بسم الله الرحمن الرحيم
فحوى الفحوى
عَـجَّ الحَوْشُ بالأهْل وبالزَّائِـرينَ، ينـْثـُرُونَ التـَّهَانِيَ بعَوْدَةِ الحَاجِّ والحَاجَّة اللذان توَسَّطا الخِوَانَ وبَانَتْ عليْهمَا الغِبْطـَة مشْفـُوعَة برضَا النـَّفـْس، وقد أحَاط بهمَا خلـَفـَاهُمَا يتبَادَلان المَقـَاعِدَ ويتسَابقان فِي إبْرَاز الفـَرَح والشَّوْق لوَالِدَيْهمَا. أمَّا نِسَاءُ الأهْل فقدْ سَبقـْنَ وُصُولَ المَوْكِب وأعْدَدْنَ مَا يَلزَمُ المُناسَبَة منْ أطْعِمَــةٍ ورَتـَّبْنَ البَيْتَ لاسْتِقبَال الوَافِدِينَ والزُّوَّارِ، ولا زلـْن يَشْقـُقـْنَ أنْحَاءَ المَنـْزل جيئـَة وذهَابًا يُلبِّيـنَ طلبَاتَ الكلِّ فِي مَرَح وحُبُورٍ.
كانَ "عبَّاس" يَتلقـَّفُ كلَّ المَشَاهِدِ بامْتِنان وهوَ يجُولُ ببَصَرهِ بيْنَ الجَمِيع، يبْتسِمُ لهَـــذا، ويُحَيِّي تِلكَ، ويَدْنـُو بخَدِّهِ إلىَ أحَدِ أبْنائِهِ ليُقبِّلـَهُ أوْ يَتعَلـَّقَ برَقبَتِهِ. أمَّا "سارَّة"، فقدِ انـْخَرَطتْ في حَدِيثٍ مُطـَوَّلٍ معَ أمِّهَا ومعَ بعْض جَارَاتِهَا، حَدِيثٌ لا يقـْطعُهُ سِوَى وُقـُوفـَهَا لتـُرَحِّبَ بزَائِرَةٍ جَدِيدَةٍ أوْ لتـُجيبَ إحْدَى أخـْتيْهَا فيمَا يَخُصُّ شَأنـًا من شُؤُون المَنـْزل. وجَاءَ اخِتـتَامُ ذاكَ اليَوْم علىَ أحْسَن وَجْهٍ بأنْ تـمَّ تنـْظِيـمُ حَلقـَةٍ لِخَتـْم القـُرْآن الكريـم تلتـْـــهَا بعـضُ الأذكـَار الدِّينِيةِ وانتهَتِ الليْلة إلى عَشَاءٍ جَمَاعِيٍّ حَضَرهُ صَفـْوَة مَعَــــارفِ "عبَّاس" إضَافة إلىَ كلِّ أهْلِهِ وَالمُقرَّبينَ مِنـْهُ. ومَا إنْ أغـْلِقَ البَابُ وَرَاءَ آخِر المُغادِرينَ حتـَّى ارْتمَى "عبَّاس" علىَ أقـْرَبِ أريكةٍ ينـْشُدُ رَاحَة بعْدَ الإجْهَادِ الذِي بدَتْ آثارُهُ تنـْكشِفُ علىَ مُحَيَّا الجَمِيع، فحَتىَّ "سارَّة" فقدْ تنـَاهَى صَوْتُ شَخِيرهَا إلى مَسَامِع زوْجهَا مُذ عَادَ منْ تودِيع ضُيُوفِهِ منْ علىَ بَابِ مَنـْزلِهِ.
وَضَعَ "عبَّاس" الوسَادَةً علىَ وجْههِ وأحَاطهَا بذِرَاعِهِ في مُحَاوَلةٍ لمُغالبَة الأرَق الــــــذِي انـْتابَهُ فجْـأةً لكنَّ النـَّوْمَ فارَقهُ نِهَائِـيًا وظلَّ يُصَارع أزيزًا يعْصِفُ برَأسِهِ، أزيزٌ غــَــذاهُ صَخَبُ يوْمِهِ الطـَّويل البَارِح بأحْدَاثِهِ الكثيرةِ... دَفعَ بالوسَادَةِ جَانِبًا واسْتلقـَى علىَ ظـَهْرهِ ثمَّ رَشَـقَ عيْنيْهِ في الفضَاءِ الرَّحْبِ وقدْ أزفَ اللـَّيْلُ كثِيـرُهُ، وتلألأتْ مَصَابيحُ السَّمَاءِ حتىَّ بدَتْ كـَالثـُّرَيَّــا التي تمْنـَعُ الليْلَ أنْ يغْسَـقَ(5)فأحَالتـْهُ إلىَ بَيَاضٍ نـَاصِعٍ.
أطلق "عبَّاس" لخيَالِهِ العِنـَانَ فِي رحْلةٍ جَدِيدَةٍ بعْدَ أن إطْمَأنَّ خَاطِرُهُ لأمْـر النـَّـذر، فقـَـدْ أفـْتِيَ لهُ بإمْكـَانِيَّةِ مَعْرفـَة فحْوَى الرِّسَالةِ عنْ طَريقِ شَخْصٍ آخَرَ يَكـُونُ مَحَلَّ ثِقـَةٍ، شَخْصٌ يَقـْرَأ بنـَفـْسِهِ الرِّسَالة ثمَّ يُعْلِـمُ "عبَّاس" بمَضْمُونِهَا. ومَنْ يَا تُرَى أقـْرَبُ مِنْ "سارَّة" وأشَــدُّ حِرْصًا مِنـْهَا علىَ رَاحَتِهِ وكذلِكَ عَلىَ كِتـْمَان السِّرِّ لوْ ظـَهَرَ فِي الأمْر مَا يُعِيبُ ..؟ هذا مَا رَشَحَ إلى ذِهْنِهِ ورَكـَنَ إليْهِ مُنـْذ عَوْدَتِهِ مِنَ الأرَاضِي المُقدَّسَةِ، لكـنَّ مَرَاسِمَ الإسْتِقبَال وحُضُورَ الضُّيُوفِ حَالا دُونَ الإنـْفِرَادِ بزَوْجَتِهِ ولوْ لِلـَحَظاتٍ فأجَّلَ المَوْضُوعَ إلىَ حِينٍ.
هَبَّ نَسِيمٌ خفِيفٌ طـَالَ فِنـَاءَ المَنزل وقطعَ عليْهِ حَبْلَ تفكيرهِ، فشَعَـرَ بلفـْحَةِ بَرْدٍ تسْري فِي كامِل بَدَنِهِ . ضَمَّ رُكبَتيْهِ إلىَ صَدْرهِ وظلَّ يفـْرُكُ سَاقيْهِ برَاحَتيْه ينـْشُدُ بعْضًا مِنْ حَرَارَةٍ، ثم وبحَرَكةٍ مُفَاجئـَةٍ انتفـَضَ الرَّجُلُ حتىَّ اسْتـَوَى وَاقِـفـًا وتسَـاءَلَ بصَوْتٍ مسْمُوع :
- لِـمَ الإنـْتِـظـَارُ إلىَ طـُلـُوع الصَّبَاح ؟ .. هِهْ ؟ .. لقدْ صَبـِرْتُ بمَا يَكفِي وأنا أرْنـُو إلــىَ اللحْظةِ التِي أفـُـكُّ فِيهَا هَذا الطـُّلسُمَ وأرْتـَاحُ ... أإذا توَفـَّرَتْ ليَ تلكَ اللحْظة أؤَجِّلُ كشْفَ المَسْتـُور ؟ مَاذا لوْ مِتُّ قبْلَ بُلـُوغ الصَّبَاح ؟ .. حَتـْمًا سَأمْضِي حَسِيرًا .. سَأوقِظـُهَا الآنَ فهْيَ مِفـْتاحِي وهِيَ تعْويذتِي .. "سارَّة" .. "سارَّة" .. "سارَّة".
أطـَلَّ "عبَّاس" برَأسِهِ مِنْ بَابِ الغـُرْفةِ ليَجدَ زَوْجَتهُ تغـُطُّ فِي نـَوْمٍ عَمِيقٍ وَهْيَ تتوَسَّطُ الوَلـَــدَ والبنـْتَ في مَشْهَدٍ حَمِيمِي جَعَلهُ يَترَاجَعُ عَنْ إيقاظِهَا. فتقـَـدَّمَ برفـْق باتـِّجَاهِ صُورَةِ وَالِدِهِ المُعَلقـَةِ علىَ حَائِطِ الغـُرْفةِ، وَرَفعَهَا مِنَ الأسْفـَل قلِيلا، ثمَّ مَرَّرَ يَدَهُ خَلـْفهَا وَسَحَبَ الظـَّرْفَ الذِي يَحْوي الرِّسَالة وَخرَجَ.
تمَـدَّدَ "عبَّاس" مِنْ جَدِيدٍ عَلىَ أريكتِهِ ورَاحَ يُقـَلـِّبُ الظـَّرْفَ بيْنَ أصَابعِهِ وهْوَ يُمَنـِّي النـَّفسَ باقتِرَابِ أجَل الحَقِيقةِ وتمَنـَّى لوْ أنَّ النـَّهَارَ قدْ حَلَّ حَتىَّ يَنـْزَاحَ هَذا الحِمْلُ الثقِيلُ الذِي لطَالمَا أنقضَ ظهْرَهُ ورَاحَ يُتمْتِمُ ببَعْض الأدْعِيَةِ فِي انـْتِظار آذان الصُّبْح لكِنَّ النُّعَاسَ غلبَهُ أخِيــرًا فنـَامَ ...
- "عبَّاس" .. "عبَّاس" .. يَا حَاجْ .. حَاجْ ... يَا حَاجْ، أفِـقْ يَا رَجُلْ لقـَد انتصَفَ النَّهَارُ
رفع "عبَّاس" رَأسَهُ بتثـَاقـُل وفتـَحَ عَيْنيْهِ فبَادَرَهُ وَجْهُ زَوْجَتِهِ وهْيَ تبْتـسِمُ :
- هيَّا قـُمْ، لقدْ أزفَ وقـْتُ صَلاةِ الظـُّهْر .. تـَرَكتـُـكَ تنـَامُ ولمْ أشَأ أنْ أوقِظـَكَ لِعِلْمِي أنكَ مُجْهَدٌ وحتىَّ "رقيَّة" و"مصْبَاح" فقـَدْ أرْسَلتُهُمَا إلى دَار والِدِي حتىَّ لا يُقلِـقـَا رَاحَتـكَ بصُرَاخِهمَا.
بَدَا التقـْطِيبُ علىَ جَبين "عبَّاس" وقالَ مُمْتعِضًا :
- أسْتغـْفِرُ اللهَ العَظِيمَ منْ كلِّ ذنـْبٍ عَظِيم .. لقدْ فـَوَّتُّ علىَ نفْسِي أجْرَ صَلاةِ الصُّبْح يَا امْرَأة ... أمَا كانَ أوْلىَ بكِ أنْ تـُوقِظِينِي أبْكـَرَ ؟ لا حَـوْ ..."... قطـَعَ "عبَّاس" كلامَهُ فجْأةً ورَاحَ يَتلمَّسُ فِرَاشَهُ يَمْنة وَيَسْرَة بحَرَكاتٍ سَريعَةٍ ويَجُولُ ببَصَرهِ حَوْلهُ بَحْثـًا عَنِ الرِّسَالةِ فانـْتبَهَ أنَّهَا بيَدِ "سارَّة" تعْبَثُ بهَا وتـُقلـِّبُهَا ذاتَ اليَمِين وذاتَ الشِّمَالِ وقالتْ بمَكْـرٍ :
- أتبْحَثُ عنْ هذِهِ ؟ هَاهْ ..؟.." .. مَــدَّ "عبَّاس" يَدَهُ ليَتلقـَّفَ الظَّرْفَ فتَمَنَّعَتْ "سارَّة" وأرْسَلتْ يَدَيْهَا خَلفَ ظَهْرِهَا فِي غـُنْجٍ واسْتطْرَدَتْ : ".. إنَّهَا لِيَ الآنَ، أنـَا مَنْ سَيَقـْرَؤُهَا كمَا اتـَّفقـْنـَا، لكِنْ عِدْنِي بدَايَة .. كمْ سَيَكونُ نصِيبي مِنْهَا إذا كانَتْ تحْمِلُ خيْرًا كثِيرًا ؟
وَقفَ "عبَّاس" مُتحَفـِّزًا وبَدَا كأنَّهُ يَسْتحِثـُّهَا :
- كلُّ الخيْرِ إنْ شَاءَ اللهُ .. خَيْرٌ ولا شَك.. كلُّ مَا فِيهَا حَلالٌ طيِّبٌ لكِ وَلأوْلادِنا، فقطْ عَجِّلِي واقـْرَئِيهَا أرْجُوكِ .. لا تـُثـْقِلِي عَلَيَّ ولا تنـْكئِي بَلـْوَايَ.
نأتْ "سارَّة" بنفْسِهَا فِي رُكْـنٍ مِنَ المَنْزلِ تتـْبَعُهَا نظَرَاتُ زَوْجِهَا الذِي تسَمَّرَ فِي مَكانِهِ وتسَارَعَتْ أنْفاسُهُ، وجَحَظتْ عيْناهُ فـهَا قدْ حَلـَّتْ اللحْظة التِي طالمَا انتظرَهَا، ورَاحَ يَعَضُّ مُرَاوَحَة علىَ شَفتيْهِ ويَتفرَّسُ مَلامِحَ "سارَّة" وهيَ تفـْتحُ الظـَّرْفَ، وتُخْــرجُ الرِّسَالــَة، فتـُفـْردُهَا، ثمَّ تلتـَهمُهَا بنظرَاتِهَا ومَا لبثـَتْ أنْ توَقفـَتْ وقدْ بَدَا عليْهَا الإنقِبَاضُ، شُعُـورٌ سُرْعَانَ مَا انـْتقلَ وحَطَّ الرِّحَالَ علىَ وَجْهِ "عبَّاس" فرَفضَتْ الكلِمَاتُ أنْ تسْعِفهُ ولمْ يَدْر إلا وَهْوَ يُتمْتِــمُ :
- مَا .. مَاذا ؟ مَا الأمْرُ ؟ قـُ.. قـُولِي .. قـُولِي برَبِّكِ .. هَيَّا.
أعَادَتْ "سارَّة" الرِّسَالة كمَا كانتْ فِي الظَّرْفِ وتقدَّمَتْ بخُطُوَاتٍ بَطِيئةٍ نحْوَ زوْجهَا الذِي ظلَّتِ الأسْئِلة مُعَلـَّقة بفـَمِهِ، فرَمَتْ بالظَّرْفِ عَلىَ الأرْض، واسْتدَارَتْ دُونَ أنْ ترْفـَعَ رَأسَهــَا، ثمَّ اتجَهَتْ إلىَ غُرْفتِهَا فِيمَا انْحَنىَ "عبَّاس" ليَتـَناوَلَ الظَّرْفَ ونظرَاتـُهُ مُثبـَّتة عَلىَ بَــابِ الغُرْفةِ يَنـْتظِرُ كلِمَة تـَرْوي ضَمَأهُ. وَبَعْدَ دَقائِقَ خَالـَهَا دَهْرًا، ظهَرَتْ زَوْجَتـُهُ وَهْيَ تحْمِلُ حَقِيبَة كبيرَةً، وَبنفـْس الهُدُوءِ المُمِيتِ الذِي غمَرَهَا فجْأةً، اتَّجَهَتْ نحْوَ البَابِ الخَارجي فاعْترَضَهَا "عبَّاس"، ثمَّ أمْسَكَ بيَدِهَا التِي تحْمِلُ الحَقِيبَة ليُوقِفَ مَسِيرَهَا، وسَألَ باسْتِغرَابٍ :
- إلىَ أيْنَ يَا حَاجَّة ؟ مَاذا دَهَاكِ ؟ ألنْ تـُخْبرينِي بمَا فِي الرِّسَالةِ عَلىَ الأقـَـلِّ ؟
- انزَحْ عنْ طَريقِي أرْجُوكْ ..." ... قالتْهَا وَقدْ خَنقتـْهَا العَبْرَةُ ..." دَعْنِي أمُرُّ فلمْ يَبْـقَ بيْننا مَا يُجيزُ الوصَالَ بَعْدَ اليَوْم ... حَـدُّ اللهِ بَيْنِي وبَيْنكَ ...
زَادَ اسْتِهْجَانُ "عبَّاس" للمَوْقِفِ وَحَمْلقَ باتـِّجَاهِ زَوْجَتِهِ وقـَالَ بغَضَبٍ :
- اتـَّق اللهَ يَا امْرَأة، أخْبرينِي عَن السَّبَبِ عَلىَ الأقـَلِّ ... لا تُحَمِّلِينِي مَا لا ذنْبَ لِي فِيهِ
- إنْ لمْ تتـْرُكنِي سَأرْفعُ عَقِيرَتِي بالصِّيَاح حَتىَّ يَنْتبهَ الجيرَانُ، أوْ سَتضْطَرُّنِي إلىَ فِعْل مَا لا يَرْضَاهُ الدِّين ولا تجيزُهُ الأعْرَافُ .. أحَذِّرُكَ .. سَأحَمِّلكَ مَسْؤُولِيَتِي لوْ طَرَأ لِي طَارئٌ" ... ثمَّ سَحَبَتِ الحَقِيبَة بقـُوَّةٍ وَغَادَرَتْ بعْدَ أنْ جَذبَتْ البَابَ بعُنـْفٍ.
صُدِمَ "عبَّاس" لهَذا السُّلـُوكِ المُبَاغِتِ وتِلكَ النـَّبْرَةِ التِي لمْ يتعَوَّدْ عليْهمَا منْ زَوْجَتِهِ اللطِيفَةِ الرَّقِيقةِ، ذاتُ الصَّوْتِ الخَافِتِ، والأخْلاق الفاضِلةِ، والهُدُوءِ الدَّائِم. ثمَّ تذكـَّرَ أنَّهُ لمْ يَصْدُرْ مِنْهُ تـُجَاهَهَا إلا كلمَا يُؤَلـِّفُ ولا يُنفـِّرُ، يُرَمِّمُ ولا يَهْدِمُ، يَصِلُ ولا يَقـْطَعُ، فلمْ يَضِنَّ عليْهَا قـَطُّ بحُبِّهِ وبوَفاءٍ غَامِر لا تشُوبُهُ شَائِبَة، وفـَّرَ لهَا عَيْشًا كريمًا ختامُهُ منْ تسْنِيم : حَجَّ لبيْتِ اللهِ يَحْلـُمُ بهِ كلُّ مُؤْمِن صَادِق ... وَعَادَ يَتسَاءَلُ عَمَّا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِي رسَالةِ وَالِدِهِ قدْ أدَّى بهَا إلىَ تصَرُّفٍ كالذِي وَقفَ عَليْهِ شَاهِدًا، ثمَّ وبحَرَكةٍ حَثِيثـَةٍ دَلفَ إلىَ غُرْفةِ نوْمِهِ فصَلىَّ واسْتخَارَ رَبَّهُ، ولبسَ ثِيـَّابَهُ، وخَرَجَ قاصِدًا بَيْتَ عَمِّهِ وصِهْرهِ. ولمَّا وَصَلَ اسْتقـْبَلـَهُ عَمُّهُ وحَمَاتـُهُ تسْبقـُهُمَا انْفِرَاجَة بَدَتْ مُصْطَنَعَة، ورُحِّبَ بهِ كمَا جَرَتِ العَادَةُ، لكنَّ الوُجُوهَ كانَ يفْضَحُهَا قلـَقٌ بَيِّنٌ، وحتىَّ حُضُورُ وَلدَيْهِ لمْ يُغيِّرْ مَسْحَة الإنـْقِبَاضِ التِي كانتْ تكسُو وَجْهَهُ رَغْمَ حِرْصِهِ علىَ إبْـدَاءِ الفـَرَح بهمَا.
ومَا إنْ انـْفـَرَدَ "عبَّاس" بعَمِّهِ "عامِر" حتىَّ شَكـَاهُ تصَرُّفَ ابْنتِهِ ورَوَى لهُ مَا حَصَلَ ومَا آلَ إليْهِ الأمْرُ مَعَ "سارَّة" بَعْدَ قِرَاءَةِ الرِّسَالـــــةِ وخُرُوجهَا المُلفِتِ مِنَ المَنْزل. أبْدَى العَمُّ تعَجُّبَهُ مِمَّا سَمِعَ وعَادَ يُثـْنِي عَلىَ ابْن أخِيهِ ويُعَدِّدُ مَنـَاقِبَهُ فِي عُيُون المُحِيطِينَ بهِ وخلـُصَ إلىَ طَلبِ قِـرَاءَةِ الرِّسَالةِ وإطـْـلاعِ "عبـَّاس" بمَا فِيهَا حَتـىَّ يَعْرفَ سَبَبَ خـُرُوج "سارَّة" مِنَ المَنـْزلِ عَلىَ الأقـَـلِّ. طـَرِبَ "عبَّاس" للمُقـْترَح ونـَاوَلَ عَمَّهُ الظَّرْفَ مُمَنـِّــيًا النَّفـْسَ بحَصَادٍ أوْفـَـرَ، لكنَّ انـْتِظَارَاتهُ تلكَ سُرْعَانَ مَا تحَطَّمَتْ أمَامَ مِزَاجِ عَمِّهِ وتشَنـُّجهِ الذيْنِ فاقـَا بكثِير مَا ظهَرَ علىَ "سارَّة"، فقـَدْ أعَادَ العَمُّ الرِّسَالة إلىَ الظـَّرْفِ كمَا أخْرَجَهَا أوَّلَ مَرَّةٍ ورَمَى بالظَّرْفِ في اتـِّجَاهِ "عبَّاس" ثمَّ أخْرَجَ مَجْمُوعَة مَفاتِيحَ وَضَعَهَا علىَ الطَّاولةِ وَصَاحَ :
- كانَ يَجْمَعُنِي بكَ ثلاثـًا، صِلـَة رَحِمٍ أرَاهَا انـْتفـَتْ مُنـْذ اللحْظَة وسَأنـْعِيكَ فِي خَاطِري كمَا نعَيْتُ المَرْحُومَ أخِي قبْلا، أمَّا مَشْغَلَيْ النَّسِيج فالمَفاتِيحُ أمَامَكَ وَلنْ يُرَى لِي ظِلٌّ فِيهمَا أبَدًا. بَقِيَتْ "سارَّة" التِي ضَمِنْتُ وَلاءَهَا منذ عَادَتْ إلىَ مَنزلِي، وهيَ حُرَّةً إذا مَا رَنـَتْ عَوْدًا إليْكَ، لكنْ .. لكـ .. " .. وَرَفعَ "عامِر" عَقِيرَتهُ قاصِدًا لفـْتَ أسْمَاعِ مَنْ فِي البَيْتِ .." ... أمَّا "سارَّة" قـُرَّةَ عَيْن أبيهَا، فإذا مَا رغِبَتْ فِي العَوْدَةِ إليْكَ، فلنْ تـَهبَّ لهَا ريحٌ فِي مَنْزلِي مَا دُمْتُ حَيَّا عَلىَ الأقلِّ ... مَفْهُومْ ؟ .. هيَّا أغْرُبْ عَنْ وَجْهِي ..."
كانَ "عبَّاس" يُتابعُ المَوْقِفَ وَقـَدْ عَظُمَ عَليْهِ الأمْرُ، فأحَسَّ بضَغْطٍ شَدِيدٍ يُطْبقُ عَلىَ صَدْرهِ وكادَ أنْ يَسْقـُطَ. عَيْنـَاهُ تتفرَّسَانِ هَيْكلَ عَمِّهِ وَهْوَ يُرْعِدُ ويُزْبدُ بكلامٍ لمْ يَصِلْ مِنْهُ إلا مَا يُشِينُ، لكنَّ حُضُورَ "مصْبَاح" وَ "رُقيَّة" وقدْ تعَالىَ بُكاؤُهُمَا جَعَلـَهُ يَسْتعِيدُ بَعْضًا مِنْ وَعْيهِ أوْ هَكذا تجَلىَّ، فأحَاطَهُمَا بذرَاعَيْهِ وهو يُهْرقُ الدَّمْعَ أيْضًا مِنْ شِدَّةِ التأثـُّر، وقالَ بصَوْتٍ وَاهِن أبَحَّتـْهُ الصَّدْمَة :
- لا لا .. لا تخْشَيَا شَيْئـًا .. ليْسَ هُناكَ مَا يُوجبُ هَذا البُكاءَ .. أرْجُوكُمَا، مَاذا ؟ ألمْ تتعَوَّدَا بَعْدُ علىَ غَضَبِ جَدِّكُمَا ؟ مَا الجَدِيدُ فِي هَذا ؟هيَّا "مصْبَاح" أنْتَ رَجُلْ، عُدْ وأخْتـُكَ إلىَ أمِّكِمَا وَكُفـَّـا عَن البُكاءِ.
خَرَجَ "عبَّاس" مِنْ مَنْزلِ عَمِّهِ أشَدَّ حُزْنـًا وحَـُنَـْقـًا، ومَا إنْ قـَذفـَهُ البَابُ خَارجًا حتىَّ ذرَعَهُ (6) الدَّمْعُ مُجَدَّدًا، وبَكىَ بحُرْقةٍ شَدِيدَةٍ أثارَتْ فـُضُولَ بَعْضَ المَارَّةِ. ولمَّا انـْتبَهَ أنـَّهُ فِـي الشَّارع، أخْفىَ رَأسَهُ فِي صَدْرهِ وَحَثَّ الخَطْوَ حتىَّ لا يَتـَكـَأكـَأ (7) عَليْهِ أهْلُ الحَيِّ، وظلَّ يمْشِي علىَ غيْر هُدًى ... قادَتْهُ قدَمَاهُ إلىَ مَنْزل جَدِّهِ للأمِّ، وبسُرْعَةِ البَرْق انْتشَرَ خبَــــرُ وُصُولِهِ، فعَجَّلَ كلُّ أخْوَالِهِ إليْهِ، وَهَلـَّلـُوا لرُؤْيَةِ "الحَاجِّ" بَيْنـَهُمْ. سُرَّ "عبَّاس" بهَـذا التـَّرْحِيب ثمَّ تشَكىَّ لهُمْ مِمَّا بلغَهُ مِنْ ضَيْم، فبَدَتْ مَشَاعِرُ التعَاطُفِ علىَ الجَمِيع مِمَّا شَجَّعَهُ علىَ طلبِ عَوْنِهمْ في قِرَاءَةِ الرِّسَالة لَهُ. تطوَّعَ أصْغَرُ الأخْوَالِ فقرَأهَا، ثمَّ مَا لَبثَ أنَ ظَهَرَ عليْهِ التَّجَهُّمَ أيْضًا، فمَالَ علىَ البقِيَّةِ وهَمَسَ لهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا بمَا قرَأ، وسُرْعَانَ مَا سَاءَ الوَضْعُ. فأمَّا الجَدُّ، فقـَدْ خَرَجَ الأوَّلُ دُونَ أنْ يُشِيـحَ بنَظرَاتِ الإمْتِعَاض علىَ حَفِيدِهِ، وأمَّا البقِيَّة، فقـَدْ اخْتـَلوْا مَعَ بعْضِهمْ فِي غُرْفة أخْرَى، ثمَّ مَا لبثـُوا أنْ عَادُوا وهُمْ يَتـَّقِدُونَ غَضَبًا. وَكمَا تنبَّأ "عبَّاس" هذِهِ المَرَّةِ، فقدْ رُمِيَ لهُ بالظَّرْفِ وأمْطِـرَ سَبًّا وشَتْمًا وسَمِعَ مَا لمْ يتصَوَّرْ أنْ يَسْمَعَهُ مِنْ أهْل حَرِصَ عَلىَ مَرْضَاتِهمْ حِرْصَ العَلِيل علىَ صِحَّتِهِ.
- الشُّؤْمُ لا يُنْضَحُ بالمَال يَا فتىَ البَوَائِق، ولا تمْحُوهُ فضَائِلُ مَزْعُومَة .." ... هَذا مَا افـْتتحَ بهِ الخَالُ الأكْبَرُ حَدِيثـَهُ ثمَّ زَادَ : ".. سَنعْتبـِرُ أنْفُسَنَا حَمْقىَ حِينَ صَدَّقـْنَا أنَّكَ سَلِيلُ أخْتِنـَا الغَالِيَةِ "رقيَّة" طَيَّبَ اللهُ ثـَرَاهَا، والآنَ أخْلِ المَكانَ، ولا تعُدْ إليْنَا أبَدًا فيَمَسَّكَ مِنَّا مَا نتمَنىَّ أنْ نُصِيبَكَ بهِ اللـَّحْظة.
وَتـُركَ "عبَّاس" وَحْدَهُ بعْدَ انْسَحَبَ الجَمِيعُ مِنَ المَكان فانْتـَكسَ مُجَدَّدًا والـْتـَقطَ رسَالتـَهُ العَجيبَة وَغـَادَرَ لا يَلـْوي عَلىَ شَيْءٍ.
ثلاثـَة أيَّام مَرَّتْ كمَا الكابُوس علىَ "عبَّاس"، يَتكرَّرُ ذاتُ المَوْقِفِ وذاتُ المَشَاعِر المُحْبطَةِ، فمَا غنِمَ مِنْ أهْل ثِقتِهِ بمَا يُطـْفِئُ لظىَ النـَّار التِي تضْطَرِمُ بمِرْجَل صَدْرهِ. إمَامُ المَسْجدِ، وبعْدَ أنْ قرَأ الرِّسَالةِ، اسْتشَاطَ غضَبًا، وأغْلظَ الأيْمَانَ أنْ لا يُصَليِّ بمَسْجدٍ تعَهَّدَهُ "عبَّاس" بالصِّيَانةِ والدَّعْم المَادِّي، رَغْمَ التـَّمْهيدِ المُسْتطَابِ الذِي بَدَأ بهِ حَدِيثهُ، ورَغْمَ الوَرَع وَنفـَاذِ الرَّأي الذيْن اشْتهَرَ بهمَا الشَّيْخُ. وبالمِثـْل، مَا إنْ طوَى الرِّسَالة حَتىَّ هَدَّدَهُ رَئِيسُ المَخْفـَر بإيدَاعِـهِ السِّجْنَ إنْ لمْ يُغادِرْ مَكتبَهُ فِي ثـَوَان. ثمَّ أهِينَ فِي الأخِير شَرَّ إهَانةٍ مِنْ طَرَفِ أبْناءِ الشَّيْخ "مصْبَاح" حِينَ اسْتنْصَرَهُمْ علىَ مُصِيبَتِهِ.
هَامَ "عبَّاس" علىَ نفـْسِهِ لأشْهُر فِي البَلدَةِ، يُسَاءُ لهُ فِي اليَوْم مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ مَا إنْ تـَطَأ أقدَامُهُ مَكانـًا آهِلا أوْ اعْترَضَهُ أحَدٌ مِنْ مَعَارفِهِ. فخيَّرَ الإنـْطِوَاءَ علىَ نفْسِهِ، واعْتكفَ فِي مَنزلِهِ فتـْرَة طَويلـَة، لا يُكلـِّمُ أحَدًا وَلا يَزُورهُ إلا وَلـدَاهُ مِنْ حِين لآخَرَ، فتزيدُ زيَارَتهُمَا منْ حُرْقتِهِ بَعْد كلِّ مُغَادَرَة. وفِي الأخِير قرَّرَ أنْ يَهْجُرَ البَلدَة إلىَ مَكان لا يَرَى فِيهِ إنْسِيًّا قـَطُّ، يَعِيشُ فِيهِ لِذاتِهِ بقِيَّة أيَّامِهِ، فبَاع بَعْضًا مِنْ مُمْتلكاتِهِ العَيْنِيَة إلىَ تاجر مِنَ التـُّجَّار الذِينَ كانَ يَتعَامَلُ مَعَهُمْ، وَترَكَ لأوْلادِهِ مَالا وَأصُولَ عَقارَاتٍ أوْدَعَهَا بإحْدَى هيْئاتِ الإسْتِثمَار، ثمَّ ترَكَ البَلدَة بعْدَمَا حَمَلَ الكثيرَ مِنَ المَال، فضَرَبَ فِي الأرْض حَتىَّ بَلغَ إحْدَى البَلدَاتِ الشَّاطِئِية، فأقـَـامَ فِيهَا لأيَّامَ تعَرَّفَ خِلالهَا عَلىَ صفوة المُجْتمَع، ولمَّا عَلِمَ منْ خِلال أحَدِ التجَّار عَنْ اكتِشَافِ الصَّيَّادِينَ لبَعْض الجُزُر المُتاخِمَةِ لشَاطِئِ تِلكَ البَلدَةِ، فاسْترْخَصَ أولِي الأمْر فِي زيَارَةِ هذِهِ الجُزَُر، لكنـَّهُ كانَ يُضْمِرُ البَقاءَ فِي إحْدَاهَا بصِفةٍ دَائِمَةٍ. فاقـْتنىَ مَرْكبًا حَمَّلهُ بكلِّ مَا يَلزَمُه ُمِنْ زَادٍ يَكفِيهِ لأيَّامٍ، علىَ أمَل العَوْدَةِ والتـَّزَوُّدِ مِنْ جَدِيدٍ كلمَا دَعَتْ الحَاجَة أوْ نفِذ المَخْزُونُ.
وظلَّ "عبَّاس" لأعْوَامَ كثِيرَةٍ، مُوَاطِنـًا وَحِيدًا فِي عَالمِهِ الجَدِيدِ، يَرْبطُ مَرْكبَهُ إلىَ مَرْسًى صَنَعَهُ بنفـْسِهِ، ويُقِيمُ آذانـَهُ ويُكثِرُ مِنَ الصَّلاةِ والتسْبيح، فلا يَكادُ يَنقطِعُ عَنْ ذلِكَ إلا لإلـْتِقـَام بَعْض الأكل. وذاتَ صَبَاح، أفـَاقَ مُوَاطِنُ الجَزيرَةِ وقـَدْ أحَسَّ ببلـَل يَتخَلـَّلُ جسْمَهُ وكلَّ أطـْرَافِهِ، فلاحَظ أنَّ الجَزيرَة قد دَاهَمَتهَا مِيَاهُ البَحْر الهَائِج من كل جَانِبٍ، وبَدَأ المَاءُ يَنِــزُّ أيْضًا مِنْ تحْتِ الأرْض التِي يَقِفُ عَليْهَا "عبَّاس"، فجََرَى إلىَ رَبْوَةٍ أعْلىَ ليَتحَقـَّقَ مِنْ أمْر الخَطَر الدَّاهِمِ فصُدِمَ لهَوْل المَدِّ، إذِ السَّمَاءُ تسْكبُ وَالبَحْرُ يَدْفعُ. فكـَّرَ "عبَّاس" فِي ترْكِ الجَزيرَةِ الآيلـَةِ للغرَق والإنـْتِقال إلىَ مَكان آمِنٍ، غيْرَ أنَّ سُوءَ الحَظِّ أفِكَ بعَبَّاس مَرَّة أخْرَى، فقدْ تلاعَبَتْ الأمْوَاجُ العَاتِيَةِ بالمَرْكبِ وَغابَ عَن الأنـْظَار نهَائِيًا.
سَمِعَ "عبَّاس" مِنْ بيْن تِلكَ العوَاصِفِ والرُّعُودِ، صَوْتـًا كصَوْتِ الشَّيْــخ "مصْبَاح" يُنـَادِيهِ أن افـْتح الرِّسَالة يَا "عبَّاس" واقـْرَأ مَا فِيهَا بنفسِكَ ولِنفسِكَ ... الجَزيرَة تغـُورُ والطـَّقسُ عَاصِفٌ والمَرْكِبُ تحَطَّمَ أوْ حَمَلهُ التيَّارُ، لا أمَلَ لكَ بالنَّجَاةِ. فـُرَصُ المَوْتِ أكبَرُ يَا "عبَّاس" ... هيَّا افتـَحْهَا ماذا تنـْتظِــرْ. أخْرَجَ "عبَّاس" الرِّسَالة مِنْ بَيْن ثنـَايَا ثوْبهِ وَهْوَ يرْتعِشُ خَوْفـًا وَبَرْدًا، ووَجَّـهَ ضَوْءَ المِصْبَاح إليْهَا ثمَّ فتحَهَا تحْتَ ردَاءٍ يَضَعَهُ عَلىَ ظَهْرهِ. لكنْ مَا كادَ ينْطلِقُ فِي قرَاءَةِ الرِّسَالةِ حَتىَّ دَاهَمَتْ الجَزيرَة مَوْجَة عَاليَة أتتْ عَلىَ حِين غفلة وأرْسَلتْ "عبَّاس" ومَا فِي يَدِهِ إلىَ اليَمِّ.
أحَـسَّ "عبَّاس" بألـَم شَدِيـدٍ لدَى ارْتِطامِهِ بسَطـْح المَاءِ، ورَاحَ يُغـَالِبُ المَوْجَ بكلِّ شَرَاسَةٍ وبيـَـدِهِ الظّرفُ، يرفعُهُ عاليا كمن يُلَوّحُ بِرايةٍ طالبًا النّجدةََ. لقـَدْ خَامَرَهُ شُعُـورٌ سَاذجٌ ومُطـَمْئِنٌ في نفـْس الوَقتِ بتـَجَاوُز تِلـْكَ الأزْمَةِ وَالبـَقاءِ فوْقَ المَاءِ طـَالمَا ظلـَّت الرِّسَالة بحَوْزَتِه وفي مَأمَنٍ منَ التـَّلفِ. فبالرَّغـْم مِنَ الجَوِّ العَاصِفِ والأمْوَاج العَاتِيةِ، ظلّ يُقارعُ عُبَابَ البحرِ بكلِّ مَا أًُوتِيَ مِـنْ قـُوَّةٍ حتىَّ بَلـَغَ اليَابسَة. وهُنـَاكَ، ارْتمَى الرَّجُلُ مُنـْكفِئا علىَ وَجْههِ تلطـُمُهُ المِيَاهُ المُزبِدَةُ أثناءَ مَدِّهَا وجَزْرِهَا وهو خـَائِرُ القـُوَى لا يقدِرُ عَلىَ تحْريكِ أطـْرَافِهِ. وباسْتِرْخاءِ جسْمِهِ، انـْسَلَّ الظرْفُ مِنْ بين أصَابعِهِ وتوَارَى في لـُجِّ المَاءِ.
ظل بَصَرُ "عبَّاس" مُثـبَّتا في الاتّجاه الذِي نـَفرَتْ إليْهِ الرِّسَالة يَرْقبُ فِرارها منه وتََواريها عن ناظِرَيْهِ في عجزٍ وحُرقَةٍ، و فجْــأةً ضَاءَ المَكانُ فلمَحَهَا تنسَابُ ببـُطءٍ إلىَ مَوْضِعٍ لمْ يتبيَّنهُ للحَظاتٍ، مَكانٌ يُشْبـِهُ الكوَّة تدُورُ فـوْقهَا المِيَاهُ المُتجَمِّعَةُ ثُمَّ ما تفـْتأ أنْ تغـُورَ ليحِلَّ مَحَلـَّهَا تجَمُّعٌ جَدِيدٌ. حَاوَلَ الرَّجُلُ لمْلمَة مَا بقِيَ فيه منْ أنـْفاس وتحَامَلَ علىَ نفـْسِهِ للحَبْوِ فِي اتجاه ذلِكَ المَكان واللـِّحَاق برسَالتِهِ قبـْلَ وُلوجهَا تلكَ الكـُوِّةِ، فجْأة سَمِعَ صَوْتا مَألـُوفــًا يُنادِيهِ :
- "عبَّاس" .. "عبَّاس" .. قـُمْ يَا رَجُلْ، مَاذا دَهَاكَ ؟ مَا هَذا ؟ يا الله إنـَّهُ دَمٌ، إنـَّكَ تنـْزفُ يا حَاجْ .." .. كانـَتْ "سارَّة" بشَحْمِهَا ولحْمِهَا تقِفُ مَذعُورَة عنـْدَ كتِفـَيْ زَوجهَا بعد أن خَفـَّتِ الزَّوْبَعَة قلِيـلا، ورَاحَتْ تسَاعِدُهُ علىَ النُّهُوض مِنْ برْكـَةِ مِيَاهٍ تجَمَّعَتْ تحْتَ الأريكةِ التِي كانَ ينـَامُ عليْهَا بَقِيَّة ليـْلتِهِ يَوْمَ وُصُولِهمَا مِنَ رحْلـةِ الحَجِّ. برْكة أحَالتـْهَا دِمَاءٌ سَالتْ مِنْ أنـْفِ "عبَّاس" إلىَ مَا يُشْبهُ المَذبَحَ ..." .. قـُمْ وأنـْظرْ مَاذا حَلَّ بكَ .. سُبْحَانَ اللهِ .. ألمْ تحْفلْ بهَذا السَّيْل الجَارفِ مِنَ الأمْطار؟ ظننتـُكَ تنـَامُ ببَيْتِ الصِّبْيَةِ .. هيَّا هيَّا ... سَاعِدْنِي .." ... وَحاوَلتْ "سارَّة" جَـرَّْ زوْجَهَا بَعِيـدًا عنْ الأوْحَال.
جَالَ "عبَّاس" ببصرهِ المَكانَ مُحَاوِلا اسْتِيعَابَ مَا يَدُورُ حَوْلـَهُ، دونَ أنْ يُباليَ حتىَّ بحُضُورِ زوْجَتِهِ التِي اسْتبَدَّ بهَا الهَلـَعُ وهيَ تـُوَاصِلُ تنـْظِيفَ مَا عَلِـقَ بهِ مِنْ دِمَاءٍ و أوْحَالٍ، بلْ رَاحَ يهتزُّ ويُغَمْغِمُ ومُوَجِّهًا إصْْبعَهُ إلىَ مَجْرَى المَاءِ :
- إنـَّهَا هُناكَ .. هه .. هه .. إنَّهَا .. هُناكَ .. الرِّسَالة، الرِّسَالة يَا ناسْ ... لقدْ رَأيْتـُهَا وهيَ تدُورُ حوْلَ الكـُوَّةِ هنــَاكَ، لقدْ ضَاع سِرِّي ... ضَاعَتِ الأمَانة.
وعَلاَ صَوْتُ "عبََّّاس" بالبُكاءِ والنَّحِيبِ، فانفـَطـَرَ قلـْبُ "سارَّة"، وشَارَكتـْهُ بُكاءَهُ لكنّها ظلـَّتْ علىَ مَا هِيَ عليْهِ تشـُدُّ أزْرَهُ، وتـُناشِدُهُ أنْ يَكـُفَّ، فخـَبَا صَوْتـُهُ شَيْئـًا فشَيْئا ثمّ ما لبثَ أنْ استعاد هدوءَهُ ومَرَّرَ يَـدَهُ علىَ وَجْههِ ليَمْسَحَ مَا تنـَاثـَرَ مِنْ دَمْع ثمَّ اسْتـَكانَ وهدأتْ أنفـَاسُهُ.
اسْتغلـَّتْ "سارَّةُ" هُدُوءَهُ وانـْدَفعَتْ نحْـوَ الكُـوَّة مُحَاوَلةً اللـِّحَاقَ بالظـَّرْفِ الذِي بَاتَ قريبًا منْ فـُوَّهَةِ المَصَبِّ لكنَّ "عبَّاس" أمْسَكهَا مِنْ ذرَاعِهَا في مُحَاوَلةٍ لِثـنـْيهَا عنْ ذلِكَ، فالتفتتْ إليْهِ باسْتِغْرَابٍ مُتسَائِلة :
- مَاذا؟ دَعْنِـي ألحَـقْ برسَالتِكَ، إنهَاستقـَعُ فِي المَصَبِّ لوْ لمْ أسْرعْ .. دَعْنِـي .. أتـْرُكْ ذِرَاعِي، سَأحَاولُ منْعَهَا مِنْ بُلـُوغِهِ ... " ... قاطعَهَا "عبَّاس" بضَغْطٍ خَفِيفٍ علىَ يَدِهَا، وبلـُغةِ المُمْتـَنِّ ودُونَ أنْ يُشِيـحَ بنـَظرهِ عنْ خـطِّ سَيْـرالرِّسَالةِ قــالَ :
-لا...لا.. اُترُكيهَا .. اُترُكيهَا أرْجُــوكِ ...الآنَ فقـَط وَعيْتُ فَََحْوَاهَا ... كانتْ رُؤْيـَا... واللهِ إنـَّهَا الرُّؤْيَا يَا بنتَ العَمِّ، وقدْ أدْرَكتُ المَغزَى ... انـْتظِـري واُنظُري .. إذا كانَ لنا فيهَا نصِيبٌ، فلنْ تقـَعَ فِي المَصَبِّ بإذن اللهِ، ثمَّ مَا يُدْرينـَا لعلَّ بها شَـرٌّ يُرادُ لهُ ألاّ يحُلَّ بنا. لقدْ كانَ وَالـدِي -رحِمَهُ اللهُ- يُـرَدِّدُ دائِمًا قوْلا حَفظـْتُهُ ولمْ أفهَمْهُ إلا اللّحْظةَ، إنّه كانَ يقـُولُ "لو اطّلعْتمْ علىَ الغيْبِ لرَضِيتـُمْ بالوَاقِع"
رَفـَـعَ "عبَّاس" يدَيْهِ فِي تضَرُّع مُرَدِّدًا :
- يَا رَبُّ إنيِّ رَاضٍ بمَا قسَمْتَهُ لِي .. رَاض يا رَبُّ.. رَاضٍ، فبَاركْ لِي فِيهِ وقِنـَا شــرَّ اللّهفةِ والجَشــَعِ.
صَمَتَ "عبَّاس" فقد تنـَاهَى إلى سَمْعِهِ صَوْتُ المُؤذن وهوَ يقولُ "الصَّلاةُ خيْرٌ مِنَ النـَّوْم".
إنتهت بفضل الله يوم 02 أوت 2010
5 - يغسق = الليل : ينقلب إلى ظلام دامس
6 - ذرعه = فاجأه وباغته
7 - تكأكأ = اجتمع بغير نظام
تعليق