أرض الميعاد
قصة قصيرة حامد الزبيدي
في تلك الصحراء المترامية ،بين كثبان الرمال المتحركة ،في موضع تكاد تكون الحياة فيه معدمة ،مستحيلة ،في ذلك المكان النذير بالموت، كان قوم بني إسرائيل يقطنون فيه ،يجوبون قفاره الموحشة هربا من قمع فرعون وجنوده فرارا من اضطهادهم وقهرهم ،فأنقذهم النبي موسى منه لما قادهم خارج البلاد ذات الأوتاد ،قادهم إلى بر الأمان ،أنه كان يريد أن يأخذهم إلى أرض الميعاد ،أرض الآباء والأجداد لينشأ مملكة بني إسرائيل العظمى لكن القدر شاء غير ما شاء إذ قابلوه بفظاظة وجحدوا بكل ما قام به من خير إليهم ونكروا ما أتاهم من السماء انزوى منهم وابتعد روحيا عنهم خرج وأهله وهارون وأهله كان يتبعه، خرجوا عن مضارب القبيلة وعبادتها الوضعية ، واعتكفوا بمنأى عنهم لما لاقى من حيف وويل منهم وكثيرا ما جحدوا بحقه من خلال سلوكهم المتدني، المنافي لما جاء به في الألواح وكتاب التوراة ،قد نكروا الآيات البينات وحرفوها وفندوا الحقيقة ،تلك الدلالات التي أنقذتهم في مواطن كثيرة هم عاشوها بمصر ولمسوها بأيديهم كحقيقة لا ريب فيها إلا إنهم صدوا عنها وضلوا النهج القيم ونهجوا نهجا ملتويا فألحدوا إلا أهله وهارون وأهله تمسكوا بها فازدادوا إيمانا مما حدي بهم الالتحاق به و الانضمام إلى لواءه فاجتمعت ذرية النبي موسى والنبي هارون على الهدى ودين الحق ،فتيان وفتيات حسان على الرغم من حرارة الشمس الحارقة وقسوة الصحراء كانوا يشبهون الأقمار ،غرز النبي موسى العصا في الرمال ودفن رأسها الآخر تحت أبطه ووقف إلى جانبها بتماس معتمد بوقفته عليها وكان الخرج معلقا على كتفه الأيمن إذ وضع في جيبه من قبل كتاب التوراة والجيب الآخر من دبر الألواح، من هناك كان يتابع أبناء قومه الذين يؤدون طقوسا و شعائر غير طقوسه وشعائره في الوادي الذي يمكثون فيه وكان يفكر في طريقة مثلى لينتشلهم بها مما هم فيه من كفر ،مد يده إلى جبهته ثم شدها بقوة فأرتجف بدنه من ناصيته إلى أخمص القدم ثم أطلق صيحة مدوية انتبه إليها القاصي والداني من قومه فشنفت الآذان وشخصت العيون.
يا الله(إني لا أملك إلا نفسي وأخي هارون ففرق بيننا وبين القوم الفاسقين )*آية 24 سورة المائدة .
ولما فرغ من دعاءه ،انطلقت دمدمت في الصحراء ،تبصروا في الأفق البعيد جميعا ،شاهدوا غيمة سوداء آتيت عليهم من أعالي السماء ،صرخ القوم بأعلى أصواتهم .
دعا موسى ربه علينا أنه لن يدعنا بحالنا .
تجمعوا في الوادي وأتمروا عليه وقبل أن يفض مؤ تمرهم داهمتهم ريح عاتية ،ركضوا صوبه متعثرين الصعود هائمين للقائه لم ينظر إليهم وهو الذي يحبهم إذ كان يرنو إلى وجها اسودا له فم يفور،تحمله الغيمة ذات الأجنحة الكبيرة التي كانت ترفرف فوق رؤوسهم جثوا على ركبهم من سياط الخوف التي لفحتهم بقسوة وارتعدوا ،زحفوا على الرمال يراوحون في المكان كمن كان يركض في رؤاه ،كل منهم بدا يغير طريقه ،يبحث عن ملجئ في عمق الصحراء يخلصه من صعقها، من برقها الخاطف، من رعدها الشديد ، سكن الرعب في قلوبهم وارهبوا لما دنت منهم ، فتقت كجود ماء ونزل عليهم المطر مدرارا ،مزاريب ماء تنهمر عليهم من السماء ،ابتلت الثياب والأجساد والرمال الهائمة غصت بفيض الماء شربته بنهم ولم ترتو ،كان موسى ومن معه بمعزل عن هذا العذاب، مضى عنهم كما مضى أبيه عن قومه من قبل ضربت القوم ذلة وحجارة من ثلج ، على أثرها تشتتوا ،تفرقوا في الصحراء كل فر على وجهته ولم يتوقفوا عن التركاض حتى نفد الودق وذابت الغيمة السوداء لكن لم يتركوا سدى إذ أتتهم عاصفة من بعيد ،عاصفة رملية صفراء تطاردهم كأنها تطلبهم ثأرا ، يصاحبها عواء كلاب أو ذئاب اشتعل الرعب في أنفسهم من جديد ووضعت قلوبهم في الأتون ،فروا عنها بكل ما أتوا من قوة ولكن دونما جدوى ،أين المفر من قبضة مقتدر؟ أين الهروب منها ؟وهي التي كانت تدنوا منهم من كل اتجاه ،ضاقت عليهم الصحراء على الرغم من سعتها ،فأذعنوا إليها مهطعين لملمتهم قسرا ووضعتهم في بوتقة مظلمة ضاعوا فيها وذاقوا طعم التيه أكثر من قرن ،انثالت عليهم الرمال ،لطمتهم أياد بقوة منها لما هوت على وجوههم بعنف عمت عيونهم وختمت على آذانهم فجعلتهم لا يرون شيئا ولا يسمعون بعضهم بعضا منهم من تكور ومنهم من جثا على بطنه تحت الرمال ،قد تغيرت أشكالهم وتبدلت أصواتهم وأصبحوا ككائنات أسطورية تزحف في الظلام بلا اتجاه ،لم يلتفت النبي موسى ولا من معه لما جرى لهم من بلاء كان هناك حاجزا وهميا يفصل بينهما وكثيرا ما نادوا بني إسرائيل عليه واستغاثوا به فلم يصغ إلى نداءهم ،فاضطروا إلى مناداة ربه ،أن ينقذهم من هذه الغمة وأن يأتيهم بأنبياء غيره لا أنبياء مثله وهو اعلم بما آلوا إليه وتركهم يتخبطون في حياتهم ،أنتخب النبي موسى طريقا غير طريقهم وراوده من جديد حلم الأحلام ،ارض الميعاد ومملكة بني إسرائيل العظمى في الأرض التي لا تفنى أبدا إلا بفناء الدنيا ،في تلك اللحظة التي أخذته أحلامه وأفكاره بعيدا ولم تتركه حتى فوجئ إذ خسفت الأرض من أمامه ارتعب من هولها ورجع إلى الوراء خائفا مذعورا تارة ينظر إلى السماء وتارة ينظر إلى ما حدث عن قرب منه من شق عميق في الأرض ،أخدود كبير ،تبصر فيه بدهشة وإعجاب وأحتار في أمره تفرس في أياد من سراب تلوح إليه من أعماق الأخدود بالنزول رابط جأ شه ثم فوض أمره لربه ونزل في الشق خطوة خطوه كان يتوكأ على عصاه بيمينه ويشد من قبل على الخرج بشماله ، وملأه يتبعه بصعوبة بالغة حيث أن كانت أقدامهم تركس إلى نهاية سيقانهم في الرمال ويخرجونها بمشقة قد فارقوا القوم أبدا وابتعدوا عنهم إلى يوم الحساب ،مضوا والنبي موسى في طريق وعرة حتى وصلوا قاع الأخدود العميق وقفوا أمام نفق مظلم خلف نبيهم الذي كان واقفا قبل الفتحة حائرا متوجسا لا يبغي الولوج فيه بإرادته أنه كان يصغي لنداء في قلبه ،أن يقدم ولا يخاف الولوج فيه ،أن يسلكه ولا يخاف إلا منه وأمر ومن معه أن يسيروا فيه ،تلاش التوجس من قلبه ومات الخوف فيه هدأ روعه ثم مد يده اليمين وادخل العصا في النفق غرسها في أرضه ،انبثق منها نور ا ساطعا بدد الظلمة واستنار إليه الطريق ،تقدم النبي موسى خطوة مسبوقة باسمه تعالى فأخذ موضع العصا بعد ما رفعها عن الأرض وولج في النفق ومن وراءه من كان يتبعه ،كان قلبه ولسانه يسبحان لربه في الوقت ذاته ،ناداه أخيه بصوت متحشرج من الوراء .
يا نبي الله هلا رأيت الوجوه الموحشة ؟
لم يصغ لندائه ولم يكترث إليه أنه اكتفى برفع يده إلى الأعلى ولوح بها إليه أن يتبعه ،ومضى في طريقه وأولاده وأولاد أخيه وزوجه وزوج أخيه ومن وراءهم هارون ،الجميع يمشي وراءه ،نظر بطرف عينه إلى الجدار،فرأى وجوها ملونة بيض وسود وصفر وحمر ،وجوه كثة الشعر فيها عيون مثلثة، جاحظة، مرفوعة على الجباه ،محفورة في النواصي وأنوف قصيرة ملوية وأفواه ذات شفاه منفوخة ،تبرز من خلالها أنياب طويلة كأنها أنياب فيلة يقطر منها سيلا ذات لهب تلك الوجوه تظهر وتغيب كنجوم طافية على وجه ماء جار ،مرسومة على جداري النفق ،وجوه كأنها وجوه الشياطين بل هي وجوه الشياطين بعينها ،تنظر إليهم بحقد وكراهية ،تتحين فرصة الانقضاض عليهم لكنها لا تملك قدرة النط اكتفت بالصراخ والصفير بين الحين والحين وأحدثت أصواتا غريبة لا إنسية ،أصوات من يسمعها ينتابه الغثيان ويصاب بدوار البحر ،يود لو يتقيأ ويرم ما في جوفه على الفور ،أصوات وحشية من يسمعها يصاب بالذعر وكره الحياة معا ،صاح النبي موسى بمعيته وأمرهم أن يذكروا اسم الله وأن يكثروا منه وينشدوا بأعلى أصواتهم .
سبحان الله والحمد الله ولا اله إلا الله .
همس إلى الذي أبعد عنه الفاسقين أن يبعد عنه ومن كان معه الشياطين ،أتى طير كبير يشبه النسر من أعماق النفق المظلم له رأسين كبيرين كل منهما متجها إلى جدار ومنقارين طويلين يقذفان حجر صغير من نار على الوجوه الشيطانية فتحترق في المكان ولا يبق منها سوى رماد ابيض عالقا على الجدار كبيوت العناكب الفاسدة ،وكان الطير يرفرف بأجنحته الأربعة من فوقهم بهدوء فينزل عليهم هواء بارد يحمل السكينة ،أجتاز الطير جمعهم كما هم اجتازوا محنة الشياطين بإنشادهم نشيد الإنشاد الذي أمر بإنشاده نبيهم قبل حين،قد نسوا ما كان على الجدارين لما صدحت حناجرهم به وهم يسيرون قدما خلف قائدهم ومعلمهم الروحي دونما أن يمسهم لغب ،ضبط النبي موسى مواقيته من خلال ظهور الخفافيش في النفق وخروجها منه وعودتها إليه مما تمكن من تحويله إلى معبد كبير يقيم فيه ومن معه عبادته بانتظام وكانت عثوق التمر طائرة في الفضاء دانية قطوفها منهم وعلى امتداد الجدارين مشكوات فيها طاسات فخار يفيض منها الماء فيها لذة للشاربين لقد أصبح النفق المظلم لهم حياة ،إذ يعيشون فيه كما يحبون، كانوا في أوقات الراحة يتعلمون إذ يجمعهم معلمهم ويعلمهم آيات التوراة وما جاء في الألواح وكانوا هم مجتهدون ،يحفظون ما كان يعلمهم من آيات بينات ،فيتأملوا بها ولن يتركوها حتى يدركوا معانيها كما إنه علمهم ما يحبون وما يكرهون لكي تدوم عقيدتهم إلى يوم الدين وأوصاهم أن لا يخطئوا في أحكامهم وإن أخطئوا بها سوف يظلمون أنفسهم وأمرهم أن ينشروا الفضيلة فيما بينهم ولا يتعاطوا الرذيلة فيكونوا أعداء ولا يقوموا بإيذاء بعضهم بعضا فيفشلوا وأن يعيشوا بسلام في مملكتهم بلا أعداء ولا يميلوا إلى التطرف في كل شيء فيلحدوا وأن يفجروا عيون المعرفة كما هو فجر لهم يوما عيون الماء ولا يبذروا بذور الخطيئة في مملكتهم وينشروا الفساد فيها فيخسروا كل شيء وأن يجعلوا حياتهم باتصال وثيق في ما يحسوا به في الظاهر وفي الباطن وأن يصنعوا لهم تاريخا مميزا بين ممالك الأرض ولا يفصلوا بين وجودهم وعقيدتهم في الحياة الدنيا ،كما إنه حاورهم بكلمات طيبات حتى وصل قريبا من نهاية النفق إذ وقف برهة أمام فتحة الخروج التي تشبه الكوة الكبيرة، ينتظر الإذن بالخروج رفع رأسه أمام وجوده،لفحته موجة صمت ،فكان صامتا كله ،كان يصغي إلى صوت هاتف لا يسمعه احد دونه ،يأمره بالخروج ومن معه من النفق،وبعد أن أفرغ من الاستماع أمرهم باقتفاء أثره ،خرج من النفق فواجه ليلا دامسا ،عاين المكان فإذا هو في فناء بيت هدمت جدرانه دفنتها أتربة الأزمنة الغابرة ومن حوله بقايا أطلال دارست ،وقف من كان معه حوله ،فتساوى النفق من وراءهم واستوت الأرض فوقه التفتوا إلى الوراء وكأن شيئا لم يكن ضربتهم إمارات الدهشة إذ لم يجدوا أي تفسير لما حدث حولهم إلا النبي موسى ،عاينوا المكان من جميع جهاته إنهم لم يعرفوا عنه شيئا ،بعضهم التفت إلى جهة الوادي الذي كان يقطنه القوم فلم يعثروا عليه ،والبعض الآخر أبحر بعينيه في أعماق الظلام معتمدا على نور القمر يتقصى المكان ليعرف أين هو الآن ،في مشارق الأرض أم في مغاربها لكن دونما جدوى إذ خانته معرفته بمواقع النجوم بينما كان النبي موسى يرنو إلى برج عال يبعد عنه ثلاثمائة متر ،هيكل كبير ،رأى فوقه بعينيه أو في ذهنه ،رجلا يتحرك ،يناديه من هناك .
موسى يا موسى .
طلب من جماعته أن يمكثوا في المكان ولم يبرحوا عنه حتى يأتيهم بالخبر القين ،ومضى على رسله ،يمشي على ثلاث قدميه والعصا الثالثة وقف أمام البناء العالي الداكن ،برج كبير ذات ثلاثة سلالم سلم من الأمام وآخران من اليمين والشمال أختار اليمين فارتقاه على عجل وعد مائة درجة فأستوي على سطحه ،سار فوق الهيكل الكبير بخطى حثيثة ،يدنو من الرجل ولما دنى منه تبين إليه أنه رجلا مسنا سمع صوتا يحذره من الاقتراب منه أكثر ،تسمر النبي موسى في مكانه وهو يتفرس في وجهه بدقة ويتمعن في معالمه لعله يتمكن من معرفته ولكنه لم يتمكن من معرفته ،تقدم الرجل العجوز نحوه ثم وقف بجانب صندوق كبير وسأله عن المكان الذي هو فيه ،فأجاب النبي موسى بالنفي ،وأستحسن الرجل العجوز أجابته ثم أنبأه أنه هو ومن معه في مسقط رأس أبيه إبراهيم وإنهم ألآن هم في مدينة النور ،مدينة الضياء ،مدينة أور التي هاجر منها بعد ما هداه ربه طريقا سويا ،لقد عاش بعيدا عنها ،عاش غريبا ومات غريبا فطوبى للغرباء لكن كانت روحه دائما في ارض الآباء و الأجداد الأرض التي ينتمي إليها وتنتمي إليه وأنبأه عن الهيكل الكبير الذي يرتقيه ،أن أبيه إبراهيم كان واقفا والملأ في مكانه يوما بتمام ليله ونهاره يبحث عن ربه وطلب من النبي موسى أن يلتفت إلى الوراء إلى المكان الذي يلبث فيه من جاء معه،أنبأه إنهم يمكثون في البيت الذي ولد فيه أبيهم إبراهيم كما أنبأه بالخليج السومري الذي كان بمحاذاة المدينة من الجنوب ثم رحل عنها وأنبأه في مشرق المدينة وعلى بعد رمية عصا عنها نهر الفرات ،.
إنه حدود مملكتك التي ستؤسسها في ارض الميعاد لشعب الله المختار .
قال موسى بدهشة وغرابة:وهل بمقدوري أن افعل ذلك،.
سر إن الله معك.
ولكن بأي شيء أنشأها ،
.أنبأه الرجل العجوز ، بأن قريبا من نهر الفرات توجد المستودعات ، مستودع للسيراميك المصنوع في مدينة أور والآجر الأحمر ومستودع الفخار الذي أتى به آباءه من كرمان الكائنة في بلاد فارس ومستودع الأحجار الكريمة التي أتوا بها آباءه من باداكشان في أفغانستان وأنبأه بأنها تكفي لبناء مدينة الأنبياء وأمره أن يمضي عنه ،لكن النبي موسى دنى منه وطلب منه أن يرى وجهه ليعرفه، وأستفسر منه الرجل العجوز أ أنه في ريب منه؟
لا ولكن ليطمئن قلبي ،.
سبحان الله ،.
ولما دنى منه أكثر غاب عنه وتركه وحيدا فوق الهيكل ،تفرس في الصندوق ثم فتحه وعاينه وبعد أن اطمأن من طهره وضع فيه كتاب التوراة و الألواح ثم غلق بابه بهدوء وسجد إلى جنبه حتى طلع الفجر،وأشرقت الشمس على المدينة الميتة إذ لاح قرصها الأحمر من بين التلال البعيدة نهض من بروكه ثم وقف بجانب الصندوق مد يده إلى بابه ففتحه وتفقد محتوياته ثم غلقه برفق وألقى نظرة في فناء المدينة النائمة تحت التراب كما أنه أبصر ملأه فوجدهم جالسين على أكوام التراب إلا الأولاد كانوا نائمين على الأرض بلا فراش ،أيقضهم النبي هارون ومضى يبحث لهم عن الماء و الطعام فوجد في غرفة أبيه إبراهيم جرة ماء تنضح من جوانبها وظرف تمر وفوقه أقراص خبز للتو أخرجت من التنور، التفت يمينا وشمالا يبحث عن أصحابه فلم يجد أحدا حوله إلا أهله وأهل أخيه نادى عليهما فقدما نحوه ، أحدهن حملت الجرة والأخرى الظرف وهو حمل الخبز ومضوا قرب مجلس الأولاد ،نزل النبي موسى من فوق الزقورة وفي رأسه أفكار كثيرة وكان يعطي الأولوية حسب الأهمية أقترب منهم فحياهم وجلس إلى جانب أخيه وتناول فطوره معهم وأنبأهم بما رأى في ذهنه وما سمع في قلبه ليلة أمس فوق الزقورة ،وبعد أن أفرغوا من إفطارهم نهض متوجها نحو المشرق صوب الفرات ومشى تسع كم ومن كان معه وراءه وقف أمام نهر الفرات ثم التفت إليهم باسما وأنبأهم أن هذا الماء حلو وطلب منهم النزول إلى جرفه والشرب منه ،نزل الجميع إلى الجرف بركوا بنسق قبل الماء وقبل أن يغرفوا منه خرجت إليهم كتيبة فرسان من أعماقه جياد تقفز فوق الماء وصهيل وقطرات تطير في الفضاء ،جفل الجميع ورجعوا إلى الوراء ثم فروا من الجرف مشفقين من هؤلاء الصناديد ،نادى مناد منهم موسى وطلب منه برفق أن لا يخاف من أعوانه ، واصل النبي موسى جريه بقوة حتى ناداه ربه وأستوقفه بينما الآخرين واصلوا الجري متجهين دون أرادتهم إلى أطلال بيت أبيهم إبراهيم ولاذوا به ،توقف النبي موسى عن الجري وقدم عليه قائدهم ،ترجل من فرسه ومثل أمامه ،.
أأمرنا أنى شئت يا نبي الله ،.
أملى عليهم ما في جعبته من أفكار راودته ليلة أمس أو ما أمر بتنفيذه دلهم المستودعات مستودعا ،مستودعا ،مضوا إليها وبلمح البصر أخرجوها من أماكنها فشيدوا بها المدينة المسورة ذات القلاع والحصون الكثيرة بالآجر الأحمر والسيراميك المطعمة بالأحجار الكريمة ولما عاد إلى أهله وجدهم واقفين أمام باب بيت أبيهم إبراهيم فتح الباب ثم دخل فيه وهم من وراءه وبعد أن أطمأن من بناء المدينة فكر بشعب الله المختار فطلب من أخيه هارون أن يزوج بناته إلى أبناءه وهو الآخر يزوج بناته من أبناء أخيه ،فتأسست مملكة بني إسرائيل العظمى في مدينة النور التي أبدا لا تفنى إلا بفناء الدنيا،.
ومرت الأيام والسنين والدهور ومدينة النور تزدهر وتزدان حضارتها والعالم المتدني يزداد خراب ووحشية ،مدينة تغير على مدينة وتقتل أهلها الأبرياء ،كما غارت جيوش بلاد الفرس على بابل حيث قدمت جيوشها من الجنوب وقبل أن تصل إلى مدينة أور رفعها الجنود من أصولها فارتفعت إلى السماء بقصورها وحدائقها وأهلها وأصبحت المدينة عائمة في الفضاء ،مرق الغزاة من تحتها ساروا عن قرب من الزقورة ولم يتوقفوا ويعيثوا فسادا في أطلالها الدارسة ولما اجتازوا حدودها وابتعدوا عنها هبطت المدينة شيئا فشيئا على ظهور الجنود واستقرت في موضعها آمنة ،سلام على مدينة الأنبياء إلى يوم الدين إذ كلما أقترب منها إنسان أرتقت إلى السماء ،.
17 / 9 / 2010
قصة قصيرة حامد الزبيدي
في تلك الصحراء المترامية ،بين كثبان الرمال المتحركة ،في موضع تكاد تكون الحياة فيه معدمة ،مستحيلة ،في ذلك المكان النذير بالموت، كان قوم بني إسرائيل يقطنون فيه ،يجوبون قفاره الموحشة هربا من قمع فرعون وجنوده فرارا من اضطهادهم وقهرهم ،فأنقذهم النبي موسى منه لما قادهم خارج البلاد ذات الأوتاد ،قادهم إلى بر الأمان ،أنه كان يريد أن يأخذهم إلى أرض الميعاد ،أرض الآباء والأجداد لينشأ مملكة بني إسرائيل العظمى لكن القدر شاء غير ما شاء إذ قابلوه بفظاظة وجحدوا بكل ما قام به من خير إليهم ونكروا ما أتاهم من السماء انزوى منهم وابتعد روحيا عنهم خرج وأهله وهارون وأهله كان يتبعه، خرجوا عن مضارب القبيلة وعبادتها الوضعية ، واعتكفوا بمنأى عنهم لما لاقى من حيف وويل منهم وكثيرا ما جحدوا بحقه من خلال سلوكهم المتدني، المنافي لما جاء به في الألواح وكتاب التوراة ،قد نكروا الآيات البينات وحرفوها وفندوا الحقيقة ،تلك الدلالات التي أنقذتهم في مواطن كثيرة هم عاشوها بمصر ولمسوها بأيديهم كحقيقة لا ريب فيها إلا إنهم صدوا عنها وضلوا النهج القيم ونهجوا نهجا ملتويا فألحدوا إلا أهله وهارون وأهله تمسكوا بها فازدادوا إيمانا مما حدي بهم الالتحاق به و الانضمام إلى لواءه فاجتمعت ذرية النبي موسى والنبي هارون على الهدى ودين الحق ،فتيان وفتيات حسان على الرغم من حرارة الشمس الحارقة وقسوة الصحراء كانوا يشبهون الأقمار ،غرز النبي موسى العصا في الرمال ودفن رأسها الآخر تحت أبطه ووقف إلى جانبها بتماس معتمد بوقفته عليها وكان الخرج معلقا على كتفه الأيمن إذ وضع في جيبه من قبل كتاب التوراة والجيب الآخر من دبر الألواح، من هناك كان يتابع أبناء قومه الذين يؤدون طقوسا و شعائر غير طقوسه وشعائره في الوادي الذي يمكثون فيه وكان يفكر في طريقة مثلى لينتشلهم بها مما هم فيه من كفر ،مد يده إلى جبهته ثم شدها بقوة فأرتجف بدنه من ناصيته إلى أخمص القدم ثم أطلق صيحة مدوية انتبه إليها القاصي والداني من قومه فشنفت الآذان وشخصت العيون.
يا الله(إني لا أملك إلا نفسي وأخي هارون ففرق بيننا وبين القوم الفاسقين )*آية 24 سورة المائدة .
ولما فرغ من دعاءه ،انطلقت دمدمت في الصحراء ،تبصروا في الأفق البعيد جميعا ،شاهدوا غيمة سوداء آتيت عليهم من أعالي السماء ،صرخ القوم بأعلى أصواتهم .
دعا موسى ربه علينا أنه لن يدعنا بحالنا .
تجمعوا في الوادي وأتمروا عليه وقبل أن يفض مؤ تمرهم داهمتهم ريح عاتية ،ركضوا صوبه متعثرين الصعود هائمين للقائه لم ينظر إليهم وهو الذي يحبهم إذ كان يرنو إلى وجها اسودا له فم يفور،تحمله الغيمة ذات الأجنحة الكبيرة التي كانت ترفرف فوق رؤوسهم جثوا على ركبهم من سياط الخوف التي لفحتهم بقسوة وارتعدوا ،زحفوا على الرمال يراوحون في المكان كمن كان يركض في رؤاه ،كل منهم بدا يغير طريقه ،يبحث عن ملجئ في عمق الصحراء يخلصه من صعقها، من برقها الخاطف، من رعدها الشديد ، سكن الرعب في قلوبهم وارهبوا لما دنت منهم ، فتقت كجود ماء ونزل عليهم المطر مدرارا ،مزاريب ماء تنهمر عليهم من السماء ،ابتلت الثياب والأجساد والرمال الهائمة غصت بفيض الماء شربته بنهم ولم ترتو ،كان موسى ومن معه بمعزل عن هذا العذاب، مضى عنهم كما مضى أبيه عن قومه من قبل ضربت القوم ذلة وحجارة من ثلج ، على أثرها تشتتوا ،تفرقوا في الصحراء كل فر على وجهته ولم يتوقفوا عن التركاض حتى نفد الودق وذابت الغيمة السوداء لكن لم يتركوا سدى إذ أتتهم عاصفة من بعيد ،عاصفة رملية صفراء تطاردهم كأنها تطلبهم ثأرا ، يصاحبها عواء كلاب أو ذئاب اشتعل الرعب في أنفسهم من جديد ووضعت قلوبهم في الأتون ،فروا عنها بكل ما أتوا من قوة ولكن دونما جدوى ،أين المفر من قبضة مقتدر؟ أين الهروب منها ؟وهي التي كانت تدنوا منهم من كل اتجاه ،ضاقت عليهم الصحراء على الرغم من سعتها ،فأذعنوا إليها مهطعين لملمتهم قسرا ووضعتهم في بوتقة مظلمة ضاعوا فيها وذاقوا طعم التيه أكثر من قرن ،انثالت عليهم الرمال ،لطمتهم أياد بقوة منها لما هوت على وجوههم بعنف عمت عيونهم وختمت على آذانهم فجعلتهم لا يرون شيئا ولا يسمعون بعضهم بعضا منهم من تكور ومنهم من جثا على بطنه تحت الرمال ،قد تغيرت أشكالهم وتبدلت أصواتهم وأصبحوا ككائنات أسطورية تزحف في الظلام بلا اتجاه ،لم يلتفت النبي موسى ولا من معه لما جرى لهم من بلاء كان هناك حاجزا وهميا يفصل بينهما وكثيرا ما نادوا بني إسرائيل عليه واستغاثوا به فلم يصغ إلى نداءهم ،فاضطروا إلى مناداة ربه ،أن ينقذهم من هذه الغمة وأن يأتيهم بأنبياء غيره لا أنبياء مثله وهو اعلم بما آلوا إليه وتركهم يتخبطون في حياتهم ،أنتخب النبي موسى طريقا غير طريقهم وراوده من جديد حلم الأحلام ،ارض الميعاد ومملكة بني إسرائيل العظمى في الأرض التي لا تفنى أبدا إلا بفناء الدنيا ،في تلك اللحظة التي أخذته أحلامه وأفكاره بعيدا ولم تتركه حتى فوجئ إذ خسفت الأرض من أمامه ارتعب من هولها ورجع إلى الوراء خائفا مذعورا تارة ينظر إلى السماء وتارة ينظر إلى ما حدث عن قرب منه من شق عميق في الأرض ،أخدود كبير ،تبصر فيه بدهشة وإعجاب وأحتار في أمره تفرس في أياد من سراب تلوح إليه من أعماق الأخدود بالنزول رابط جأ شه ثم فوض أمره لربه ونزل في الشق خطوة خطوه كان يتوكأ على عصاه بيمينه ويشد من قبل على الخرج بشماله ، وملأه يتبعه بصعوبة بالغة حيث أن كانت أقدامهم تركس إلى نهاية سيقانهم في الرمال ويخرجونها بمشقة قد فارقوا القوم أبدا وابتعدوا عنهم إلى يوم الحساب ،مضوا والنبي موسى في طريق وعرة حتى وصلوا قاع الأخدود العميق وقفوا أمام نفق مظلم خلف نبيهم الذي كان واقفا قبل الفتحة حائرا متوجسا لا يبغي الولوج فيه بإرادته أنه كان يصغي لنداء في قلبه ،أن يقدم ولا يخاف الولوج فيه ،أن يسلكه ولا يخاف إلا منه وأمر ومن معه أن يسيروا فيه ،تلاش التوجس من قلبه ومات الخوف فيه هدأ روعه ثم مد يده اليمين وادخل العصا في النفق غرسها في أرضه ،انبثق منها نور ا ساطعا بدد الظلمة واستنار إليه الطريق ،تقدم النبي موسى خطوة مسبوقة باسمه تعالى فأخذ موضع العصا بعد ما رفعها عن الأرض وولج في النفق ومن وراءه من كان يتبعه ،كان قلبه ولسانه يسبحان لربه في الوقت ذاته ،ناداه أخيه بصوت متحشرج من الوراء .
يا نبي الله هلا رأيت الوجوه الموحشة ؟
لم يصغ لندائه ولم يكترث إليه أنه اكتفى برفع يده إلى الأعلى ولوح بها إليه أن يتبعه ،ومضى في طريقه وأولاده وأولاد أخيه وزوجه وزوج أخيه ومن وراءهم هارون ،الجميع يمشي وراءه ،نظر بطرف عينه إلى الجدار،فرأى وجوها ملونة بيض وسود وصفر وحمر ،وجوه كثة الشعر فيها عيون مثلثة، جاحظة، مرفوعة على الجباه ،محفورة في النواصي وأنوف قصيرة ملوية وأفواه ذات شفاه منفوخة ،تبرز من خلالها أنياب طويلة كأنها أنياب فيلة يقطر منها سيلا ذات لهب تلك الوجوه تظهر وتغيب كنجوم طافية على وجه ماء جار ،مرسومة على جداري النفق ،وجوه كأنها وجوه الشياطين بل هي وجوه الشياطين بعينها ،تنظر إليهم بحقد وكراهية ،تتحين فرصة الانقضاض عليهم لكنها لا تملك قدرة النط اكتفت بالصراخ والصفير بين الحين والحين وأحدثت أصواتا غريبة لا إنسية ،أصوات من يسمعها ينتابه الغثيان ويصاب بدوار البحر ،يود لو يتقيأ ويرم ما في جوفه على الفور ،أصوات وحشية من يسمعها يصاب بالذعر وكره الحياة معا ،صاح النبي موسى بمعيته وأمرهم أن يذكروا اسم الله وأن يكثروا منه وينشدوا بأعلى أصواتهم .
سبحان الله والحمد الله ولا اله إلا الله .
همس إلى الذي أبعد عنه الفاسقين أن يبعد عنه ومن كان معه الشياطين ،أتى طير كبير يشبه النسر من أعماق النفق المظلم له رأسين كبيرين كل منهما متجها إلى جدار ومنقارين طويلين يقذفان حجر صغير من نار على الوجوه الشيطانية فتحترق في المكان ولا يبق منها سوى رماد ابيض عالقا على الجدار كبيوت العناكب الفاسدة ،وكان الطير يرفرف بأجنحته الأربعة من فوقهم بهدوء فينزل عليهم هواء بارد يحمل السكينة ،أجتاز الطير جمعهم كما هم اجتازوا محنة الشياطين بإنشادهم نشيد الإنشاد الذي أمر بإنشاده نبيهم قبل حين،قد نسوا ما كان على الجدارين لما صدحت حناجرهم به وهم يسيرون قدما خلف قائدهم ومعلمهم الروحي دونما أن يمسهم لغب ،ضبط النبي موسى مواقيته من خلال ظهور الخفافيش في النفق وخروجها منه وعودتها إليه مما تمكن من تحويله إلى معبد كبير يقيم فيه ومن معه عبادته بانتظام وكانت عثوق التمر طائرة في الفضاء دانية قطوفها منهم وعلى امتداد الجدارين مشكوات فيها طاسات فخار يفيض منها الماء فيها لذة للشاربين لقد أصبح النفق المظلم لهم حياة ،إذ يعيشون فيه كما يحبون، كانوا في أوقات الراحة يتعلمون إذ يجمعهم معلمهم ويعلمهم آيات التوراة وما جاء في الألواح وكانوا هم مجتهدون ،يحفظون ما كان يعلمهم من آيات بينات ،فيتأملوا بها ولن يتركوها حتى يدركوا معانيها كما إنه علمهم ما يحبون وما يكرهون لكي تدوم عقيدتهم إلى يوم الدين وأوصاهم أن لا يخطئوا في أحكامهم وإن أخطئوا بها سوف يظلمون أنفسهم وأمرهم أن ينشروا الفضيلة فيما بينهم ولا يتعاطوا الرذيلة فيكونوا أعداء ولا يقوموا بإيذاء بعضهم بعضا فيفشلوا وأن يعيشوا بسلام في مملكتهم بلا أعداء ولا يميلوا إلى التطرف في كل شيء فيلحدوا وأن يفجروا عيون المعرفة كما هو فجر لهم يوما عيون الماء ولا يبذروا بذور الخطيئة في مملكتهم وينشروا الفساد فيها فيخسروا كل شيء وأن يجعلوا حياتهم باتصال وثيق في ما يحسوا به في الظاهر وفي الباطن وأن يصنعوا لهم تاريخا مميزا بين ممالك الأرض ولا يفصلوا بين وجودهم وعقيدتهم في الحياة الدنيا ،كما إنه حاورهم بكلمات طيبات حتى وصل قريبا من نهاية النفق إذ وقف برهة أمام فتحة الخروج التي تشبه الكوة الكبيرة، ينتظر الإذن بالخروج رفع رأسه أمام وجوده،لفحته موجة صمت ،فكان صامتا كله ،كان يصغي إلى صوت هاتف لا يسمعه احد دونه ،يأمره بالخروج ومن معه من النفق،وبعد أن أفرغ من الاستماع أمرهم باقتفاء أثره ،خرج من النفق فواجه ليلا دامسا ،عاين المكان فإذا هو في فناء بيت هدمت جدرانه دفنتها أتربة الأزمنة الغابرة ومن حوله بقايا أطلال دارست ،وقف من كان معه حوله ،فتساوى النفق من وراءهم واستوت الأرض فوقه التفتوا إلى الوراء وكأن شيئا لم يكن ضربتهم إمارات الدهشة إذ لم يجدوا أي تفسير لما حدث حولهم إلا النبي موسى ،عاينوا المكان من جميع جهاته إنهم لم يعرفوا عنه شيئا ،بعضهم التفت إلى جهة الوادي الذي كان يقطنه القوم فلم يعثروا عليه ،والبعض الآخر أبحر بعينيه في أعماق الظلام معتمدا على نور القمر يتقصى المكان ليعرف أين هو الآن ،في مشارق الأرض أم في مغاربها لكن دونما جدوى إذ خانته معرفته بمواقع النجوم بينما كان النبي موسى يرنو إلى برج عال يبعد عنه ثلاثمائة متر ،هيكل كبير ،رأى فوقه بعينيه أو في ذهنه ،رجلا يتحرك ،يناديه من هناك .
موسى يا موسى .
طلب من جماعته أن يمكثوا في المكان ولم يبرحوا عنه حتى يأتيهم بالخبر القين ،ومضى على رسله ،يمشي على ثلاث قدميه والعصا الثالثة وقف أمام البناء العالي الداكن ،برج كبير ذات ثلاثة سلالم سلم من الأمام وآخران من اليمين والشمال أختار اليمين فارتقاه على عجل وعد مائة درجة فأستوي على سطحه ،سار فوق الهيكل الكبير بخطى حثيثة ،يدنو من الرجل ولما دنى منه تبين إليه أنه رجلا مسنا سمع صوتا يحذره من الاقتراب منه أكثر ،تسمر النبي موسى في مكانه وهو يتفرس في وجهه بدقة ويتمعن في معالمه لعله يتمكن من معرفته ولكنه لم يتمكن من معرفته ،تقدم الرجل العجوز نحوه ثم وقف بجانب صندوق كبير وسأله عن المكان الذي هو فيه ،فأجاب النبي موسى بالنفي ،وأستحسن الرجل العجوز أجابته ثم أنبأه أنه هو ومن معه في مسقط رأس أبيه إبراهيم وإنهم ألآن هم في مدينة النور ،مدينة الضياء ،مدينة أور التي هاجر منها بعد ما هداه ربه طريقا سويا ،لقد عاش بعيدا عنها ،عاش غريبا ومات غريبا فطوبى للغرباء لكن كانت روحه دائما في ارض الآباء و الأجداد الأرض التي ينتمي إليها وتنتمي إليه وأنبأه عن الهيكل الكبير الذي يرتقيه ،أن أبيه إبراهيم كان واقفا والملأ في مكانه يوما بتمام ليله ونهاره يبحث عن ربه وطلب من النبي موسى أن يلتفت إلى الوراء إلى المكان الذي يلبث فيه من جاء معه،أنبأه إنهم يمكثون في البيت الذي ولد فيه أبيهم إبراهيم كما أنبأه بالخليج السومري الذي كان بمحاذاة المدينة من الجنوب ثم رحل عنها وأنبأه في مشرق المدينة وعلى بعد رمية عصا عنها نهر الفرات ،.
إنه حدود مملكتك التي ستؤسسها في ارض الميعاد لشعب الله المختار .
قال موسى بدهشة وغرابة:وهل بمقدوري أن افعل ذلك،.
سر إن الله معك.
ولكن بأي شيء أنشأها ،
.أنبأه الرجل العجوز ، بأن قريبا من نهر الفرات توجد المستودعات ، مستودع للسيراميك المصنوع في مدينة أور والآجر الأحمر ومستودع الفخار الذي أتى به آباءه من كرمان الكائنة في بلاد فارس ومستودع الأحجار الكريمة التي أتوا بها آباءه من باداكشان في أفغانستان وأنبأه بأنها تكفي لبناء مدينة الأنبياء وأمره أن يمضي عنه ،لكن النبي موسى دنى منه وطلب منه أن يرى وجهه ليعرفه، وأستفسر منه الرجل العجوز أ أنه في ريب منه؟
لا ولكن ليطمئن قلبي ،.
سبحان الله ،.
ولما دنى منه أكثر غاب عنه وتركه وحيدا فوق الهيكل ،تفرس في الصندوق ثم فتحه وعاينه وبعد أن اطمأن من طهره وضع فيه كتاب التوراة و الألواح ثم غلق بابه بهدوء وسجد إلى جنبه حتى طلع الفجر،وأشرقت الشمس على المدينة الميتة إذ لاح قرصها الأحمر من بين التلال البعيدة نهض من بروكه ثم وقف بجانب الصندوق مد يده إلى بابه ففتحه وتفقد محتوياته ثم غلقه برفق وألقى نظرة في فناء المدينة النائمة تحت التراب كما أنه أبصر ملأه فوجدهم جالسين على أكوام التراب إلا الأولاد كانوا نائمين على الأرض بلا فراش ،أيقضهم النبي هارون ومضى يبحث لهم عن الماء و الطعام فوجد في غرفة أبيه إبراهيم جرة ماء تنضح من جوانبها وظرف تمر وفوقه أقراص خبز للتو أخرجت من التنور، التفت يمينا وشمالا يبحث عن أصحابه فلم يجد أحدا حوله إلا أهله وأهل أخيه نادى عليهما فقدما نحوه ، أحدهن حملت الجرة والأخرى الظرف وهو حمل الخبز ومضوا قرب مجلس الأولاد ،نزل النبي موسى من فوق الزقورة وفي رأسه أفكار كثيرة وكان يعطي الأولوية حسب الأهمية أقترب منهم فحياهم وجلس إلى جانب أخيه وتناول فطوره معهم وأنبأهم بما رأى في ذهنه وما سمع في قلبه ليلة أمس فوق الزقورة ،وبعد أن أفرغوا من إفطارهم نهض متوجها نحو المشرق صوب الفرات ومشى تسع كم ومن كان معه وراءه وقف أمام نهر الفرات ثم التفت إليهم باسما وأنبأهم أن هذا الماء حلو وطلب منهم النزول إلى جرفه والشرب منه ،نزل الجميع إلى الجرف بركوا بنسق قبل الماء وقبل أن يغرفوا منه خرجت إليهم كتيبة فرسان من أعماقه جياد تقفز فوق الماء وصهيل وقطرات تطير في الفضاء ،جفل الجميع ورجعوا إلى الوراء ثم فروا من الجرف مشفقين من هؤلاء الصناديد ،نادى مناد منهم موسى وطلب منه برفق أن لا يخاف من أعوانه ، واصل النبي موسى جريه بقوة حتى ناداه ربه وأستوقفه بينما الآخرين واصلوا الجري متجهين دون أرادتهم إلى أطلال بيت أبيهم إبراهيم ولاذوا به ،توقف النبي موسى عن الجري وقدم عليه قائدهم ،ترجل من فرسه ومثل أمامه ،.
أأمرنا أنى شئت يا نبي الله ،.
أملى عليهم ما في جعبته من أفكار راودته ليلة أمس أو ما أمر بتنفيذه دلهم المستودعات مستودعا ،مستودعا ،مضوا إليها وبلمح البصر أخرجوها من أماكنها فشيدوا بها المدينة المسورة ذات القلاع والحصون الكثيرة بالآجر الأحمر والسيراميك المطعمة بالأحجار الكريمة ولما عاد إلى أهله وجدهم واقفين أمام باب بيت أبيهم إبراهيم فتح الباب ثم دخل فيه وهم من وراءه وبعد أن أطمأن من بناء المدينة فكر بشعب الله المختار فطلب من أخيه هارون أن يزوج بناته إلى أبناءه وهو الآخر يزوج بناته من أبناء أخيه ،فتأسست مملكة بني إسرائيل العظمى في مدينة النور التي أبدا لا تفنى إلا بفناء الدنيا،.
ومرت الأيام والسنين والدهور ومدينة النور تزدهر وتزدان حضارتها والعالم المتدني يزداد خراب ووحشية ،مدينة تغير على مدينة وتقتل أهلها الأبرياء ،كما غارت جيوش بلاد الفرس على بابل حيث قدمت جيوشها من الجنوب وقبل أن تصل إلى مدينة أور رفعها الجنود من أصولها فارتفعت إلى السماء بقصورها وحدائقها وأهلها وأصبحت المدينة عائمة في الفضاء ،مرق الغزاة من تحتها ساروا عن قرب من الزقورة ولم يتوقفوا ويعيثوا فسادا في أطلالها الدارسة ولما اجتازوا حدودها وابتعدوا عنها هبطت المدينة شيئا فشيئا على ظهور الجنود واستقرت في موضعها آمنة ،سلام على مدينة الأنبياء إلى يوم الدين إذ كلما أقترب منها إنسان أرتقت إلى السماء ،.
17 / 9 / 2010
تعليق