يا بحر ' مين ' يشتريك..!
مساعد القبطان رجل ممتلئ الجسم , عريض الكتفين , أسمر البشرة , أو لعلّها تدين بسمرتها للشمس . يبدو في العقد الخامس من العمر , و رغم ضخامة جثته كان يصعد سلالم السفينة و ينزلها في خفة و سرعة مذهلة . يستقبل الزبائن , يحدد معهم السعر و يعْلمهم بموعد انطلاق الرحلة السياحية في عرض بحر تلك المدينة التونسية الساحرة .
تبادلت معه حديثا قصيرا . كنت متلهّفة على الإبحار , لم أشأ أن أضيّع فرصة تواجدي هناك لأيام دون أن أرى شكل البحر بعيدا عن رمل الشاطئ .
في الوقت المحدد , كنا هناك . السفينة ذات طابقين , متوسطة الحجم , و على شكل سفن القراصنة . أخذنا مكاننا في الطابق الأول . كنا خمس محجّبات فقط و باقي الركاب , و عددهم فاق الثلاثين , من السياح الأجانب , من إيطاليا و بريطانيا . كانوا يحدّقون فينا خلسة و قد نضحت ملامحهم بالدهشة و الريبة و الفضول . تذكّرت قول أحدهم أن الأجانب يعتقدون أن تحت كل خمار شريط ناسف , و كل ملتحٍ يستطيع أن يجعل من شعر لحيته حبال مشنقة!!
بدأت الرحلة .
و على أنغام موسيقى عالمية رائعة انطلقت السفينة بخفّة , متهادية فوق صفحة الماء الزرقاء المنبسطة , كأنها تنزلق فوق الجليد .
تركت مكاني و اتجهت إلى مقدمة السفينة و وقفت هناك متكئة على حافتها أحملق في الماء . الشمس في أوج اشتعالها و لكن , كأنما استحت من البحر , فقد كان لأشعتها حنان خاص .
ألقيت نظرة إلى الخلف فإذا المدينة هناك , تبتعد شيئا فشيئا , مثل حلم مستحيل , حتى غابت عن نظري تماما .
و وجدت نفسي قلبا لقب مع العملاق الأزرق .
مذهل , ساحر , خلاّب أنت يا بحر ! ترى , أي أسرار تنام في أعماقك ؟ أي حكايات تنوء بها أمواجك ؟ أي روايات تتناقلها مخلوقاتك ؟ كيف تستطيع أن تجمع بين الرقة و القسوة , الوداعة و الشراسة , بين الموت و الحياة ؟ تكون هادئا حينا, كما أنت الآن , فيخيّل إلينا أنك مسالم , رقيق , طيب لا تعرف الثورة , و تهيج أحيانا أخرى , فترمي في قلوبنا الفزع و نخشى أنك لن تهدأ أبدا .
اقترب من مقدمة السفينة شاب و فتاة . الشاب طويل , اشقر , جميل الملامح , يضع نظارات شمسية , و الفتاة بدت لي صغيرة السن , في الرابعة أو الخامسة عشرة , جسدها نحيل متناسق و شعرها في لون الشمس . ترتدي ' مايوه ' من قطعتين . كانا يتغازلان و يوشوشان غير عابئين بمن حولهما , وقد زاد من رومانسية الجو صوت ' ماريا كاري وهي تعترف ' أحبك كمجنون , كجندي , كنجمة سينما ' .
منظر العاشقين الشابين جعلني أفكّر في الحب .
همست في نفسي : حب , بحر , حبر , حرب . هذه الكلمات , عصب الحياة و سر الوجود , أهي محض مصادفة أنها تشترك في أكثر من حرف ؟ أم أنّ كلٌ منها يأخذ من الآخر و يعطيه ؟
الحب مثلا كالبحر , يشدّك بقوى خفيّة لا تدري كنهها , يغريك , يسلب لبّك و روحك , و لا تدرك مدى عمقه إلا بعد أن تغرق فيه , فتكون موتك أو , لو قدّر لك النجاة , تظل النّدوب محفورة في صدرك إلى الأبد .
آه يا بحر ! ذات زمن , كان قلبي سندباد , تجري في شرايينه فورة الشباب ..لم يكن يهاب الإبحار , فتح الأشرعة و انطلق , أصابه دوار الحب, تقاذفته الأمواج , لعبت به الحوريات مثل كرة سلة , و كم من مرّة مزّق التيار الجارف أشرعته و رمى به على شطآن الخيبة ..
صوت ابنة أختي يقطع عليّ حبل مناجاتي. تهمس في أذني :
- خالتي.. لماذا نحن العرب لا نبدي هذا الكم من الحنان لأبنائنا ؟
أبتسم . لا أجيبها .انبهاري بسحر البحر كان أكبر من أن أبدا معها النقاش حول إشكالية التعبير عن الحنان عند العرب .!
كانت تلمّح للرجل الأشقر السمين الجالس قبالتها. منذ صعدنا السفينة و هو يداعب ابنه الصغير مبديا له حنانا منقطع النظير , يدغدغه , يمسح على رأسه , يصفّق له , يلاعبه كأنه صبي في مثل سنّه .
أدرتُ مرة أخرى قلبي نحو البحر ..
أتدري يا بحر.. أغرب ما فيك أنك ملك لكل البشر , و لكن لا أحد يستطيع أن يزعم أنه يملكك !.لا أحد يستطيع أن يشتريك مهما امتلك من ثروة .
لا أدري كم من الوقت مضى حين تقرر الوقوف . في عرض البحر يضيع الإحساس بالزمن / كما في الحب تماما /
تم رمي المرساة و توقفت السفينة . مرّ بنا القبطان ببذلته البيضاء و قبّعته المميّزة . حيّانا و تمنى لنا وقتا ممتعا .
كان ضمن برنامج الرحلة النزول للسباحة في عرض البحر, و صيد السمك .
معظم السيّاح نزلوا للسباحة , و بعضهم صعد إلى الطابق الثاني لكي يمارس القفز في الماء . امرأة حامل , في شهرها الثامن تقريبا , تخلصت من فستان قصير كانت ترتديه و ظهرت بمايوه من قطعة واحدة و....غطست في الماء أمام عيوننا التي فغرتها الدهشة .
لم أتمالك من الإبتسام بسخرية و التفكير في المرأة العربية التي تعتقد أنها مصابة ' بداء الحمل ' , لطيلة تسعة أشهر , و حتى المشي ربما تتجنبه , فما بالك بالسباحة !! "
لم أتمالك من الإبتسام بسخرية و التفكير في المرأة العربية التي تعتقد أنها مصابة ' بداء الحمل ' , لطيلة تسعة أشهر , و حتى المشي ربما تتجنبه , فما بالك بالسباحة !! "
سياح آخرون انشغلوا بالصيد , وقد تدلّت صناراتهم المفخخة من نوافذ السفينة . ومرّ الوقت دون أن تعلق سمكة واحدة !
طبعا أنا بقيت في مكاني , استمتع بسماع الموسيقى العذبة و أحاور البحر . أخاف السباحة و لا أتصور أن ترتفع قدماي عن رمل البحر قيد أنملة , أما صيد السمك فلا أفهم أيّة متعة يجدها الرجال في الصيد , و صيد السمك تحديدا ؟. ماذا سيفعلون بسمكة ميتة ؟
و حانت مني التفاتة للفتى الأشقر و حبيبته الصغيرة . لا يزال ملتصقا بها , يداعب ذقنها بطرف سبابته . وقفز السؤال أمامي ..ما معنى أن الصيد هواية رجالية ؟!
أنا لا أحب صيد السمك , لكن سيكون رائعا لو تقبل السمكة أن تبادلني الدور ليوم واحد فقط , لو تعطني قدرتها على الغوص , على التنفس تحت الماء لأكتشف سر عظمتك و... غرورك و عشقنا لك يا بحر ! و هل كنا اخترعنا أسطورة حورية البحر لولا حلمنا بامتلاكك !
انتهت الرحلة الساحرة , و عدنا من حيث انطلقنا . كانت داليدا تغني ' سالمة ياسلامة , رحنا و جينا بالسلامة ' .
نزلت على اليابسة , و قبل أن أبتعد أكثر , التفتُّ إلى البحر , و ألقيتُ عليه قبلة أخيرة .
تعليق