
كان ذالك في أصيل يوم من أيام شهر تشرين الأول خلف ستار شفاف من أغصان الورد في ذاك الركن الراقد أمام البحرمن ذالك المطعم
تعالت أصواتنا المكتومة ذاخل القلب حتى توالت الثواني على الأنفجار
لم يعد هناك شك بأننا كنا أكثر من عاشقين في ضيافة الجسد سنحت لهم الأقدار فرصة اللقاء
لم ترد أقلامي العودة إلى تلك الاحداث ولكن الذاكرة تأبي ألا أن تعود إلى تلك الاحداث الهاربة
لتعود اليوم لتجمع أنقاضها وتكشف على الملأ بعض ملامحها التي فضلت الرحيل عني دون كلمة واحدة
لم أكن أعي مسبقاً بأن وجودي معها كان عابراً وأن القدر ساقني اليوم من جديد للنظر إلى أول شامة رأيتها
في وجهها منذ سنوات, لم تكن بالشيء الملفت للنظر كثيراً ولكن هناك شيء استوقفني كثيراً إمام وجه تلك
السيدة وكأني اليوم أكتشف بأنها كانت مرآتي أمام الحقيقة, أحياناً تخوننا اللحظات في اكتشاف دواتنا ولكن
حين نرى الوجه المتناقض لأنفسنا لابد من أن نرى الحقيقة مجردة أمام أعيننا, وكأني اليوم أكتشف بأنها
كانت تمثل الوجه الأخر لي ولكن بطريقة أخرى غير التي أعتدنا النظر إليها في حياتنا فتلك السيدة كانت أقرب
بالنسبة لي من وجهي الأخر الذي أره عالقاً في المرايا إمامي الآن
نعم كانت تلك السيدة هي ذاتها بكل ملامحها الشيقة التي مازالت تزورني إلى الآن في كل حلم هارب مني على
طريق اليقظة بكل عرق يديها ,بشالها الأخضر وثوبها الأسود القديم
تلك السيدة كانت هي أمي بكل ما تحمل من حسرة وألم وفرح وحزن في أعماقها
هي بكل ما تملك من وقت وبكل ما ضاع منها من زمن
لم أكن قبل الآن سيد الكلمات لأكتب عنها وإليها ما عجزت الأقلام عن كتابته لسنوات
ولم أكن أمتلك من الجرأة الحد الأكبر لأقول لها مالم أجد متسع من الوقت لأقوله لها عبر السنوات. ولكني الآن
أستطيع القول لها كلمة واحدة صادقة تكفيها لزمن أول وأخر غيره
ريثما تعود من جديد بعد سبات الشتاء لأقل لها بأني أحبك اليوم أكثر من اى يوماً مضي
اليوم عادات لتختبر صمتي بسؤال, هل مازلت إلى الآن تفضل الابتسام.؟!
وكأنها أتت لزياراتي في وقت كنت سأهرب فيه من ذاكراتي لأعود بعد زمن لأطرح على نفسي هذا السؤال
كما هي دوما تفضل إن تشعر بالبرد مقابل أن نشعر نحن بالدفء للحظات
مازالت إلى الآن تكسوني اللغة وتعريني الكلمات
وهي مازالت سيدة المستحيلات تخلع وترتدي الأيام عن ضجر أجسادنا كما فعلت لسنوات
مازالت تحاول كعادتها أن تلبسنا الابتسامات وتلبس هي معطفاً للألم
تبكينا بصمت وترفع عن أشياءنا ذكريات ملؤها السأم والأحزان
أينتهي الوجع عندما نبدأ الابتسام من الأشياء التي بكينا بسببها يوماً؟
قد يكون للابتسام أثر كبير في حياتنا ولكن لن يكون بنفس القدر من الحزن الذي وضعنا نفسنا فيه يوماً
بدا لها اليوم كأني غير مكترث إلا بصمتها أمام أابتسامتي الملتفة بملامح الحزن الشقي. لحظتها فقط تنبهت إلي
أنني مازالت أخفي عنها شيء من جو الحزن الذي يسكنني
فعاودت لتهم بالسؤال ما بك يا ولدي..؟
هي مازالت لا تصدق مقدار الألم الذي أشعر به اليوم لفراق الزمن الذي ضاع مني بغياب تلك المرأة التي
أجادت جيداً التلاعب بي وفي النهاية أتت لتقول لا أستطيع أن أحبك..!
أيعقل أن يكون حبها لي قد مات في عتمة غرفة مظلمة جلست فيها وحيدة لساعات
وهل للظلام أن يمتلك كل هذا الحد من القدرة على سرقة اللحظات السعيدة في حياتنا
هاهي أمي كم عهدتها منذ زمن لا ترحل عني ألا عندما تتأكد بأن أوضاعي جيدة وبأحسن مايكون
لا أعرف ماذا أقل لها وماذا أخبرها ,وكيف سأسرد عليها قصتي مع ران تلك الرفيقة التي ضنتها للحظة حبيبة
وضللتني الذاكرة من جديد لتأتي لتقل لي من جديد بأنها لم تكن رفيقتك بل كانت مجرد عابرة سبيل في دربك
دوماً نأتي الحب متأخر وكأن قطار الحب سيفوتنا لو تأخرنا للحظة
وهل كان قبل الآن الحب يشبه القطار لنتأخر عليه, قد يكون نعم هذه المرة وقد يكون لا
ولكننا أحياناً كثيرة نفوت موعده ليأتي القطار الأخر لمحطة أخرى غير التي نود زيارتها
أذكر أول مرة جلستفيها وحيداً في ذاك الركن من ذالك المطعم, ذالك الموعد الأول لي معها الذي لن يتكرر
في حياتي ثانية حتى لو عادت الذاكرة لتكراره معي مرة أخرى سأنكره وقد أنكر نفسي حينها
لو عادت لتذكرني بها مرة أخرى, تلك السيدة كانت حبيبتي نعم أحببتها قبل أن أدرك الحب بعد
يا لا مأساة العشق تقودنا دوماً قبل أن ندرك ماهية تلك الكلمة التي تقودنا إلى الجنون أحياناً
هانحن جالسان على نفس تلك الطاولة التي اختارت أن أجلس عليها الآن
دون طاولة أخرى قد تريد هي الأخرى أن تروي للعابرين حكايتي معها
تلك الطاولة التي تقف أمام ذاكراتي بالمرصاد .ماعدا الآن للوسطية متسع بيننا
هناك حيث ذات يوم التقينا على جسد تلك الطاولة حيث كان لقاءنا الأول في ذالك اليوم
حيث كنتٌ أجلس وحيداً كعادتي أرتشف فنجان قهوتي الصباحي المعتاد مع ثلاث حبات من سكر قد تزيد من
نسبة جمال ذالك اليوم حد لا أستطيع فيه القيام مجدداً ألا بحقنة أنسولين من يدها, كانت هي الممرضة وكنت
أنا المريض الذي يحتاج قدر كبير من الحب حتى يفيق ليجد نفسه بين أيدي أمرآة قد أظن نفسي للحظة باني
وقعت في شباكها حتى دون أن أدرك, جميل ٌهو ذالك المقطع من قصتي يشبه فيلم بالأبيض والأسود لأحد الممثلين القدامى
قصة الممرضة والرجل الذي يعاني السكر, حتى العنوان يحمل شيئاً من الاختلاف هذه المرة
تلك المرأة التي كانت تصر دوماً على الصمت وأصر أنا على استنطاقها, تصر على عدم خلع الكلمات وأصر أنا
على أن ترتدي حروفاً جديدة غير مجردة أبداً
مازالت تلك المرأة تربكني بكل حالتها حتى عندما ترتدي الصمت وتلبس صوتي معطفاً أخر
ها قد جعلتها تنطق أخيراً وتقل كلاماً أردتها أن تقوله لي ولو مرة واحدة فقط
وبالرغم من ذالك أعترف أنها قد فاجأتني هذه المرة حين وافقت على مرافقتي للذهاب إلى قاعة السينما
لمشاهدة ذالك الفيلم كان يعرض حديثاً للمرة الأولي كما لقائي بها الذي كان أيضا للمرة الأولي
صدفة جميلة أن تتقاطع الأشياء في حياتنا من المرة الأولي
مع أني لم أكن أحب الذهاب كثيراً إلى قاعات السينما المليئة بالناس لمشاهدة الأفلام
ولكن هذه المرة أحببت الذهاب ولا أعرف ماهو سبب ذهابي لمشاهدة ذالك الفيلم
قد يكون لأني كنت معها أو لأني احتجت في تلك الفترة لرفيق أذهب معه إلى مكان أخر خارج روتين العمل
الممل.بأي حال كانت تلك الليلة مليئة بمشاهد الجمال حتى ظننت نفسي للحظة باني أعيش قصة ذالك الفيلم
وكأني للحظة تقمصت دور البطل لأعيش القصة مع أمرآة أخرى من جديد
ولكن هذه المرة باسم أخر وذاكرة أخرى وجسد أخر..!
تلك المرأة كانت فعلاً هي من أردتها أن تتقاسم معي جميع أرغفة فرحي وحزني وسعادتي وألمي
كانت هي بالنسبة لي الجرح والدواء وما أصعب أن نمتلك كل هذا التناقض في لحظة واحدة
أن نكون نحن سبب الفرح وسبب الحزن ,نحتاج لكثير من الأشياء ولقدر كبير من الحب والبرأة حتى نستطيع
أن نمتلك ذالك التناقض الجميل في أن واحد
تلك المرأة التي لا أعرف إلى الآن لم فضلت الرحيل عني مع أنها قالت لي أحبك حد الموت ولكني لا استطيع أن
أكمل مشاوري معك هذه المرة.تلك المرأة التي أتت بعد زمن من شفاء جرحي لتضع ليه الملح بأيديها وتول لي أنا أعتذر منك..؟!
وكأن الحب اليوم أصبح محطة للاعتذار ثم الرحيل
وبعد فترة من الزمن جاءتني أحد صديقتها برسالة منها تقول بأنها رحلت إلى عالم أخر جديد مليء بكل شيء
وفارغ من كل شيء عالم لا تستطيع أنت قياسه بالأوراق والأقلام, عالم بقدر ما يحتوي من الجمال يحتوي من الموت
ولكن هذه المرة ليس في مدينة على البحر أو جزيرة في النهر كما حلمت لسنوات. ولكن تحت التراب
حتى دون أن أقل لها وداعاً للمرة الأخيرة ولكنها تركت لي قبلة بأحمر شفاهها غيرت منحني قدري إلى الأبد
أمسكت بالرسالة والدموع تنهار من أعلي أرصفة عيني لم أستطع حينها بان أمسك نفسي من الصراخ
أو من البكاء, للمرة الأولي أشعر بأن أمي ضاعت مني للمرة الثانية وليس مجرد امرأة أحببتها
لم تستطع أن تقل لي سبب رحيلها.لم ترضي بان تعذبني معها وتقل لي بأنها كانت مريضة بسرطان الدم
وبأنها وصلت أخر الاحتمالات ففضلت الرحيل دون أن تعذبني, ولا تعرف بعد مقدار العذاب الذي أصابني بعدها
تلك كانت رفيقتي وحبيبتي وأمي التي ضاعت بغفلة مني دون أن أكون واعياً على صوتها وهي تداعبني صباحا
وتقل لي صباح الخير.! يالا المأساة جميع الأشياء التي نحبها تضيع منا دون أن نشعر بها كيف ضاعت من بين
أيدينا, أيمكن للموت أن يمتلك كل هذا الطمع وكل هذه القسوة بأن يأخذ منا جميع الأشياء التي نحب في لحظة
واحدة ثم يرحل عنا, لم اشعر بها حينا كانت تعيش بقربي ولكني شعرت بها حينا اختطفها الموت مني
دوماً لا نشعر بقيمة الأشياء ألا حينما نفقدها وأنا اليوم متيقن بأن هناك شيء ضاع مني منذ تلك المرحلة التي
عبرت بحياتي كعبور الريح عند ملامسة الجسد, هكذا كانت قصتي مع ران تلك المرأة التي كانت ترتدي
الأوجاع دوماً عن جسدي حتى لا أشعر بها أنا, ها أنا أعود من جديد للجلوس مع أوراقي لأكمل قصتي معها
وكأني بالأمس لم أنتهي من كتباتها حتى أعود لأكتشف شيء جديد لأكتبه عبر الأوراق
أذكر باني ذات موعد أرسلتٌ لها أحد رسائلي الممطرة بالأوجاع فعادت لترسل إلي معطفاً يقيني حرارة
اللقاء وبرغم المطر المتساقط على قلبي في تلك اللحظات كانت تعود لتسألني كيف أنت الآن
هل مازلت تحب السكر مع الشاي أم أنك تفضله الآن قليل الحلاوة.؟
وهل مازلت تلتهم قطع الشكولاته بشراهة أم أنك فقدت ذالك الحب الشكولاته منذ ذالك اليوم..؟
ومازلت تفضل أن تسألني هي بدلاً من أن أقول لها أفضل حبكِ اليوم أكثر من أي يوم قد مضي..!
لم أنسي ما قالته لي ذات مرة " كلما اتسعت رقعة العشق في قلب الرجل زادت الفجوة في قلب المرأة"
حينها قلتٌ لهالا تحاصري جيوش عشقي في قلبكِ الصغير
اكتشفت في تلك اللحظات القليلة جمال أن نكون عاشقين في ضيافة القلب دون أن تسترق العيون النظر إلينا
خلسة ودون أن نعبر حواجز الخجل في مجتمع لا يرحم
كنتٌ أشعر دوماً بان هناك شيء مايلبث أن ينغص علي تلك السعادة القليلة ولكن لم أعلم ماهو السبب
إلا حينما غادر تني وفضلت الرحيل عن حياتي إلى حياة أخرى لم تخترها بملء أرادتها بل كانت بأمر من القدر
ياله من جشع ذالك القدر دوماً يفضل الأحتفاض بكل شيء لنفسه دون أن يتقاسم معنا شيء واحد قد نرغبه في
هذه الحياة, لم أعتد قبل الآن البوح للبحر بهمومي ولكن الآن أصبحت لا أعشق الكلام إلى أمام البحر
وكأني وجدت أخيراً من يرتدي عني بعض تلك الهموم المتراكمة على جسدي
اكتفيت بوهم امتلاكها وأنها جالسة معي وترافقني في كل مكان أذهب إليه تتقاسم معي أنفاسي وهمومي
وتشاركني في طعامي وفي شرابي وترتدي عني بعض القمصان التي أنهكها الزمن فأصبحت مليئة بتجاعيد
الماضي المتشقق, مازلتٌ أراقبها في كل مكان أحبت الذهاب إليه يوماً وفي كل زهرة أعطتها من الحنان جرعة
وكأني أشعر بها الآن تداهمني عبر الأوراق بأنوثتها وتربكني بملامستها حتى أشعر باني تجردت من كل شيء
أمامها, لم أكن بيوم مجرد عابر في روحها فالقد أعطتني الجزء الأكبر قديماً وعادت لتعطيني البقية الآن..
أنتهي..
تعليق