الرجل الذي تبخر
ذاب الرجل، هكذا مثل مكعب سكر ألقيته في كأس شاي ، تلاشى و أصبح مجرد خطوط ٍ هلاميّة تبخرت وتصاعدت ثم ضاعت في فراغ المكان ، لا .. الكلام ليس مجازاً ، ولا ترميزاً .
رجل كامل، ذاب أمام ناظريَّ ، بدأ الذوبان من ذؤابات شعره فجبهته ثم عينيه و باقي الوجه ، و تناقصت رقبته حتى اختفت بين جدران قبة قميصه الذي بدأ ينهار كلما تلاشى انش من جسده ، حتى تكور فوق بنطاله الفارغ فوق الأرض، و حين رفعت رأسي لأنظر أسفل كرسيّه ،مشدوهاً ، مصدوماً ، اضرب خدي للخروج من الحلم إن كنت أحلم ، شاهدت جوربيه يضمران في حذائه ، ثم يلامسان بلاط المقهى ، خارج الحذاء الخاوي . نعم لقد ذاب الرجل تماماً ، كان جسداً حياً أمامي وكانت تبدو على محياه علائم يأس ممزوجةٍ بألم دفين ،وبثوانٍ قليلة تبخر.
كنت أنوي الاحتفال بعيد ميلادي الخمسين وحيداً قبل منتصف الليل ،حين دخل الرجل المقهى ، استأذنني أن يجلس إلى طاولتي ، رغم أن كل طاولات المقهى في هذه الساعة كانت خالية ولم يكن في المكان غيري . اومأت له برأسي أن تفضل ، و أنا أتوقع أن يبادرني بالكلام ليوضح السبب المنطقي للجلوس معي ، كأن يقول : " ألم تعرفني ؟ لقد جئت كي أحتفل معك بعيد ميلادك " . لكنه وبصمتٍ ، أخرج من حقيبته ورقةً بيضاء و قلم رصاص و بدأ الكتابة دون أن ينظر إلى وجهي .. هي دقائق فقط و بدأ الذوبان العجيب ، و أنا تلفني الدهشة ، مشوشٌ تائهٌ بين مصدق وغير مصدق لما تشاهده عيني .
زادت الموقف غموضاً ، امرأةٌ دخلت المقهى كعاصفةٍ ترعد و تزبد ، اخترق صوتها الحاد رأسي وهي تصرخ بي ، بينما تعصر بين يديها قميص الرجل الذي ذاب أمامي: " أين الرجل الذي دخل قبل قليل ؟ أين أخفيته ؟ هل تظن أني لا أعرف ألاعيب الرجال "
صامتاً كنت كالكرسي الفارغ أمامي، قرَّبَت وجهها حتى كاد أنفها يلامس أنفي ، صرختْ وحرارة أنفاسها الكريهة تلفح وجهي :
" أين أخفيت زوجي ؟ "
مددت كفاً مرتجفة أشير إلى بنطاله المتكور على الأرض و تأتأت كلاماً مبهماً بالكاد خرج من فمي . صرخت بي من جديد : " قل أين ذهبتَ به ؟ " . وقفتُ محاولاً تجاهلها و الخروج من المقهى لكنها وضعت كلتا يديها على صدري و دفعت بي بعنف تعيدني إلى كرسيِّ . كانت امرأة خمسينية ضخمة ، طويلة ، كدسّت على وجهها ألوناً شتى من حمرة الشفاه البنية الغامقة إلى اللون الكحلي فوق جفنيها و الدائرتين الحمراوين على خديها كخدي البلياتشو .
و عادت تكرر نفس العبارة و لكن بحدة أكثر . شعرت بغثيان ودوار ثقيل ...
ذاب الرجل، هكذا مثل مكعب سكر ألقيته في كأس شاي ، تلاشى و أصبح مجرد خطوط ٍ هلاميّة تبخرت وتصاعدت ثم ضاعت في فراغ المكان ، لا .. الكلام ليس مجازاً ، ولا ترميزاً .
رجل كامل، ذاب أمام ناظريَّ ، بدأ الذوبان من ذؤابات شعره فجبهته ثم عينيه و باقي الوجه ، و تناقصت رقبته حتى اختفت بين جدران قبة قميصه الذي بدأ ينهار كلما تلاشى انش من جسده ، حتى تكور فوق بنطاله الفارغ فوق الأرض، و حين رفعت رأسي لأنظر أسفل كرسيّه ،مشدوهاً ، مصدوماً ، اضرب خدي للخروج من الحلم إن كنت أحلم ، شاهدت جوربيه يضمران في حذائه ، ثم يلامسان بلاط المقهى ، خارج الحذاء الخاوي . نعم لقد ذاب الرجل تماماً ، كان جسداً حياً أمامي وكانت تبدو على محياه علائم يأس ممزوجةٍ بألم دفين ،وبثوانٍ قليلة تبخر.
كنت أنوي الاحتفال بعيد ميلادي الخمسين وحيداً قبل منتصف الليل ،حين دخل الرجل المقهى ، استأذنني أن يجلس إلى طاولتي ، رغم أن كل طاولات المقهى في هذه الساعة كانت خالية ولم يكن في المكان غيري . اومأت له برأسي أن تفضل ، و أنا أتوقع أن يبادرني بالكلام ليوضح السبب المنطقي للجلوس معي ، كأن يقول : " ألم تعرفني ؟ لقد جئت كي أحتفل معك بعيد ميلادك " . لكنه وبصمتٍ ، أخرج من حقيبته ورقةً بيضاء و قلم رصاص و بدأ الكتابة دون أن ينظر إلى وجهي .. هي دقائق فقط و بدأ الذوبان العجيب ، و أنا تلفني الدهشة ، مشوشٌ تائهٌ بين مصدق وغير مصدق لما تشاهده عيني .
زادت الموقف غموضاً ، امرأةٌ دخلت المقهى كعاصفةٍ ترعد و تزبد ، اخترق صوتها الحاد رأسي وهي تصرخ بي ، بينما تعصر بين يديها قميص الرجل الذي ذاب أمامي: " أين الرجل الذي دخل قبل قليل ؟ أين أخفيته ؟ هل تظن أني لا أعرف ألاعيب الرجال "
صامتاً كنت كالكرسي الفارغ أمامي، قرَّبَت وجهها حتى كاد أنفها يلامس أنفي ، صرختْ وحرارة أنفاسها الكريهة تلفح وجهي :
" أين أخفيت زوجي ؟ "
مددت كفاً مرتجفة أشير إلى بنطاله المتكور على الأرض و تأتأت كلاماً مبهماً بالكاد خرج من فمي . صرخت بي من جديد : " قل أين ذهبتَ به ؟ " . وقفتُ محاولاً تجاهلها و الخروج من المقهى لكنها وضعت كلتا يديها على صدري و دفعت بي بعنف تعيدني إلى كرسيِّ . كانت امرأة خمسينية ضخمة ، طويلة ، كدسّت على وجهها ألوناً شتى من حمرة الشفاه البنية الغامقة إلى اللون الكحلي فوق جفنيها و الدائرتين الحمراوين على خديها كخدي البلياتشو .
و عادت تكرر نفس العبارة و لكن بحدة أكثر . شعرت بغثيان ودوار ثقيل ...
أنا ميتٌ ، حتماً أنا ميتٌ ، نعم ، لا شك أني ميت ٌ و هذه بداياتُ عذابِ القبر ، أعادتني المرأة العملاقة إلى كامل قواي وهي تربت على خدي وقد هدأت حدتها ، و خف صوتها وهي تقول كمعلمة تستدرج تلميذاً مذنباً :
" قل لي ياشاطر أين ذهبت بالرجل الذي كان يجلس أمامك ؟ "
تمنيت من كل قلبي أن يكون لدي جواب لسؤالها ، أن أفسر لها ولي ما رأيت، منذ دخل الرجل المعجزة إلى المقهى حتى رؤيتي لهذه المصيبة أمامي . عادت فكرة أنه لا شك حلم وسأفيق منه حتماً تراودني ، لكن المرأة الضخمة سحقت هذه الفكرة أيضاً ، و هي تؤكد لي أني مستيقظ جداً ، حين أمسكت بياقتي من تحت ذقني ، نزعت القميص عن جسدي النحيل وألقته أرضاً فوق قميص الرجل المتبخر ثم أخذت تهزني بعنف فيرتطم رأسي بمسند الكرسي عدة مرات و هي تصرخ كالمجنونة :
" هيا .. انطق .. قل لي أين أخفيته " رفعت ركبتها الضخمة و حشرتها بين فخذي و أمسكت بأصابعها الفولاذية رقبتي ، ثم أخذت تضغط بإبهاميها على حنجرتي و تهز رأسي كما يهز طفلٌ شرسٌ مشاكس لعبة يكرهها قبل أن يمزقها .
شعرت أن قواي قد تلاشت وأني فقدت أي أمل بالمقاومة .
إذن هكذا سأموت ، ستتحقق نبوءة تلك العرافة " ستموت يا بني غرقاً ، دون ماء ، ستختنق بين يدي امرأة كالإخطبوط ، في عيد ميلادك الخمسين " .
من طرف عيني التي كادت تخرج من محجرها رأيت أجزاء الرجل تعود شيئاً فشيئاً لينمو جسده بدءً من قدميه داخل جوربيه إلى الأعلى حتى قمة رأسه ، و قبل أن ألفظ آخر أنفاسي ، كنت ألوح بيدي و أتململ محاولاً لفت انتباهها أن الرجل قد اكتمل وعاد. وقف عن كرسيّه و أسرع يمسك بكتفيها و يبعدها عني . كان قميصه مازال على الارض لكنه يرتدي قميصي . هدأت ثورتها ، استدارت لتواجهه ، ضحكت بصوت عالٍ فابتسم لها .. تأبطت ذراعه و اتجهت تشده نحو الباب ، لكنه تمهلها قليلاً و عاد إلى ورقته و قلمه على الطاولة .. كتب جملة صغيرة في أسفل الورقه . تحت الكلمات التي كان قد كتبها قبل أن يبدأ الذوبان .. ثم ترك القلم فوق الطاولة ، نظر إلى وجهي الملون بزرقة ما قبل الموت ، ابتسم و أشار إلى الورقة وهو يغمز بعينه ، ثم تأبط ذراعها و خرجا ..
سحبت الورقة نحوي رفعتها و قرأت ما كتب الرجل عليها و فهمت القصة كلها .
نبيل حاتم
نيسان /2010
تعليق