الرجل الذي تبخر-نبيل حاتم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل حاتم
    عضو الملتقى
    • 26-08-2010
    • 37

    الرجل الذي تبخر-نبيل حاتم

    الرجل الذي تبخر

    ذاب الرجل، هكذا مثل مكعب سكر ألقيته في كأس شاي ، تلاشى و أصبح مجرد خطوط ٍ هلاميّة تبخرت وتصاعدت ثم ضاعت في فراغ المكان ، لا .. الكلام ليس مجازاً ، ولا ترميزاً .
    رجل كامل، ذاب أمام ناظريَّ ، بدأ الذوبان من ذؤابات شعره فجبهته ثم عينيه و باقي الوجه ، و تناقصت رقبته حتى اختفت بين جدران قبة قميصه الذي بدأ ينهار كلما تلاشى انش من جسده ، حتى تكور فوق بنطاله الفارغ فوق الأرض، و حين رفعت رأسي لأنظر أسفل كرسيّه ،مشدوهاً ، مصدوماً ، اضرب خدي للخروج من الحلم إن كنت أحلم ، شاهدت جوربيه يضمران في حذائه ، ثم يلامسان بلاط المقهى ، خارج الحذاء الخاوي . نعم لقد ذاب الرجل تماماً ، كان جسداً حياً أمامي وكانت تبدو على محياه علائم يأس ممزوجةٍ بألم دفين ،وبثوانٍ قليلة تبخر.
    كنت أنوي الاحتفال بعيد ميلادي الخمسين وحيداً قبل منتصف الليل ،حين دخل الرجل المقهى ، استأذنني أن يجلس إلى طاولتي ، رغم أن كل طاولات المقهى في هذه الساعة كانت خالية ولم يكن في المكان غيري . اومأت له برأسي أن تفضل ، و أنا أتوقع أن يبادرني بالكلام ليوضح السبب المنطقي للجلوس معي ، كأن يقول : " ألم تعرفني ؟ لقد جئت كي أحتفل معك بعيد ميلادك " . لكنه وبصمتٍ ، أخرج من حقيبته ورقةً بيضاء و قلم رصاص و بدأ الكتابة دون أن ينظر إلى وجهي .. هي دقائق فقط و بدأ الذوبان العجيب ، و أنا تلفني الدهشة ، مشوشٌ تائهٌ بين مصدق وغير مصدق لما تشاهده عيني .
    زادت الموقف غموضاً ، امرأةٌ دخلت المقهى كعاصفةٍ ترعد و تزبد ، اخترق صوتها الحاد رأسي وهي تصرخ بي ، بينما تعصر بين يديها قميص الرجل الذي ذاب أمامي: " أين الرجل الذي دخل قبل قليل ؟ أين أخفيته ؟ هل تظن أني لا أعرف ألاعيب الرجال "
    صامتاً كنت كالكرسي الفارغ أمامي، قرَّبَت وجهها حتى كاد أنفها يلامس أنفي ، صرختْ وحرارة أنفاسها الكريهة تلفح وجهي :
    " أين أخفيت زوجي ؟ "
    مددت كفاً مرتجفة أشير إلى بنطاله المتكور على الأرض و تأتأت كلاماً مبهماً بالكاد خرج من فمي . صرخت بي من جديد : " قل أين ذهبتَ به ؟ " . وقفتُ محاولاً تجاهلها و الخروج من المقهى لكنها وضعت كلتا يديها على صدري و دفعت بي بعنف تعيدني إلى كرسيِّ . كانت امرأة خمسينية ضخمة ، طويلة ، كدسّت على وجهها ألوناً شتى من حمرة الشفاه البنية الغامقة إلى اللون الكحلي فوق جفنيها و الدائرتين الحمراوين على خديها كخدي البلياتشو .
    و عادت تكرر نفس العبارة و لكن بحدة أكثر . شعرت بغثيان ودوار ثقيل ...

    أنا ميتٌ ، حتماً أنا ميتٌ ، نعم ، لا شك أني ميت ٌ و هذه بداياتُ عذابِ القبر ، أعادتني المرأة العملاقة إلى كامل قواي وهي تربت على خدي وقد هدأت حدتها ، و خف صوتها وهي تقول كمعلمة تستدرج تلميذاً مذنباً :
    " قل لي ياشاطر أين ذهبت بالرجل الذي كان يجلس أمامك ؟ "
    تمنيت من كل قلبي أن يكون لدي جواب لسؤالها ، أن أفسر لها ولي ما رأيت، منذ دخل الرجل المعجزة إلى المقهى حتى رؤيتي لهذه المصيبة أمامي . عادت فكرة أنه لا شك حلم وسأفيق منه حتماً تراودني ، لكن المرأة الضخمة سحقت هذه الفكرة أيضاً ، و هي تؤكد لي أني مستيقظ جداً ، حين أمسكت بياقتي من تحت ذقني ، نزعت القميص عن جسدي النحيل وألقته أرضاً فوق قميص الرجل المتبخر ثم أخذت تهزني بعنف فيرتطم رأسي بمسند الكرسي عدة مرات و هي تصرخ كالمجنونة :
    " هيا .. انطق .. قل لي أين أخفيته " رفعت ركبتها الضخمة و حشرتها بين فخذي و أمسكت بأصابعها الفولاذية رقبتي ، ثم أخذت تضغط بإبهاميها على حنجرتي و تهز رأسي كما يهز طفلٌ شرسٌ مشاكس لعبة يكرهها قبل أن يمزقها .
    شعرت أن قواي قد تلاشت وأني فقدت أي أمل بالمقاومة .
    إذن هكذا سأموت ، ستتحقق نبوءة تلك العرافة " ستموت يا بني غرقاً ، دون ماء ، ستختنق بين يدي امرأة كالإخطبوط ، في عيد ميلادك الخمسين " .
    من طرف عيني التي كادت تخرج من محجرها رأيت أجزاء الرجل تعود شيئاً فشيئاً لينمو جسده بدءً من قدميه داخل جوربيه إلى الأعلى حتى قمة رأسه ، و قبل أن ألفظ آخر أنفاسي ، كنت ألوح بيدي و أتململ محاولاً لفت انتباهها أن الرجل قد اكتمل وعاد. وقف عن كرسيّه و أسرع يمسك بكتفيها و يبعدها عني . كان قميصه مازال على الارض لكنه يرتدي قميصي . هدأت ثورتها ، استدارت لتواجهه ، ضحكت بصوت عالٍ فابتسم لها .. تأبطت ذراعه و اتجهت تشده نحو الباب ، لكنه تمهلها قليلاً و عاد إلى ورقته و قلمه على الطاولة .. كتب جملة صغيرة في أسفل الورقه . تحت الكلمات التي كان قد كتبها قبل أن يبدأ الذوبان .. ثم ترك القلم فوق الطاولة ، نظر إلى وجهي الملون بزرقة ما قبل الموت ، ابتسم و أشار إلى الورقة وهو يغمز بعينه ، ثم تأبط ذراعها و خرجا ..
    سحبت الورقة نحوي رفعتها و قرأت ما كتب الرجل عليها و فهمت القصة كلها .


    نبيل حاتم
    نيسان /2010
  • بسمة الصيادي
    مشرفة ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3185

    #2
    مساء النور أستاذ نبيل حاتم الكريم
    وقفت هنا في الصباح، فتجاذبني المد والجزر
    حتى كدت أتبخر مثل ذلك الرجل ..
    سأقولها: وترتني .. ونفيتني إلى زاوية المقهى لأبقى شاهدة
    على أحداث غريبة وشخصيات أغرب ...
    لفتني خيوط الضباب، قد أعود لما أفكها عني ..
    علني أقرأ ما كتبه الرجل على الورقة البيضاء..
    تحيات حارة لقلم تحدى الصور في ذهني..
    أطيب التمنيات
    في انتظار ..هدية من السماء!!

    تعليق

    • نبيل حاتم
      عضو الملتقى
      • 26-08-2010
      • 37

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة بسمة الصيادي مشاهدة المشاركة
      مساء النور أستاذ نبيل حاتم الكريم
      وقفت هنا في الصباح، فتجاذبني المد والجزر
      حتى كدت أتبخر مثل ذلك الرجل ..
      سأقولها: وترتني .. ونفيتني إلى زاوية المقهى لأبقى شاهدة
      على أحداث غريبة وشخصيات أغرب ...
      لفتني خيوط الضباب، قد أعود لما أفكها عني ..
      علني أقرأ ما كتبه الرجل على الورقة البيضاء..
      تحيات حارة لقلم تحدى الصور في ذهني..
      أطيب التمنيات
      [align=right]
      الأخت بسمة ..
      أردت أن أبدأ هنا بنص بسيط وسهل ولا ترميز فيه ،
      حالة قد تقع كل يوم ..ولكني أراها بعين مختلفة ، ومن زاوية منفرجة جداً
      لأني مسكون بالقصة القصيرة ، والرواية ...لم تعد الشخوص العادية فيها تستهويني .. إلا إذا كانت من لحم ودم ......
      سرني جداً أنك تفاعلت مع النص ..
      وبانتظار قراءة ما كتب على الورقة البيضاء
      لك مودتي

      أبو لوركا
      [/align]

      تعليق

      • نبيل حاتم
        عضو الملتقى
        • 26-08-2010
        • 37

        #4
        أخي شكيب
        لأني كنت غائباً بالأمس رأيت أن أجيب على سؤالك هنا
        بما يتعلق بالقصة ..
        نعم إنها نفس القصة التي قُرأت في المهرجان المركزي للقصة القصيرة في إتحاد الكتاب العرب
        مع تعديل بسيط على نهايتها
        شكراً لاهتمامك


        أبو لوركا

        تعليق

        • نبيل حاتم
          عضو الملتقى
          • 26-08-2010
          • 37

          #5
          أخي شكيب
          ها أنا أرفعها للمرة الأخيرة

          تعليق

          • سمية الألفي
            كتابة لا تُعيدني للحياة
            • 29-10-2009
            • 1948

            #6
            الأستاذ / نبيل حاتم

            نص رائع رائع

            اللغة والسرد والفكرة والتصوير أجدت فيه حتى الحبكة الأخيرة

            هذيان لرجل وجد نفسه بعد أن ذاب حين وجد من يسأل عنه

            دمت مبدعا

            تحياتي

            تعليق

            • نبيل حاتم
              عضو الملتقى
              • 26-08-2010
              • 37

              #7
              العزيزة سمية

              والله شكراً أن قصتي قد لفتت ذائقتك الجميلة
              على كثرة المشاركين هنا .. أرى أن قلة من يلفتهم نص جميل لقصة من الفانتازيا .. الواقعية
              لا شك أنك قارئة متميزة .. وعذراً أن كانت هناك رائحة نرجسية خفية في ردي هذا ...
              لك كل الود
              نبيل

              تعليق

              يعمل...
              X