هل يجدي الندم . قصة قصيرة - نزار ب. الزين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار ب. الزين
    أديب وكاتب
    • 14-10-2007
    • 641

    هل يجدي الندم . قصة قصيرة - نزار ب. الزين

    هل يجدي الندم


    قصة قصيرة


    نزار ب. الزين*


    *****


    إعتاد سامي بك منذ قدومه إلى مصيف (جل الغزال) أن يتوجه عصر كل يوم إلى مقهى ( الغابة المسحورة ) مشيا على الأقدام ، يتبعه عن بعد سائقه بسيارته الأمريكية الفارهة ، يمكث هناك ساعة أو بضع ساعة ، يتناول خلالها كوبا أو كوبين من عصير (جلاب*) ، ثم يقفل عائدا بسيارته إلى الدارة التي استأجرها لقضاء الصيف .
    لفت سامي بك أنظار أصحاب المقهى أولا، ثم أهل الضيعة جميعا ، بكثرة أسئلته ، فما أن يقترب منه طفل أو طفلة أو شاب أو شابة ، حتى يناديه أو يناديها ثم يبادر إلى السؤال : << من فضلك ...ما هو اسمك ، و ما اسم والديك ، و ما اسم عائلتهما ، و ما اسم جدتك و اسم جدك ؟؟ >> و لكن أحدا لم يجرؤ على استفساره عن هدفه من وراء طرح كل هذه الأسئلة !
    ربما هي هواية التعرف على الأسماء ، قال البعض ،
    ربما هو فضول عجوز يريد التسلية ؛ قال آخرون ،
    أما القلة من خمنوا ، أنه ربما يبحث عن شخص ما ؛ و لكن لِمَ لا يسأل مباشرة ؟ و لِمَ هذا الغموض ؟؟!
    و في الدارة ، كان ينهض مبكرا ، فيجلس على الشرفة المطلة على وادي الصنوبر ، يرصد الغيمات الصغيرات القادمات من البحر و هي تتراقص مع نسمات الصباح العليلة على أنغام تغاريد العصافير و الترغل و العندليب ؛ و لا يلبث سائقه الذي هو في الوقت ذاته خادمه و طباخه و سكرتيره ، أن يقدم له القهوة بالحليب .
    " سرح بعيدا في الماضي البعيد ، أيام الصبا ، يوم أحبها و أحبته ، يوم شعرا أنهما ملكا الدنيا بكل جمالاتها ، يوم تصورا أنهما ارتبطا بوثاق الهوى ، كعروة وثقى لن تفصمها قوة مهما بلغت .. و لكن وا أسفاه فصمتها الهزة الأولى !.. فقد اعترض والداه على زواجه منها و هدداه بحرمانه من الميراث .. و يا أسفاه فقد رضخ لهما .. هكذا بكل ضعف و خساسة "
    غالبته بضع قطرات من الدمع ، ثم نادى حازم :
    << هل قرع بابنا أحد يا حازم ؟ >>
    سؤال يتكرر كل بضع دقائق ، اعتاد عليه حازم و اعتاد أن يجيبه : << أي طارق سأجلبه إليك – سيدي - في الحال >>
    فقد اعتاد أهل قرية جل الغزال ، أن يرسلوا أبناءهم أو بناتهم ، إلى بيوت المصطافين ، لبيع ما ينتجونه من ألبان و فواكه و خضار طازجة أو من خبز الصاج و مناقيش الزعتر .
    فما أن يتقدم أحدهم أو إحداهن منه حتى يبادره أو يبادرها بالسؤال : << من فضلك ... ما هو اسمك ، و ما اسم والديك ، و ما اسم عائلتهما ، و ما اسم جدتك لأمك و جدتك لأبيك و ما اسم جدك لأمك و جدك لأبيك ؟؟! >>


    *****

    و ذات يوم لفتت نظره فتاة في العاشرة ،
    أحضرها إليه حازم بعد أن اشترى منها حاجته من اللبن الحليب الطازج ..
    تأملها سامي بك مليا قبل أن يسألها :
    - ما اسمك يا صبية ؟
    فأجابته كتلميذه تلقي درسها :
    = أنا فؤادة بنت رعد رحمةَ الله ، يا بك ، و أمي اسمها سليمة .. يا بك
    << فؤادة ؟!
    و لكن لم الاستغراب ؟ تلك هي عادة هذه العائلة !!!يسمون سليم و سليمة ، بديع و بديعة ، فؤاد و فؤادة ، نبيل و نبيلة ، أظن أنني اقتربت ؟!! >> همست ذاته إلى ذاته و هو يتأمل الفتاة من جديد ، ثم أضاف يحدث نفسه : << الشبه عجيب ، نسخة طبق الأصل >>
    ثم همس للفتاة قائلا :
    - و جدَّتك اسمها سعاد و شقيق جدتك اسمه سعيد و أبو جدتك اسمه أمين و أم جدتك اسمها نجوى ، أليس كذلك ؟
    تجيبه و قد عقدت الدهشة لسانها :
    = كيف عرفت اسم جدتي و أهلها يا بك ؟ هل تعرفهم ؟ هل تعرفنا ؟
    يبتسم سامي بك ، و يتابع سؤالها دون أن يتمكن من إخفاء فرحته :
    - و ماهي أحوال جدتك سعاد ، يا صبية ؟
    = جدتي مقعدة ، أما جدي فمات السنة الماضية و خالي سعيد أخو جدتي مات قبله بسنتين .
    ثم تضيف فؤادة متلهفة :
    = أنت تعرفنا يا بك ، إذاً تفضل لزيارتنا ، يا بك ! بيتنا لا يبعد كثيرا يا بك !
    إنه قرب النبع ، رمية حجر يا بك !
    يبتسم لها ثانية ثم يجيبها بود و حنان :
    - دعي والدتك تحضر لي اللبن الحليب غدا يا فؤادة !


    *****

    تدخل فؤادة تتبعها والدتها بخطوات مترددة خجلة ، يقبل الصغيرة و يستقبل أمها بترحاب كبير ، يتأملها مليا << صورة طبق الأصل عن أمها هي الأخرى >>
    = لم أتشرف بمعرفتك يا بك ...
    تسأله مرتبكة ، ثم تضيف :
    = كيف أنك تعرف أهلي يا بك ؟
    والدتي متلهفة بدورها لتعرف مَنْ - جنابك - يا بك !..
    يبتسم سامي بك ، ثم يجيبها بهدوء و ود و حب :
    - لوالدتك أمانة في عنقي يا سليمة ...
    طلبتك من أجل سداد ذلك الدَين ..
    إنه دَيْن عمره خمسون سنة ..
    و اهمسي في أذنها :
    << سامحي من أساء إليك ، فقد أنهكه عذاب الضمير ! >>
    ثم ناولها حقيبة مكتبية و هو يوصيها راجيا :
    - لا تُفتح هذه الحقيبة إلا بيد سعاد بنت أمين البيَّاع ..رجاءً !


    *****

    تناولت العجوز الحقيبة ..
    ثم ...
    فتحتها ..
    ثم ....
    نظرت إلى محتوياتها مليا ...
    فتجمدت عيناها ...
    و تجمدت كذلك عيون أفراد العائلة الذين أنهكهم الفقر ...
    و عيون الجيران الذين شاع بينهم الخبر فتكأكؤوا داخل المنزل و خارجه .. و قد فغرت أفواههم جميعاً..
    "جاء الفرج ، ضمَنَّا جامعة الصبي .."
    قالت سليمة ذلك ، و قد جحظت عيناها و كادتا تخرجان من مآقيهما ..
    فقد كانت الحقيبة ملأى بالنقود ...
    دولارات ، كلها من فئة العشرين ...
    ثروة هبطت من السماء ..
    و لكن ....
    و لكن العجوز أغلقتها بعناية ...
    صمتت طويلا ...
    سرحت طويلا ...
    غالبت دموعها طويلا...
    ثم ......
    قالت لابنتها بشفتين مرتعشتين ، أمام ذهول الجميع :
    - أعيديها إليه و قولي له :
    << السنوات الضائعة لا تعوضها أموال قارون ... >>
    ثم أضافت في سرها :
    << لا سامحك الله يا سامي ، لا في الدنيا و لا في الآخرة ! >>

    *****

    ------------------------------------------------
    *عصير جلاب : عصير خلطة ( كوكتيل ) من الفواكه يضاف إليها الصنوبر
    ------------------------------------------------
    *نزار بهاء الدين الزين
    سوري مغترب
    عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
    الموقع :www.FreeArabi.com
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    جميلة كروحك
    كأني أري فيلما سنيمائيا أمامي
    حمل الكثير
    و أعتلج بالكثير
    كنت معه ، أبحث فى الوجوه عن وجه بعينه
    عن وجه مزقت تفاصيله بتراجعي
    بنكوصي
    و ضياعي تحت وهم الأسرة و المصلحة الأسرية
    ضاربا بما أحمل عرض الحائط
    يالقسوة الذكريات
    كيف أضعتها ؟
    و كنت دابة فى يد أسرتي
    كيف كنت جبانا
    و لم لم أنس طالما كان ألأمر بمحض إرادتي
    و لم لم تغفر .. لم لم تغفر ؟!!!!!!

    عشتك نزار صديقي
    أيها الرقيق الجسور إلى أقصي ما يحمل النبع
    و أول القرى الظامئة إلى رحيق منها !!

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      الأستاذ القدير: نزارب. الزين:
      النبض الصادق البكرلا يتكرّر بالعمر إلاّ مرّة واحدة
      وما بعده استكمالات لابدّ منها، ليعبر قطار الزمن خطوات مكتوبة...
      ولكنها بأيّ حالٍ لن تكون بذات الإيقاع والتناغم...والاندفاع..
      قصّة تابعتها باهتمامٍ
      كُتبتْ بأسلوبٍ شيّق...راصدٍ ، يموج بالحركة والحوار
      فعلاً...مال الدنيا لا يُعادل لحظة صدقٍ تستحقّ أن ندافع عنها
      ولو أحاطتنا الأسلاك الشائكة..
      دُمتَ بخيرٍ وسعادةٍ...تحيّاتي...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • هيثم عبدربه السيد
        أديب وكاتب
        • 08-09-2010
        • 48

        #4
        الأستاذ الفاضل / نزار
        تحية طيبة وبعد
        أخذتنا سيدى الى عالم خاص أتقنت صنعه وهرولنا معك على سطور النص وكأننا نهرول بين الوجوه والأسماء وأوجعتنا بلسعة الفراق والبعاد وأدمعتنا لحظة اللقاء وجعلتنا نتسمر ونحن نقرأ سطورك الأخيرة ..لنجد ضالتنا التى هرولنا خلفك لأجلها ...أموال الدنيا لاتساوى لحظة سعادة أو لحظة من عمر مضى
        تحياتى ودام مدادك

        تعليق

        • نزار ب. الزين
          أديب وكاتب
          • 14-10-2007
          • 641

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          جميلة كروحك
          كأني أري فيلما سنيمائيا أمامي
          حمل الكثير
          و أعتلج بالكثير
          كنت معه ، أبحث فى الوجوه عن وجه بعينه
          عن وجه مزقت تفاصيله بتراجعي
          بنكوصي
          و ضياعي تحت وهم الأسرة و المصلحة الأسرية
          ضاربا بما أحمل عرض الحائط
          يالقسوة الذكريات
          كيف أضعتها ؟
          و كنت دابة فى يد أسرتي
          كيف كنت جبانا
          و لم لم أنس طالما كان ألأمر بمحض إرادتي
          و لم لم تغفر .. لم لم تغفر ؟!!!!!!
          عشتك نزار صديقي
          أيها الرقيق الجسور إلى أقصي ما يحمل النبع
          و أول القرى الظامئة إلى رحيق منها !!
          محبتي
          *****

          معارضة الأهل ليس بالأمر الهين أخي ربيع

          و نسيان الحب الأول ليس بالهين كذلك

          أما الندم فقد أرهق سامي بك

          فظن أن المال قد يعوض

          و لكنها رأت أن مال الدنيا لا يساوي عزة نفسها

          و هكذا تتناقض مواقف البشر ،

          و كل يظن أنه على صواب

          ***

          غمرتني بلطيف عباراتك أخي المكرم ربيع

          فلك الشكر و الود ، بلا حد

          نزار

          تعليق

          • نزار ب. الزين
            أديب وكاتب
            • 14-10-2007
            • 641

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
            الأستاذ القدير: نزارب. الزين:
            النبض الصادق البكرلا يتكرّر بالعمر إلاّ مرّة واحدة
            وما بعده استكمالات لابدّ منها، ليعبر قطار الزمن خطوات مكتوبة...
            ولكنها بأيّ حالٍ لن تكون بذات الإيقاع والتناغم...والاندفاع..
            قصّة تابعتها باهتمامٍ
            كُتبتْ بأسلوبٍ شيّق...راصدٍ ، يموج بالحركة والحوار
            فعلاً...مال الدنيا لا يُعادل لحظة صدقٍ تستحقّ أن ندافع عنها
            ولو أحاطتنا الأسلاك الشائكة..
            دُمتَ بخيرٍ وسعادةٍ...تحيّاتي...
            *****
            أختي الفاضلة إيمان
            الحياة تسير بنا بصدق مواقفها و زيفها
            بعضها يمحوه الزمن بأداة النسيان العجيبة
            و لكن البعض الآخر يحفر في النفس عميقا
            بحيث لا يمكن أن ينسى مهما فاتت السنون
            ***
            أختي المكرمة
            عبارات ثنائك الوضّاءة أنارت نصي و أدفأتني
            فلك عميق شكري و امتناني
            نزار

            تعليق

            • نزار ب. الزين
              أديب وكاتب
              • 14-10-2007
              • 641

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة هيثم عبدربه السيد مشاهدة المشاركة
              الأستاذ الفاضل / نزار
              تحية طيبة وبعد
              أخذتنا سيدى الى عالم خاص أتقنت صنعه وهرولنا معك على سطور النص وكأننا نهرول بين الوجوه والأسماء وأوجعتنا بلسعة الفراق والبعاد وأدمعتنا لحظة اللقاء وجعلتنا نتسمر ونحن نقرأ سطورك الأخيرة ..لنجد ضالتنا التى هرولنا خلفك لأجلها ...أموال الدنيا لاتساوى لحظة سعادة أو لحظة من عمر مضى
              تحياتى ودام مدادك
              *****
              نعم ، يا أخي هيثم
              أموال الدنيا لا تساوي ذرة كرامة
              و لكن لمن يعتز بكرامته !!!
              ***
              أسعدتني مشاركتك أخي الأكرم
              أما ثناؤك العاطر فقد فاح أريجه بين سطوري
              ثم ، تسرب إلى ثنايا صدري ..
              فلك عظيم شكري و عميق مودتي
              نزار
              ****

              تعليق

              يعمل...
              X