياة يقول في مقدمتها (وهل الحياة غير دقائق تاتي ...ودقائق تمضي ..يلفها الزمن في اعقابها ..يخيم بعدها القنوط وينتشر السكون جناحه؟! ... ((ويقول في قصيدة (الساعة الحمقاء))ايضاً
    ياقلب!.. ما لك .قد وهنت ... وسار فيك دم الكلال ..
    هل غاب نجمك في الظلام؟..
    ام تاه لحنك في اهازيج المال؟..
    فغفوت تحلم بالغرام ...
    وتذوب في وهج الاماني ؟
    اتظل تصدح بالاغاني .
    وتنوح... والامل البعيد ... هناك .. يسخر بالوعود...
    خاف الحدود ...
    وغدا! سيطويك الفناء فتموت مخنوق التلهف والرجاء!..
    الساعة الحمقاء تسخر بالزمن !..
    في صوتها نغم الممات ..
    في عقربيها المتعبين صدى المحن
    يتسابقان مع الحياة ...
    هذا الى غده الكئيب .. وذاك ينذر بالرحيل ...
    اصغ اليها حين تطرق في ذهول
    انا قصة الايام .. معشوقي في الزمان
    اجري وراءه .. وهو يلتهم الكيان ...
    فكأننا ابدا تسير ولا لقاء ...
    ولذا انا ... ساظل اكفر بالبقاء !...
    يا قلب ! ... ما هذا الانين ؟ ...
    انا والدجى صنوان في كف الوجود ...
    ولا دمع الخرساء بادية الحنين
    تتثال من جفن شرود
    فتعيد احلاما مضت خلف التلال ...
    في ليلة ظلماء داجية الظلال ...
    اما لهيبك يافؤاد فقد خبا
    وذوت لحوتك في الربى ...
    لا شئ غير الساعة الحمقاء تنذر بالفناء :
    ( ستموت مخنوق التلهف والرجاء ) ... (25) .
    وقد تناول الباحثون هاتين القصيدتين بالدراسة ، قال د. جلال الخياط المحروق من اوائل الشعراء الذين نظموا بالطريقة الجديدة ، وله ديوان ( قيثارة الريح ) قصيدة حرة نظمها عام 1948(26) كما قال محمود العبطة ويلزمنا ذكر الشعراء الشباب الذين كتبوا الشعر الحر ولم تجمع اشعارهم في هذه الفترة ومنهم محمود المحروق حيث وجدنا له قصيدة ظلام في ديوانه قيثارة الريح وتاريخها 1948(27) ، الا ان يوسف الصائغ في دراسته النقدية عني بالشعر الحر في العراق منذ نشاته حتى عام 1958 نسي او تناسى الاشارة الى هاتين القصيدتين ويبدو انه يدرس القصائد الحرة المنشورة في الصف او القصائد التي كانت منشورة ضمن دواوين تضم بين دفتيها قصائد عمودية (28) .
    وفي عام 1955 صدر ديوان ( لحظات قلقة) لهاشم الطعان وفيه قصائد حرة غير مؤرخة ويبدو ان هذه القصائد كتبت في اثناء صدور الديوان او قبل ذلك بقليل ، ثم توالى صدور الدواوين الشعرية ، منها ديوان ( اناشيد الحرمان ) لاحمد محمد المختار عام 1955 ، وديوان ( اعاصير الالم ) له ايضا ، وفيه قصائد حرة غير مؤرخة ، وقد كتبت هذه القصائد في مدة قريبة من طبع الديوان .
    اما ديوان ( قصائد غير صالحة النشر ) الشعراء شاذل طاقة وعبد الحليم اللاوند وهاشم الطعان ويوسف الصائغ ، فيضم قصائد غير مؤرخة ايضا ، واغلب الظن انها كتبت في تاريخ قريب من صدور الديوان ، يقول محمود المحروق ، ان القصائد الحرة غير المؤرخة المنشورة في المجموعات الشعرية المذكورة انفا كتبت كلها بعد عام 1950 ، باستثناء قصائد شاذل طاقة الحرة المنشورة في ديوانه ( المساء الاخير ) فربما تكون قد كتبت عام 1949 لانني لم اقرا شعرا حرا لشاذل طاقة قبل عام 1950 غير الي قراته في ديوانه ( كلمساء الاخير )(29) .
    وتاسيسا على ما تقدم يمكن القول ان شاعرنا الراحل محمود المحروق يعد من رواد الشعر الحر ليس في الموصل فحسب بل في العراق والوطن العربي ، ولو ان عزلة شاعرنا في اغلب الاحيان ادت الى غياب اسمه عن الساحة الادبية ولا سيما الريادة في هذا النوع من الشعر ، ولكن في السنوات الاخيرة شهدت اهتماما خاصا بشعره ودراساته النقدية والادبية .

    المحروق ناقدا
    في الخمسينات ظهر في الموصل شباب اسهمت اقلامهم في انضاج الوعي الثقافي حيث كانت هناك مجاميع ادبية تبدع في مجالات القصة والشعر والرواية والنقد والخاطرة ، ومن ابرز هذه المجاميع مجموعة ( رواد ادب الحياة ) التي كانت تضم شاذل طاقة ( ت 1974) وهاشم الطعان ( ت 1981) وغانم الدباغ ( ت1991) ومحمود المحروق ( ت 1993) ثم توسعت بعد ذلك فانضم اليها اخرون ممن كان يوقع تحت مقالاته : من رواد ادب الحياة .
    لقد اسهم محمود فتحي المحروق وزملاءه من الشعراء المجددين مساهمة فاعلة في حركة النقد الادبي ولاسيما في نقد النص الشعري واحدثوا نقله كبيرة في هذا الميدان ، فقد اسسوا لتجديدهم الشعري ( حداثتهم ) تنظيرا سواء كان ذلك في مقالاتهم التي ينشرونها في الصحافة الادبية ام في مقدمات دواوينهم او مجموعاتهم الشعرية او في نقدهم لتلك الدواوين ولمجموعات نقدا فنيا لا يخلو من منطلقات واضحة .
    ففي نقد محمود المحروق الديوان شاذل طاقة ( المساء الاخير )(30) الصادر عام 1950 عرض لكثير من الافكار الجديدة التي يراها الناقد حرية بالتصدي للافكار العقيمة التي لا تؤمن بالتطور والحداثة . فمنذ البداية يرفض تعريف القدامى للشعر بانه ( الكلام الموزون المقفى ) لانه يجد ان هذا التعريف يقود الى ( ان الكلام ما دام يخضع لدائرة الاوزان والقوافي فهو شعر ... حتى لو كان لغوا )(31) .
    في هذه المقالة النقدية يدلل المحروق على وعي نقدي مبكر بدور الشعر في الحياة ، وقدرته على تجاوز حالات التردي والعقم الى حالات ابداعية تقود الادب الى مدارج الرقي والتقدم وتجعله قادرا على التعبير عن هموم العصر ومشكلاته .
    ومن المنطلقات النقدية التي يثيرها المحروق :
    1- ان الحداثة في الشعر ثورة صاخبة على الاساليب القديمة والاخيلة العادية والافاق الضيقة ، لذلك فان اصرار بعضهم على تقديس الاسلوب القديم في استيحاء الاطلال وبكاء الاحداث يجعلهم يعيشون في عقلية القرون الوسطى .
    2- ليس كل من هب ودب يقال له شاعر ... فما يخرج من القلوب يدخل اليها ، ويتغلغل في دمائها وما يخرج من اللسان لايتعدى الاذان .
    3- لا يمكن للشعر في اية حال من الاحوال ان يكون يوقا للتهريج والتلاعب بالعواطف ، ومتى لبى الشعر وغائب الناس وسار في ركبهم هوى الى الحضيض ، وكان نظما بل لغوا لا يمت الى الشعر باي سبب . وحينذاك يكون خلوة من العواطف التي تجيش بقلب الشاعر الصادق التعبير ، بل تكون في بعد شاسع عن روحية الشعر الذي هو لغة انسانية صافية(32) .
    اما دراسة المحروق ( في سماء الشعر) فقد نظرت الى ثلاثة منطلقات في نقد الشعر : كان الاول خاصا بالماهية ، في حين كان الثاني خاصا بالاجتماعية ، اما الثالث فكان لصيقا بالفنية .
    وفي منطلق الاول يقف على عنصرين اساسيين للشعر هما : الموسيقى الشعرية اولا والدفقة النفسية ثانيا ، لانه يرى ان الموسيقى هي من اهم مقومات الشعر على الاطلاق لذلك لا يتردد حين يجعلها ( هي الشعر نفسه )(33) .
    اما منطلقة الثاني اجتماعية الشعر فيدعو الى رفض الفكرة القائلة بربط الشعر بالمجتمع ، لانه يرى في تلك الدعوة كذبا ورياءا تحجب وراءها ليالي حمراء ، واكؤسا دهاقا ، وغواني حسانا(34) .
    اما منطلقه الثالث ( فنية الشعر) فيؤكد فيه عن اهمية الخيال في النص ، واثر التجربة الشعرية في الابداع ، وغاية الفن في محصلته النهائية ، فهو يرى ان الغاية الاساسية الاولى والاخيرة في كل اثر فني ، ان يصور لنا تجربة شعورية حية تصويرا موحيا مثيرا للانفعال فينقلنا من عالم جامد ملؤه الجفاف والالم الى عالم ندي رقيق ملؤه الاخيلة والمشاعر والاحلام ويرى ان غاية الفن غاية خاصة ذاتية ، ويرفض ادخال المنطق في الفن ، ثم يختتم منطلقاته الثلاثة بالكلام عن الفن من انه اعلاء للنفوس وخلق للحياة وتصوير للمثل العليا وتحقيق للرغبات المكبوتة وتلهف نحو الحقائق وارتواء من معين الجمال ، ودفع للانسان نحو الخلود ( وتكامل ) في نقص الحياة (35) وهو بهذا يضع معيارا في نقد الشعر وهذا المعيار هو من الشاعر ليس غيره .
    ان هذه المنطلقات التي وقفنا عندها في البدايات هي التي قادت الى تكوين الاحكام النقدية الرصينة في مرحلة نضج النقد في مدينة الموصل وكان للمحروق دور بارز في ترصين وتعميق هذه المنطلقات التي تكونت منها شخصيات نقدية فيما بعد .

    الخاتمة ونتائج البحث
    توصلت هذه الدراسة الى :
    1- يعد الشاعر الراحل محمود المحروق من رواد الشعر الحر في العراق الا ان بعده عن وسائل الأعلام والنشر في بغداد وعزلته في اغلب الاحيان حالت دون تسليط الضوء على شعره .
    2- المحروق من اوائل الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر في مدينة الموصل مع زميله الشاعر الراحل شاذل طاقة .
    3- أسهمت مقالات المحروق النقدية في الصحف الموصلية في تأسيسي حركة نقدية ذات منطلقات واتجاهات تركت بصماتها على الجيل التالي من نقاد المدينة .








    الهوامش
    (1) محمود فتحي المحروق : ولد في الموصل عام 1931 ، وتخرج في مدارسها مارس مهنة التعليم في مدارس الموصل ثم في مدارس بغداد ، بدا نظم الشعر عام 1946 ، كتب اول قصيدة في الشعر الحر عام 1948 . طبعت مجموعته الشعرية الأولى ( قيثارة الريح) عام 1954 ، نشر قصائد كثيرة في صحف الموصل منذ عام 1947 ، كذلك في صحف بغداد والنجف ، وفي المجلات السورية والمصرية واللبنانية ، وقد قل نظمه للشعر الا في بعض الأوقات المتباعدة ، لديه مجموعة شعرية لم تطبع وقصائد مترجمة متفرقة من تأملات (لامارتين) ومقالات في الشعر والادب ، ودراسة نقدية بعنوان ( في سماء الشعر) ودراسة عن جبران ، اسهم في الحركة الثقافية في الموصل عن طريق الكتابة في جريدة الحدباء بعد احالته الى التقاعد الى ان توفاه الله . رسالته للباحث في 15/12/1990 وتوفي فيما بعد بتاريخ 30/9/1993 .
    (2) ينظر : مقدمة ديوانها ( شظايا ورماد) الصادر عام 1947 .
    (3) ينظر : مقدمة ديوانه ( اساطير) الصادر عام 1950 .
    (4) للتفاصيل ينظر : محمد النويهي ، قضية الشعر الجديد ، مطبعة الخانجي ، 1971 ، ط2، ص31-233 .
    (5) ينظر جريدة العراق : ع125 لعام 1929 .
    (6) ينظر : نازك الملائكة ، قضايا الشعر المعاصر ، منشورات مكتبة النهضة بغداد ، 1967، ط: ص23 .
    (7) ينظر : نفسه ، ص24 .
    (8) ارخها السياب في 29/1ذ1/1946 .
    (9) ينظر : قضايا الشعر المعاصر ، ص24 .
    (10) ينظر : نفسه ، ص25 .
    (11) ينظر : نفسه ، ص25 .
    (12) ينظر : جريدة الجداول الموصلية ، العدد (51) في 15/8/1950 .
    (13) ينظر : جريدة صوت الكرخ ، العدد (48) في 8/11/1949 ، بغداد ، يقول عنها الشاعر اول تجربة اكتب فيها الشعر الحر وقد نظمتها في عام 1948 .
    (14) اشرف على تحقيق ديوان السياب ( قيثارة الريح) زكي الجابر وعبد الجبار داود البصري وسامي مهدي وخالد علي مصطفى وهو من مطبوعات وزارة الثقافة والاعلام ، بغداد ، 1971 .
    (15) في ديوان اساطير :23-24 .
    (16) ينظر : عبد الرضا علي – نص ارائد منسي اخر : دراسة نقدية ، وقائع بحوث ندوة ( نقد النص الادبي ) ، 22-25 كانون اول 1991 ، قسم اللغة العربية ، كلية الاداب ، الجامعة المستنصرية ، ص5 ، 6 ، 7 .
    (17) ينظر : قيثارة الريح ، بقلم احمد المختار ، جريدة فتى العرب ، العدد (114) في 13 اب 1954 ، الموصل .
    (18) مقالته ( قيثارة الريح) ، ديوان الشاعر محمود فتحي المحروق ، جريدة ( اخبار المساء) ، العدد 197 في 9/3/1954 ، الموصل .
    (19) مقالته ( قيثارة الريح) لمحمود المحروق ، جريدة الفنار، العدد 7 في 26/3/1954 ، الموصل .
    (20) مقالته : الشاعر محمود فتحي المحروق في ديوانه قيثارة الريح ، جريدة ( صوت الروافد) ، العدد 136 في نيسان 1954 ، الموصل .
    (21) جريدة الحدباء ، العدد 603 في 7/12/1993 ، الموصل .
    (22) شاذل طاقة ، ديوان السماء الاخير ، ص22 .
    (23) بشير حسن القطان ، ديوان اغاني الربيع ، ص13 .
    (24) من رسالته للباحث في 12/5/1991 .
    (25) جريدة الجداول ، العدد 51 في 15/8/1950 ، الموصل .
    (26) محاضرات القيت على طلبة الدكتوراه ، قسم الغة العربية / كلية الاداب – جامعة بغداد ، 1995 ( غير منشورة ) .
    (27) محمود العيطة ، السياب والحركة الشعرية الجديدة في العراق ، ص131 .
    (28) للتفاصيل ينظر : يوسف الصائغ ، الشعر الحر في العراق منذ نشاته حتى عام 1958 ، مطبعة الاديب ، بغداد 1978 ، ط1 ، ص21-185 .
    (29) من رسالته للباحث في 12/5/1991 .
    (30) جريدة الجداول الاعداد 62،63،64،65،66 الصادرة في 7 و 21 و 28/11/1950 ، الموصل .
    (31) جريدة الجداول ، العدد 62 في 7/11/1950 .
    (32) ينظر : عبد الرضا علي ، حركة نقد الشعر في الموصل منطلقاتها واتجاهاتها ، موسوعة الموصل الحضارية ، 5/452 .
    (33) جريدة العاصفة ، العدد 3 في 8/6/1953 ، الموصل .
    (34) جريدة العاصفة ، العدد 6 في 13/7/1953 ، الموصل .
    (35) ينظر : حركة نقد الشعر في الموصل منطلقاتها واتجاهاتها ، موسوعة الموصل الحضارية : 5/458 .





    [size=4][color=#FF0000][align=center]إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت [/align][/color]
    [color=#008000][align=center]أنتم حين نرحل صوت حرفنا الباقي في الصدى [/align][/color][/size]

    تعليق

    • د.محمد شادي كسكين
      عضو الملتقى
      • 13-12-2007
      • 291

      #3


      محمود المحروق ..الشاعر الكبير بين قيثارة الريح وقيثارة الزمن
      ا.د. إبراهيم خليل العلاف
      أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل
      محمود فتحي المحروق من رواد الشعر الحديث في العراق ،بل هو رائد تقدم على الكثير من مجايليه. ويبدو أن الضوء لم يكن مسلطا عليه بالقوة والسطوع الذي سلط على غيره وتلك فرصة لاينالها إلا من كان ذو حظ عظيم ،لكن لابد من أن يضع الكتاب والنقاد ذلك جانبا ،ويبدأوا في توثيق سير وحياة من ترك بصمة في جدار الثقافة العراقية المعاصرة إن كان ذلك على مستوى الشعر أو الأدب أو اللغة أو الفن أو القصة أو الرواية أو غير ذلك .ومحمود فتحي المحروق هو واحد من أولئك . ولد في مدينة الموصل سنة 1931 وتوفي سنة 1993 . تخرج في دار المعلمين بعد حصوله على الشهادة الثانوية ومارس التعليم ،افرد له الأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب حيزا في موسوعته : "موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين" ، وقال عته إن والدته أثرت على تكوينه الثقافي والنفسي حيث انصرف إلى الشعر. وكانت بحكم انحدارها الطبقي العشائري تحفظ كثيراً من الأشعار البدوية،وتضرب العديد من الأمثال وتروي القصص، وتداخلت مع تكويناته النفسية والبيئية والحياتية، حساسية مفرطة، وصورة بيئية قاسية،وحياة قلقة شاقة. فقبيل منتصف الأربعينات من القرن الماضي تفاعل كل ذلك وامتزج فكون منه بعد ذلك إنساناً يسكنه الحزن والأسى وتعيش في نفسه أحلام كبار متشحة برؤى صوفية حالمة وتمزقت حنايا نفسه غربة روحيه ومشاعر نقية صافية.توجه نحو الفكر اليساري ، وبدأت قصة الشعر معه في ربيع سنة 1946 حين أهداه زميل في المدرسة المتوسطة كتاب (ميزان الذهب) في صناعة الشعر، وديوان الشاعر المصري المعروف علي محمود طه (زهر وقمر)، وبدأ المحروق تعلم النظم والأوزان الشعرية، ثم دخل كوة الشعر عن طريق جبران خليل جبران وتأثر بنهجه كثيرا ولا سيما نزعته الرومانسية الطاغية في شعره. وواظب المحروق على المطالعة المكثفة -كأبناء جيله - في المكتبة المركزية العامة في الموصل. ولم يقتصر على قراءة الشعر وإنما إنصرف إلى قراءات مختلفة تشمل كل أنواع المعرفة، وولدت قصيدته الأولى من مجزوء بحر الرمل. وبدأت مرحلة ثانية من حياته ، وحطت هذه المرحلة في (مقهى الصياغ) ويقع في مدخل شارع النجفي، فيها كان يسهر مع الصحب لسماع سهرات أُم كلثوم الشهرية بدءاً من سنة 1947 ومع سهرة أُم كلثوم الأولى التي غنت فيها أُغنيتها الشهيرة (كل الأحبة اثنين اثنين). وفي هذه المرحلة المبكرة من حياته كان لابد له وهو لما يزل فتى غض الاهاب أن يفكر بالحب لكنه سما بهواجس الحب نحو آفاق روحية بعيدة عن الأسفاف بحكم توجهاته السليمة واهتماماته الشعرية والأدبية، فقد رسم للمرأة في خياله صورة مقدسة على أساس أنها أجمل ما في الكون من مخلوقات، وهي رمز للحب الإنساني ، فولدت قصائد سنة 1947 مثل (إليك تسبيحة، حورية الفجر، حياتي ضلال، نار ونور) وخلال دراسته الإعدادية، اتضحت سماته الشعرية شيئاً فشيئاً وأخذت طابعاً متميزاً من الجدة والثورة على التقليد في الشكل والمضمون واتسعت قراءاته وتنوعت وتأثر بشعر المهجر وشعر مدرسة ابولو، فنظم قصائد متباينة نشر بعضها في الصحف والمجلات.
      اتجه للكتابة في الصحف والمجلات الموصلية والعراقية والعربية ومضت سنوات مهمة من حياته كانت حافلة بالعطاء واستمر الأمر هكذا حتى سنة 1954 ، كتب فيها محمود المحروق العديد من المقالات النقدية والثقافية فضلاً عن نظمه للشعر. وظهرت مقالاته في صحف موصلية عديدة منها (فتى العراق، الجداول، الفجر، فتى العرب، الروافد، العاصفة، الراية، المثال، صدى الروافد، الواقع) وفي صحف بغدادية مثل(الأخبار، العراق اليوم، الوميض، الحصون، صوت الكرخ، الهاتف الأسبوع) ومجلة العقيدة النجفية، ومجلة الحديث الحلبية ومجلة الدنيا الدمشقية، ونشر في مجلتي الرسالة والثقافة (القاهريتين)، في سنتي 1951-1952ونشر في مجلة الأديب( اللبنانية) سنة 1954وفي مجلة الآداب في السنوات 1953-1954وفي عام 1958، وفي مجلة الرسالة( البيروتية ) سنة 1956.
      لقد أُعجب محمود المحروق بقصائد الشاعر الفرنسي (لامرتين)، وحاول ترجمة شعره عن الإنكليزية في ديوانه (تأملات) الذي قدم له الأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي وما يزال مخطوطاً. شغلت الحياة محمود المحروق في مجال التعليم والصحافة والسياسة عن نظم الشعر فكتب قصيدة هنا ونظم أخرى هناك، وعمل مشرفاً لغوياً بعد الدوام الرسمي في جريدة الجمهورية ببغداد فضلاً عن إشرافه اللغوي على الموسوعة الصغيرة التي كانت تصدرها دار الشؤون الثقافية العراقية ، وأحيل إلى التقاعد سنة 1979، وانتهى به الأمر منذ منتصف الثمانينات وحتى وفاته –رحمه الله -مشرفاً لغوياً في جريدة الحدباء الموصلية، وتوفي المحروق أثر مرض عضال عانى منه فترة طويلة . عندما كتبت مقالتي عن جماعة رواد الأدب والحياة والتي ضمت إلى كتابي : "تاريخ العراق الثقافي المعاصر " قلت أن الأستاذ محمود المحروق، كان عضوا مؤسسا فيها وهي تجمع ثقافي ظهر في الموصل سنة 1954، وكانت من بواكير التجمعات الأدبية العراقية المعاصرة وقد ضم التجمع عند ظهوره أربعة أدباء مؤسسين قدر لهم فيما بعد أن يقوموا بدور فاعل في الحياة الثقافية العراقية المعاصرة وهم : محمود المحروق ، وشاذل طاقة ، وهاشم الطعان ، وغانم الدباغ . وقد عدوا من رواد الأدب العراقي الحديث ، وكانوا ذوي توجه تقدمي يساري ، بحثوا عن التغيير ولجأوا إلى الشعر والقصة ليكونا الميدان الذي يعبرون من خلاله عن طموحاتهم في إيجاد أدب يرتبط بالحياة وهمومها . ومما ينبغي تسجيله في هذا الصدد أن الصحفي البارع الأستاذ عبد الباسط يونس ( 1928 – 2000 )- وكان يصدر جريدة في الموصل باسم الراية ( برز عددها الأول في 11 نيسان 1951 )- قد أفسح لهم في جريدته بابا مستقلا يحمل عنوان : ( باب رواد أدب الحياة ). ويشير الأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب في مقالته الموسومة : (( محمود المحروق 1931 – 1993 )) التي نشرها في جريدة الحدباء ( الموصلية ) بعددها 595 الصادر في 123 تشرين الأول 1993، إلى أن مجلة الرسالة الجديدة ( البغدادية )، قد وثقت نشاطات هذه الجماعة وذلك في عددها الصادر في 17 أيار سنة 1954 ويمكن الرجوع إليه للاطلاع على مزيد من التفاصيل حول هذه الجماعة الأدبية التي بعد ذلك برز أركانها في ميدان الشعر والقصة والمقالة .
      ولنتساءل عن القاسم المشترك الذي ربط بين أولئك الرواد، ونقول أن جميعهم من مدينة الموصل، وان الرغبة في التجديد ومحاربة الأنماط السكونية في التعبير والخروج عن المألوف المتداول في الشعر والقصة هي ما كان يجمعهم والأبعد من ذلك محاولتهم التصدي للتعقيدات الشكلية التي كانت تميز الحياة الثقافية العراقية آنذاك. فضلا عن أنهم كانوا في عمر متقارب تقريبا فمعظمهم من مواليد الثلاثينات من القرن الماضي ، أي أن أعمارهم عند ظهورهم كانت تتراوح بين 15 – 25 عاما . وكانوا تقدميين يساريين في آرائهم ومنطلقاتهم الفكرية، لكن ثمة أمر لابد من التأكيد عليه، وهو أن الصراعات الفكرية والسياسية بين الأحزاب والتي تفاقمت بعد ثورة 14 تموز 1958 ، أدت إلى إحداث التباعد بينهم ، وكما يقول الأستاذ الدكتور عبد الإله احمد في كتاب "الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية" ، فان معظم أولئك الرواد ذهبوا ضحية الأحداث السياسية العاصفة المتقلبة والتي أجهزت عليهم ، أو حالت بينهم وبين تطور أنفسهم على نحو يتيح لهم تحقيق ما بدا أنهم مؤهلون لتحقيقه .
      فمحمود المحروق- على سبيل المثال - لم ينل ما يستحقه من اهتمام ، عصفت به السياسة ، فضاع في أتونها ، هذا الرجل نظم في السادس من آذار 1948 وعمره ( 17 ) سنة قصيدة ( ظلام ) ،والتي تعد أول تجربة أدبية عراقية في الشعر الحر ، وقد ظهرت منشورة في جريدة صوت الكرخ ( البغدادية ) ،( العدد 48 في 8 تشرين الثاني 1949) وجاء فيها :
      مضينا .. وفي قلبنا تهاويل جياشة بالعناء
      وكنا .. وكان الزمان لنا .. ملاحم ننشرها بالهناء
      ونرشف من نخبها .. رحيق الهوى والحياة
      وفي قلبها سكبنا الدموع .. شآبيب تدنو بنا للفناء
      وتدفعنا للسبات .. فتندب أحلامنا ونمضي وما من رجوع
      وعندما كتب هذه القصيدة ، كانت نازك الملائكة تكتب في اللحظة ذاتها قصيدتها
      ( الكوليرا ) ،وكان بدر شاكر السياب يكتب كذلك قصيدته ( هل كان حبا ؟!)..لقد نظم المحروق قصيدة: "ظلام" ،ونوع فيها القوافي ووزع فيها في التفعيلات توزيعا جديدا ، وان ظلت الصور واللغة والتراكيب ضمن موقفه الرومانتيكي الطاغي )) هكذا يقول ذو النون الاطرقجي في دراسته عن الشعر في الموصل ، موسوعة الموصل الحضارية ، (ج5 ، ص 378) .
      ومحمود المحروق كان مدركا- منذ البدء -انه يفتح طريقا جديدا في الشعر، وقد تحدث في 30 آذار 1993، وعبر جريدة الحدباء عن تجربته تلك، قائلا بان أحد الأسباب التي يراها تقف وراء قيام حركة التجديد في الشعر وظهور الشعر الحر هي: (( الثورة على الأساليب القديمة في القصيدة العمودية ، والابتعاد عن السطحية والتقريرية والمباشرة وإدخال الألفاظ الرقيقة العذبة التي تعطي للشعر الحديث طراوة خاصة ، وجوا موسيقيا كأنه السلسبيل )).
      ولا ينبغي الذهاب بعيدا في معرفة ردود الفعل على قصيدة ظلام ولكن لابد من القول انه اصدر ديوانه الأول بعنوان (( قيثارة الريح)) قبل أن يخرجوا للسياب بعد سنوات وسنوات ديوانا بالعنوان نفسه . فبين الإصدارين سبع عشرة سنة ( الموصل – 1954 .. بغداد – 1971 ) .
      وقد ندب الأستاذ الدكتور عبد الوهاب العدواني نفسه للحديث عن قيمة الديوان وصاحبه فقال في مقالة كتبها في جريدة الحدباء ( 12 تشرين الأول 1993 ) أي بعد أيام من رحيل المحروق ان المحروق لم يكن شاعرا حسب ، بل كان ناقدا له باع طويل في معرفة الشعر وفهمه واستيعابه وتمثله ، ومع أن الأدباء العراقيين قد استقبلوا ديوان المحروق ، كما قال الناقد سامي أمين في عدد آب 1954 من مجلة الآداب (البيروتية )، بشيء غير قليل من العنف ، وكتبوا عنه كتابات اتسع فيها المجال للإشارة الى عيوبه واغراقه في الرومانسية ،لكن ذلك لم يلغ أن المحروق قد أظهر في شعره موقفا وطنيا وانسانيا . لقد كان بحق مثقفا ملتزما بقضايا مجتمعه .
      ولم يكن المحروق لوحده متميزا في موقفه هذا بل كان زملاؤه كذلك .. فشاذل طاقة، وغانم الدباغ ،وهاشم الطعان، كانوا يبغون تثوير اللغة العربية ، وهم وان تعمدوا الإغراق في الغموض والإمعان في التأثر بخطى بعض أساليب الغرب الأدبية، إلا أنهم كانوا ذوي موهبة خلاقة ، وثقافة أصيلة ، وصدق بين) .
      إن بدايات جماعة رواد الأدب والحياة ، وان تبدو قلقة ، توحي بافكار ونزعات تجديدية تبتغي التغيير وعدم الركون لما هو متوارث وكلاسيكي ، فان المسألة التي لا يمكن تجاهلها هي ان لروادها فضل الاجتهاد والتجريب وانتهاج طريق غير مألوف في التعبير عن كوامن النفس العراقية التواقة إلى الحرية والحق والصدق وهذا هو ما منح أعمال هذه الجماعة قيمة الوثيقة الأدبية المعتمدة في التأريخ لحياة العراق الثقافية المعاصرة . ونختم مقالنا بذكر قصيدة جميلة للمحروق بعنوان : " في لجة الصمت " يقول فيها :
      أيهذا الغريق يا شاعر الصمـ _________________________ ـت كفاك التحديق خلف الضفافِ _________________________
      قد مضى الزورق الحزين وما زلـ _________________________ ـت تغني للموج سر الطواف _________________________
      هي ذي يا شقيّ هُوج الأعاصيـ _________________________ ـر تدوّي... وأنت نهب السوافي _________________________
      سوف تطويك عاصفات من الصمـ _________________________ ـت ... فتغدو ممزق الأعطاف _________________________
      وستمحو الأمواج بيض أمانيـ _________________________ ـك وتنعى... جنازة الأطياف _________________________


      أيهذا الغريق... رفقا بدنيا _________________________ ك فخلف الضفاف صمت عميقُ _________________________
      قد تضللتَ... ما تصبَّاك يا شا _________________________ عر, ... عد فالحياة بحر سحيق _________________________
      كلما رُمْتَ للحياة وصولا _________________________ سخرت منك موجة وبروق _________________________
      فيم تقضي الشباب في غيهب الصمـ _________________________ ـت ... وتطوي المنى... وأنت غريق؟ _________________________
      وغدا... لن تعي سوى صرخات _________________________ يتغنّى بها الظلام المحيق _________________________


      أيها الشاعر الذي يتغنى _________________________ تهت في الكائنات عرضاً وطولا _________________________
      ارجع الآن لن ترى ثمَّ شيئا _________________________ أنت في الأرض ترتجي المستحيلا _________________________
      أنت يا شاعر السكينة قلب _________________________ أوصد الكون دونه المجهولا _________________________
      التعديل الأخير تم بواسطة د.محمد شادي كسكين; الساعة 08-09-2010, 22:26.
      [size=4][color=#FF0000][align=center]إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت [/align][/color]
      [color=#008000][align=center]أنتم حين نرحل صوت حرفنا الباقي في الصدى [/align][/color][/size]

      تعليق

      • د.محمد شادي كسكين
        عضو الملتقى
        • 13-12-2007
        • 291

        #4
        صفحة من الذاكرة الموصلية


        الشاعر محمود المحروق وقصة نفيه بسبب قصيدة (الشمس والجلادون)

        د. عبدالفتاح علي البوتاني

        كلية الآداب/جامعة دهوك

        ولد الشاعر محمود المحروق في الموصل سنة 1929، واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية واعداد المعلمين فيها سنة 1951، وعمل في مطلع حياته الوظيفية معلما في الموصل (1) ثم قامت السلطات بنفيه الى الديوانية (القادسية) في تشرين الثاني 1961، بسبب افكاره التقدمية، او ربما لتعاطفه وانتمائه الى الحزب الشيوعي العراقي او الى احدى واجهاته.

        لم يعد المحروق الى الموصل، الا بعد احالته على التقاعد سنة 1979 واشتغل في بغداد مشرفا لغويا في جريدة الجمهورية، وفي سلسلة كتاب الموسوعة الصغيرة، وفي الكتب المدرسية للدراسة المتوسطة ودور المعلمين، وعمل في سني حياته الاخيرة في جريدة الحدباء الموصلية، مشرفا لغويا ومصححا حتى وافته المنية يوم الخميس الموافق 30 ايلول 1993، اثر مرض عضال الم به.

        وبوفاته فقدت مدينة الموصل ابرز شعرائها الرومانتيكيين. وقد رثاه عدد من كتاب وشعراء المدينة، اذكر منهم الاستاذ ذو النون الاطرقجي الذي رثاه بقصيدة عنوانها (سلاما.. شبح الابتسامة ومحمد علي الياس العدواني في قصيدة (صدى القيثارة)، والدكتور عبدالوهاب العدواني، وعبدالغفار الصائغ، ونزار عبدالجبار بكر، واحمد محمد المختار (2).

        كتب المحروق الشعر وهو في سن السادسة عشرة، وبدأ ينشر شعره منذ سنة 1947 في صحف الموصل وبغداد وكركوك والنجف، كما نشر في الصحف والمجلات المصرية واللبنانية والسورية، واصدر سنة 1954 مجموعته الشعرية الاولى (قيثارة الريح)، وفي السنة نفسها شارك في تكوين جماعة ادبية في الموصل مع الشاعر شاذل طاقة وهاشم الطعان وغانم الدباغ ويوسف الصائغ وعبدالحليم اللاوند واطلقوا عليها اسم (رواد ادب الحياة). ومن الجدير بالذكر ان المحروق نشر قصيدتين في الشعر الحر كتب احداها سنة 1948، أي بعد تجربة الشعر الحر لنازك وبدر شاكر السياب بعام واحد، وقد اشار الى هذه القصيدة كثير من النقاد في كتبهم وابحاثهم (3).

        وكتبت عنه ذو النون الاطرقجي في موسوعة الموصل الحضارية يقول: (هو الشاعر محمود فتحي المحروق، الذي يشتاق الى عالم الروح والمثال، ويترفع عن عالم الطين معتليا صهوة (بساط الريح) الى حيث (اهل السماء) وتسبيحة الملائك والانوار والنظام الالهي المستتب. ومجموعته (قيثارة الريح) تمثله في طليعة الشعراء الرومانتيكيين…، ولعل من حق محمود المحروق علينا ان نسجل انه كان اسبق زملائه الموصليين الى تمثل تجربة شعر التفعيلة (الحر) الجديدة اذ نظم قصيدة (ظلام) سنة 1948 (4).

        الشاعر محمود المحروق في الذاكرة

        لقد تهرب جميع الذين كتبوا عن المحروق وشاعريته عن ذكر جوانب مهمة اخرى من حياته وشعره، ولاسباب سياسية معروفة، كما لم يذكر احدهم اسباب قضائه نحو عقدين من سني حياته في جنوب العراق وفي بغداد، وكان ذلك سببا في انقطاعه عن كتابة الشعر (5).

        كما لم يتطرق اصدقاؤه للقصائد التي نشرها في جريدتي (الشبيبة) و (الحقيقة- راستى) الموصليتين سنة (1959-1960) عن نضال الشعوب المضطهدة، ولاسيما عن الثورة الجزائرية.

        في السنة الدراسية (1961-1962)، كنت تلميذا في الصف الخامس الابتدائي في مدرسة الحرية الابتدائية للبنين في محلة النعمانية (الدركزلية) بالموصل، وكان مدير مدرستنا يدعي محمود افندي، كان شابا جميل الصورة حلو الكلام وانيقا في كل شيء، وودودا يحترمه المعلمون ويحبه التلاميذ، ولم اره ينفعل يوما، او ينهر تلميذا، كان دائم التجوال في ساحة المدرسة وممراتها، ينتقل من صف الى صف والبسمة لاتفارق وجهه.

        وبعد اكثر من شهرين على الدوام اختفى محمود افندي، وبدأنا نحن التلاميذ نفتقده ونسأل عنه، الا اننا لم نصل الى سبب غيابه، حتى المعلمين عندما كنا نسألهم كانوا لايجيبوننا بصراحة، ولكن تأكد لنا انه لم ينتقل الى ادارة مدرسة اخرى، واتذكر انه زار المدرسة بعد اسابيع من اختفائه، ولم يكن طبيعيا، فالهّم كان باديا عليه، ثم اختفى نهائيا.

        بعد اختفاء محمود افندي باقل من اسبوع عين مكانه مدير اخر يدعى زيدان جاسم كركجه، كان عمره بحدود (40-45) سنة، رجل مقطب الجبين، عبوس، حاد المزاج، لم اره يضحك او يلاطف تلميذا او معلما يوما ما، على العكس تماما من محمود افندي، واخذ التلاميذ (وكان معظمهم من الكرد) يتهامسون فيما بينهم ويقولون بان المدير الجديد (قومي)، عندها بدأت اسباب نقل المدير السابق تتضح.

        كان كركجه مديرا قاسيا مع التلاميذ، ولايوده المعلمون، وبعضهم كان يجامله خوفا، حتى الفراشين (البوابين) كانوا يكرهونه، فقد كان دائم العراك مع احدهم وكان تركمانيا يدعى (قاسم)، يهدده بالطرد او العقوبة، وتبين فيما بعد، ان السبب هو رفض (قاسم) الذهاب الى دار المدير في حي المجموعة الثقافية للعمل في تنظيم حديقته.

        وفي السنة الدراسية 1962-1963، وعلى اثر انقلاب 8 شباط 1963 الدموي واستيلاء حزب البعث على السلطة، اختفى اكثر من معلم واتذكر منهم معلم الرياضة الشاب صديق افندي (كان اعزبا)، وعندما اطلق سراحه بعد اشهر، وجدناه شاحب الوجه نحيفا، بينما كان شابا ممتلئ الجسم حيويا قبل اعتقاله، وعلمنا ان الحرس القومي (تنظيم بعثي مسلح سيء الصيت) (6)، كان قد اعتقله وعذبه بتهمة انه شيوعي، اما صديق افندي فظل مهموما قليل الكلام ولم يعد متحمسا لمهنته، وكان التلاميذ يحبونه اكثر من أي معلم اخر، لاسيما المشاركين منهم في الفرق الرياضية، وكنت احدهم.

        ان اعتقال صديق افندي واطلاق سراحه، ادى الى ان يتذكر التلاميذ محمود افندي، وبدأوا يتساءلون عن مصيره، وشاع في صفوفهم ان كركجه هو السبب في اعتقال صديق افندي واختفاء محمود افندي، ولم يكن ذلك صحيحا، ولكن كرههم له كان يوحي لهم بمثل تلك التصورات.

        المهم في الامر، وبعد (30) سنة وبالتحديد في سنة 1989-1990، وعندما كنت اتردد على ادارة جريدة الحدباء (الموصلية) لمقابلة رئيس تحريرها الدكتور محي الدين توفيق او ذنون الاطرقجي وعبدالغفار الصائغ، لامور تتعلق برسالتي للماجستير (الحياة الحزبية في الموصل 1926-1956). رأيت هناك شخصا واكثر من مرة يشبه محمود افندي، وكان نادرا ما يكلم احدا، يدخل ويخرج دون ان يلتفت الى هذا وذاك، ولايتوقف الا اذا اعترضه احدهم. وفي احدى جلساتي مع عبدالغفار الصائغ سألته عن ذلك الشخص، فأجاب بانه يدعى محمود المحروق، وهو شاعر وكاتب معروف ويعمل في الجريدة.

        استبعدت ان يكون هو نفسه محمود افندي، فشكله قد تغير وسلوكه وتصرفاته حتى مشيته كانت قد تغيرت، ومع هذا بقيت اشك فيه، ولم يكن دخوله وخروجه المفاجئ والسريع الى ومن ادارة الجريدة يسمحان بايقافه والسؤال منه، المهم انه ظل معلقا في ذاكرتي.

        وعند دراستي للدكتوراه (1992-1995)، عثرت على وثيقة في ملفات محافظة الموصل تتعلق بالمحروق، وكان ذلك عن طريق الصدفة، فقمت بالسؤال عنه، فقيل انه توفي قبل اشهر، وهذا نص الوثيقة:

        متصرفية لواء الموصل

        العدد/ق.س/3348 ســــــــــري

        التاريخ/7/11/1961 ـــــــــــــــــــــــ

        مديرية أمن لواء الموصل

        الموضوع/ نقل معلم

        كانت مديرية شرطة لواء الموصل قد اعلمتنا بكتابها المرقم (6045) في 8/10/1961 ، بان المعلم محمود عبد فتحي المحروق مدير مدرسة الحرية في الموصل يحمل نزعة شيوعية ضيقة وانه كان قد نشر في جريدة الشبيبة وبعددها الصادر برقم (24) في 28/7/1959 قصيدة بعنوان (الشمس والجلادون) مهداة الى المناضل اللبناني فرج الله الحلو. وبناءً على خطورة بقائه على الامن طلبنا من وزارة المعارف نقله الى خارج اللواء، وقد تم نقله بموجب أمر وزارة المعارف المرقم (71654) في 31/10/1961 الى مديرية معارف لواء الديوانية للاطلاع.

        مطيع حسن

        عـ/ متصرف لواء الموصل


        لقد قضى المحروق حياته في التعليم وخدمة الثقافة العربية الى يوم رحيله في 30 ايلول 1993، فضلاً عن انه كان مناضلاً سياسياً عرف بحبه لقومه ولشعبه، وتحمل من اجل ذلك النفي والمشاق والغربة، ويبدو انه ظل وفياً لمبادئه الى ان وافته المنية، بدليل ان الذين كتبوا عنه لم يتحدثوا عن اسباب نفيه وعن حياته في المنفى وانقطاعه عن كتابة الشعر…، كما لم يشر احدهم الى قصيدة (الشمس والجلادون) التي نشرها في تموز 1959، والتي بسببها نفى الى الديوانية، وبعد مرور اكثر من سنتين على نشرها، ولا الى قصيدته الطويلة عن نضال الشعب الجزائري والتي بعنوان (النصر للجزائر) (7)، ومن غريب الصدف ان انتصار الثورة الجزائرية تزامن مع نفي المحروق من مدينته الموصل!!

        لقد تراجع رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم عن مبادئ ثورة 14تموز 1958 وعن تأييده للقوى الديمقراطية التي كانت تدعم نظام حكمه، واصبح ذلك التراجع واضحاً بعد محاولة البعثيين لاغتياله في 7 تشرين الاول 1959، وشهدت مدينة الموصل، بسبب تراجعه، حملة اغتيالات طالت الشيوعيين واعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، واخذت عصابات (القوميين)، المدعومة من التجار والملاكين الرجعيين ومن تنظيم الاخوان المسلمين وحزب التحرير (الاسلامي)، تعيث فساداً في المدينة وفرضت عليها ارهاباً اسوداً. وفضلاً عن الدعم الداخلي لتلك (العصابات) كانت تتلقى الدعم ايضاً من دولة الجمهورية العربية المتحدة (مصر+سوريا)، وتضامناً مع نهج (عصابات القوميين)، اختطفت مباحث المكتب الثاني في سوريا القائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو في شوارع دمشق، ولم تجد محاولات محاميه ميشال عقل نفعاً لمواجهته ومعرفة اسباب اعتقاله التي كانت منافية لابسط حقوق الجوار.

        المهم في الامر، ان اختطاف الحلو اثار موجة من الاستنكار والشجب من جميع القوى التقدمية في العالم حينذاك، وكان للمرحوم الشاعر محمود المحروق موقف من مسألة اختطاف الحلو، وتمثل ذلك بنشره القصيدة المذكورة، في تموز 1959، ويبدو ان السلطة المحلية سجلت عليه هذا الموقف، فقامت بنفيه بعد تراجع (قاسم) عن دعمه للقوى الديمقراطية، وغض السلطات النظر عن نشاطات الاحزاب والجماعات المعادية لنظام الحكم.

        المصادر والمراجع والهوامش:

        (1) احمد محمد المختار (الشاعر محمود المحروق في ذمة الخلود 1929-1993) جريدة الحدباء، العدد (594) في 5/10/1993 والمختار لايتطرق الى اسباب اقامة المحروق عشرين عاماً في بغداد!!

        (2) للتفاصيل ينظر: المصدر نفسه.

        (3) المختار، المصدر السابق.

        (4) للتفاصيل ينظر: موسوعة الموصل الحضارية، المجلد (5) (الموصل، 1992) ص 377-378

        (5) كتب المختار ان المحروق انقطع عن كتابة الشعر منذ اكثر من ربع قرن، وعاد بعد ذلك لينشر ما نظمه مؤخراً من قصائد شعرية تكاد تكون من القلة بمكان، ولم يتطرق المختار الى اسباب ذلك، ينظر: جريدة الحدباء، العدد (594).

        (6) للمزيد من المعلومات عن اعمال الحرس القومي المشينة ينظر الكتاب الوثائقي الذي اصدرته الحكومة العراقية سنة 1964بعنوان (المنحرفون) والذي يوضح بالوثائق والصور الاعمال اللااخلاقية التي قام بها الحرس القومي. ومن الجدير بالذكر ان رئيس الجمهورية المشير الركن عبدالسلام عارف ورئيس وزرائه العقيد احمد حسن البكر انضما الى الحرس القومي وارتديا الزي الخاص به.

        (7) ينظر نصها في: جريدة الحقيقة (الموصلية)، العدد (1) 7 آيار 1959
        [size=4][color=#FF0000][align=center]إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت [/align][/color]
        [color=#008000][align=center]أنتم حين نرحل صوت حرفنا الباقي في الصدى [/align][/color][/size]

        تعليق

        • د.محمد شادي كسكين
          عضو الملتقى
          • 13-12-2007
          • 291

          #5
          جماعة رواد الأدب والحياة في الموصل : فصل من تاريخ العراق الثقافي


          أ .د. إبراهيم خليل العلاف
          27/03/2008
          ظاهرة التجمعات الأدبية في العراق ، والتي تنامت في الستينات والسبعينات في القرن الماضي ، ترجع بجذورها الى العشرينات ، فالشبان المثقفون الذي التفوا حول (صحيفة الصحيفة ) التي صدرت سنة 1924 ببغداد، يعدون من أوائل تلك التجمعات وكانوا من رواد التغيير والتجديد في الادب والفن والسياسة ، ومن بين هؤلاء برز حسين الرحال ومحمود احمد السيد ومصطفى علي . وفي الثلاثينات ظهرت ( جماعة مجلة المجلة ) التي صدر عددها الأول سنة 1938 في الموصل بجهود كل من ذو النون أيوب وعبد الحق فاضل ويوسف الحاج ألياس . وفي النجف الأشرف ظهرت ( جماعة منتدى النشر ) (1935) ، وكان من مؤسسيها الشيخ محمد رضا المظفر والسيد هادي فياض . وفي 1943 تأسست ( الرابطة الثقافية ) وكان عبد الفتاح إبراهيم ، ومحي الدين يوسف ، وخدوري خدوري ، وطه باقر من أركانها . وفي أواسط الستينات صارت التجمعات الأدبية من أبرز ملامح المشهد الثقافي العراقي المعاصر، وتؤشر الوثائق المتداولة حقيقة وجود أكثر من تجمع أدبي في العراق ولعل ( جماعة كركوك الأدبية ) التي تأسست بين عامي 1964 و 1968 من أبرزها وكان أنور الغساني، وجليل القيسي،وجان دمو، وسركون بولص، وصلاح فائق سعيد، وفاضل العزاوي ،ويوسف سعيد، ومؤيد الراوي، ويوسف الحيدري من أركانها.. كما اصدر حميد المطبعي في النجف الأشرف ( مجلة الكلمة ) التي استمرت في الصدور بين 1967 و 1975 ، وكانت بحق مسرحا لحركة أدبية طليعية .
          وجماعة رواد الأدب والحياة التي نكتب عنها هي تجمع ثقافي ظهر في الموصل سنة 1954، وكانت من بواكير التجمعات الأدبية العراقية المعاصرة وقد ضم التجمع عند ظهوره أربعة أدباء مؤسسين قدر لهم فيما بعد ان يقوموا بدور فاعل في الحياة الثقافية العراقية المعاصرة وهم : محمود المحروق ، وشاذل طاقة ، وهاشم الطعان ، وغانم الدباغ . وقد عدوا من رواد الأدب العراقي الحديث ، وكانوا ذوي توجه تقدمي يساري ، بحثوا عن التغيير ولجأوا الى الشعر والقصة ليكونا الميدان الذي يعبرون من خلاله عن طموحاتهم في إيجاد أدب يرتبط بالحياة وهمومها . ومما بنبغي تسجيله في هذا الصدد ان الصحفي البارع الاستاذ عبد الباسط يونس ( 1928 - 2000 ) وكان يصدر جريدة في الموصل باسم الراية ( برز عددها الأول في 11 نيسان 1951 ) قد أفسح لهم في جريدته بابا مستقلا يحمل عنوان : ( باب رواد أدب الحياة ) ويشير الأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب في مقالته الموسومة : (( محمود المحروق 1931 - 1993 )) التي نشرها في جريدة الحدباء ( الموصلية ) بعددها 595 الصادر في 123 تشرين الأول 1993، الى ان مجلة الرسالة الجديدة ( البغدادية )، قد وثقت نشاطات هذه الجماعة وذلك في عددها الصادر في 17 آيار سنة 1954 ويمكن الرجوع إليه للاطلاع على مزيد من التفاصيل حول هذه الجماعة الأدبية التي بعد ذلك برز اركانها في ميدان الشعر والقصة والمقالة .
          ولنتساءل عن القاسم المشترك الذي ربط بين أولئك الرواد ونقول ان جميعهم من مدينة الموصل، وان الرغبة في التجديد ومحاربة الأنماط السكونية في التعبير والخروج عن المألوف المتداول في الشعر والقصة هي ما كان يجمعهم والأبعد من ذلك محاولتهم التصدي للتعقيدات الشكلية التي كانت تميز الحياة الثقافية العراقية آنذاك فضلا عن انهم كانوا في عمر متقارب تقريبا فمعظمهم من مواليد الثلاثينات من القرن الماضي ، أي ان أعمارهم عند ظهورهم كانت تتراوح بين 15 - 25 عاما . وكانوا تقدميين يساريين في آرائهم ومنطلقاتهم الفكرية، لكن ثمة أمر لابد من التأكيد عليه، وهو ان الصراعات الفكرية والسياسية بين الأحزاب والتي تفاقمت بعد ثورة 14 تموز 1958 ، أدت الى احداث التباعد بينهم ، وكما يقول الأستاذ الدكتور عبد الإله احمد في كتاب الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية ، فان معظم أولئك الرواد ذهبوا ضحية الأحداث السياسية العاصفة المتقلبة والتي أجهزت عليهم ، او حالت بينهم وبين تطور أنفسهم على نحو يتيح لهم تحقيق ما بدا انهم مؤهلون لتحقيقه .
          فمحمود المحروق ( 1931 - 1993 ) هذا الرجل الذي يعد من رواد الشعر الحديث ، الذي عرف فيما بعد بـ ( الشعر الحر ) لم ينل ما يستحقه من اهتمام ، عصفت به السياسة ، فضاع في أتونها وانتهى الأمر به قبل ان يموت مصححا في جريدة الحدباء ، هذا الرجل نظم في السادس من آذار 1948 وعمره ( 17 ) سنة قصيدة ( ظلام ) ،والتي تعد أول تجربة أدبية عراقية في الشعر الحر ، وقد ظهرت منشورة في جريدة صوت الكرخ ( البغدادية ) ،( العدد 48 في 8 تشرين الثاني 1949) وجاء فيها :
          مضينا .. وفي قلبنا تهاويل جياشة بالعناء
          وكنا .. وكان الزمان لنا .. ملاحم ننشرها بالهناء
          ونرشف من نخبها .. رحيق الهوى والحياة
          وفي قلبها سكبنا الدموع .. شآبيب تدنو بنا للفناء
          وتدفعنا للسبات .. فتندب احلامنا ونمضي وما من رجوع
          وعندما كتب هذه القصيدة ، كانت نازك الملائكة تكتب في اللحظة ذاتها قصيدتها
          ( الكوليرا ) ،وكان بدر شاكر السياب يكتب كذلك قصيدته ( هل كان حبا ؟!)..لقد نظم المحروق قصيدة ظلام ونوع فيها القوافي ووزع فيها في التفعيلات توزيعا جديدا ، وان ظلت الصور واللغة والتراكيب ضمن موقفه الرومانتيكي الطاغي )) هكذا يقول ذو النون الاطرقجي في دراسته عن الشعر في الموصل ، موسوعة الموصل الحضارية ، (ج5 ، ص 378) .
          ومحمود المحروق كان مدركا منذ البدء انه يفتح طريقا جديدا في الشعر وقد تحدث في 30 آذار 1993، وعبر جريدة الحدباء عن تجربته تلك قائلا بان أحد الأسباب التي يراها تقف وراء قيام حركة التجديد في الشعر وظهور الشعر الحر هي: (( الثورة على الأساليب القديمة في القصيدة العمودية ، والابتعاد عن السطحية والتقريرية والمباشرة وإدخال الألفاظ الرقيقة العذبة التي تعطي للشعر الحديث طراوة خاصة ، وجوا موسيقيا كأنه السلسبيل )).
          ولا ينبغي الذهاب بعيدا في معرفة ردود الفعل على قصيدة ظلام ولكن لابد من القول انه اصدر ديوانه الأول بعنوان (( قيثارة الريح)) قبل ان يخرجوا للسياب بعد سنوات وسنوات ديوانا بالعنوان نفسه . فبين الإصدارين سبع عشرة سنة ( الموصل - 1954 .. بغداد - 1971 ) .
          وقد ندب الأستاذ الدكتور عبد الوهاب العدواني نفسه للحديث عن قيمة الديوان وصاحبه فقال في مقالة كتبها في جريدة الحدباء ( 12 تشرين الاول 1993 ) أي بعد أيام من رحيل المحروق ان المحروق لم يكن شاعرا حسب ، بل كان ناقدا له باع طويل في معرفة الشعر وفهمه واستيعابه وتمثله ، ومع ان الأدباء العراقيين قد استقبلوا ديوان المحروق ، كما قال الناقد سامي أمين في عدد آب 1954 من مجلة الآداب البيروتية ، بشيء غير قليل من العنف ، وكتبوا عنه كتابات اتسع فيها المجال للإشارة الى عيوبه واغراقه في الرومانسية ،لكن ذلك لم يلغ ان المحروق قد أظهر في شعره موقفا وطنيا وانسانيا . لقد كان بحق مثقفا ملتزما بقضايا مجتمعه .
          ولم يكن المحروق لوحده متميزا في موقفه هذا بل كان زملاؤه كذلك .. فشاذل طاقة وغانم الدباغ وهاشم الطعان كانوا يبغون تثوير اللغة العربية ، وهم وان تعمدوا الاغراق في الغموض والامعان في التأثر بخطى بعض أساليب الغرب الأدبية، الا انهم كانوا ذوي موهبة خلاقة ، وثقافة أصيلة ، وصدق بين ، فشاذل طاقة ( 1929-1974 ) كان شاعرا رومانتيكيا منذ بدايات نضجه الفني ، فلقد اجتمع لديه الحب والموت وقصائده في ديوانه الأول ( المساء الأخير ) الذي ظهر مطبوعا في الموصل سنة 1950 متماثلة في رسم عالم الحزن والأحلام والفراق والجنون والموت ، في مشاركة للطبيعة في هذه المشاعر)).( انظر دراسة ذو النون الاطرقجي عن الشعر في الموصل المشار اليه آنفا ).
          كان شاذل طاقة ، شأنه شأن زملائه رواد الأدب والحياة ، منهمكا في الإتيان بالجديد .. فبعد اكماله الاعدادية سنة 1947 دخل عالم الصحافة حتى قبل تخرجه من دار المعلمين العالية ( كلية التربية بجامعة بغداد فيما بعد ) سنة 1950، وهو يحمل الليسانس في الأدب العربي . ولم يقف عند هذا الحد بل أسرع مع زملائه يوسف الصائغ وهاشم الطعان وعبد الحليم اللاوند سنة 1956 لاصدار مجموعة شعرية مشتركة تحت عنوان (( قصائد غير صالحة للنشر )) ففتح وزملائه بابا لتجربة جديدة في الأدب العراقي الحديث .. تجربة اتسمت بالتجديد وقد ورد في مقدمةديوانه : ( المساء الاخير ) قوله ان هذا الضرب من الشعر ( الشعر الجديد ) ليس مرسلا ولا مطلقا من جميع القيود ، ولكنه يلتزم شيئا وينطلق عن اشياء .. ولعل من حق الفن ان اذكر ان هذا الضرب ليس مبتكرا ، ولم يكن قط وليد هذا العصر وشبابه ، كما يحلو لبعضهم ان يقول ، فان جذوره ممتدة في الشعر الأندلسي ... )) .ونجد ان نازك الملائكة تذهب في مقدمة ديوانها ( شظايا ورواد ) الذي أصدرته سنة 1949 المذهب نفسه . من هنا نجد، كما يقول الأستاذ ماجد السامرائي في كتابه : ( شاذل طاقة : دراسات ومختارات ) بيروت 1976، (( ان الرعيل الأول من المجددين ، وبالذات في تجاربه الاولى )) يتقارب مذهبا ، كما يتقارب مواقف شعرية . ولعل ابرز خصائص تلك الحركة التجديدية انها تتميز بعودة الشاعر الى الارتباط بالحياة هذا فضلا عن الصياغة الجديدة للشعر، وزوال الازدواج بين الحس والفكر ، بين التعقل والشعور وأخيرا استخدام الشاعر للكثير من الأجواء والتعابير والمصطلحات الشعبية والتبسيط في استخدام الأساليب اللغوية . والملاحظ ، يقول ذو النون الاطراقجي، ان شعراء هذه المرحلة ، ومنهم شاذل طاقة، وهاشم الطعان، كانوا الصق من غيرهم بالصيغ التراثية في قصائدهم العمودية، بينما جاءت محاولاتهم في الشعر الحر في لغة بسيطة دقيقة .. وبتراكيب مكثفة او ذات نكهة شعبية قريبة من الواقع وهذا هو سر ارتباط أدبهم بالحياة وسر تسميتهم بـ ( رواد الأدب والحياة ).
          ويقف هاشم الطعان ( 1931 - 1981 ) هذا الشاعر الرائد ، الذي مارس التعليم الثانوي فترة من الزمن ثم أكمل دراساته العليا ونال الدكتوراه ، ليكون علامة بارزة على صدق الفن والادب واقترابهما من الحياة .. قال عنه شاذل طاقة مرة انه (( صادق في فنه ، مخلص في تعبيره )). أصدر هاشم الطعان سنة 1955 مجموعته الشعرية الاولى بعنوان : (لحظات قلقة ) .. لكنه وبعد صدور مجموعته الشعرية الثانية ( غدا نحصد ) سنة 1960 انسحب من الشعر، كما يقول حميد المطبعي في موسوعته (اعلام العراق في القرن العشرين) .. ونستطيع هنا التأكيد على الحقيقة التي أشرنا اليها آنفا وهي ان هاشم الطعان كان واحدا من الذين اضرت الصراعات السياسية التي شهدها العراق بعد ثورة 1958 به، وكانت سببا من اسباب عزوفه عن الشعر، وتوجههه نحو العمل الاكاديمي .. واذا كانت الجامعة قد كسبت استاذا متميزا له كتب وتحقيقات يعتد بها ، الا ان الساحة الثقافية العراقية قد خسرته مبدعا .
          أما غانم الدباغ ( 1923 - 1991 ) ، الركن الرابع من اركان جماعة رواد الادب والحياة ، فقد كان اكبر زملائه سنا ، كما انه لم يكن شاعرا بل قاصا رائدا .. وروائيا مبدعا استوحى أجواء قصصه من واقع حياة الموصل وقصباتها وقراها ابان عمله في سلك التعليم الابتدائي وقد وجدت بعض قصصه طريقها للنشر منذ ان كان طالبا في دار المعلمين الابتدائية التي تخرج فيها سنة 1944 . انصرف الى العمل الصحفي اواخر الخمسينات من القرن الماضي وشغل مناصب عديدة منها عضويته في هيئة تحرير مجلة الاديب المعاصر في السبعينات . كانت له مجاميع قصصية وتعد مجموعته القصصية ( الماء العذب ) التي طبعت سنة 1970 باكورتها ، وانشغل لفترة بالترجمة وظهرت له سنة 1950 مجموعة مترجمة بعنوان ( قصص من الغرب ) وقد نقل الاستاذ حميد المطبعي في موسوعته عن الاستاذ الدكتور عمر محمد الطالب تقييمه لغانم الدباغ وجاء فيه (( ان غانم الدباغ من القصصيين العراقيين الذين سبروا غور شخصياتهم وتعمقوا في تحليلها واستبطان دوافعها وغرائزها .. )) وقصصه تصور آلام مجتمعه ويستقي موضوعاته من الغرائز المكبوتة وفوران الشباب والحرمان من لذاذات الحياة ...)) .
          ان بدايات جماعة رواد الأدب والحياة ، وان تبدو قلقة ، توحي بافكار ونزعات تجديدية تبتغي التغيير وعدم الركون لما هو متوارث وكلاسيكي ، فان المسألة التي لا يمكن تجاهلها هي ان لروادها فضل الاجتهاد والتجريب وانتهاج طريق غير مألوف في التعبير عن كوامن النفس العراقية التواقة الى الحرية والحق والصدق وهذا هو ما منح اعمال هذه الجماعة قيمة الوثيقة الادبية المعتمدة في التأريخ لحياة العراق الثقافية المعاصرة .


          أ .د. إبراهيم خليل العلاف
          [size=4][color=#FF0000][align=center]إن الفكر لا يهزم وإن الأمة لا تموت [/align][/color]
          [color=#008000][align=center]أنتم حين نرحل صوت حرفنا الباقي في الصدى [/align][/color][/size]

          تعليق

          يعمل...
          X