وغام الأفق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نادية البريني
    أديب وكاتب
    • 20-09-2009
    • 2644

    وغام الأفق

    كنت غير بعيدة عنها هنا في الغرفة المجاورة حين سمعتها تتضرّع إليه "أرجوك...أرجوك...".
    كان نشيجها المتقطّع يهدّ أوصالي .أحسست بوجعها يخترق روحي ،يعذّبني ،يحيي فيّ مرارة ما عشته قبل شهرين في ذلك المكان بعينه بل يضاعف هذه المرارة حتّى يتسربل بها جسدي.
    كنت أحيانا أسترق النّظر فتدبّ فيّ قشعريرة موجعة.رأيتها في صورة بائسة مقيتة ما رغبت يوما أن أراها فيها.قرعت استغاثاتها قلبي قبل سمعي أنا ابنة الثالثة عشرة من العمرماذا عساي أفعل؟
    هل كنت قادرة على صدّه في ذلك اليوم المشؤوم لولا قدوم ابنته الذي نزل عليّ بردا وسلاما؟هل أستطيع اليوم إنقاذها من بين مخالبه؟هل أقدر على النّظرفي عينيها وكلّي عجز عن مساعدتها؟
    كانت قد انتحت ركنا من الغرفة وتكوّرت لكي تمنع نظراته الشّبقة التّي أيقظت شهوته من افتراس جسدها.
    ما أعظم بليّتنا يا أمّي.لقد قذفت بنا الأقدار في هذا المكان المقيت.
    استغربت في ذلك اليوم ارتعاش جسده وهو يداعب شعري.لم أتعوّد رقّته في التّعامل معنا مذ كفلنا فلم يفعل ذلك؟ أحسست لاحقا أنّه يزداد قربا منّي والتحاما بجسدي.ولم تثنه إلاّ طرقات عنيفة على الباب.
    آه الباب سبيل نجاتي يومها.كيف لم أفكّر فيه؟
    تسلّلت في حذر خارج الغرفة واتّجهت صوب باب الدّار الذي أحكم غلقه.عالجته في هدوء شديد حتّى فتحته.سيكون ملاذها بعد أن وضع ذلك الرّجل على قلبه قفلا فلم يصغ إلى أنينها ولم يحسّ بوجعها.
    رأيتك يا أمّي تغرقين في لجّ العذاب ،تمتنعين عن مدّ يدك إليه طلبا للنّجاة بعدما فشلت كلّ محاولاتك في إيقاظ إنسانيّته.كيف تمدّين يدك لمن انقضّ عليك انقضاضا فعبث بشعرك ومزّق ثوبك وجال بيديه وشفتيه في بعض المنافذ إلى جسدك؟
    رأيت الموت يقترب منّا مرّة ثانية .كان قد أنشب أظافره في جسد أبي قبل سنة فرحل به بعيدا وها هو اليوم يراود أمّي عن نفسها لكنّها تتمسّك بالحياة لترعانا وتصدّ بما بقي لها من قوّة كلّ محاولة لاختراق جسدها.
    لم ينجح الموت في الفتك بها لكنّه أقصاهاعن رعايتنا.زارها يومها في هيئة ذلك الرّجل البغيض الذّي رغب أن يفترسها افتراسا لكنّها قاومته بشدّة ولمّا أدركها الوهن خرجت فزعة وكأنّها فرّت من قسورة.خرجت لا تلوي على شيء،يكفيها أنّها أفلتت من عقاله.
    بكيت بحرقة وأنا أراها تغادرعلى تلك الهيئة.كانت ممتقعة الوجه،منفوشة الشّعر،ممزّقة الثّياب.
    ارتسمت في أعماقي هذه الصّورة ولم تفارقني بعد مرور ثلاثين سنة.كانت نقطة تحوّل في علاقتي بالنّاس والحياة.بتّ أخشى الجميع دون استثناء،أخشى الطّعنات التي تغور عميقا فتخلّف جروحا لا تندمل خاصّة إذا كان نصل السّكين حادّا وكانت الطّعنة من أقرب النّاس إليك،من شقيق أبيك...لا أستطيع أن أنطقها ،لا أستطيع،ليس أهلا لها.إنّه رجل قد فرضته علينا الأقدار.تحجّرت مشاعره وعميت بصيرته فانتهك شرف أخيه بتدبير مسبق.
    أمّي أتسمعين ندائي؟لقد اشتاقت إليك كلّ جارحة من جوارحي.يلهج لساني دوما بذكرك.كثيرا ما حمّلت نفسي مسؤوليّة غيابك فجلدتها جلدا.أنا من يسّر لك سبيل الهروب وشرّع لك الطّريق.لم أكن أعلم أنّك ستغادرين دون رجعة.في سماء نفسي غيوم ملبّدة قد تمطر فتروي حاضري المجدب.
    كنّا وحيدتين في تلك القرية النّائية عندما صرف زوجته وأبناءه إلى دار أقربائهم في المدينة.وبما أنّنا في كفالته مذ مات أبي فقد كنّا نمتثل دوما لأوامره خوفا من بطشه.
    تزوّجت منذ سنتين يا أمّي وتحرّرت من سجن من لم يصن عرضه ويحفظ شرفه لكنّني لم أتحرّرمن الحرائق التي تلتهب في أعماقي.
    لقد غام الأفق...
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    لقد غام الأفق فعلا
    الغالية نادية البريني
    تعلقت عيناي بتلك العبارة
    بقيت أنظر لها مذهولة
    يقولون أن الأعمام وأبناء الأعمام هم أقل الرجال اغتصابا
    ولا أدري مدى مصداقية هذه الإحصائية
    والحقيقة أني ما عدت أستغرب الإغتصاب مطلقا لأنه أصبح موضة هذا الزمن الأخرق
    وهل الزمن هو المسكين الذي نعلق الأخطاء عليه والنفوس هي التي تغيرت فأصبح البعض وحشا
    كوني بخير دوما غاليتي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      قرأت هنا ما تحمل ، فغامت الرؤية
      و تداخل عليّ الأمر !!

      لي عودة لقراءة أخري

      أهلا بك أستاذة بعد غيبة طالت


      تحيتي و تقديري
      sigpic

      تعليق

      • نادية البريني
        أديب وكاتب
        • 20-09-2009
        • 2644

        #4
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        شكرا عائدة لأنّك كنت هنا قريبة منّي ومن نصّي.
        لا حرمني اللّه من وجودك غاليتي
        لم تكن هذه القصّة ترسم الواقع بخيال الفنّان لكن ترسم واقعا لطّخته دناءة الإنسان.إنّ شخصيّاتها ليست ورقيّة لكنّها من لحم ودم
        دمت بخير عائدة

        تعليق

        • نادية البريني
          أديب وكاتب
          • 20-09-2009
          • 2644

          #5
          وجودك في ثنايا نصّي يعني لي الكثير أستاذي الفاضل ربيع فأنت من شحذ قلمي بسديد نصحك وصدق توجيهك.
          انتظر منك مصافحة ثانية للنّص تنظر فيه بعين ناقدة متدبّرة وإن كان فضاء القصّ لم يتّسع بعد فأخبرني.
          أحتاج دوما إلى توجيهك ومنه أستمدّ قوّتي.
          دمت بخير وشكرا لأنّك كنت هنا

          تعليق

          • إيمان الدرع
            نائب ملتقى القصة
            • 09-02-2010
            • 3576

            #6
            أختي الغالية : ناديا ...
            هزّتني قصّتك من الأعماق ...
            نعم ... كم من أسرارٍ وراء الأبواب ...
            كم تنُتهك حرمات ...وتئنّ قلوب ...وتستباح دماء ...
            الموجع أن تُقتل الرّوح على أيدٍ تنبض من خلايا شريان واحد ..
            العمّ ... الذي به رائحة الأب المغادر وقسماته ..وحنانه ..
            لقد أجدتِ الدخول إلى منعرجات النفس بكلّ تباريحها ...
            وليس بجديدٍ على أديبة متمكّنة مثلك أن تكتب بهذه الرّوعة ..
            لك كلّ الودّ الذي تستحقّين وأعذب الأمنيات ...تحياتي ...أختي الحبيبة...

            تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

            تعليق

            • نادية البريني
              أديب وكاتب
              • 20-09-2009
              • 2644

              #7
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
              إيمان كم أحتاج إليك وإلى من يماثلك في دماثة الخلق وروعة الحضور
              سعيدة دوما بمؤازرتك لي
              سعيدة بشهادة تصلني منك
              أشكر تفاعلك مع النّص
              أحتاج دوما إلى وقوفك إلى جانبي
              أحبّك غاليتي إيمان
              لا عدمتك
              دمت بخير

              تعليق

              • م. زياد صيدم
                كاتب وقاص
                • 16-05-2007
                • 3505

                #8
                ** الاديبة الراقية والمتألقة نادية......

                لاشك انه اصعب انواع القهر النفسى الذى سيدوم طوال عمرها... انه احد المحارم الذى طفح الشيطان فى قلبه.. وبعد زمن ما يزال قرنيه وذيله امامها طيف لا ينسى ! انها تداعيات ذاك القهر الاصعب والاعنف ..

                تحايا عبقة بالرياحين...................
                أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                http://zsaidam.maktoobblog.com

                تعليق

                • مصطفى الصالح
                  لمسة شفق
                  • 08-12-2009
                  • 6443

                  #9
                  [align=center]لا حول ولا قوة الا بالله

                  العم لا يرحم اخيه فكيف يرحم ابناء اخيه؟!

                  جئت على هم مستديم وجرح لا يلتئم

                  اعجبني السرد فقد كان لماحا ومؤثرا جدا

                  لك التحية والتقدير

                  [/align]
                  [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                  ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                  لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                  رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                  حديث الشمس
                  مصطفى الصالح[/align]

                  تعليق

                  • ميساء عباس
                    رئيس ملتقى القصة
                    • 21-09-2009
                    • 4186

                    #10
                    ارتسمت في أعماقي هذه الصّورة ولم تفارقني بعد مرور ثلاثين سنة.كانت نقطة تحوّل في علاقتي بالنّاس والحياة.بتّ أخشى الجميع دون استثناء،أخشى الطّعنات التي تغور عميقا فتخلّف جروحا لا تندمل خاصّة إذا كان نصل السّكين حادّا وكانت الطّعنة من أقرب النّاس إليك
                    الغالية الجميلة ناديا
                    مرحبا بك أيتها الأديبة المميزة الرائعة
                    لقد طال غيابك واشتقناك حقا
                    قصة تقسم الروح والأمل
                    قصة تجعل أكثر انفصاما
                    حياة لاندري من أي باب يفتح علينا جهنم
                    أنا عادتي عند هكذا قصص أبرم رأسي وأعمل نفسي ماقرأت شيئا
                    فهذا النوع من الظلم والقهر والبؤس لااااااااااأحتمله
                    وكنت صريعة اليوم
                    فقصتك صفعت وجهي
                    ماأروعك وماأروع روحك وحروفك
                    كل الود والتقدير
                    ميساء العباس
                    مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
                    https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

                    تعليق

                    • مؤيد البصري
                      أديب وكاتب
                      • 01-09-2010
                      • 690

                      #11
                      الأخت نادية قرأت نصك بأعجاب فطريقة السرد جميلة آسرة وصدقيني إن مخافة الله هي المنجية فلا الأب ولا الأخ ولا العم معصومون من الزلل الا ما رحم الله نسأل الله أن يقينا وكل أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الزلل تحيتي لك مودتي

                      تعليق

                      • نادية البريني
                        أديب وكاتب
                        • 20-09-2009
                        • 2644

                        #12
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                        أخي العزيز زياد صيدم
                        ما أجمل تفاعلك مع أحداث هذه القصّة التي اقتطعتها من الواقع،واقع أسرة حكم عليها أن تتشرّد بسبب نزوة شيطانيّة.
                        لا حرمني اللّه مثل هذا التّفاعل والحضور
                        دمت بخير
                        تحيّاتي

                        تعليق

                        • نادية البريني
                          أديب وكاتب
                          • 20-09-2009
                          • 2644

                          #13
                          أخي مصطفى
                          كيف حالك؟
                          علينا أن نقاوم كلّ دناءة تصدر عن قريب أو بعيد.قد تحتمل من الغريب لكنّها تكون طعنة قويّة إن كانت من أقرب النّاس إلينا.
                          سعدت أخي الفاضل بوجودك هنا
                          دمت بكلّ الخير

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            #14
                            ما حكاية قصتك معي أستاذة نادية
                            قدر الله و ما شاء فعل
                            كتبت كثيرا
                            ربما لأن الرؤية اختلفت مع من زار العمل هنا .. ربما
                            و ليكن سوف أحمد الله على ضياع كلماتي

                            و أنتظر .. ربما كتبت مرة أخري

                            غاية ماأردت أن يصلك
                            لم ضمير المتكلم ؟
                            لم الحكم على الشرير داخل العمل خارج المواقف
                            لم النهاية الباهتة ؟

                            أسئلة ربما كانت محور المداخلة المنسوفة

                            كوني بكل الخير و السعادة

                            تقديري و احترامي
                            sigpic

                            تعليق

                            • فايزشناني
                              عضو الملتقى
                              • 29-09-2010
                              • 4795

                              #15
                              المطلوب أن لا نوقظ الوحش النائم في داخل كل إنسان بل أن نقتله
                              أختي نادية
                              ليس الترف أو الخيال وراء ما كتبت ........ حقاً كانت من لحم ودم
                              شدني وصفك وسردك وتألمت جداً على مصير أسرة تشردت بسبب نزوة حقيرة
                              مع ودي وتقديري
                              هيهات منا الهزيمة
                              قررنا ألا نخاف
                              تعيش وتسلم يا وطني​

                              تعليق

                              يعمل...
                              X