ظالمٌ .. لمرّة واحدة !
[align=right]
صدّقني ، إنْ قدّرَ اللهُ عليكَ أن تكونَ مظلوماً لا ظالماً فذلك من رحمته بكَ ورعايته لك ؛ مهما تعبتَ و شقيتَ بالظلم الواقعِ عليكَ ..
لقد عِشْتُ ذلك بنفسي ..
حدث ذلك منذ أكثرَ من عشرين سنة في إحدى سفراتي من اللاذقية إلى حلب بالقطار ، وكنتُ يومَها في العشرينات من عمري ، مُعتدّاً بعنفوان الشباب وقوّة الريّاضيّ ، وكانت سفراتي تلك أسبوعيّة في تجارة بسيطة ، أنطلق من اللاذقية صباحاً باكراً وأصل إلى محطة حلب في العاشرة ، فأسارع إلى الحجز للعودة في رحلة الخامسة عصراً . وكان يحدث عندَ نوافذ الحجز ازدحامٌ شديدٌ ، إذْ إنّ معظمَ مَن يأتون إلى حلب في هذه الرحلة حالُهم مثل حالي يحجزون للعودة في رحلة العصر بعد أن يقضوا حاجاتهم من السوق .
أمام نافذة الحجز كنتُ أقف في صفٍّ طويل رهيب ، وفوضى عارمة ، وجوٍ خانقٍ ، وضجيج وسُباب وعِراك ! كلٌ يُريد أن يحجز قبلَ غيره ليكسب الوقت ؛ ضارباً في الأرض كل أدبٍ وتهذيب ونظام واحترام للآخر ! وهذا الموقف كان من أكبر المُنغّصات في سفراتي تلك ..
كان الذي خلفي شابّاً في مثل عمري ، أو أصغر قليلاً ، ملتصقاً بي التصاقاً مُزعجاً جدّاً ، ولكني لاحظتُ أنه كان مرتاحاً لهذا الالتصاق بي ، و لا يشعر بأيّ ضيق من هذا الجوّ الخانق الذي نحن فيه ، وكان يمضغ اللبان بمنتهى الارتخاء و الميوعة !
طلبتُ منه بلطف أن يبتعد عني قليلاً ، فالتصاقه بي يزيد من ضيق صدري .. فنظر إليّ بعينين ذابلتين وزاد من تلمّظه باللبان ولم يُجبني ، وبقي مُلتصقاً بي عن قصْد !
طارَ صوابي ! كنتُ أريد أن ألتفتَ إليه وأنتزعه من بين الناس لأخنقه بيديّ ! ولكنْ هيهات ونحن داخل هذه الكتلة البشريّة المعجونة ببعضها ! فكتمتُ تميّزي بغيظي إلى ما بعدَ الحجز وخروجنا من هذه المعمعة ، وكنت أشعر بدمي يغلي في عروقي ، وأن كلّ ثانية تمرّ كأنّهــا سنة !
خطفت بطاقتي من يد الموظّف ، وخرجت من الصّف بسرعة وعنف ، وحين نظرتُ خلفي أبحث عنه لم أجده ! بحثت عنه بين الرؤوس والأكتاف والأرجُـلِ ، لكنّه اختفى وكأنّه الملـحُ وقدْ ذابَ !
مرّت الساعات الثلاث أو الأربع التي قضيتُها في السوق كأنها الجبال فوقَ صدري ، ولم أكن أستطيع التدقيق فيما كنت أشتريه من السوق ، ولم أعِ الركعات التي صلّيتُها ، واكتفيت من الغداء بوجبة سريعة أرسلتها رمياً إلى جوفي ! وقبلَ ساعةٍ من موعد رحلة العودة كنتُ في المحطّة أبحثُ عنه ، ولكن دونَ جدوى !
وفجأةً ، حين اتخذت مكاني المخصص في المقصورة ، و أسندتُ رأسي المصدوعة إلى الخلف اصطدمت عيناي به ! لقد كان يجلس في المقعد المقابل لي مباشرةً ، وإلى جانبه شابٌّ آخرُ يتحدّث معه بمرحٍ وابتسام !
ألقى إليّ نظرةً سريعة لا مُبالية ، ثم عادَ إلى حديثه مع جاره ، وكأنّه لم يرني في حياته ! لم أشعر بنفسي إلاّ وأنا أكيل له اللكمات على وجهه ! وأين ؟ في مكان آخر ، بين المقصورتين ، حيثُ لم يكن هناك أحد إلا أنا وهو والشابّ الذي كان يُحادثه ، متى سحبتُهُ إلى هناك وكيف ؟ لا أعرف ! كان يقي وجهه من لكماتي وهو يسألني بصوتٍ منخفض وألم مكتوم : لماذا تضربني ماذا فعلتُ لك ؟! الله يسامحك !! وأنا ، وكأنني أعمى أصمّ ، كنتُ أضربه ولا أشـتفي ! وصـديقه يرجوني أن أتركه !
ثم تركتُه وعدت إلى مقعدي أستردّ أنفاسي ، وقد عادت إليّ روحي !
بعد قليل عادا وجلسا مكانيهما ، وقد غسل وجهه المورّم بالماء !
ونظر إليّ تلك النظرة ! وامتدّت وامتدّتْ .. حاولتُ أن أعرف من أي نوع هي ، ما معناها ، ماذا يقصد بها ؟! وتمنّيتُ لو أنه يتكلّم !
بعد قليل سمعتُ صوتَه يسألني بأدب جمّ ، وبدفءٍ إنسانيّ غريب :
- أنا سامحتُك . والله العظيم سامحتُك ، فقط أخبرني ماذا صدر منّي ، بماذا أخطأتُ معك ؟! فقرّبتُ إليه وجهي وسألته : ألم ترني قبلَ الآن ؟ انظر إلى وجهي جيّداً .. أجاب مباشرةً وبتأكيد وثقة : لا والله ! والله اليوم أراك لأول مرة في حياتي .. قلت باستغراب : كيف ؟ ألم تكن خلفي اليوم صباحاً حين نزلنا من القطار، في صفّ الحجز ؟!
أجاب بدهشة : أنا ؟! اسأل صديقي ، نحن لم نسافر إلى اللاذقية منذ شهر ! هزّ صديقه رأسه مؤكّداً : نعم يا أخي ، نحن طالبان في الجامعة ، أنا فلان وهذا صديقي فلان ، وقد كنا في امتحان نصف السنة واليوم امتُحنّا في المادّة الأخيرة .
حدّقتُ في وجهه فشعرتُ كأنّ جَمْراً صُبّ فوقَ رأسي ! يا إلهي إنه ليس هو ! لم يكن ذلك المائعَ الحقير الذي كانَ خلفي في صفّ الحجز وأطار عقلي وعكّر يومي ! ماذا فعلتَ يا أنا .... ماذا فعلتَ ؟!
استغربا من عينيّ اللتين اغرورقتا فجأة بالدموع ، أنا الذي كنتُ قبلَ قليلٍ كالثورِ الهائج ! أخرج من جيب قميصه منديلاً وناولني إيّاه ! ذبحني ، سالت دموعي بغزارة ! أطرقتُ رأسي ، لم أجد الجرأة لأرفع وجهي إلى وجهيهما ! هناك شعرتُ بذلك الشعور الجديد الغريب الأليم ... أنا ظالم ... لم أشعر بذلك من قبل ، ولا من بعد ! أنا ظالمٌ ؟! شعورٌ أمرّ وأقسى بكثير ممّا كنتُ أشعر به منذ الصباح ! كانت رأسي بينَ كفّي أنظر إلى موضعِ قدميّ ، تملّكتني رغبةٌ جامحة في أنْ يَغضبا عليّ معاً ويثورا ويقوما إليّ و ينهالا عليّ بالضرب ! لأرتاح من شعور رعيب يجتاحني لأول مرة في حياتي !!
رفعتُ إليهما رأسي بعد قليل وعرّفتهما بنفسي ، ثم قصصتُ عليهما ما جرى لي في الصّباح مع ذلك الشّخص الساقط . كان ينظر إلي ذلك الشاب الذي ضربتُه بتفهّمٍ وتعاطف ، واحمرّ وجهه خجلاً من تصرفات ذلك الشخص ، ممّا زاد في ألمي وجَرْحي ! ثم إنّه لم يتقبّل اعتذاري بالقَبول الحسَن وحسْب بل ما زال يُلطّف خاطري ، ويُخفّف عنّي هو وصديقه إلى أن وصلنا المحطّة الأخيرة .
هو اليوم مهندسٌ معروف في المدينة وذو سُمعة كالمِسْك ، يُضرب به المثل بالعلم والأخلاق و السيرة الحسنة .
رُبّما هو نسي ذلك اليومَ البعيدَ ، أمّا أنا فلم أكن لأنساه أبداً ! لقد كانَ يوماً تعلّمتُ منه أعظمَ درسٍ في حياتي : ألاّ أكونَ ظالِماً أبداً أبداً .. شعورُكَ بأنك ظالم تعذيبٌ أليمٌ ، وألمٌ مُعذّبٌ ! لقد عشتُ ذلك بنفسي ..
[/align]
تعليق