نهم الألوان والعطور
ارتمى على الأريكة ، مغمض العينين ، كأنّ جفونه تختزن مشهدا تخشى عليه انفراطا أو تشويها . ظلّـت مسمَّرة في مكانها ، وقد توقَّف مشهدها عند الابتسامة ، ليس استغرابا بل استهزاء مؤلما وقد تعوّدت منه هذه الّنّوبات والتَّقلّبات ...
" لماذا لا تملّ النّحلة التّرحال من زهرة إلى أخرى ، مادامت زهرتها الأولى ما زالت تفيض عطاء وما انفكَّت تشبعها رحيقا ...؟"
باتت تكره الظّهور معه في الأماكن العامَّة ، وهو يتجاهل وجودها ، يلعق بعينيه طيف زهرة عابرة ... يسلمها ملامح وجهه يطارد فاغرا ابتسامة أو نظرة ، تسحق أنوثتها ، وتبخس كبرياءها .
لقد تزوّجَته بعد قصّة حبّ تحاكى بها النّاس ، وضربت بها الأمثال في الإصرار ، حيث تحدّت رفض أهلها ومغريات زيجات حلم لأيّ فتاة أخرى . أمّا هي ، فقد استجابت لنداء القلب . واختارت الارتباط به رغم ظروفه المتواضعة التي لم تشبع طموح عائلتها الثّريّة .
عادت تتأمَّله في أسف، وهو ممدَّد على الأريكة زائغا ، وهي في نفس مكانها لا تبرحه ...
ـ في كلَ مرّة... كان يحطّ على زهرة جديدة ... تظهر عليه نفس هذه الأعراض... سهو وتجهّم عند اكتشافها... فرح ونشوة ، عند أوَّل قطرة رحيق ... ثمَ تلفّه السَعادة لأيَام وأسابيع وأحيانا لأشهر... قد يعود بعدها باحثا عنّي وسط ركام أشيائه القديمة في المنزل...
كرهْت أن تظلَّ ابتساماتي المرسومة بعذاباتي وآهاتي ، الحصوة التي أرمي بها في عين المجتمع ، فلا يكشف عورات نفسي .فتنهال علي حجارة الرَّجم .... كمثل من يجلس على الجمر يكتوي بلهبه ، ولا يتزحزح أو يئنّ ، لأنّ ذاك الجمر إذا انكشف يتأجَّج ليحرق من حوله من الأحبَّة...
لكنّني مللت هذه الحياة ... أموت ذلّا وقهرا كلَما لاح في عينيه مشروع زهرة أخرى ، يقتحم عطرها أبواب بيتي ، وتتسلّل ألوانها إبرا تدمي مشاعري وتعتمل في نفسي عميقا ... تغتال أحلامي تباعا ... تتركني جثَّة جوفاء ، هامدة ، مهجورة كجلد أفعى ، تدوّي فيها الوحدة ويرمح فيها الخواء ، وتنعق فيها الشّياطين :" عامليه بالمثل ... مازلت جميلة، نضرة، وريَّانة... لا تذري شبابك يذهب نهبا لوفاء أبله... كفّي يدك تهشّ النَّحل من حولك واتّخذي منه أنيسا لوحدتك في غفلاته عنك .... استفزّي غيرته أو حتَّى غضبه ، علَّه يتلمَّظ بقايا رحيقك في حلقه فيعود إليك مثلما يفعل الطّفل مع لعبته المهملة ، وقد امتدَّت إليها يد أخرى..."
لكنّني سرعان ما كنت ألعن شياطيني وأخرس نعيقها متقزّزة من تواطئي معها ولو للحظة ....
في اليوم التّالي ... عاد متأخّرا ... متهالكا ... مكدودا ... مرَّ بالأريكة دون أن ينتبه لزوجته وقد انطوت فوقها كقطَّة الرَّماد ، هدَّها الإهمال الذي أغرق أصناف الطَّعام التي أمضت المساء تعدّها ، تزخرف بها الطَّاولة .
عبثا تحاول شدَّه ... كلَّما حاولت ، أوْغل في إغراقها ، وسدَّ عليها سبل النَّجاة ...
ـ " لم يلحظ قصَّة شعري ، ولا لونه الجديد... لم يحتويه عطري ... وهو المولع بالألوان والعطور... ولم تستوقفه حمرة فستاني الجديد الذي خطته بنفسي بمناسبة عيد زواجنا ... وتفنّنت في قصَّاته واخترت بخبث مواطن العراء فيه ... لقد أطفأ صمته وتجاهله ، جمر فستاني ، وأضواء شموعي ، وأذبل ورودي التي رصَّفتها بعناية على طاولة الطَّعام . "
عبثا حاولت أن أشدَّ انتباه نحلتي ، إلى ربيع بساتيني ... إلى أضوائي و ألواني ، وعطوري ..."
مضى كمنوَّم مغناطيسيا إلى الفراش يعفّره بعطور الأخرى ، ويزرعه إبرا وأشواكا ، جعلتها تسلم رأسها في يأس إلى ركبتيها ... تفتضّ بدموعها بكارة الفستان الجديد ...
اليوم أيضا ...عاد ... ولكنَه ظلَّ غائبا ... فقد تشبَّثت روحه بزهرته الجديدة، ورسمت على الجسد العائد، ابتسامة فاترة بلهاء ، تحاول التَّمويه ... لكنَّ عبق الرَّحيق الذي فاض عن جنبات البسمة ، تبدَّى لها كدماء ، تسايلت من فم وحش بغيض ، وقد انتهى لتوّه من نهش قلبها وأحشائها ... هذا ، رغم أنَّها لا تدَعي أنَّها متفاجئة جدّا ، وقد تعوَّدت هذه المواقف منذ دخلت قفصه الأتون ...
ـ " ... ستظلّ نحلتي كذلك ، في حلّها وترحالها ... لا هي تملّ التّرحال ، ولا هي ترتوي من الرَّحيق ... وسأظلّ أمارس الموت مع كلّ رحلة ... هناك ، في الخليَّة ... يعود لي متى أعياه التّرحال ، يمجّ في شهدي رحيق زهوره ، أكرع من عسله الحنظل ، طواعية حينا ، وإكراها في أغلب الأحيان . وقد يفرز شهدي عسله دودا يأكلني، يفتّت أعماقي... أو قد تتقيَّؤه نفسي على نفسي كراهية وحقدا واحتقارا .
وستظلّ تعصف بي رياح عطوره الغازيَة ، الخانقة ، تقتلع أوتاد استقراري ، تدمي روحي ... وتستنزف صبري وقدرتي على الاحتمال . وتطيح بكرامتي ...
بعد أيَّام سيعود إلينا ـ إمَّا مكتويا بصدّها ، أو قد نفد شغفه برحيقها ـ منكبّا علينا حريصا على إرضائنا . إلى أن تأخذه عاصفة عطور وألوان أخرى . "
اليوم ، عاد كما وصفتْه ، مقبلا عليها وحضنه يتّسع لها ولأولادها ... يفيض حنانا، يفيض حبّا واهتماما، يفيض توقا وشوقا ...
أعدّت له مرطَبات، وناولته قطعة، انكبّ عليها بشهيّة عكستها سرعة الالتهام، واهتزاز حاجبيه ورأسه استحسانا، وارتفاع إبهامه إكبارا لقدرتها الفائقة على إعداد المرطّبات، كما عهدها دوما.
كاد يلعق الطّبق قبل أن يمدّه إليها .
دخلت المطبخ لتعود بقطعة أخرى من نفس المرطّبات ... بعد أن وضعتها في طبق آخر ، مختلفا في شكله ولونه ... وزيّنتها بصلصة الفراولة وعطّرتها بنكهة " الفانيليا " فبدا منظرها خلّابا ، وعطرها جذّابا ، كأزهاره ...
ـ " هيّا ! أيَتها النَحلة ! ... حطّي في هذا الطّبق ، فألوانه زاهية ، وعبقه آسر ، هلمّ ... عجّلي ... تمرّغي فيه أترعي نفسك منه ... اثملي من رحيقه حتّى التّخمة ..."
جاملها وهو الشّبعان لغاية في نفسه ... وقد قنَع اشمئزازه بابتسامة ، مفتعلا الشّهوة ، وهو يرغم حلقه على ابتلاع اللّقم ويقاوم معدته التي تكاد ترجع ما قبلته غصبا .
سألته : " أيّهما أطيب ؟؟؟ القطعة الأولى أم الثّانية ؟؟؟ "
أجاب : " نفس المذاق الطّيّب ، وان تغيّرت الألوان والعطور ..."
على إيقاع كلماته ، ناولها الطّبق ، وقد تناثرت عليه بعض القطع ، غارقة في حمرة الفراولة .
عادت إليه مرّة أخرى تحمل طبقا آخر ... أكثر ألوانا ، أكثر زهورا ، يتراقص على جوانبه لون صلصة البرتقال وتزفّه رائحة التّفّاح ... ناولته الطّبق ، على وجهها ملامح غامضة تستطلع ردّة فعل سحنته الحرباويّة الملامح ... حدجها بنظرة استغراب وقد قطّب جبينه :" أليست هي نفس المرطّبات !؟"
أجابت مؤكّدة بإيماءة من رأسها .
ـ " لكنّي شبعت حتّى التّخمة ..."
ـ " انظر إليها ، ألا تغريك ألوانها !؟ ألا يهزّك عطرها !؟ "
قرّبت الطّبق من أنفه حتّى كادت تعفّره بالألوان . أشاح عنه بوجهه ... وقفز مهرولا إلى دورة المياه . لتسمعه بعد ذلك يتقيّأ بشدّة ، وهي تبتسم في تشفّ ...
عاد مترنّحا ، بعد أن أرجع ما بمعدته ...من ألوان وعطور . مغمض العينين ، انحدر يسلم جسمه لنعومة حشية الأريكة . شعر بوقع أقدام قرب رأسه ، فانتفض زاعقا ، يدفع بيديه طبقا محتملا : " كفى مرطّبات ... كفى ألوانا ... كفى عطورا ... " فتح عينيه ، وإذا هي زهرته الأخيرة تقف عند رأسه ... وقد أغرق عبقها المكان ... تأمّل طيفها المقلوب وهو الممدّد على ظهره ... فتهيّأ له للحظة أنّها ليست سوى خطرفة تخمة ... أمّا حين لامس بيديه جسمها ، كاد يعود للقيء لهول العطر ... والمفاجأة .
لم يسألها كيف دخلت ... ولا متى ... ولا كيف عرفت مكان إقامته ... بل ... كلّ ما همّه هو عدم اكتشاف زوجته لوجودها ...
استوى واقفا ... وظلّ يدفعها بكلتا يديه معجّلا خروجها . لكنّ صخب مقاومتها ، أبدل عنفه وشوشات إقناع ... راوغته ، وعادت إلى طاولة صغيرة تقبع وديعة عند قدمي الأريكة ... طفقت تنزع في هدوء رموشها ، وعدساتها اللّاصقة الملوّنة ، وخصلاتها المستعارة التي عزّزت بها كثافة شعرها ، وزرعته ألوانا ، وبالغت في تطويله ... كما نزعت صدارها المطّاطيّ القماش الذي ينزاح عن خاصرتها ، متراجعا بحدوده إلى صدرها يلجم ثدييها ... وسروالها " الدجينز " الذي يعتصر مؤخّرتها المحاصرة بحزام جلديّ غليظ ، كاشفا سرّتها ...
خرس، تجمّد، وهو يتابعها تستر عريها، بملابس زوجته، تخرجها من حقيبة يدها الأنيقة العصريّة التي تودّد بها إليها... بعد أن أزالت كلّ المساحيق والألوان التي أتقنتها إلى درجة أعمت فراسته، وشلّت ذاكرته، فلم يعرفها...
ارتمى الزّوج على الأريكة ، فغارت به عميقا ، عميقا في سراديب الفضيحة والتّعرّي ... طأطأ رأسه ، ورفع يديه يغرق في عتمة كفّيهما سحنته التي رجّتها صفعة الصّدمة ، فتهاوت ملامحها الهشّة ... ونبع من فتحتيْ منخريْه كلّ الرّحيق ... وقد دمي ...
تعليق