أفيون
* إهداء خاص للأخت سميّة الزّهرة الألفي،و الصّديقين
جمال عمران،و هيثم هديب؛
لست عصّارة برتقال يدويّة كما يتشدّقون رجما بالجبن..و لست البتّة غاضبا من أجلي؛لقد تعوّدت أسلوبهم السّاخر ،الخاسر في مواجهة الضّنك و عيشة القاع ..أنا أحدب و لا أملك الخيار..و عاهتي شيماء دون سواها.. أمّا هم ،أقصد أهلي الشّرفاء ،فمزارعون و بنّاؤون ، دمى عملاقة لا شغل لها سوى تجديد البيعة لذات الغيلان و نفخ جيوبهم و أرصدتهم،متلفّعين بالوباء و السّخط،فوق رؤوسهم يجثم نخّاس أعرج تضع الغيلان السّوط في يده و تنزعه منه متى تشاء، و إن كان جسمي مُشوّها ،فهم لا أكثر من توابيت و بهلوانات و لا أستثني أبي...و لست سندرلاّ التي ستضحك بعد غُلبها،و لا صوص البطّ الذي سيفهم إخوته صيصان الدّجاج أنّه طيّب،فيلتفّون حوله نادمين..أفق إنّه الواقع ..أنا أحدب و اِسمي تاج..و تلك هي المفارقة التي قصمت ظهري و جعلتني عاجزا على مقاطعة أبي ،و منعتني من أن أخلّفه ورائي تماما كحدبتي.. كنت دائما كيس الرّمل الذي يصبّون فيه غضبهم و خرقة اسفنج يمسحون بها زبدهم و ما طفا من رغوة على وجوههم المذعورة،كنت صندوق فضلات يلقون فيه ما زاد على قلوبهم المضمّخة بالموانع و المحظورات من قهر،و حقلهم الذي لا خطر في نهبه...
تخيّلت فظاعة الموقف و هم يزفّون إلى أبي خبر ولادتي ،و كيف هاله أنّي كما يصفون ؛خلاصة وحم لعين،و حيّرني أنّه بالرّغم من ذلك سمّاني تاج،و احتارت جدّتي أيضا ، و من يومها ما انفكّت تردّد أطوار الحكاية على مسامع كلّ من تلتقيهم،تروي لهم نبل ولدها و شراهة أمّي،قصاصا من القدر و شفقة عليه..كنت لعنة و نذير خراب..لم يُرسلني أبي إلى الجامعة،كنت آنذاك، مندفعا، هشّا، لا أعرف دوري الذي خُلقت من أجله بعد.لم أكن أعي أنّ الذي يحمل وزره على ظهره لحما و دما عليه أيضا أن يمتصّ داخل صدره آثام الطّغاة و لوثة العشيرة و رقادهم السّافل..كانوا يضحكون منّي و يؤلّفون حولي الطّرائف و النّوادر،كلّما هوت عليهم مطارق القرصان،صاحب الأراضي التي يعملون بها..و نلت مع ذلك الشهادة الثّانويّة بامتياز،و تصوّرت نفسي مدرّسا أو صحفيّا كبيرا ، لكنّ أبي كان رجلا أصلب و أعقل من أن يضيّع وقته في الدّعابة و ما لا يُجدي،يقول عمّي: الجامعة للأسوياء فقط و ليست للظّرفاء،ربّما أراد عمّي أن يدّخرني مهرّجا في بلاط العائلة،فقال أبي موافقا :الجامعة لا تناسبك بنيّ، ستظلّ بقربي ،ستعينني ،أنت ساعدي الأيمن..حزنت و حزّ في نفسي أنّ ما زاد لديّ قد بتر ما انتقص فيهم .و بأنّهما عجزا عن قصّ حَدَبتي فقصّا حلمي...
حدبتي الّلعينة! بسببك لا أحد سيمثّلهم في الجامعة ،و بالطّبع لا أحد سيشفع لهم عند النخّاس بوظيفته لدى الحكومة، بالرّغم من أنّهم أسوياء كلّهم كما يقول عمّي..و فرحت لمّا حدّثت نفسي بأنّ أبي يكلّفني بأعمال شاقّة ،و اغتبطت لثقته بي و شعرت بأنّي لست أقلّ من إخوتي..ظننت أنّ قوّتي محلّ ثقة أيضا..أنا ندّ للنّخلة و أعبائها إذن..و رويت لشيماء أنّي سمعت أبي يقول لأخوتي بأنّي الأقدر على العمل في الواحة لأنّي أحدب محنيّ بطبعي و سوف لن يضنيني قصر المعول و رعونة الوحل...خذلته سواقيه و ضنّت عليه السّماء فراح أبي يستجدي الرّزق لدى من تمطر عندهم من الأسفل..و حملني معه ..قاطعت أبي و ودّعت ما تبقّى من أمّي و سافرت...
هناك أين لا أحد يعرفني حدّثت شيماء عن طفولتي،و كيف كنت أشكّل من الموجودات هضابا مقوّسة ببصري طوال الوقت.كنت أينما ألقيت ببصري وحّدت الأشياء في شكل هضبة..كنت أحدب البصر أيضا..كانت تُصغي لي باهتمام مفرط ،و عيناها تشعّان ذكاء و أمومة.كنت أقلّها كلّ يوم عدا الأحد من بيت والدها إلى المستشفى حيث تعمل،و لم ألحظ نظرة الازدراء التي أقرؤها عادة في عيون أهلي ماعدا أمّي،لا يمكن أن أنسى نظراتهم .كانت تماما كتلك التي يلقيها الشّبعان على طعام يُقدّم لوافد جديد على المطعم.
شيماء طبيبة بنت أثرياء،و عبثا حاول والدها إقناعها بشراء سيّارة تغنيها عن التّاكسي و بشاعة منظرها..و كنت أتساءل في سرّي:ماذا لو رأى والدها الموقّر سائق ابنته الدّميم؟و كنت في كلّ مرّة أطرد الفكرة كي لا يتحقّق شؤمها..كان لديّ إحساس بأنّ الأمر يتوقّف حتما عن الوقوع بمجرّد أن نتوقّف عن تخمين تبعاته..لم أكن كازيمودو الشّجاع ،كنت تاج الجبان الذي احتمى بشيماء حبّا و جوعا مفرطا للرّحمة..قلت لها بأنّي مضغة أفيون رمى بها قدرها في طريق أشباح آدميّة ،أرغمها القحط و انحباس المطر و موت الجداول على أن تطلب الرّزق لدى من تهطل لديهم الأمطار من الأسفل..حدّثتها عن حكاية القصيدة التي نلت في شرحها أفضل تقييم في الامتحان و التي كلّما وخزت ذاكرتي بكيت..كنت أبكي ذلك الطّفل الذي خرج مزهوّا بما أنجز دون أن يدري أنّ فوزه السّاحق مردّه حزنه الدّفين.كان صاحب القصيدة يتساءل ساخرا ما إذا كانت "جوليات" ستحبّ روميو،كما وَصَلَنَا،لو أنّ أنفه كان أطول بثلاث أو أربع سنتيمترات أخرى؟؟كانت عاهتي هي التي تكتب نيابة عنّي،و لكنّي من نال الدّرجة الأعلى و الثّناء الأطول..لم أكن أحبّ أن أترك لدى شيماء انطباعا سيئا عنّي،و كنت دائما أحرص على أن أبدّد شكوكها كي لا تبدو على ملامحي سحنة تُخيفها ، و يطفو عشقي لها على لساني..فالظّرفاء لا يحبّون..و لكنّها كانت تشعرني بأنّها تتمنّى لو تقضي كامل النّهار معي و تقولها بوضوح..كانت تغار و تغضب منّي..كانت تربكني و تعصف بي كلمات الحبّ المشفّرة التي تسمعني إيّاها فتتملّكني رجفة أخفيها..كنت بجوارها إنسانا من جديد..و اعتدت أن أحضر لها من المقهى ذاته القهوة ذاتها كلّ صباح،كانت تصرّ في كلّ مرّة أن أشاركها إيّاها و كان يغلبني الحياء،و أتذكّر نظرة الازدراء في عيون إخوتي و أبناء و بنات عمومتي و جيراننا،فأعتذر،فتغضب فأرتشف..لم تكن شيماء تدري أنّها تبدو في نظري ،و هي بجواري حفنة جمال و بهجة ،كرموش اصطناعيّة لحسناء مدلّلة ألقت بها الدّوائر وسط أعقاب سجائر رخيصة..كانت الرّموش المسكينة و كنت أعقاب السّجائر الرّخيصة..و رويت لها ما قاله عنّي أصحابي في موقف سيّارات التّاكسي،قالوا إنّ مصمّمي السيّارات غفلوا على من هم مثلي من السوّاق و إلاّ لأحدثوا لهم فجوة في الكرسيّ على مستوى الظّهر كي يتسنّى لهم إسناده على المتّكىء بكلّ راحة،استاءت و ترقرق الدّمع في عينها و غضبت و خاصمتني..شعرت كما كان سيشعر ربّما الواحد من إخوتي لو أنّ أصغر أولاده عضّ قلبه..و حين نَزَلَتْ بَكَيْتُ..و قالت إنّها تأنس لصحبتي،و قالت لي أيضا بأنّي مختلف،و هاتفتني بعد منتصف الّليل و قالت إنّ النّوم جافاها و بأنّها أرادت أن تسمع صوتي..فرويت لها كيف أنّ أهلي يقولون بأنّي سلحفاة واقفة.كان لا بدّ أن أدفعها في كلّ مرّة لأن تتمثّل صورتي،كأنّي بذلك أقول لها هل أنت متأكّدة من حبّك لي؟..ردّت بأنّهم يقولون ذلك بدافع السأم و الخواء،و ثارت :ثمّ ألم ينتبهوا إلى الذين تلتصق كراسيّهم بهم حتّى و هم واقفون أليسوا أولئك هم السّلاحف الحقيقيّة و لا أستثني أبي؟؟..أحسست بلذّة الدّوار أو بدوار اللّذة أو مجتمعين أو لست أدري ؛ و قالت لي و أنا أهمّ بشراء القهوة في اليوم التّالي كالعادة بأنّها تحبّ شهوة هذه المرّة..لم أنطق ،و ارتعبت في سرّي،فأردفت مازحة:أحبّ قهوة بشاي،أو شايا بقهوة..في كلمة واحدة أحبّ شـ هوة...و ضَحِكَتْ..
يقتلني المنزل الذي تسكن فيه كلماتها..لغةٌ سرّيّة عجيبة تختصّني بها ،و تحيّرني قدرتها على ارتكابها، تماما كشمس صيف ثاقبة لا ترضى أن تسطع على زجاج الحافلة و الحيلة معدومة إلاّ عبر الشّريط الضيّق الذي يفصل السّتائر و تنتهي عنده صلاحيّة كليهما على السّتر..
و يوم صار للأفيون مخدّر يدمنه و يهرب إليه هو الآخر؛اصطدم بأنّ موسم جني التّمور في البلدة قد أزف و بأنّ قَدَرَه الحقيقيّ هو أن يعود من حيث أتى ليسلّي العشيرة و يمسح بحدبته نزفهم و عرقهم..
لم أكن أدري و أنا في طريقي إلى عنوان المطعم الذي دعتني إليه أنّه آخر يوم لي معها و مع المدينة بأسرها،تلك المدينة التي أحببتها جدّا لأنّ شيماء تتجوّل فيها ،و التي لم أعرف حقيقتها إلاّ يومها..إنّ المدن ما راودك و أنت تُطرد منها..كان منتصف الّليل.حسبتُ أنّها في بيتها،جاءني صوتها مرحا،نشطا،قالت :تاج تعال حالاّ إلى مطعم "السّيرانو".
ركبت في الخلف هي و أحد أصدقائها الأسوياء كما أورثني نعتهم عمّي.كان هو آخر المُخنثين المدعويّين لحفلة عيد ميلادها، بقيّة الأصدقاء كانوا في الفيلا يترقّبونهما..لم أتفوّه بكلمة ،شيماء أيضا لم تتكلّم كثيرا..وصلنا إلى البيت..نزلت..قال صديقها:والدك هنا إذن،إنّ سيّارته بالدّاخل؟ قالت بنقمة ظاهرة : لا تكن جبانا ، ادخل و لا بأس عليك..ثمّ بحزن لا يفهمه سواي : ..إنّ ماما لا تنس أن تعقله من شواربه الطّويلة إلى سيقان تختهما أيّام الإربعاء و السّبت..
و قفل سائقُ التّاكسي ،أفيونُ أهلِهِ، راجعا و غادر حيّ الكبار..لم يكن من المدعوّين و لا حتّى ممّن يهمّهم الخبر..أفق إنّه الواقع ..سحبت شيماء السّحابة من تحته فهوى و عاد له رشده ..إنّها الحقيقة..
الحقيقة لا تُغضبني و الحقيبة لا تضنيني.. حزّ في نفسي فقط أنّي خنت بقايا أمّي لمّا قدمت إلى عالمهم هروبا من عالمي الذي يحوّم فوقه الخوف الدّائم من السّوط و الحبس. و عدّت..عدّت لأبي و عمّي.. فالظّرفاء يعودون دائما مهما ابتعدوا..و حدهم الأسوياء بإمكانهم الإفلات..عدّت و شاركتهم الدَّيْن الذي تركتهم يقطنون بداخله و هربت..و حدّثت نفسي بأن لا فرق بين العطش الذي يسبّبه العسل و بين العطش الذي يسبّبه الملح..النّتيجة واحدة..العطش واحد..الموت واحد..و ابتلعتني قريتي من جديد،صارت أقصى أمنياتي أن يدخل المطر في عاداتي فيها،و يخرج صوت شيماء منها.
و صرت سعيدا لأنّي أَصلح.لم تكن سعادة من لا خيار لديه.بالعكس ،حتّى أنّهم قالوا و أنا بينهم: إنّ تاجا نزح إلى العاصمة هروبا من المعول القصير ،و هناك تزوّج فتاة شقراء سويّة ،و لأنّ صورته و هو يعانقها أبت أن تدخل البرواز بسبب حدبته ،رفع به والدها قضيّة و طلّقه منها فعاد ..وضحكوا.. و ضحكت معهم..و اكتشفت كم هو عظيم أن تكون كيس رمل تسلّي و تمتصّ الغضب و تُضحك ،تماما كالأفيون و مصابيح البلديّة،و مقاعد الحدائق العامّة ،و الملاعب..ألم أنقذهم من حديث أخطر؟ألم يكونوا لينفجروا لولاي ؟ ألم يحبكوا ما حبكوه إلاّ ليكبتوا تحاملهم على الذين يغرقونهم بالصّور..صور على الجدران..صور على الصّحف..ملصقات و صور..صور لهبات وهميّة..صور لمستقبل وهميّ ..صور لعدالة وهميّة..صور..صور..و لا شيء عدا الصّور..؟؟
تاج اليوم سعيد..يجب أن يسكت تاج، فالظّرفاء لا يفهمون..
محمد فطومي
تونس
تعليق