مسرحية الشهد و الملح// كوثر خليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    مسرحية الشهد و الملح// كوثر خليل

    مسرحية الشهد و الملح
    الفصل الأول:
    الراوي الأول (رجل) و الراوي الثاني (امرأة) يجلسان في آخر الركح ملتصقين على مستوى الظهر لا يبدو إلا ظِلـّهما..
    الراوي الأول (امرأة): من ذبَح هرّ العجوز؟ من روّع "دنيا" ليلة دُخلتها؟ من قطع الكهرباء على الوادي و نثر الدم في كل الزوايا؟..
    الراوي الثاني (رجل): تنفست النساء ضحكا مسموما فيما قرر الرجال مغادرة بيوتهم لقضاء الليلة في منزل الغريب.. لقد أكرم ضيافتهم و أغوى نساءهم دون علمهم غير أنّ دنيا التي خبِرت لذة الغريب و لهفة الجديد كانت تعلم أن لا أمان لها و للمدينة إلا بكشف السر لكن لا أحد يريد معرفة السر، حتى "محمود"، إنهم يفضلون شرّا يتواطؤون عليه على خير يخشون مغبّة السير فيه..
    الراوي الأول (امرأة): كل الرجال يحسدون محمودا، كل النساء يحسدن دنيا، ربما كان الزواج في نظرهما يوقف انهيار العالم إلا أن سكان الوادي يرون أن زرع البذور التي تحرك السواكن و تـُحِل الفهم محل القسوة و الشبع محل الرغبة لن يكون في أرضهم.
    الراوي الثاني (رجل): لقد أحب محمود دنيا لكن الحب كأن ترتدي معطفا في الصيف و تقف عاريا في الشتاء حاملا مطريتك في اُنتظار قلب لا يأتي.. الحب أن يأتي "مايو" العجوز بعكازته النحيلة و يُحلمَك بأزهار خريفية فتتبعه و أنت تجرّ نصفك المحترق..
    الراوي الأول (امرأة): لكن محمود كان فنانا و كان أنانيا بما يكفي ليصنع خبزا لكل الناس.. أليس الفن أن تستطيع الغناء مُحلّقا فوق كومة من الجماجم؟ إنها تلك الرغبة في الحياة و المُضي قُدُما في حين يشدك كل شيء إلى الوراء و إلى الموت؟
    الراوي الثاني (رجل): لكن دنيا كانت نصفه الواقعي.. كانت تعرف قاع الوادي و رائحة مواسيره في حين كان هو يحفظ سماءها و يعرف ما هي حُبلى به من إمكانات النبوغ و الجمال.
    الراوي الأول (امرأة): اجتمع الرجال لدى الغريب عَدَا محمود الذي اُختار العزلة و أشباح الأفكار تحوم حول ذهنه..في حين كان يحتفل قبل ساعة بزواجه.
    (يُضاء الركح في جانب منه ليكشف عن غرفة للنوم يجلس العروسان كل من جانب على طرف الفراش)
    دنيا: "هيا نَسْعَد، ففي العمر مًُتسع للحزن" قالت و هي تقترب من هالة زرقاء لم ينجح الحب في كسرها.
    محمود: "تُرى فيم يتجادل الآخرون؟" قال بِحَيْرة محمود.
    دنيا: "كان عليك أن تذهب معهم و تترك عروسَكَ وحيدة في بيت العائلة لتروي فضولك أو كان من الأفضل أن تنزوي للكتابة..ألم تقل إن القلم و السيجارة ثنائي من الأفاعي الملكية لا ينتج عن تزاوجها إلا المعرفة و الجنون و زهر الآلام النبيلة، اُكتب و اُنهمر حِبرا على الورقة فيما تخاف عروسك من ظلّها في هذا البيت البارد.."
    محمود: "أنت تبالغين، كل أهل الوادي يغبطون هذا الزواج، عليك أن تكوني المرأة الأسعد هذه الليلة و لهذا تجتمع النساء الآن و الرجال ليتأملوا هذا الحدث و يدرسوا اُنعكاساته"
    دنيا: (تضحك) "إنه لحدث عظيم فعلا (تتمسك به) أنا خائفة.. الغريب يلتهم عقل الوادي و النساء يكِدن المكائد و أنت تتسلل مني فلا أجدك و أنت معي."
    محمود: (و كأنه يُقنع نفسه) "هذا الغريب قَدِمَ بوسائل حديثة لم يعهدها أهل الوادي، إنه يسليهم هذا كل ما في الأمر.. يجعلهم يرون عالما غير العالم الضيق الذي يعيشون فيه و يوهمهم أن هناك أشخاصا في مكان آخر من العالم يسعدون و يأملون و يفعلون ما يريدون"
    دنيا: "يُسلـّيهم مقابل ماذا؟ مقابل استنزاف أخبارهم و أفكارهم، مقابل تدليل نسائهم؟ هذا ما يفعله الغريب؟"
    محمود: "صحيح أنه يداوي بالأعشاب رجال الوادي و نساءها و لكنه لن يتطاول إلى هذا الحد"
    دنيا: (تنظر في عينيه) "إنه يتطاول إلى هذا الحد" (زفرت) "ما أطول ليلتنا!"
    محمود: (ينظر إلى السقف) "لماذا ترفضكِ نساء الوادي؟
    دنيا: (متعجبة) اِسألهن.. و لماذا تزوجتني؟
    محمود: لأني ظننت أن بإمكان الحب أن يكون واقعا...لماذا تهتمين للغريب و لكل شؤون الوادي؟"
    دنيا: "هذا طبيعي"
    محمود: (بغضب)"و لماذا تريدين أن تفهمي كل شيء"
    دنيا: "قل كل ما بداخلك، توجد القذارة حيث يوجد السكوت أما حيث ما الكلام تكون الحقيقة و يكون النور.. قل تكلم..
    محمود: لماذا يهتم لك هذا الغريب؟ يقال إنه من قتل هرّ العجوز ليخيفك و يجعلك تعدلين عن الزواج بي.
    دنيا: هذا الكلام لا أساس له من الصحة و حتى و إن كان صحيحا أنا لا أهتم فنحن الآن زوجان.
    محمود: لم نصِر زوجين بعد..
    دنيا:..............(تغصّ في صمتها) ما دمت قويا هكذا اِذهب و جِد حلا لهذا الوادي الغائص في الوحل..اِسأل نساءَهُ لماذا يكِدن لي و اُسأل رجالهُ لماذا يتمنون الزواج بي و اُسأل نفسك عن الشقاء الذي تسببه لي و لنفسك دون سابق خطيئة و اُسأل الغريب عن أهدافه الحقيقية.
    محمود: لقد مات الحب في طوايا الاسئلة.
    دنيا: أنت من حكم عليه بالموت، هذه الأسئلة المسمومة و هذا الشك الذي لا جدوى منه، هذا الخوف المتنامي من كل شيء و من لا شيء، هذا الفهم الأعرج لواقع موبوء..
    محمود: هل نحن في الوقت غير المناسب لمحاسبة النفس أم أن الحقيقة تتفجر من تلقاء نفسها لتضع أمامنا كل الأسئلة دفعة واحدة؟
    دنيا: (بغنج) أنتَ كلُّ أسئلتي لهذه الليلة و للقادم من الأيام..
    محمود: و أنتِ ألف ليلى و ليلى، أنتِ مأدبة الفن و الجمال لقلبي الشقي، لنسفك دم أجمل الآلهة قربانا لليلتنا العظيمة هذه.
    (فجأة يسمع الإثنان طرقا عنيفا على الباب الخارجي و أصواتا مختلفة لرجال و نساء)..
    محمود و دنيا: من يا ترى؟
    (يمتلئ الركح و هو نصف مُضاء بالرجال و النساء يتدافعون و هم يرتدون عباءات سوداء و أيديهم مرفوعة إلى أعلى يقولون بصوت واحد):
    أهل الوادي: لا معنى لهذا الزواج، إنه شؤم شؤم شؤم، إنه زواج الحقيقة، جِماع العقل و القلب و الجسد و نحن لم نألف هذا، طالما أحببنا أن تكون الحقيقة مواربة فذاك جمالها أما دُنيا فتفجر السواكن و تجمّع الأضداد، إنها تـَنْفـُر شؤون النساء و تتلبس بالمسكوت و المحظور، إنها تضع يدها في يد الغريب و تزعم أنها مع الوادي و أهله.
    (يطلع العروسان من بين الأهالي يرتديان البياض و يتقدمان الركح)
    (محمود يقف قبالة دنيا و يمسك يديها و هو يكلم الآخرين)
    محمود: نحن حبيبان و نحمل نفس الهاجس تجاه الوادي، نحن هنا لنـُحبِل هذا الوادي العجوز التي نسيَ أحلامَهُ، إنه يختنق بخيوط صنعها هو، ألِفت عيونهُ الظلمة حتى صار النور يُدميها، ألا ترون أنفسكم، سواد في سواد في سواد، قِصص تُحاك و كراهية و موت، نحن لا نستطيع أن نعيش برئتين مُحترقتين، إنكم تسممون الهواء و الماء و تقتلون كل شيء.
    أهل الوادي: (ضحك) أنتما لستما سوى سمكتين ميتتين يحملهما ماء الوادي و قريبا يُلقيهما على الضفاف (بغضب) لا مكان لكما هنا فإما الإنفصال و إما النفي خارج الوادي.
    (يدخل الغريب و هو رجل خمسيني يسألهم و كأنه لا يعلم شيئا عما يحدث)
    الغريب: مبارك هذا الزواج، لماذا تجتمعون هنا يا أهل الوادي؟
    أهل الوادي: نحن هنا لنمنع هذا الزواج، هذا الثنائي خطـَر على مصالحنا، ألم نتناقش في بيتك حول هذا الموضوع؟
    الغريب: (يضرب كفا بكف و هو يدفع الشك عن نفسه) هذا ليس سوى زواج، أنتم تبالغون، دعوا العروسين ينعمان بليلتهما فلم يبق منها سوى ساعتين (يضحك)
    (يختطف واحد منهم العروس و يهرب بها فيما يلتف حوله أهل الباقون ليمنعوا العريس من اُسترجاعها يتبعهم محمود لكن الغريب يمسكه بقوة من يده)
    الغريب: (يقول بـِمَكر) إنها ليست سوى اُمرأة كالأخريات (يضحك) في المدينة...نساء يسلبن الألباب.. (يهمس) و لا يطلبن شيئا.. لماذا تحبس نفسك في دوامة الزواج و مطالبه التي لا تنتهي، دنيا ستثقل كاهلك بالأطفال و لن تجد قشة تتنفس بها و أنت فنان يعشق الحرية..
    محمود: (يفتك يده من يد الغريب و هو يجري):ا ُتركني، دنيا..
    الفصل الثاني:
    تبدو دنيا في منتصف الركح مشدودة الوثاق إلى كرسي و الضوء مسلط عليها فيما يظل الركح مظلما.
    دنيا: (مونولوج): كأنها تناغي بصوت خافت: حمامة بيضاء...بُحيرة سوداء...تقاوم الولادة..حمامة بيضاء..جناحها مكسور.. يهجرها السرور..حمامة وحيدة..تحدّها السماء..سماءُ من جليد...سماءُ من حديد..سماءُ من دماء..
    أين أنت يا محمود (تبكي) أين أنت يا محمود؟
    (يدخل الغريب، يقف وراءها مباشرة، تـُسلـَّطُ دائرتان منفصلتان من الضوء على الشخصيتين فيما يظل باقي الركح مظلما)
    دنيا (تواصل و كأنها لا تراه و رأسها إلى أسفل و رأس الغريب إلى أعلى):
    دنيا: حمامة بيضاء..صيادها أعمى...رصاصُهُ مجنون..يخترق العيون..فارسُها موثوق..(ترفع رأسها و تصرخ) في صدرها علامة..تنتظر القيامة..شهود الزور قادوها..على الإسفلت جرّوها.. و اُبتـَلـَع الستار.. مذابحَ الدمار..من يصرخ الحقيقة؟ من يكتب الوثيقة؟ محكمة سادية؟..حفلة تنكرية؟ "ليست سوى حمامهْ!" يقول ذو العمامهْ و يضحك الباقون: " ليست سوى حمامهْ! ليست سوى حمامة!"يقول ذاتُ القاضي: "اِذهبوا لِبَيْتِها، اِبحثوا عن بيضها، لتركعَ الحمامهْ، ستركعُ الحمامهْ"
    تضرب بالجناح و تطلب إفادة فيسخر الجميع"مُجرّدَ إفادة يا صاحب السعادة"
    "ما عِندكِ هاتِيه فالصبر من ذهب و اُختصري كثيرا لا تـُحدِثي الشغب فالهيئة مشغولة و هذا وقت الشعب!"
    فقالت الحمامة:" ألستُ ضِمن الشعب يا قاضي القـُضاة.. ألستُ جيل الرعب يا قاتل الحياة؟ ستـَشهَد المراسي و الريحُ و البحار و أسماء الفنادق و جِرذان الخنادق على ذرّات الملح، الملح تحت الجُرح، مساميرُ اليَدين، قـُموح الرافديْن عن سِرْقة موصوفة و كِذبة معروفة، معابدُ الحرية قلوب معدنية و البيض في أقفاص لا يعبر فيها النور..قضبانها سطور، قضبانها الصدور..هل يُمطر السقف زيتا عليهم و نارا علينا؟ و هل يَرشـَحُ الوردُ شعرا لديْهِمُ إذ يرشح الورد قـَيْحًا لديْنا؟ و من يُنقِذنا مَدّ الليل ِ و جزْر النهار و إذ نترقرق في أعيُنِ السُهْدِ لا نترجّل طولَ القرون..وَعْدًا عليْنا..فيا أيّها القاضي تغرب شمس و تشرق أخرى.. تُديرُ التقاويم لي ظهرها.. يجرحني زنبق أزرق في الطريق السماوي.. إلى معبدٍ ليس يُرفعُ عن دمِنا ..و جُثاتِنا العالقة... و لكن بَيْضيَ تـَوّا سينقف مناقيرَ مقدودة من حديد (فلا شيء يُقنع غيرُ الحديد) و أنت و غيرُك حتما تعرف فوضى النياشينِ، فائضَها و فضفاضَها حين ستُصهَر...عنقود جمر عنقود نصر يفلّ الصباح ليُصنَع منها مَخاض جديد.
    فقال القاضي "اُشنُقوها بمقربة من مَنام الخليفة ليهنأ نومُه...اُقتلوها على مسمع الشعب مرأى الشعب ليقرأ كل عنيد صحيفة و تبقى الحمامة ُمَحْضَ حمامة و ينسى الجميع أماني الزعامة"
    و لا شك تم اُتباعُ الأوامر و ظلت حمامهْ مجردَ طائرْ حمامة ً بيضاءْ تطير في الآجواء تذكـّر السلام في رأس كل عام..
    (قال الغريب و هو يرتدي عباءة و يقف وراءها فاتحا ذراعيه كالخفاش)
    الغريب: الشر و الهوى صِنوان، أنتِ هوايَ و الهوى اُمتلاك، أنتِ و هذا الوادي شيء واحد، إنكما دُرّتان تغرقان في الوحل، محمود لا يُمكن أن يحميَكما لأنه ضعيف و لوْ كان غيرَ ذلك لكنتِ معه الآن..
    دُنيا: (تصرخ و هي ما تزال مُوثقة إلى كرسي) أنتَ فاقد لكل القيم، إنك تحصل على ما تُريد مهما كانت الوسيلة لكني لستُ شيئا تتحكم بإرادته و أفكاره ، أنا إنسان و لن يدوم هذا الوضع طويلا..
    الغريب: (يفرك يديه ضاحكا) لا بُدّ أن تتخبّط الحمامة في الشرَك و لو قليلا لِتُمتع صيادَها كي يشعُر أنه لم يصطد جثة بل صَيْدًا يستحق العناء و لكنكِ لستِ بحاجة إلى ذلك فأنا أعرف من أنتِ.
    دُنيا: لن أكونَ لكَ أبدا، لا بُد أن يأتي محمود و يُخلصُني منك و معا سنخلص هذا الوادي من جنون الإمتلاك الذي تنظر به للأشياء.
    الغريب: (يتهكم) سيأتي محمود و يُخلّصُني، لم أكن أعلم أنك غبية، هل تعرفين أين هو محمودُكِ؟ إنه يرتشف ألذ النبيذ مع أشرس الغواني، إنه لا يُحبّك مثلي و لا يملك النفس الطويل للدفاع عمن يُحب.
    دُنيا:أنت كاذب، محمود لا يفعل هذا.
    الغريب: إنه يعيش لِفنّه و لأفكاره، لقد اُرتبط بكِ في فكرة طوباوية تجمع الواقع بالفكر و الجمال بالقبح و الحضيض بالمُثل لكن هذه الفكرة التي عاشت أياما اِنطفأت عند أول اُختبار، لقد أحبّ فكرَتَه عنكِ و عما يمكن أن ينتُج عن لقائكما فيُفيدَ فنّهُ لكنه لم يُحبك لِذاتِكِ.
    دُنيا: (تحاول فك قيودها) أنا لا أصدق ما تقول.
    الغريب: طبيعي أن لا تُصدّقيني و لكن ما أقوله لك ليس سوى الحقيقة التي ترفضين مواجهتها، اِبحثي عن طريقِكِ فأنتِ و محمود خَطان متوازيان لا يلتقيان إلا وَهْمًا أو ضِمن ليلة مجنونة لا صباح لها.
    دُنيا: فُكّ قيودي، لماذا توثقُني إذا كنتَ تُحبّني؟
    الغريب: (يدور في ساحة الركح رافعا يَديْه) يا لَلْحُب! يا لَلْحُب! إنه قاهر الجبابرة، هل تظنين أن رجلا مثلي يُعطي الحرية لاُمرأة سلبت حُريتَه و تركته ظِلّا لها؟ مُجرّد ظِل يتبعُها حيثما ذهبت فإن لم يكن بجسمه فبقلبه و روحه؟ كيف تُصدّقين أن هذا الغريب الذي عشقَ دنيا سيترك شيئا كمحمود أو غيره يأخذها منه، هل ترضَيْن على هذا الرجل الذي سلبتِ روحه أن يتركك بمحض إرادته لغيره؟ يجب أن لا ترضيْ بهذا و إلا كنتِ مثل أية اُمرأة أخرى لا يهمها محبسُ من ترتَديه و لا جسدُ من يشاركها ليلَها و لا الوضع الذي تأخذه في هذا العالم، امرأة تعيش على المهدّئات مُخدرة الوعي و الإحساس و اليدين، المرأة التي أريدها يجب أن تقف معي على نفس المستوى فإن وقفت ورائي فلِتدفَعَني إلى الأمام
    أكثر فأكثر، أنتِ اُمرأة قوية يا دنيا، قوية جدا، لماذا كل ما تتمنينه رجل و بيت و أولاد تقضين العمر في خدمتهم فإذا كبرتِ أبدلكِ الرجل كما يُبدل سيارتَهُ و اُنفضّ عنكِ الأولاد لحياتهم الخاصة و تركوك كائنا بلا هدف؟ بإمكانك الارتباط و الإنجاب و الاستقرار لكن لا تجعليه هدفَك الوحيد لأنه متى حققتِهِ ظللتِ بلا هدف، كوني معي و ستريْن، سنعيش حياتنا كأفضل ما يكون، تعلمي أن تعيشي لنفسك لأنه إذا أحببتِ نفسك اكتشفت في داخلها طاقات لا تحلمين بها، حرري نفسك من قيودك و اُعرفي ما يجب عليك فعلُه.
    دُنيا:(تقف و هي لا تزال مُقيدة) أعرف جيدا ما يجب عليّ فعله..هذا الوادي يجب أن يخرج من الوحل،، يجب أن يتلقى أبناؤه أفضل تعليم ليغيروا ما حولهم، هذا الوادي مُعسكر بما يكفي لقتل كل أمل جديد، يجب أن يرتبط أهلهُ بالعمل و البناء و يتخلوا عن عاداتهم المقيتة التي كرستها الكراهية و الحقد والخوف والجبن، يجب أن ينظر الجميع لِلأمام و يترفعوا عن المكائد التي يقضون العمر في حبك خيوطها. الغريب: هذا الوادي لن يتغير، إنه مشدود بضعفه و إرادة القائمين عليه إلى الحضيض، إنه يعيد إنتاج الخوف والكراهية بأشكال تختلف في كل مرة و مهما تغير شكل المؤسسات فإنها تفعل الشيء ذاتَهُ.
    دُنيا: (تقترب منه) إذن ما هو الحل؟
    الغريب: (يرفع رأسه عاليا) نفعل ما يفعله الجميع، نستفيد كما يستفيدون.. أو..
    دُنيا:أوْ ماذا؟
    الغريب: أو نستنجد بالأمم الأخرى لتُعيننا على بلائنا.
    دنيا: هذا لا يمكن أن يكون.
    الغريب: إن ما تريدين القيام به مُستحيل.
    دُنيا: لا شيء مُستحيل (تحاول أن تتحرر من قيودها في حركات فنية جميلة، ترفع يديها إلى أعلى، تقوم بحركات دائرية من أعلى إلى أسفل و من أسفل إلى أعلى، تجلس على الركح و تواصل حركاتها الأفعوانية فيما يضحك الغريب قائلا)
    الغريب: لا يمكن أن تفكي قيودكِ، إنها مُحكمة عليك شديد الإحكام، لا أحد سيساعدك، أنتِ وحيدة، وحيدة مع حُلمكِ و النفق طويل، تعاليْ معي و سأحرركِ.
    دُنيا: (تواصل حركاتها)
    (تنطفئ الأضواء في الركح و تتركز عليها دائرة الضوء و هي تفك قيودها أخيرا و تقف فاتحة ذراعيها و تدور في الركح): أنا حرة، أنا حرة، أنا حرة، أنا دُنيا، أنا حرة.
    الفصل الثالث
    (يبدو محمود مُحاطا بالعديد من الغواني، مخمورا يُلاعب هذه و يُضاحِك تلك و هن يقدمن له المزيد من الشراب حول مائدة تملؤها الأطعمة و الغلال و القناني و هو ينشد أشعارا لأبي نواس و عمر الخيام)
    (تدخل دُنيا و هي ترتدي ثوب الرقص و تضع قناعا على وجهها، ترقص على موسيقى تراثية معاصرة)
    محمود: (يصفق محمود دون أن يعرفها) رقص بديع، رقص بديع، ما اُسمكِ أيتها الآلهة؟
    (تنفضّ الغانيات من حوله سِراعا فيما لا تزال دُنيا ترقص، يقترب منها محمود فتبتعد فيتبعُها و هو يحمل كأسَه في حركات مترنحة) يقول: من أنتِ أيتها الفاتنة؟ (تنقطع الموسيقى فيما يظل الإثنان يُراوغان، يجلس محمود على الركح مُتعَبا) لقد قطعتِ أنفاسي، ماذا تريدين أيتها الغانية؟
    دنيا: (تضع يدها على كتفه في اُنحناءة خفيفة و تسأله في دلال) يقولون إن لقاء الفكر و الواقع إما أن يكون وهْما أو ضِمن ليلة مجنونة ليس لها صُبح فهل هذا صحيح؟
    محمود: لست أدري، ربما، نعم، نعم، إنها الحقيقة فالسماء و الأرض من الصعب أن يلتقيا.
    دنيا: و الوادي، ألا ترى أنه يحتاج لأكثر من ليلة؟
    محمود: (يقف فجأة) هذا كلام دُنيا، هل تعرفينها؟
    دنيا: هل تظن أن دنيا فقط تنتظر رجلا يُخلصُها و يخلص هذا الوادي من مُستنقعه، لماذا لم تُدافع عن زوجتك؟ لماذا تركت الغريب يحجزها؟
    محمود:كنتُ وحدي، كان أهل الوادي كلهم ضدي، أنا بَشر، فعلتُ كل ما بوسعي لكني لم أستطع.
    دنيا:نعم كل ما اُستطعتَه هو صحبة الغواني و الغرباء ينخرون جسد هذا الوادي، ليضعْ كل منا يده في يد الآخر (تضع يدها في يده) و لنتقدم إلى الأمام.
    محمود: (يستل يده برفق) أنتِ تعيشين في حلم بائس عليكِ الإفاقة منه عاجلا إننا نعيش في أوطان مدفوعة الأثمان مُسبَقا، أوطان لِمن يدفع أكثر عن أي أمام تتكلمين، الأمام الوحيد سترينه إذا التفتِّ إلى الخلف. المتمردون يملؤون الزنازين و المحيط الواسع لا يصلح إلا للحيتان..
    دنيا: (بِصوت باكٍ) أنا أدعوكَ للغد و أنت تعيش في ماض عقيم؟
    محمود:هيا اُرقصي، اُرقصي، أنا لا أحب الجمال الثرثار.
    (تُسمع الموسيقى و تبدأ دُنيا بالرقص، تدعوه بحركات يديها لكنه يفضّل المشاهدة، ترقص دنيا و ترتفع الموسيقى ثم يدخل الغريب بعباءته و يشارك دنيا الرقص و هو يضع قناعا على وجهه، يرقص الإثنان في حركات تتباعد و تتقارب ثم يلفها بعباءته، (تصير الموسيقى موحشة) تهرب من بين يديه و تتوسل بحركاتها لمحمود دون كلام، ثم تخلع قناعها فيعرف أنها دنيا فيشيح بوجهه عنها و يدفعها بحركة من يده دون أن يلمسها فتتبع تلك الحركة َ إلى الخلف، فيلتقفها الغريب بعباءَتِه ثانية و يكشف عن وجهه لمحمود فيضع محمود رأسه بين يديه فيما يغادر الغريب و دُنيا الركح)
    (تهدأ الموسيقى، يُظلم الركح، تُسلط دائرة الضوء على محمود و فو في نفس الوضع، تبدو دنيا في ثوب أبيض عليه بقع حمراء، ترفع خنجرا عليه آثار الدم و تغرسه في صدر محمود و تقول و هي تبكي)
    دنيا: ها أن الغريب و الحبيب يموتان بنفس الخنجر، إنهما وجهان لعملة واحدة: الخوف و المصلحة. (ترمي الخنجر و ترفع يديها) لقد حررتـَني أيها الغريب من نفسي و اُستطعتَ أن تحبّني بعد أن رأيتَ فيّ ما لم يَرَهُ غيرُك لكن كان يجب أن تموتا ليعيش هذا الوادي و يرتفع عن مستنقعه.
    (ينزل الستار و قد اُمتلأ الركح بأهل الوادي رجالا و نساء بصحبة دنيا يقولون بصوت واحد)
    أهل الوادي:
    لا مكان في الحياة إلا للحياة
    لا مكان للموت في حياتنا
    لا مكان إلا للبناء
    لا مكان إلا للحرية و الأمل و الحب..
    انتهى
    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    أستاذة كوثر/
    مسرحيّة من الطّراز العالي.أهنّئك على هذا الأسلوب و هذا الإشراف و الدقّة و البلاغة.
    سجّلت إعجابي فقط و لي عودة بإذن الله للتّعمّق.
    لا أخفيك كتبت مقالا في المسرحيّة و فقدته..لا بأس الذي كتبه يعيده.
    عذرا،
    نصّك مدهش.لي عودة قريبة.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • محمد فطومي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 05-06-2010
      • 2433

      #3
      أجدّد إعجابي بالمسرحيّة و أثمّن تمكّن صاحبتها من هذا الجنس الأدبيّ الصّعب الراقي.
      مدوّنة

      فلكُ القصّة القصيرة

      تعليق

      • نعيم الأسيوطي
        أديب وقاص
        • 29-11-2009
        • 115

        #4
        كوثر خليل
        تمتلكين ادواتك في كتابة النص المسرحي وفكرك راقي في معالجة القضايا الوطنيه ورموزك موظفه بشكل ممتاز داخل البنية الدراميه ..
        محمود ودنيا والغريب .. شخصيات ثريه من الناحية الدراميه ولها ابعاد واضحة المعالم ..
        أما جملتك الحواريه طويلة وتحتاج منك إلى حذف بعض الكلمات التي لا تخدم الحدث الدرامي حتى لا تؤثر على الايقاع العام للنص ..
        كما أن هناك خطأ مطبعي في الرواي الأول ( رجل ) والثاني (امراه ) والنص عموما جيد فكرا ومضمونا ..
        مودتي وتقديري

        تعليق

        • كوثر خليل
          أديبة وكاتبة
          • 25-05-2009
          • 555

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
          أستاذة كوثر/
          مسرحيّة من الطّراز العالي.أهنّئك على هذا الأسلوب و هذا الإشراف و الدقّة و البلاغة.
          سجّلت إعجابي فقط و لي عودة بإذن الله للتّعمّق.
          لا أخفيك كتبت مقالا في المسرحيّة و فقدته..لا بأس الذي كتبه يعيده.
          عذرا،
          نصّك مدهش.لي عودة قريبة.
          أجدّد إعجابي بالمسرحيّة و أثمّن تمكّن صاحبتها من هذا الجنس الأدبيّ الصّعب الراقي.

          شكرا جزيلا أستاذ محمد فطومي على إشراقة الروح و عمق الفكر..و شكرا جزيلا على الجهد الذي بذلتـَه في كتابة المقال..مع الإعتذار على جهد الإعادة.
          جزاك الله كل خير
          التعديل الأخير تم بواسطة كوثر خليل; الساعة 27-09-2010, 15:51.
          أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

          تعليق

          • كوثر خليل
            أديبة وكاتبة
            • 25-05-2009
            • 555

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة نعيم الأسيوطي مشاهدة المشاركة
            كوثر خليل
            تمتلكين ادواتك في كتابة النص المسرحي وفكرك راقي في معالجة القضايا الوطنيه ورموزك موظفه بشكل ممتاز داخل البنية الدراميه ..
            محمود ودنيا والغريب .. شخصيات ثريه من الناحية الدراميه ولها ابعاد واضحة المعالم ..
            أما جملتك الحواريه طويلة وتحتاج منك إلى حذف بعض الكلمات التي لا تخدم الحدث الدرامي حتى لا تؤثر على الايقاع العام للنص ..
            كما أن هناك خطأ مطبعي في الرواي الأول ( رجل ) والثاني (امراه ) والنص عموما جيد فكرا ومضمونا ..
            مودتي وتقديري

            شكرا لك أستاذ نعيم الأسيوطي على هذا التقييم
            بالنسبة للخطأ المطبعي هو ليس كذلك فأنا اقصد الدور لا الجنس و لهذا خصصت بين قوسين.
            بالنسبة للجمل الحوارية قد تكون طويلة أحيانا بسبب الطابع الفكري للمسرحية. عموما شكرا على هذه القراءة.
            أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

            تعليق

            • محمد فطومي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 05-06-2010
              • 2433

              #7
              مسرحيّة الشّهد و الملح.

              مسرحيّة مؤلّفة من ثلاث فصول للكاتبة الأديبة كوثر خليل، غُيّبت فيها المناظر شكلا إلاّ من نقلات معنويّة أو خطوات دلاليّة و فنّيّة ،يفصل بينها خيط وهميّ ناظم رابط،من اليسير أن ينتبه إليه الممعن ..فكان الفصل و انتفى الشّرخ.
              يطالعنا في البداية ضمن الفصل الأوّل،منظر جمع في حوار تحليليّ إن صحّ التّعبير بين رجل و امرأة في المطلق دون أسماء أو ما يوحي بميزة أو صفة بعينها،و قد يبدو لنا مواربة للوهلة الأولى و نحن نتدرّج في القراءة،أو في المشاهدة على أنّه (والحديث عن الحوار) تمهيد،أو فسح مجال لما سيلي من أحداث من جهة الشّخصيّات الرّئيسة الفاعلة ،الصّانعة للحركة،ليتّضح في الأخير أو لدى تكرار القراءة بأنّ تلك المقدّمة لم تكن في حقيقة الأمر سوى أصوات لا تعدو أن تكون تعليقا -سبق الأصل- اختزلت فيه الكاتبة الوقائع بنيويّا بصورة مجرّدة و بحياد المتأمّل المتسائل الذي يعيد بلغة العلم و الحكمة ما تحقّق أو اُستُلب و ثبت من مصير ،إلى مسبّباته الاجتماعيّة الموروثة و المبتدعة و السّلوكيّات العقائديّة و النفسيّة ،و رتّب بدراية الفكر الشّاهد الذي عاصر التطوّرات و المستجدّات الحاصلة خلال الحيّز الزّمني للمنعرج.
              و ربّما كان الرّجل و المرأة طرفا في الأحداث، تحت مسمّى "أهل الوادي" مثلا أو سكّان أرض مجاورة.
              و توالت الأحداث بعد انتهاء الحوار الأوّل الذي عبّرنا عنه بالمنظر الأوّل و اتّسقت عموما على نحو تصاعديّ من حالة سكينة مشبوهة محكومة بالرّيبة و الشكّ و الإضمار و الجزع و الباطل، إلى حالة من الفورة و الرّفض الجماعيّ ساعة تجلّ و قرار و حسم فطهر.
              تحرّك داخل المسرحيّة أربع شخوص رئيسة،هي في الواقع رموز بشريّة وردت عيّناتِ كفاية،سيسوق كلّ واحد منها وراءه داخل النصّ جملة من القيم و القناعات و الطّباع المتكرّرة التي ألفناها في اختبارنا اليومي للحياة.و إنّ استعراضها الصّرف في نظري لفرط دقّة اختيارها و توزيع الأدوار عليها ،لهو بمثابة المنهجيّة التي سيتسنّى لنا بواسطتها التّواصل مع المتن و محاولة الخوض فيه؛
              تباعا تلوح لنا دنيا رمزا للوضوح ،و الخصب ،و الإيمان بالعمل رغبة في الخلق و بلوغ الغايات و الحكمة و التّوق إلى التحرّر من بلاء الجهل.دنيا الجسد الذي لا ينكر فضل العقل و البحث،حبتها صاحبة النصّ باِسم وديع رحب عبّر ضمنيّا عن صحّة موقفها و صلابة مبادئها و اتّساع معارفها،تزوّجت دنيا من محمود و راهنت على أنّه لا ريب سيكمّلها و يكتمل بها.محمود شاعر حالم،يرى الأشياء من زاوية الخيال و الوهم ،ضيّق الأفق ساذج و لا مبال،رجل يرتجل تصرّفاته،و يتركها للصّدفة،سلبيّ مادّته هلام و مجاز ،يستنتج عوض أن يواجه و يكتشف..إذا جُرّد الفنّ من العمل تحوّل إلى هاوية.مواقف محمود هشّة و سهلة التّطويع،دلّ على ذلك رضوخه و انسياقه المهزوم لمجرى الأحداث و عدم إقباله على تغييرها و كلله السّريع..محمود رجل لا يعرف للتّضحية من معنى،أحاطه الغريب بكلام يشبه ما يتردّد بداخله من صدى لهواتف الاستسلام فتطابقت و ضلّ.
              هذا الغريب الذي يظهر على أهل الوادي ، فيروّج بينهم بقناع الخائف على مصالحهم للغصب و الهدم و يزيّن لهم الخنوع و المجون و بسطوة الآلة و الأساليب المتطوّرة التي جلبها معه و الحيلة يصنع لهم من أنفسهم العدوّ.طغى الغريب بما هو رمز للمحتلّ الذي يحاول دائما الظّهور في صورة الرّاعي الأمين ، يفتكّ و يبثّ الشرّ و ينخر البنيان موسوسا لمن استطاع إقناعه،و لقد أفلح في كسب ثقة أهل الوادي بسرّ تخطيط محكم ،بدءا بفهم ثغراتهم و نقاط ضعفهم،و التّستّر زيفا وراء رداء الطّيبة و الوداعة،انتهاء بقيادتهم و حملهم على طاعته و التمرّد على من سواه و اشترى قاضيهم و بدّد البرهان بالباطل و خاطب جوعهم و حرمانهم و حرّضهم على خدمته نزولا عند شهواتهم و عشقهم للخمول،و على هذا الأساس "سحرهم"،و صوّر لهم زواج محمود و ليلى على أنّه لعنة ، كارثة سيتوحّد لها العقل و الفنّ و الجسد و الحزم،فتحلّ عليهم المشقّة و تلغي سباتهم و نزواتهم و تضطرّهم للبناء و الإنشاء.
              و من تتابع الأحداث نفهم أنّه أتقن من أجل نشر سيطرته لغة الجميع ما عدا الّلغة التي تتكلّمها دنيا ،التي آمنت بقضيّتها و أبدت مقاومة حتّى آخر لحظة؛ لحظة التجلّي الكبرى التي قتلت فيها المحتلّ المغتصب و قتلت محمود و ما يمثّله من نزعة للإذعان و للزّهد في المبادىء و في الإخلاص للحبّ و فيه.و خرجت على النّاس ،أهل الوادي ،- قومُ : لن نتّبعك حتّى نرى بأعيننا - فاستجابوا و هتفوا لها،و مشوا وراءها و صاروا حزبا لها و قد باتوا مصدّقين لما تدعوهم إليه من إرادة الحياة و الأمل و البناء.
              إنّها في النّهاية مسرحيّة عميقة الأبعاد،سامية المعاني و القضايا. اقتتل فيها الأضداد من أجل الحرّيّة و العمار،و اجتمعت فيها أدبيّا فصاحة اللّغة و جمالها و جدّيّة المضمون و وضوح الرّسالة.و لا أرى أنّي قد وفّيتها حقّها من الدّرس بهذا الانطباع المختصر.

              محمد فطّومي
              مدوّنة

              فلكُ القصّة القصيرة

              تعليق

              • كوثر خليل
                أديبة وكاتبة
                • 25-05-2009
                • 555

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                مسرحيّة الشّهد و الملح.




                مسرحيّة مؤلّفة من ثلاث فصول للكاتبة الأديبة كوثر خليل، غُيّبت فيها المناظر شكلا إلاّ من نقلات معنويّة أو خطوات دلاليّة و فنّيّة ،يفصل بينها خيط وهميّ ناظم رابط،من اليسير أن ينتبه إليه الممعن ..فكان الفصل و انتفى الشّرخ.



                يطالعنا في البداية ضمن الفصل الأوّل،منظر جمع في حوار تحليليّ إن صحّ التّعبير بين رجل و امرأة في المطلق دون أسماء أو ما يوحي بميزة أو صفة بعينها،و قد يبدو لنا مواربة للوهلة الأولى و نحن نتدرّج في القراءة،أو في المشاهدة على أنّه (والحديث عن الحوار) تمهيد،أو فسح مجال لما سيلي من أحداث من جهة الشّخصيّات الرّئيسة الفاعلة ،الصّانعة للحركة،ليتّضح في الأخير أو لدى تكرار القراءة بأنّ تلك المقدّمة لم تكن في حقيقة الأمر سوى أصوات لا تعدو أن تكون تعليقا -سبق الأصل- اختزلت فيه الكاتبة الوقائع بنيويّا بصورة مجرّدة و بحياد المتأمّل المتسائل الذي يعيد بلغة العلم و الحكمة ما تحقّق أو اُستُلب و ثبت من مصير ،إلى مسبّباته الاجتماعيّة الموروثة و المبتدعة و السّلوكيّات العقائديّة و النفسيّة ،و رتّب بدراية الفكر الشّاهد الذي عاصر التطوّرات و المستجدّات الحاصلة خلال الحيّز الزّمني للمنعرج.



                و ربّما كان الرّجل و المرأة طرفا في الأحداث، تحت مسمّى "أهل الوادي" مثلا أو سكّان أرض مجاورة.



                و توالت الأحداث بعد انتهاء الحوار الأوّل الذي عبّرنا عنه بالمنظر الأوّل و اتّسقت عموما على نحو تصاعديّ من حالة سكينة مشبوهة محكومة بالرّيبة و الشكّ و الإضمار و الجزع و الباطل، إلى حالة من الفورة و الرّفض الجماعيّ ساعة تجلّ و قرار و حسم فطهر.



                تحرّك داخل المسرحيّة أربع شخوص رئيسة،هي في الواقع رموز بشريّة وردت عيّناتِ كفاية،سيسوق كلّ واحد منها وراءه داخل النصّ جملة من القيم و القناعات و الطّباع المتكرّرة التي ألفناها في اختبارنا اليومي للحياة.و إنّ استعراضها الصّرف في نظري لفرط دقّة اختيارها و توزيع الأدوار عليها ،لهو بمثابة المنهجيّة التي سيتسنّى لنا بواسطتها التّواصل مع المتن و محاولة الخوض فيه؛



                تباعا تلوح لنا دنيا رمزا للوضوح ،و الخصب ،و الإيمان بالعمل رغبة في الخلق و بلوغ الغايات و الحكمة و التّوق إلى التحرّر من بلاء الجهل.دنيا الجسد الذي لا ينكر فضل العقل و البحث،حبتها صاحبة النصّ باِسم وديع رحب عبّر ضمنيّا عن صحّة موقفها و صلابة مبادئها و اتّساع معارفها،تزوّجت دنيا من محمود و راهنت على أنّه لا ريب سيكمّلها و يكتمل بها.محمود شاعر حالم،يرى الأشياء من زاوية الخيال و الوهم ،ضيّق الأفق ساذج و لا مبال،رجل يرتجل تصرّفاته،و يتركها للصّدفة،سلبيّ مادّته هلام و مجاز ،يستنتج عوض أن يواجه و يكتشف..إذا جُرّد الفنّ من العمل تحوّل إلى هاوية.مواقف محمود هشّة و سهلة التّطويع،دلّ على ذلك رضوخه و انسياقه المهزوم لمجرى الأحداث و عدم إقباله على تغييرها و كلله السّريع..محمود رجل لا يعرف للتّضحية من معنى،أحاطه الغريب بكلام يشبه ما يتردّد بداخله من صدى لهواتف الاستسلام فتطابقت و ضلّ.



                هذا الغريب الذي يظهر على أهل الوادي ، فيروّج بينهم بقناع الخائف على مصالحهم للغصب و الهدم و يزيّن لهم الخنوع و المجون و بسطوة الآلة و الأساليب المتطوّرة التي جلبها معه و الحيلة يصنع لهم من أنفسهم العدوّ.طغى الغريب بما هو رمز للمحتلّ الذي يحاول دائما الظّهور في صورة الرّاعي الأمين ، يفتكّ و يبثّ الشرّ و ينخر البنيان موسوسا لمن استطاع إقناعه،و لقد أفلح في كسب ثقة أهل الوادي بسرّ تخطيط محكم ،بدءا بفهم ثغراتهم و نقاط ضعفهم،و التّستّر زيفا وراء رداء الطّيبة و الوداعة،انتهاء بقيادتهم و حملهم على طاعته و التمرّد على من سواه و اشترى قاضيهم و بدّد البرهان بالباطل و خاطب جوعهم و حرمانهم و حرّضهم على خدمته نزولا عند شهواتهم و عشقهم للخمول،و على هذا الأساس "سحرهم"،و صوّر لهم زواج محمود و ليلى على أنّه لعنة ، كارثة سيتوحّد لها العقل و الفنّ و الجسد و الحزم،فتحلّ عليهم المشقّة و تلغي سباتهم و نزواتهم و تضطرّهم للبناء و الإنشاء.



                و من تتابع الأحداث نفهم أنّه أتقن من أجل نشر سيطرته لغة الجميع ما عدا الّلغة التي تتكلّمها دنيا ،التي آمنت بقضيّتها و أبدت مقاومة حتّى آخر لحظة؛ لحظة التجلّي الكبرى التي قتلت فيها المحتلّ المغتصب و قتلت محمود و ما يمثّله من نزعة للإذعان و للزّهد في المبادىء و في الإخلاص للحبّ و فيه.و خرجت على النّاس ،أهل الوادي ،- قومُ : لن نتّبعك حتّى نرى بأعيننا - فاستجابوا و هتفوا لها،و مشوا وراءها و صاروا حزبا لها و قد باتوا مصدّقين لما تدعوهم إليه من إرادة الحياة و الأمل و البناء.



                إنّها في النّهاية مسرحيّة عميقة الأبعاد،سامية المعاني و القضايا. اقتتل فيها الأضداد من أجل الحرّيّة و العمار،و اجتمعت فيها أدبيّا فصاحة اللّغة و جمالها و جدّيّة المضمون و وضوح الرّسالة.و لا أرى أنّي قد وفّيتها حقّها من الدّرس بهذا الانطباع المختصر.


                محمد فطّومي

                الأستاذ الباحث محمد فطومي

                لا أعرف كيف أشكرك على هذا الجهد الواضح و هذه القراءة العميقة لنصّي و الصبر على فك رموزه.. أنا فعلا ممتنة لهذا العرض و أرجو لك دوام القدرة على هذا العطاء و البذل.

                تحية مودة و تقدير
                أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

                تعليق

                يعمل...
                X