حسن السماع وطيب المقام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محسن يونس
    • 04-07-2007
    • 1

    حسن السماع وطيب المقام

    حسن السماع وطيب المقام
    قصة
    محسن يونس


    [align=center]ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ[/align]

    اخترقت ناموسة أذن " عبد العال " واستقرت داخل رأسه ، ثم واصلت التقدم حتى وصلت إلى مركز مخه ، وأخذت تزن كلما رفت بجناحيها ، سمع عبد العال أصواتا تأتيه من الجهات الأربع الأصلية والأربع الفرعية أيضا ، في البداية كان يلتفت يمنة أو يسرة ، ليواجه من يحدثه ، فهو لا يعرف أن ناموسة تسكن الآن فى بيت مخه ، والناموسة نفسها لا تعرف أن سيدنا يوسف عليه السلام قد كتب على باب السجن : " هذه منازل البلاء وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء وقبور الأحياء" والناموسة أيضا لن تكتب رسالة لأهلها تقول فيها : " كتبت إليكم من دار لست لها مالكة ولا مرتهنة، ولا مكترية ، وليست بوقف على ، ولست فيها ضيفة ولا زائرة " حتى يحوقل أهلها قائلين : " لا حول ولا قوة إلا بالله .. إنا لله وإنا إليه راجعون ، فلا يكتب ذلك إلا من وقر في سجن" ونحن يمكننا أن نتجرأ ، ونتجاوز إخفاء وجودنا خلف هذا القص الذي نقصه كما يطلب منا العالمون بهذا الفن ، ونقول : " رب ناموسة فى مخ رجل تكون تمحيصا لا تنغيصا ، وتذكيرا لا تمكيرا ، وأدبا لا غضبا " وحاشا لله أن نكون من الساخرين ، بل نحن من حملة القلم ، ويكفينا إلى هذا الحد تدخلا يخل ولا يزن ، لكن وقبل أن نختفي خلف النص لابد أن نقول : " المرض سجن للبدن كما أن الهم حبس للروح " ، ولا نناقض مع ما قلناه سابقا عن التمحيص والتذكير والأدب ، إذا اعتبرنا وضع الناموسة عارضا ، وليس تفكها ، أو غرائبية مفتعلة ..
    عودة لعبد العال والناموسة نقول لها : " ليس بينك وبين دماغ عبد العال نسب فخير الأمكنة ما حملك وجملك " وقد كنا ننوى أن نكتبها هكذا : " ليس بينك وبين بلدك نسب فخير البلاد ما حملك وجملك " على اعتبار أن الناموسة ليست كائنا ينتمى إلى وطن مثل عبد العال الذي ينتمي إلى وطن له حضارة ، وثقافة ، وحروب ، وأعداء وأصدقاء ، ويمكن لأعداء الغد أن يكونوا أصدقاء اليوم .. والحروب تتحول إلى سلام .. سوف نطلب العذر هنا ، مع أننا في زمن لا ينجح فيه الوقح المتكلف فكيف ينجح فيه الحيي المخفف ؟! نقول هذا القول لنا لا لأحد غيرنا ، لأنا هنا وقعنا في مطب زلق وعبيط هو أننا ساوينا بين دماغ عبد العال وبين البلاد ، ولذلك فلتعلم الناموسة أن الغريب لكل رام بمثابة رمية ، وكل صياد يراه فريسة ، وليعلم عبد العال أن عسره في بلده خير من يسره في غربته ، هنا نكون قد أصلحنا عثرة القلم ورممنا أصل المعنى ، والسبب الذي جعلنا نخلط وارد في شيئين ، أولهما العلم بالحلم الجميل في أوله ، المؤرق فى آخره ، وعويل عبد العال المتواصل مع تحرك الناموسة جزءا على عشرة من المليمتر داخل رأسه : " أحلم في المنام بكل خير وأستيقظ فلا أرى هذا الخير ولا يراني !! " وثانيهما خطاب يأتيه من شقيق له بعد عشرين سنة من مغادرته البلاد إلى العراق الشقيق ، ومعيشته وزواجه ، فانقطعت أخباره على اعتبار أن اضطراب الأحوال هنا منال المنى والمراد هناك ، ولا بد – عفوا – أن نتدخل هنا متذكرين قولنا للناموسة فيما أسلفنا بيانه : " خير الأماكن ما حملك وجملك" – نظن أننا كتبناها جمعا بصيغة أخرى - وسوف نورد هنا جملة لنا كتبناها لصديق ، ولا بأس من إيرادها ، فهي تتصل بشأن عبد العال وشقيقه الغائب بالعراق بشكل ما ، ربما أوضحناه فيما بعد ، والجملة جاءت وسط كلام كثير ، و هي على هذا : " بدن لا يطير هو ثقل أرضى ، والأرضي ابن خطايا .. والخفة التي يطلبها الطيران هي مغادرة مستحيلة لطبيعة الأرضي .. نحن في صراع أزلي !! .. " قال أخوه المدعو " عز الدين " : لو رأيتني أخي عبد العال ما عرفتني ، طق شعر رأسي فتلون بلون أبيض باهت ، أنا الذي كنت أقف معك عاريا تحت المطر – أما زالت تمطر عندكم بغزارة في فصل الشتاء ؟ - وسط الشارع بينما ترسل النساء الشتائم ، ويصرخن لأستر نفسي ، وأنت تحاول خلع نفسك من قبضتي التى تقبض على ياقة قميصك بشدة ، لماذا كنت تخاف المطر يا عبد العال ؟! أما زلت تذكر رغبتي في الطيران مثل العصافير واليمام والغربان والصقور؟ كل الطيور هذه شدت عقلي ليسأل كيف تملك السماء خلف بيوتنا دون أن تسقط ؟! مازال ذراعي بعد أن تم تجبيره معوجا ، دائما كف ذراعي تميل براحتها إلى الأمام ، بعد أن اصطحبتك إلى سطح بيتنا ، وقفزت طائرا في الفضاء ، كنت أسمع تهليلك المتحمس وأرى وجهك ينظر نحوى وأنا أهبط بثقلي على سطح الجيران ، عبد العال أخي كيف أنت الآن ؟ عبد العال أخي انقذنى .. كيف تنقذني ؟! أضحك من نفسي ، فأنت هناك في مصر وأنا هنا في العراق ، خذ كأسا من العرقي ، واعطنى نوما هادئا ، فقد فاجأني خصيان الدكتاتور في الفجر ، وفاجأني المارينز في كل الأوقات ، ولكنى دون الخلق أجمعين الذين صوروا في تلك الأوضاع التي من المؤكد أنك شاهدتها على صفحات الصحف أو شاشات التليفزيون ، خرجت من سجن أبى غريب بلا تصوير ، فلا ظهرت لي جتة عارية ، ولا خلفية ، ولا أمام ولا دبر ، بركة دعاء والدتنا – كيف حالها ؟ أعتقد أنها ماتت الآن – خذ كأسا من العرقي ، وابتعد بشقيق زوجتي العراقي ، فهو معي في أبى غريب عار ، ويجدف يصرخ في وجهي : كيف تقرأ أو تسمع الآيات الكريمات ، وتريد جنة تدخلها من أجل الشهوات ؟! آياتٌ نسختْ آياتْ وأنت في محلك غير سائر أو ثائر يا أخي مت ، فأنت مشارك طغاة الأرض تمكينهم في فرض طغيانهم ، وفى شطط الفقهاء ، لأنك أعطيت لهم آذانك وفؤادك ، وتغمض عينيك عن فحش الحراس إما تمسحا لسلطة ، أوإتقاء لجبروت ، كيف يحملني هذا الشخص نكبات العالم ، يريد أن يراني أتلوى معذبا أعتصر روحي ألما !! ولكنه أكثر من ظهرت صوره عندما أعلنت الفضيحة ، لا تسرع وتظن الظنون في مهانة أو تحقير، انقذنى أخي عبد العال فأنا لم أعد أعرف من أنا ، فرأسي تزن فيها ناموسة ليل نهار، ولكن كيف تنقذني وأنا هنا إما فى النعيرية أو الكرخ بمنطقة حي العامل أوفي منطقة حي أور بجانب الرصافة أو أي مكان آخر فأنا لا أستطيع إخبارك بمكاني لأني أخاف من العسس أو من كان منهم يتحدث بلغة الضاد أو الأنجلوسكسونية أو الأمريكية لا أراك الله مكروها أخي عبد العال ، بالمناسبة خذ هذه النكتة التي تنتشر عندنا اليوم ، بعد نشر صور التعذيب بأبي غريب : أوقفوا السجين على صندوق صغير وقد وصلت أطرافه بالأسلاك الكهربية ، وغطي رأسه بغطاء أسود ، وعن يمينه وقف رئيس الوزراء البريطاني ممسكا بالعلم العراقي الجديد المثير للجدل وعن يسار السجين الذي يجري تعذيبه يقف الرئيس الأمريكي ، ممسكا بأسلاك التعذيب وهو يقول : للمرة الأخيرة أسألك ما هي مشاعرك بعد التخلص من الطاغية الدكتاتور؟
    بعد هذا الحديث الطويل في خطاب رجل يعيش في عراق اليوم لأخيه الذي يعيش في مصر الحاضر نقول أن سؤال عزالدين الوارد بخطابه لأخيه عبد العال – انقذنى ، ولكن كيف تنقذني ؟! - ليس من باب المرء كثير بأخيه – مع أن هذا ما ينبغي أن يكون - لأن الناموسة ظهرت هنا وهناك فى رأس الشقيقين ، ولا نعرف أهي التي قادته إلى المستنصرية أم حاجة من الحاجات الدنيوية كما سيأتي حالا ؟!
    كان واقفا فى شارع ضيق ، والشمس تلسع قفاه بحرارتها ، يبحث عن لحم بقرى يقطعه البائع أوصالا لأطفاله وزوجته العراقية ، بنت الناس لا ذنب لها لتحمل الشقاء معه مناصفة، وزنات الناموسة تقول له : هل أنت تائه ؟! المستنصرية أعرفها مثل كف يدي المعطوبة منذ طرت فغلب جسدي الترابي خيالي الهوائي وهويت ، هطلت دنانير هارون الرشيد وسمع رنينها – ألم يهاجر من أجل وفرتها وجمعها ؟! - زخات الرصاص حوله - ولأن عمر الشقي باق – خيب هو ظن الموت وراح محمولا أو أسيرا مكمم الفم ، بين إناس ملثمين يرطنون بكلمات النصر أو الموت أو الفدية ، كانت الناموسة تخرج من رأسه إلى محنة الواقفين فى المنتصف ، وبدأ رحلته مختصرة للتفاصيل ، العذر لنا فى اقتحام سيرة عزالدين هكذا كما جاء سابقا ، لم نذق طعم العرقي ، ولم نشرب الشاي مع عبد العال فالضحك هنا بكاء مقلوب، وعبد العال يقف وسط الحارة يصيح بالناس : إلى الجهاد .. إلى الجهاد .. والناس بحر عميق ، إذا لزموا البيوت ران عليهم العمى ، وأكسبهم هذا اللزوم كساحا ، وصيحة عبد العال بلسم ، ويمكن أخذها من جانب آخر هو : ما من شجاع إلا متهور ، ولا جبان إلا متحرز ، فلأي جانب كانت صيحته ؟! كان خروج الناس إليه شجاعة فى حسن الظن ، فلما طالبوه بالإيضاح قال هذا القول : على بابا ظهر لى ، قالوا : أين ؟! قال : لا تسألوا فى التفاصيل فيدهمكم الوقت ، على بابا ومعه الأربعون حرامي وشيخهم يعدون العدة للحصول على الياقوت والمرجان والذهب من بيوتكم .. صاح الناس : أيها المجنون من أين لنا الياقوت والمرجان والذهب والأموال ؟ ثم هذه كانت حكاية تمثيلية مؤلفة أذاعتها الإذاعة فى أيام مضت !! ضرب عبد العال رأسه بكلتا يديه ثم قال : " أعرف التمثيلية وكنت وأخي عزالدين زمان نمثل بعض مشاهدها خاصة عندما يقول الراوي على بابا بعد الضنى لابس حرير في حرير ، ويغنى والست مرجانة في العشق غرقانة سهرانة في القصر طول الليل " ضرب بعض الناس كفا بكف ، وتساءل بعضهم : " إذن فسر لنا جنونك .. وما كنا نعرف أن لك أخا !! " ، كان لابد أن يقص عبد العال على الناس كل ما سطرناه في أعلى ، وبعد أن انتهى قالوا : " حكاية تشبه الحكايات .. اضبط نفسك يا رجل " صرخ عبد العال : " الأربعون حرامى في بيوتكم الآن أضعتم الوقت في الشك والسماع ! " كاد الشك يأخذ بالناس ، لأنهم ولأنك تعرف معهم أن على بابا موطنه الأصلي مدينة بغداد ، هنا موطن للعجب فهذا البغدادي صار علما لأحلام الملايين الذين قرأوا أو سمعوا به ، وينطقون العربية ، إلا أن تفكه بعض الشبان وهم يجذبون عبد العال من ياقته : " لابد أن اسم أخيك هو قاسم ؟ " حاول عبد العال تخليص نفسه من تعريض أول وهو تكذيبه ، وتعريض ثان وهو تطوح جسده أثناء إمساك الشبان بياقته ، خاصة وأنه لمح ابنه الصغير ينظر إليه من بين أرجل الناس ، وهو على حافة البكاء ، انتفض وفى انتفاضته اصطدم رأسه بحائط بيت جره الشبان إلى قربه ، شعر على الفور بحكة في أذنه ، وحين أدخل إصبعه في صيوانها عاد بناموسة وبعض الصماغ ، وصاح : " ناموسة خرجت من أذني !! " وتعالت الضحكات من حوله ، إلا أن القصة لم تنته ، فقد جرى ابنه الصغير نحو بيت العائلة ، وهو يصيح : " من أذن أبى خرجت داموسة " ولا يخفى على اللبيب أن الصغير استبدل صوت النون بصوت الدال ، وذلك لكثرة هذا التبديل لدى الأطفال في سنه ، وعلى هذا فقد أعاد أفراد عائلة عبد العال صوت الدال إلى أصله وهو صوت الجيم ، فصاحوا أجمعين : " من أذن عبد العال وقعت جاموسة ؟! هذا والله لأننا في آخر الزمان !! "
  • الشربينى خطاب
    عضو أساسي
    • 16-05-2007
    • 824

    #2
    [align=center]الأستاذ الفاضل / محسن يونس
    استمتعت بقراءة القصة وعشت
    بين الجيم والنون والدال
    جيوش من جند الرحمن
    أهكذا مات النمرود
    ونجا عبد العال
    كل قراءة احتمال
    مرحباً بك كاتباً مبدعاً
    تحياتي
    [/align]

    تعليق

    يعمل...
    X