استقامة فكر على أرض بكر
و يتراءى لي أن والدي رضع فكره وفلسفته الحياتية من مهد طفولته . وربما صح القول أن والدي ولد تؤاما للفلسفة الحياتية التي بصمته مذ ان فتح عينيه على الغبراء . ولا شيء يدل أن والدي تعلم تلك الفلسفة من أم أو أب من كاهن أو معلم. إذ أن والدي تيتم من أباه أولا ومن ثم تثكل من أمه في طفولته المبكرة ليتعهد أخواله بتربيته ونشأته . ولم يتعلم والدي على يد كاهن ولا من على مسطبة معلم . ورغم هذا كله كان والدي يحث خطاه ويقبل مسرعا على قطع مفازة الحياة وفق مذهب أخلاقي وفلسفي مبني على نهج ومنهاج .فهو وإن احتطب في حبله في ليل أو نهار فانه على بينة من أمره. يرى شعاع الأمل فيدرك أن هذا الشعاع حزمة ضياء في سقف سعادته فيتبعه عن قرب طورا وعن بعد تارة كما تبع أخت موسى صندوق موسى على شاطيء النيل . لا يتقدم خطوة ولا يتأخر خطوة عن ذلك الصندوق حتى يدخل مع الصندوق قصر فرعون .
وراهنت طورا وآخر على مذاهب تلقي حزمة من نور على ولادة تلك الفلسفة المتكاملة البنيان من أرض لا تعمره إلا عواء الذئب . أرض طفولة والدي . كيف تلد فلسفة من فراغ . كيف تلد فلسفة في رأس رجل معدم فقد أمه وأبوه وهو في طور الطفولة . لا مذهب يقوى على تفسير ذلك إلا مذهب أن الناس يولدون على دين وفطرة وخلق لا يقبل بالتغير والتزوير والتحريف . وهذا أقل شيء يقال بحق فلسفة والدي الخلقية والحياتية والدينية . فلسفة ولد عليها أبي ومات عليها . فلسفة لائمت طريقة عيشه وطرز حياته وسنن خلقه . إن والدي وإن بشر بتلك الفلسفة و سعى لها سعيها فإنه لم يعد نفسه رجل فلسفة ولا رجل مذهب فلم تكن تلك الفلسفة إلا خيطا في نسيجه الخلقي ونزوة في بوتقته النفسية وتعبيرا عن كعبه و مكانته الاجتماعية . وكان ذلك المثال الأخلاقي الذي يعشش في صدره ولوحده دليل وشاهد على ما له من موقع ومكانة على سلم الهرم الجتماعي .
وتأخذني الحمية طورا وآخر على دراسة تلك الفلسفة الأخلاقية لأجد أن تلك الفلسفة آمنت بها هنا وهناك وعلى امتداد التاريخ فلاسفة وغنى لرباعيتها شعراء وأدباء كبار ومن مصاف أكبر شعراء العالم . والسؤال يعيد نفسه تارة واخرى وبإلحاح كيف اهتدى والدي إلى خيوط تلك الفلسفة وكيف فتل تلك الخيوط وعلى دفعة واحدة الى نسيج فلسفي جميل ومحبوك . والأمر يزداد غرابة وعجبا إذا علمنا أن والدي نشأ في البوادي أولا وتعرف على حياة أهل الحاضرة ثانيا . ولكونه ترعرع ونشأ في البوادي لم يمنعه قيد شعرة من أن يدخل في علائق مع صفوة القوم في الحاضرة لابل كان شخصه وشخصيته امتدادا لهؤلاء في الجوهر والظل . وآنما كان يجالس تلك الصفوة ويجلس اليهم في ناديهم كان معهم في بردة أخماس .
.
وورثت فلسفة والدي بزمن بعيد قبل أن أرث قطاعات الأراضي منه . وهتفت له ولفلسفته السياسية وأنا أكتشف خيوطها لدن منظري مذاهب الأحزاب السياسية في الغرب . وهتفت لأخلاقياته أو فلسفته الأخلاقية وأنا أكتشف خيوطها لدن أدباء وشعراء الغرب قبل أن أكتشف تلك الخيوط لدن أدباء وشعراء العرب . وهتفت له أنما وجدت طرائقه في الجدل والسخرية لدن فلاسفة اليونان . كنت كل هذا يا والدي لا بل أكثر كأب ومربي .
تعليق