نتكلم لنسبح باسم ربنا الأعلى،ولنحمده ونشكره..فنشعر بالطمأنينة.
نتكلم للدفاع عن الحق،وإعطاء النصيحة،بعيدا عن السب والقذف والنميمة ،عسى أن ننال الأجر والتواب.
حتى إن وجدنا لذة في الكلام،وكثر ليصبح ثرثرة يتم عبرها تفريغ الطاقات المكبوتة والإحباطات،فلا بد من أن نراعي حسن التوظيف،حتى لا يشكل خطرا علينا،كإفشاء الأسرار..أكثر من ذلك يمكن للكلام أن يدخلنا جهنم.
نسأل الله السلامة والعافية.
حينما نصغي لهدير الوجود الصاخب،وهو ينادي بأن الله ليس له شريك،نتكلم عن آيات الكون المبهرات،وأسراره المحيرات،فتخشع من هولها أفئدة المتقين.
نتكلم للخروج من ذواتنا و الإنفتاح على المحيط الخارجي،بما فيه (العائلة والعالم).إذ من خلال الكلام نستطيع أن نخرج من حياتنا الداخلية لمصلحة الوجود الإجتماعي الخارجي.
لكن، ألا يمكن للكلام أن يستعمل للضغط على الأفراد وتهميشهم،وأحيانا للهيمنة عليهم وتطويعهم وإخضاعهم؟.
هذه بعض الهواجس التي يمكن أن تنتاب المرء وهو يحاول اكتشاف عوالم ضيافته على الكلام،بيوته وقواعده ومنافذه.ليتحول هو بدوره إلى مضيف له يتحمل أفعاله المستبدة وشيطنته.
التفكير في الكلام يندرج ضمن مجال الذات المفكرة الواعية،التي تعتبر اللغة وسيلة للتعبير عن الفكر.وأيضا ضمن العلاقات الإجتماعية ومجال الوجود الإجتماعي.هذان المجالان المذكوران يثيران إشكالات تهم حقلي التفكير الفلسفي والبحث العلمي.فما هو الكلام إذن؟.
قد نصادف قي حياتنا العادية،أو نشاهد في إحدى الفضائيات،أشخاصا يتحدثون بلغة أجنبية لا نفهمها،ويمكن أن نقول عنهم بتلقائية:إنهم يتكلمون تلك اللغة.وهذا يعني بأن اللغة في المتداول اليومي ترتبط بفعل الكلام،وكأنها اسم لا يتحقق إلا من خلال الكلام.
اللغة من جهة هي فعل الكلام،ومن جهة أخرى هي مجموع الكلمات أو الألفاظ التي ينطقها و يكتبها أفراد مجتمع معين،خضعوا للتنشئة الإجتماعية داخله.لذلك فهم يستعملونها انطلاقا من مجموعة من الأصوات والحروف التي تشكل الكلمات والتي تخضع بدورها لقواعد استعمال معينة(النحو).
الكلام حدث زماني سريع الزوال والإضمحلال،ويمكن تجديده كلما رغبنا قي ذلك.أما الكلمات،أصواتها وحروفها وقواعد استعمالها،تظهر على أنها قارة و ثابتة نسبيا،يذهب الكلام أو التلفظ أو النطق،وتبقى الكلمات وقواعد استعمالها.
ارتباط اللغة بالكلام لا يقتصر على الدلالة المشتركة فقط،بل نلاحظه أيضا في الدلالة المعجمية لكلمة(لغة).ففي اللغة العربية نجدها مشتقة من اللغا،أو اللغو،ويدل على الكلام غير المفيد،الذي لا ينفع.كما تدل أيضا على الكلام الذي يميز مجتمعا معينا،حيث جاء في لسان العرب لابن منظور بأن اللغة (أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم).وإذا ما أخذنا أي معجم فرنسي(روبير مثلا) فإننا نجد أن كلمة لغة langage مشتقة من كلمة lingua اللاتينية التي تدل على الكلام واللسان وتدل كلمة logos الإغريقية على الكلام والفكر والعقل.
غير أن التجربة تظهر لنا أن البشر يستطيعون التواصل بطرق أخرى غير الكلام والكلمات(الحركات أو الإيماءات الجسدية..) إلا أن هذه اللغة تكاد تكون كونية يتفاهم بها جميع الناس تقريبا،بينما لغة الكلام متعددة،فهي تختلف من مجتمع إلى آخر،فلكل مجتمع لغة أو لسان خاص يميزه وتتحدد به الهوية الثقافية والحضارية لأفراده(لغة عربية،لغة فرنسية،لغة صينية...) ومن هنا يظهر عدم تمثل مطابقة الكلمات للأشياء والمشاعر والأفكار،بشكل قبلي مسبق وجاهز،فهناك أسماء مختلفة لشيء واحد( أخت،sœur..sister.....).
أما لالاند في معجمه الفلسفي فيحدد للغة معنيين:الأول معنى خاص وهو(وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر داخليا و خارجيا)،والمعنى الثاني فهو عام،ويتجلى في كون اللغة( كل نسق من العلامات يمكن أن يتخذ وسيلة للتواصل).
اللغة بالمعنى الخاص تتقابل مع الكلام،باعتبار الكلام نوعا من اللغة وليس كل اللغة،لأنه فعل فردي،من خلاله تتحقق الوظيفة اللغوية المتمثلة في التواصل.كما تتقابل اللغة هنا مع اللسان باعتبارها خاصية مشتركة ومميزة للإنسان،واللسان باعتباره(نسق من العلامات الصوتية)،خاص بمجتمع معين،يوجد خارج إرادات الأفراد ويفرض نفسه عليهم.
بالنسبة لمعجم اللسانيات (لاروس)،(اللغة هي القدرة الخاصة بالنوع البشري،على التواصل بواسطة نسق من العلامات الصوتية.وهي قدرة تستخدم تقنية جسدية معقدة،وتفترض وظيفة رمزية،ومراكز عصبية متخصصة وراثيا).يمكن أن نستخلص من التعريفين السابقين ما يلي:
1-اللغة لها وظيفة تكمن في التعبير الكلامي عن الفكر،وهي قدرة على التواصل خاصة بالإنسان كنوع.
2- الكلام الفردي مشروط باتخاذ اللغة كنسق من العلامات والرموز الصوتية،وكأن الفرد البشري لا يستطيع أن يتكلم خارج المجتمع وبدونه,
3-ارتباط اللغة بنشاط فسيولوجي عصبي وراثي(منطقة في الدماغ خاصة باللغة)وبجهاز صوتي(الفم،اللسان،الحنجرة...)
أشرنا سابقا أن اللغة لا تتوقف على الأصوات فقط،فهناك لغة إشارية إيمائية (لغة الصم البكم مثلا) كما يمكن أن تتجلى اللغة في أي نسق رمزي آخر يتخذ وسيلة للتواصل بين الناس غير الكلام.غير أن ارتباطها بالكلام والصوت يعد مسألة أساسية ،نظرا لما يوفره من إمكانات مقارنة مع أشكال التعبير الأخرى.
نعمة الكلام
لماذا نتكلم؟ وما هي الأسباب التي تجعل الواحد منا يتلفظ ويتجه لإنجاز وتسجيل هذا الفعل أو ذاك؟
هل هي الرغبة الموجودة في مجال جسدي،والمتحصنة في الإحساس والشعور والمتعة والأمل والألم؟
هل غيرتي وانتمائي لعقيدتي المقدسة ،هي السبب الذي يدفعني للكلام؟
نتكلم أحيانا طلبا للمعرفة والعلم،عبر طرح مجموعة من الأسئلة الهادفة.والتي يمكن أن تكون –رغم إلحاحيتها-عبارة عن أوهام وخيال.
نتكلم ببساطة لأن اللغة لا تكلفنا الكثير،على حد تعبير أحد الأمثال المغربية(الهضرة ما تشري خضرة) ومفاده أن الكلام سهل و لا يمكن أن يعوض المال أو العمل،أو أي سلعة نفيسة التي يمكن أن نبدلها بالخضر.( هناحضور هاجس الجوع طبعا الذي عانى منه المغاربة أيام الإستعمار).
من خلال سلسلة أصوات صغيرة ومنطوقة،تتلاشى بمجرد أن تبث وتدرك،نجد من بينها ما تنتعش به الروح وتردده الأجيال عبر التاريخ. فيا لها من روعة حين يستطيع الإنسان أن يقول الكثير بفضل القليل!ولهذا تعتبر اللغة هي النظام الرمزي الأكثر اقتصادا ،على خلاف باقي الأنظمة الأخرى،فهي لا تتطلب منا مجهودا عضليا كبيرا،ولا تدفعنا إلى التنقل البدني،ولا تفرض علينا استعمالا فيه الكثير من العناء،خصوصا إذا حافظنا على الثوابت.وذلك بفضل مفهوم التمفصل المزدوج كخاصية مميزة للغة الكلامية عند الإنسان.ودلالة هذا المفهوم عند أندريه مارتنيه يمكن توضيحها على الشكل الآتي:
إن الإشارات الغريزية التي يتم الإتصال بها في المجتمعات الحيوانية:رقصة النحلة،مواء القط،تغريد العندليب...لا تقبل التحليل والتفكيك إلى عناصر بسيطة يمكن أن تركب منها رسائل جديدة.بينما في اللغة الإنسانية القول الواحد يتمفصل إلى وحدات دالة صغرى (مونيمات) ثم وحدات صوتية صغرى(فونيمات).مثلا جملة)سيكتب الولد)تتمفصل إلى خمس مونيمات وهي:(س-ي-كتب-ال-ولد).والمونيمة(ولد) تتمفصل صورتها الصوتية إلى الفونيمات(و-ل-د).وبالنظر إلى هذا التمفصل المزدوج(الأول والثاني) نلاحظ ما للغة الإنسانية من قيمةاقتصادية.الإقتصاد اللغوي هنا هو الذي يسمح لنا أن نركب كلمات جديدة من نفس الفونيمات،بتغيير مواقعها،مثلا:كلم-ملك-لكم...مما يعني أنه من عدد محدود من الفونيمات نركب آلاف المونيمات أو الكلمات التي بدورها نؤلف منها عددا لا يحصى من الأقوال.وهذا ما يفسر لنا لماذا تكتفي اللغات ببعض العشرات من الأصوات المتمايزة،والتي نؤلفها لنحصل على التمفصل الأول.ولولا ذلك،لكان من الضروري أن نضع مقابل كل واقعة علامة لسانية أو صوتا لغويا متميزا،مما سيؤدي إلى ملايين العلامات والأصوات اللغوية التي يتعذر على ذاكرة الإنسان حفظها وتخزينها كلها...ربما يجدر بنا أن نتحدث عن بؤس الكلام أيضا،خصوصا عندما يعجز عن الإفصاح أو يستعمل للتضليل.
تحيتي
تعليق