كنت غير بعيدة عنها هنا في الغرفة المجاورة حين سمعتها تتضرّع إليه "أرجوك...أرجوك...".
كان نشيجها المتقطّع يهدّ أوصالي .أحسست بوجعها يخترق روحي ،يعذّبني ،يحيي فيّ مرارة ما عشته قبل شهرين في ذلك المكان بعينه بل يضاعف هذه المرارة حتّى يتسربل بها جسدي.
كنت أحيانا أسترق النّظر فتدبّ فيّ قشعريرة موجعة.رأيتها في صورة بائسة مقيتة ما رغبت يوما أن أراها فيها.قرعت استغاثاتها قلبي قبل سمعي أنا ابنة الثالثة عشرة من العمرماذا عساي أفعل؟
هل كنت قادرة على صدّه في ذلك اليوم المشؤوم لولا قدوم ابنته الذي نزل عليّ بردا وسلاما؟هل أستطيع اليوم إنقاذها من بين مخالبه؟هل أقدر على النّظرفي عينيها وكلّي عجز عن مساعدتها؟
كانت قد انتحت ركنا من الغرفة وتكوّرت لكي تمنع نظراته الشّبقة التّي أيقظت شهوته من افتراس جسدها.
ما أعظم بليّتنا يا أمّي.لقد قذفت بنا الأقدار في هذا المكان المقيت.
استغربت في ذلك اليوم ارتعاش جسده وهو يداعب شعري.لم أتعوّد رقّته في التّعامل معنا مذ كفلنا فلم يفعل ذلك؟ أحسست لاحقا أنّه يزداد قربا منّي والتحاما بجسدي.ولم تثنه إلاّ طرقات عنيفة على الباب.
آه الباب سبيل نجاتي يومها.كيف لم أفكّر فيه؟
تسلّلت في حذر خارج الغرفة واتّجهت صوب باب الدّار الذي أحكم غلقه.عالجته في هدوء شديد حتّى فتحته.سيكون ملاذها بعد أن وضع ذلك الرّجل على قلبه قفلا فلم يصغ إلى أنينها ولم يحسّ بوجعها.
رأيتك يا أمّي تغرقين في لجّ العذاب ،تمتنعين عن مدّ يدك إليه طلبا للنّجاة بعدما فشلت كلّ محاولاتك في إيقاظ إنسانيّته.كيف تمدّين يدك لمن انقضّ عليك انقضاضا فعبث بشعرك ومزّق ثوبك وجال بيديه وشفتيه في بعض المنافذ إلى جسدك؟
رأيت الموت يقترب منّا مرّة ثانية .كان قد أنشب أظافره في جسد أبي قبل سنة فرحل به بعيدا وها هو اليوم يراود أمّي عن نفسها لكنّها تتمسّك بالحياة لترعانا وتصدّ بما بقي لها من قوّة كلّ محاولة لاختراق جسدها.
لم ينجح الموت في الفتك بها لكنّه أقصاهاعن رعايتنا.زارها يومها في هيئة ذلك الرّجل البغيض الذّي رغب أن يفترسها افتراسا لكنّها قاومته بشدّة ولمّا أدركها الوهن خرجت فزعة وكأنّها فرّت من قسورة.خرجت لا تلوي على شيء،يكفيها أنّها أفلتت من عقاله.
بكيت بحرقة وأنا أراها تغادرعلى تلك الهيئة.كانت ممتقعة الوجه،منفوشة الشّعر،ممزّقة الثّياب.
ارتسمت في أعماقي هذه الصّورة ولم تفارقني بعد مرور ثلاثين سنة.كانت نقطة تحوّل في علاقتي بالنّاس والحياة.بتّ أخشى الجميع دون استثناء،أخشى الطّعنات التي تغور عميقا فتخلّف جروحا لا تندمل خاصّة إذا كان نصل السّكين حادّا وكانت الطّعنة من أقرب النّاس إليك،من شقيق أبيك...لا أستطيع أن أنطقها ،لا أستطيع،ليس أهلا لها.إنّه رجل قد فرضته علينا الأقدار.تحجّرت مشاعره وعميت بصيرته فانتهك شرف أخيه بتدبير مسبق.
أمّي أتسمعين ندائي؟لقد اشتاقت إليك كلّ جارحة من جوارحي.يلهج لساني دوما بذكرك.كثيرا ما حمّلت نفسي مسؤوليّة غيابك فجلدتها جلدا.أنا من يسّر لك سبيل الهروب وشرّع لك الطّريق.لم أكن أعلم أنّك ستغادرين دون رجعة.في سماء نفسي غيوم ملبّدة قد تمطر فتروي حاضري المجدب.
كنّا وحيدتين في تلك القرية النّائية عندما صرف زوجته وأبناءه إلى دار أقربائهم في المدينة.وبما أنّنا في كفالته مذ مات أبي فقد كنّا نمتثل دوما لأوامره خوفا من بطشه.
تزوّجت منذ سنتين يا أمّي وتحرّرت من سجن من لم يصن عرضه ويحفظ شرفه لكنّني لم أتحرّرمن الحرائق التي تلتهب في أعماقي.
لقد غام الأفق...
كان نشيجها المتقطّع يهدّ أوصالي .أحسست بوجعها يخترق روحي ،يعذّبني ،يحيي فيّ مرارة ما عشته قبل شهرين في ذلك المكان بعينه بل يضاعف هذه المرارة حتّى يتسربل بها جسدي.
كنت أحيانا أسترق النّظر فتدبّ فيّ قشعريرة موجعة.رأيتها في صورة بائسة مقيتة ما رغبت يوما أن أراها فيها.قرعت استغاثاتها قلبي قبل سمعي أنا ابنة الثالثة عشرة من العمرماذا عساي أفعل؟
هل كنت قادرة على صدّه في ذلك اليوم المشؤوم لولا قدوم ابنته الذي نزل عليّ بردا وسلاما؟هل أستطيع اليوم إنقاذها من بين مخالبه؟هل أقدر على النّظرفي عينيها وكلّي عجز عن مساعدتها؟
كانت قد انتحت ركنا من الغرفة وتكوّرت لكي تمنع نظراته الشّبقة التّي أيقظت شهوته من افتراس جسدها.
ما أعظم بليّتنا يا أمّي.لقد قذفت بنا الأقدار في هذا المكان المقيت.
استغربت في ذلك اليوم ارتعاش جسده وهو يداعب شعري.لم أتعوّد رقّته في التّعامل معنا مذ كفلنا فلم يفعل ذلك؟ أحسست لاحقا أنّه يزداد قربا منّي والتحاما بجسدي.ولم تثنه إلاّ طرقات عنيفة على الباب.
آه الباب سبيل نجاتي يومها.كيف لم أفكّر فيه؟
تسلّلت في حذر خارج الغرفة واتّجهت صوب باب الدّار الذي أحكم غلقه.عالجته في هدوء شديد حتّى فتحته.سيكون ملاذها بعد أن وضع ذلك الرّجل على قلبه قفلا فلم يصغ إلى أنينها ولم يحسّ بوجعها.
رأيتك يا أمّي تغرقين في لجّ العذاب ،تمتنعين عن مدّ يدك إليه طلبا للنّجاة بعدما فشلت كلّ محاولاتك في إيقاظ إنسانيّته.كيف تمدّين يدك لمن انقضّ عليك انقضاضا فعبث بشعرك ومزّق ثوبك وجال بيديه وشفتيه في بعض المنافذ إلى جسدك؟
رأيت الموت يقترب منّا مرّة ثانية .كان قد أنشب أظافره في جسد أبي قبل سنة فرحل به بعيدا وها هو اليوم يراود أمّي عن نفسها لكنّها تتمسّك بالحياة لترعانا وتصدّ بما بقي لها من قوّة كلّ محاولة لاختراق جسدها.
لم ينجح الموت في الفتك بها لكنّه أقصاهاعن رعايتنا.زارها يومها في هيئة ذلك الرّجل البغيض الذّي رغب أن يفترسها افتراسا لكنّها قاومته بشدّة ولمّا أدركها الوهن خرجت فزعة وكأنّها فرّت من قسورة.خرجت لا تلوي على شيء،يكفيها أنّها أفلتت من عقاله.
بكيت بحرقة وأنا أراها تغادرعلى تلك الهيئة.كانت ممتقعة الوجه،منفوشة الشّعر،ممزّقة الثّياب.
ارتسمت في أعماقي هذه الصّورة ولم تفارقني بعد مرور ثلاثين سنة.كانت نقطة تحوّل في علاقتي بالنّاس والحياة.بتّ أخشى الجميع دون استثناء،أخشى الطّعنات التي تغور عميقا فتخلّف جروحا لا تندمل خاصّة إذا كان نصل السّكين حادّا وكانت الطّعنة من أقرب النّاس إليك،من شقيق أبيك...لا أستطيع أن أنطقها ،لا أستطيع،ليس أهلا لها.إنّه رجل قد فرضته علينا الأقدار.تحجّرت مشاعره وعميت بصيرته فانتهك شرف أخيه بتدبير مسبق.
أمّي أتسمعين ندائي؟لقد اشتاقت إليك كلّ جارحة من جوارحي.يلهج لساني دوما بذكرك.كثيرا ما حمّلت نفسي مسؤوليّة غيابك فجلدتها جلدا.أنا من يسّر لك سبيل الهروب وشرّع لك الطّريق.لم أكن أعلم أنّك ستغادرين دون رجعة.في سماء نفسي غيوم ملبّدة قد تمطر فتروي حاضري المجدب.
كنّا وحيدتين في تلك القرية النّائية عندما صرف زوجته وأبناءه إلى دار أقربائهم في المدينة.وبما أنّنا في كفالته مذ مات أبي فقد كنّا نمتثل دوما لأوامره خوفا من بطشه.
تزوّجت منذ سنتين يا أمّي وتحرّرت من سجن من لم يصن عرضه ويحفظ شرفه لكنّني لم أتحرّرمن الحرائق التي تلتهب في أعماقي.
لقد غام الأفق...
تعليق