إلا ربع
25-9-2010
طوال عمري كانت حياتي تمضي كما بين عدد من الأكواب؛ لا أراها إلا وكلها ممتلئة، فها أنا موهوب، ناجح، محبوب، متميز، عارف، خبير، مثقف، حكيم، قديس، معلم، حنون، صادق، زوج، أب، عاشق، مغامر، نشط، منجز.. وهكذا. وفي حقيقة الأمر ولئلا تظن أن إنسانا مغرورا أو متباه أجوف هو محدثك، فإنني حتى في لحظات الضعف – وهي كثيرة بما يفوق الاحتمال- كنت أرى أكوابها كاملة فها أنا فاشل بدرجة ممتاز، خائب بتفوق، جاهل بلا منازع، أحمق دون مبرر، خاطئ بانحطاط، متهور حد الجنون، غضوب حتى الانفجار، حسن النية حد الانخداع، .. وبذا تكاملت الصورة الكوبية من حولي، فلم تكن يوما صورة كاملة الوردية، ولا تامة الضبابية.
لم تختلط مكونات الأكواب أبدا بل ظل كل في حالة؛ فلا جار أحدها على الآخر، ولا حاول الواحد منها الانفراد بالوجود دون الآخرين. كان جميلا أن أراني مجرد إنسان، نعم مجرد إنسان متسق مع ذاته، راضيا بمزيج الفضائل والعيوب، عارف كيف يعيش بالضبط على خطى قاعدته الذهبية: لكل مقام مقال، دونما إفراط ولا تفريط.
وكان يوم، وبعد أن أتمت الأرض دورتها الأربعين حول الشمس، فإذا بقامتي وقد استطالت فتخطت الرؤية صورة الامتلاء، وإذ بعيني وقد انفتحتا على مفاجأة تذهلني فأراني، وأكوابي ممتلئا إلا ربع: موهوبا إلا ربع، ناجحا إلا ربع، محبوبا إلا ربع، متميزا إلا ربع.. كل الأمور صارت إلا ربع حتى السقطات رأيتها إلا ربع: فاشلا إلا ربع، خائبا إلا ربع، جاهلا إلا ربع، .. إلخ. بت كما وكأنني إنسانا إلا ربعا.
وفيما استغرقت في بحث الأسباب، وطرق قتل الفراغ المتولد في أكوابي، وقبل أن تكمل الأرض دورة جديدة، إذ بي لا أرى إلا الأرباع الفارغة وقد تلاشت الامتلاءات فيما تحت مستوى البصر.. وسقط معها قلبي بفعل جاذبية الصدمة في هوة عميقة، واهتزت قامتي وتلخلخت جذورها، لوقت دون حساب. أزعج الفراغ روحي، بلبل تفكيري، وجمد أنشطتي..
ولكن –وكالعادة- أعاود محاولة ضبط التوازن والعلو فوق المحبطات.. بحثا عن حل أغوص في أرشيف الذاكرة..تداخلت في ذهني علوم التشريح مع أسس نقد الرواية، و الفارماكولوجي مع اعلم الاجتماع،
وراحت بحور الشعر تتماوج أمام ناظري.. ليس كل الشعر بالطبع، فأنا لا أحب الحداثي منه، ولا أستسغ ألفاظ ما تعتق منه، كما أن ذاكرتي باتت كالرمل في يوم عاصف لا تحفظ خطوات من مر بها..
هاه؛ مال الشعر والأدب بحالتي هذه؟.. كل ما أحتاجه مما درسته من علوم للخروج من موقفي الراهن ينحصر في قليل من أصول الفيزياء والديناميكا والاستاتيكا، مع شذرات من الكيمياء ؛ إلا أن هؤلاء خصيصا أبوا تلبية النداء ويستحيلوا إثيرا (ether)..
ها هي الكيمياء تستجيب فالإثير مادة كيميائية سهلة التطاير - كأفكاري الآن – وذات رائحة نفاذة.. رائحة نفاذة.. نعم إنني أشم رائحة حريق مصدرها أعصابي نتيجة تحميل الجهد العالي.. تذكرت أنني ومنذ مدة ليست بالقصيرة اقترحت على الطبيب أن يخترعوا وصلات عصبية فائقة الاحتمال نظرا لشطط الأسعار وزحام الطرق واستفحال غباوة الروتين..
هاه؛ مالي عدت للشطط بعيدا عن إلحاح الأزمة الحالية؟.. الأكواب ممتلئة إلا ربع، والامتلاء تلاشى من مجال الرؤية..
الرؤية.. كثيرا ما تساءلت عن حقيقتها، وهل ما نراه هو الصورة أم النيجاتيف؟.. هل هو مادي محسوس، أم فقط نتوهمه فنجسده؟.. هل الحب حب، أم مجرد محاولة لخلق الجمال؟..
ها هي الفكرة تومض في الأفق البعيد.. تقترب.. تتجسد لا أعلم تصنيفا لها فيما درسته من علوم.. لا يهم .. أسرع بحثا عن آلة تقطيع..
أقصقص الأرباع الفارغة من كل الأكواب.. أقربها من بعضها البعض.. تتنافر بحدة.. أعاود المحاولة.. أعاود ترتيبها.. أعشق الألعاب التركيبية والهندسية منذ الصغر، كنت أوفر لنفسي حاجتي منها لندرتها ، أو ندرة ثمنها، في زمني نجحت في تجميع الأرباع سويا .. فتحت بينها وبعضها ممرات ومسالك.. جهزتها لتشكل معا حوضا واحدا متسعا.. أتقنت لصقها منعا للتسريب.. وماذا سيتسرب منها؟ أيتسرب الفراغ؟ أليس الفراغ هواء؟ فهل يتسرب الهواء للهواء، والهواء هو هو داخل أو خارج حوض الأرباع.. والضغط الجوي متوازن ما بين داخل وخارج الأواني مادامت مفتوحة؟ ثم، وماذا لو تسرب؟ آه ألا تذكر المنخفض الجوي الذي تعرضت له طائرتك في الطريق إلى كندا؟
آآه يا له من موقف: كنا نتناول الغداء، فجأة هوت المقاعد من تحت أجسامنا.. طارت الأطباق والأكواب كما بعصا ساحر في سماء الطائرة.. الطعام سبق الأطباق ليرسم لوحة سريالية في السقف، كانت كمثل ما يبدع بيكاسو أو دالي.. وإذ فجأة نرتد إلى مقاعدنا بعنف، وتتهاوى الأطباق على رؤوسنا وأرضية الطائرة متكسرة..
مالي بكل هذه الترهات الآن.. لابد من التركيز فيما أنا بصدده؛ فهو مستقبلي ومستقبل حوض الأرباع..
معتمدا على النظريات العلمية ألقيت بذاتي كلها في فراغ الحوض الجديد موقنا أن ثقلي متضافرا مع قوانين الجاذبية سيدفع ذاتي لتملأ فراغ الحوض طاردا الهواء لأعلى..
إلا أن مفاجأة جديدة أذهلتني.. وإذ بالعلم يتلاشى، فلم يكن الفراغ هواء؛ بل فضاء.. ولم يكن لقاع الحوض جاذبية..
ما الذي أتى بالفضاء لدنياي؟ أم أنني ارتفعت للفضاء؟
أنا من وضعتني هنا ليحل كياني محل فراغ أكوابي، ولست للتمتع بالسباحة في العدم..
أحكمت هاجس وثاقه حول رقبتي: وماذا لو أن ما أنا فيه مجرد مطب جوي مثلما تعرضت له طائرة رحلتي لكندا؟
نظرت لأعلى فإذا بخيال يتجمع رويدا رويدا للوحة تشكيلية مرسومة بدمائي ومحتويات أمعائي وعصاراتها.. فزعت.. خفضت بصري نحو قاع الحوض.. فإذ بأعضائي وأوعيتي متكسرة كأواني الطائرة.. أغمضت عيناي بحدة؛ فإذ بالفضاء والعدم يحتلان المشهد..
تذكرت محاولاتي الأولى للسباحة للنجاة حين سقطت بي السيارة في الترعة في جنوب مصر.. رحت أحرك يداي الممدودتان على طولهما محاولا التشبه بالمحترفين، أو أدفع قدماي بالتبادل كما تفعل الكلاب في المياه.. محاولا تَلَمُس أي جدار.. رحت أسبح كالرواد المغامرين في فضاء أرباع أكوابي.. إلا أن الحياة دبت في الجدران.. وراح الحوض يتمدد ممعنا في مركزتي داخل فضاءه، وتأكيد عجزي عن تلمس جدرانه.. ولا حتى جدران الفشل.. حاولت الغوص نحو القاع؛ إلا أن غياب الجاذبية بدد جهودي..
وها أنا – كما ترى - في الفضاء مقيم.. أحاول إعادة خلق أكواب ممتلئة.
تعليق