بقعة سوداء

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هيثم عبدربه السيد
    أديب وكاتب
    • 08-09-2010
    • 48

    بقعة سوداء

    بلكونة غرفتى المطلة على الشارع ضيقة جدا..تكاد تطبق على ومكتبى الصغير وأنا اكتب مقالتى الأسبوعية للجريدة ،ومن ضجيج الضحى بالشارع تتناثر الأفكار فى رأسى ،ألملمها سريعاقبل أن يشتتها صوت بائع متجول أو أدعية درويش بمبخرة أو طرقات بائع أنابيب أو حوار صباحى بين سيدتين عبر نافذتين يفصلهما عرض الشارع الضيق .
    عادة قديمة أن اكتب فى هذا المكان رغم ضيقه وضجيجه وكأنه جزء من الشارع ولا أعرف لعاداتى سببا أو تفسير سوى أنى فى هذا المكان الضيق استشعر انفلات روحى كلحظة ميلاد من رحم معلق بين الارض والسماء لتهيم فى فراغ الشارع وتصطدم بالكتل المتحركة فتعود إلى محملة باختلاجات أرواح أخرى تسكن تلك الكتل لألتقط من بينها مفتتح رواية أو فكرة قصة أو موضوع مقال .
    وأكتب " أيها الساكنون بلا حراك كفيلة أفريقية مترهلة على مقاعد وثيرة فى مسرح أوروبى تشاهدون توليفة مسرحية عبثية لشكسبير أبطالها هاملت المدعى الجنون وبروتس الخائن وعطيل المتهور وديدمونة المسكينة و...."
    يخلعنى صوته من شخصيات شكسبير وهو ينادى
    - أحلى بطاطا يا بطاطا.....ياسكر وعسل يابطاطا
    تتابعه عيناى وهو يجر العربة المحملة بالبطاطا قادما من اول الشارع .. تنفلت الروح من رحمها ،تتقافز حتى تصله ،تمرق من أمامه لتلتف حوله وعربته الخشبية الضخمة ،تلامس صدره العارى العريض وتقاسيم وجهه البارزة فتعود إالى محملة بعبق رجولى وجير أسنان متراكم منذ زمن فأجدنى أضيف إلى ديدمونة المسكينة
    "......وجيفارا المكافح المناضل ......"
    يهب شيطانى المثقف
    - جيفارا مش من شخصيات شكسبير ....انت بتستهبل ...؟
    فأرد عليه
    - ولو ..دراما الحدث تحتاجه.
    وأتابع البائع وهو يقطع الشارع بطوله مناديا بإيقاعات منتظمة لايخطئها ولم يستوقفه أحد ولو لمجرد الفرجة وتقليب سلعته المتكومة كالتل فوق عربته الخشبية ،فيتوقف من تلقاء نفسه أمام محل الجزارة المقابل لمنزلنا وينادى متوجها بندائه إلى المرأة التى يمتلئ بها الكرسى فى واجهة المحل
    - بطاطا يا بطاطا
    تنظر اليه المرأة وهى تلوك لبانتها التى لاتفارقها وتهز ساقها القبيحة فوق الأخرى الساكنة فيهتز معها جسدها المترهل وثدياها المتدليان البارزان تحت ثوبها الشفاف المنحسر طرفه بين ساقيها .
    - بطاطا ...!! مش عيب على طولك وعرضك تجر عربية يا.......
    وأكملت المرأة عبارتها بضحكة فجورية طويلة أعهدها منذ أن ظهرت تلك المرأة فى شارعنا كمارد حط فى الشارع تؤرق البنى ادمين ،تنغص عيشتهم وتقلق راحتهم بلسانها السليط وجر المشاكل كعادة حياتية يومية.
    يتوقف البائع ، يفلت من قبضته ذراعى عربته ،تنتصب قامته ،يستدير فى هدوء ليواجه المرأة
    - انت ست مش محترمة
    تملأ أجوائى موسيقى داخلية تصاحبها اهتزازات يدى بالقلم الحبر ولاأدرى لماذا ؟
    هل هى طبيعتى الدرامية التى تهوى مثل تلك المواقف ؟ أم هو فرح داخلى حقيقى لموقف ذلك البائع أمام المرأة صاحبة محل الجزارة ؟
    اختلافاتى الداخلية لاتبدل واقعية المشهد فى الشارع ..تنتفض المرأة من كرسيها ،تبصق لبانتها ،وتستند بيديها على جانبى خصرها المترهل
    - ناولنى سكينة باردة من عندك يا "لولو"
    وكأن هذا ال "لولو" كان ينتظر النداء بسكينه البارد فأجده كالعفريت يظهر وفى يمنيه سكين،
    ترتفع سخونةالمشهد وتتجلى عادات البشر فى شارعنا ..يتحلقون حول الحدث صانعين منه حالة شبه مسرحية ،همهمات الجمع تحجب عنى تطاولات كلامية استنتجها من اشارات أيدى البائع والحركات الجسدية لفاضحة للمرأة وتلويحات لولو بالسكين .
    أضع قلمى ، أزيح مكتبى الصغير بضع سنتيمترات للأمام ،أقف ،أدلى رأسى من فوق حافة البلكونة لأرى وأسمع ملء العين والأذن
    يدفعنى شيطانى
    - انت سلبى ليه ؟! شارك فى المشهد
    أتحرك بسرعة ،أتخطى باب الشقة ..درجات السلم ..باب المنزل ..أجدنى فى المشهد ..شيطانى يدفعنى ..أمرق بين الكتل غير ابه لتعليقات النسوة ولغط الرجال ، أصل الى البائع والمرأة ولولو ..أضع نفسى بينهم مواجها المرأة ولولو ..ترمقنى المرأة بنظرة
    - لو سمحت ياأستاذ خليك انت بعيد
    وكأنى لم أسمعها ألتفت الى البائع تتلاقى أعيننا .أحدق فى ملامحه ...للحظة أستشعر استثنائيته،استحضر قدراتى التحليلية ،يشتتنى الضجيج ..أعجز ..يستيدير ويقبض على ذراعى عربته ملقيا بابتسامة عريضة أشعر أنها غطتنى والشارع ،يسير فى هدوء مخترقا الجموع ،يكرر ندائه..
    - ياسكر وعسل يابطاطا
    أعود إلى البلكونة لأنتهى من مقالتى ..أجد الجزء الأبيض المتبقى من الصفحة تملأه بقعة سوداء ..نسيت القلم الحبر دون غطاء ،أنزع الصفحة ،انظر الى الشارع فأجد "لولو" يعلق ذبحا جديدا فى واجهة المحل

    قلم/ هيثم عبدربه السيد....
    التعديل الأخير تم بواسطة هيثم عبدربه السيد; الساعة 15-09-2010, 12:02.
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    أهلا أستاذنا هيثم
    و الله أنا كما توقعت .. سوف تثري هذا الملتقي بأعمالك الرائعة
    أعجبني العمل كثيرا .. طريقة القص .. البناء واللغة السهلة البسيطة
    و القوية فى الذهاب فورا إلى ماتريد دون تعقيد أو عوائق تذكر !!
    أعجبتني روح الخلط بين هذا المثقف أو الكاتب ، و الشارع و ما يحدث فيه ،
    و ذواكره التى تصطخب ، و تبني مع العالم عالما خاص به هو .. !
    توجست خيفة حين ترك الكاتب أدواته ، و أراد أن يكون أداة فى الفعل ، لا مجرد شاهد و فاعل
    خفت عليه كثيرا ، و تذكرت بطلا لي بإحدى قصصي ( أبو العينين حين دهمته حمي التأليف )
    و لكن لم يجد له دور للاسف .. كنت أتمني لو نزلت على رأسه سكين ، أو حملته المرأة وقذفت به بعيدا .. ه حكم أنا شرير ، و باخاف من النملة !!!!!


    شكرا لك أخي الجميل على تلك !!

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • أميرة فايد
      عضو الملتقى
      • 30-05-2010
      • 403

      #3
      الأستاذ المبدع هيثم
      أسجل إعجابي بقصتك التي استدرجتني حتى كلمة النهاية .غرقت مع البطل في الابتسامة العريضة التي أطلقها هذا البائع الإستثنائي متهما فيها الجميع وهازئا بهم.أعجبتني البقعة السوداء وما مثلته من رمز .دمت متألقا .تحيتي وتقديري.
      التعديل الأخير تم بواسطة أميرة فايد; الساعة 15-09-2010, 14:03.
      [SIZE=3] [B][FONT=Simplified Arabic]http://amirafayed.maktoobblog.com/
      [/FONT][/B][/SIZE]

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        الصّديق هيثم،مرحبا من جديد.
        نصّ بديع حقّا.صعب جدّا هو نقل التّفاصيل اليوميّة للنّاس؛حميّتهم،و برودهم،و فلسفتهم و مواثيقهم الاجتماعيّة العضليّة في الغالب،بقدر ما قد تجود علينا به من إيحاء هذه التّفاصيل الجاهزة التي تقتحم أبراجنا الهادئة الهامدة أحيانا .و نجد أنفسنا نمتصّها دون مشقّة خيال،أو عناء تكلّف و اختراع..صعب جدّا خلاف ما قد يبدو و يحتاج إلى دربة و مراس و مهارة استثنائيّة في السّرد و ترجمة محكمة للحركات و الحوارات و النّظرات إلى حبر.و هو في الآن نفسه مادّة فكريّة لا تنضب ..
        نحن ممنوعون من الصّورة و من الصّوت، لأجل ذلك ليس هناك ما هو أبعث على الارهاق من الكتابة.
        و أنت صديقي في هذا النصّ،أجدت نقل الصّورة و الصّوت و استطعت بملكة سرد فريدة أن تحيط مشهدك بجملة من القناعات الخفيّة العميقة و سيل من الدّلالات موغلة في الانسان الحقيقيّ الصّرف الذي لا يُدوّن القصّة بل يعيشها بالسّاعد و العرق و السكّين و الكذب و الحذق و السّأم و العراك،و جعلته يناظر ذاتا من فصيلته أبعد تطلّعا و استنباطا تكتب القصّة و لا تعيشها.
        أعجبني نصّك كثيرا أخي هيثم..دمت بخير
        التعديل الأخير تم بواسطة محمد فطومي; الساعة 16-09-2010, 18:00.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        يعمل...
        X