
نسائم أكتوبر علي شاطئ طابا
[align=justify]
أقبل الليل ومع ذلك لا تمل الأمواج من القدوم لعناق رمال الشاطئ .. القمر في مجلسه العالي في السماء تحيط به حاشية من النجوم تحرس ومضاتها قوافل العطاء النوراني الحاني التي يرسلها إلي الأرض.. رائحة البحر تمتزج بهبات النسيم المنعش.. عبرت نظراتي البحر إلي الشاطئ المقابل حيث تتستر أشباح التلال في العتمة.. العتمة التي تناثرت عليها بقع الضوء الخابي علي البعد.. صاح الجو المحيط بي عند باب الذكريات " افتح يا سمسم ".. استجاب الباب فانفتح علي مصراعيه.. الشاطئ الآخر للقناة.. رجعت عقارب الزمن إلي الوراء ما يربو علي ثلث قرن.. رمال الشاطئ تئن تحت وطأة التحصينات التي يحتمي خلفها الغاصبون الخائفون من صولة أصحاب الأرض المغتصبة.. ونحن المصريين أصحاب الحق علي الشاطئ المقابل نتجرع مرارة الإنتظار ليل نهار نحليها بالصبر والأمل لست سنوات لا نأبه لبرد أو حر.. في هدأة الليل تعبث الخمر بعقل واحد من جنود اسرائيل فينطلق لسانه المخمور بسفاهات وبذاءات من خلف جدران نقطته الحصينة.. فيرد عليه أقرب جندي مصري بطلقات من سلاحه الساهر معه فيخرس الإسرائيلي عن خوف وجبن رغم احتماءه خلف التحصينات.. وجاء السادس من أكتوبر يوم العبور.. الذكريات تستعصي علي الوصف وتأبي أن تقيدها الكلمات.. عبرنا الماء.. تهاوي " خط بارليف " بنقطه الحصينة كقصور الرمال جرفتها موجة عاتية.. استعدنا الأرض وطهرناها بدمائنا.
استعادني من عالم الذكريات الارتطام الخفيف لكرة جثمت عند قدمي وتبعها طفل يطلبها وعلي وجهه بسمة حلوة.. عابثته قليلاً ثم ناولتها له ومعها قطعة حلوي.. لوحت أمه شاكرة ممتنة.. علق " مينا " رفيق السلاح وزميل العبور والذي يعمل حالياً في فندق طابا الشهير.. أسرة يهودية من إسرائيل تستمع بجمال أرضنا وكرم ضيافتنا.. جاوبته علي الفور " لم نحاربهم لأنهم يهود وعاشوا من قبل بيننا سالمين مكرمين منذ أيام الفراعنة حتي هجرونا جرياً وراء حلم تمخض عن وهم كلفهم الولد والدم ".. قالت زوجة مينا بلهجة ينضح منها العتاب " ألا تري معي أن دور المرأة المصرية في حرب أكتوبر لم يسلط عليه الضوء الكافي لإبرازه ؟ " قلت بإخلاص " أتفق معك ولكن لا يتخيل منصف أن دور المرأة المصرية في حرب أكتوبر يمكن نكرانه.. كانت حرب أكتوبر حرباً لاستعادة الأرض وأنت تعرفين الأرض تعني العرض عند المصريين " سألتني باهتمام " ألم تكتب قصة جديدة عن أكتوبر ؟ " وشارك مينا بنظراته في السؤال.. قلت بأسي بين في أنفاسي " إن قسوة ووحشية ما يفعله الإسرائيليون بأهلنا في فلسطين وتقاعس حكامنا عن الرد الرادع رغم كثرتنا وانقسامنا علي أنفسنا تجعلني في حالة إحباط مؤلم يستعصي معه الإبداع " تنهدت بحرقة " ومع ذلك أنا لا أقف مكتوف اليدين لقد أنشأت مجموعة علي " الإنترنت " تسجل وحشية الصهاينة وتنشرها علي العالم الذي أصبح قرية صغيرة ولكن وأسفاه قرية ظالمة ومجموعة أخري للمطالبة بما نهبه اليهود من ذهب وفضة المصريين وقماشهم حين خرجوا مع كليم الله موسي من مصر وهم سجلوا علي أنفسهم ذلك في الكتاب المقدس ونجمع التوقيعات تمهيداً لرفع دعوي قضائية ".. انفجر مينا مقهقهاً بصوت عال " يا خالي نحن لم نسترد الأرض التي سلبوها من عشرات السنين.. أتطمع أن نأخذ منهم ما سلبوه من آلاف السنين وافتروا علي الله الكذب وسطروا أنه أمرهم بذلك "
سكتنا فلم يعد للحديث طعم وأخذت أتابع انحسار موجة ورحيلها المتعجل والحسرة تعربد في نفسي.
[/align]
تعليق