"بوعز"
لم يكن اسمه محمدا أو صلاح الدين أو حتى عبد الحميد، ليدعي أن الاسم قد يسد أبواب الرزق، أو يغلق أبواب الحياة، أو يجرح كرامته أو يحرج رجولته عند الحواجز، في بلاد تعمل للإسم حسابا.
كان اسمه الذي التصق به ، فور ولادته، بعد أن قلبته الطبيبة المولّدة، رأسه إلى الأسفل لتداعبه بصفعة على قفاه السفلي المرفوع، سعيدا، فغيره إلى "بوعز"
ورغم ملاحظة الموظفة التي سجّلت تبادل الإسمين حين قالت "لماذا...!؟ إن اسم سعيد جميل جدا". إلاّ أنها لم تزد كلمة واحدة أمام إصرار والده، خوفا من العواقب غير المحمودة، والنتائج والتفسيرات السطحيّة.
لكن الأقارب والجيران واهل القرية ظلوا ينادون الأب "أبو سعيد"، كانهم يرفضون اسم "بوعز" ولا يعترفون به.
وحين صار بوعز "سعيد" في سنّ الالتحاق بالمدرسة بعثه ابو إلى مدرسة يلفظ معلموها وطلابها حرف الحاء خاء، وليس فيها ذكر لحرف الضاد.
كان هذا كافيا لأن ينسى بوعز أمه واخواتها، وأباه ومزيداته ومشتقاته.
وعندما تخرج من المدرسة الثانوية، لم يعد إلى قواعده البيولوجية الطبيعية، ولم يلتحق بالجامعة، لكنه ضاع في متاهات الحياة، وسقط من مسارب ذاكرة الناس.
عاد بعد أكثر من ربع قرن من تاريخ ميلاده، محطما مهزوما، كان شكله غريبا ...بدا وكأنه أكبر من أبيه أو أمّه، غزاه الشيب ولم يترك لليل ذكر ولا ذكرىى، تقوّس ظهره، كانه يحمل على ظهره سرا تعجز عن حمله عمالقة البشر، عيناه جاحظتان،تدوران في محجريهما بعصبية،وترمشان بعصبية، وتحدّقان بعصبية، كلّ ما فيه متوتر، انفاسه تتسارع متعبة، مرهقة كأنها آتية من بعيد مُرْهِق، شكله كشكل أهل القبور، أو كالخارج من سجن تحت الأرض، فوق عينه اليسرى جرح عميق طويل، مندثر، غيّر تضاريس وجهه فزاده تشويها، امتد من فوق حاجبه الأيسر إلى ما فوق أذُنة اليسرى، فتقلصت أذنه نتيجة هذا الجرح، وفقدت شيئا من مساحتها.
مشى في شوارع القرية كالغريب، يبحث عن بيت أبيه، كانه يدخل أرضا غريبة، لا شيء يربطه بها لا لغة ولا إحساس بالانتماء، تاه في شوارع القرية ودروبها، لم تسعفه اللافتات المكتوبة باللغة التي تعلمها في المدرسة التي بعثه أبوه إليها. لم يعرف أحدا ولم يعرفه أحد.
الناس في الشوارع والمحال مرهقون من الحر الشديد،وجوههم مكفهرة، يتصبب منها العرق المشبع بالدهشة والاستغراب من منظر هذا الغريب القادم من المجهول، المتخبط بحيرته، التائه بضياعه، يفتش عن بيت أبيه وعن التينة التي كانت امام البيت، والتي اكل من ثمرها ما لم تنسه إيّاه مطبات الحياة. لم يجد البيت ولا التينة، كأنّ المكان غير المكان
تساءل "أين التينة وأين البيت؟؟
وعندما أعياه البحث سال شيخا مارا في الطريق عن أبي بوعزز
غرز الشيخ نظره بالغريب، وقال بصوت لا يخلُ من احتجاج:
- ليس عندنا أبو بوعز، معظم أسمائنا ما حُمِّد وما عُبِّد، وهي أحب الأسماء إلى الله.
مشى الغريب يجر ذيول حيرته وضياعه، وظل الشيخ واقفا ينبش ذاكرته، وفجأة، وقبل أن يبتعد الغريب ناداه الشيخ صائحا:
-أأنت سعيد؟؟؟
- كنت سعيدا.
إحتضنه الشيخ وقاده إلى بيت أبيه.
استقبله أهل البيت كمن لا يصدق عينيه، استقبلوه استقبال العائد من الموت إلى حياة جديدة.
ورغم الفرح المطل من العيون، حاول الجميع كبحه، وتهدئته، لم تطلق أمه العنان لفرحتها بعودته، فلم تغن، ولم تزغرد أخته، ولم يزد أبوه على ابتسامة سقيمة، ضيقة قدر الإمكان، حفظا على الوقار والأيمان. يخافون إن ابتسموا بدون حساب، أن يهتز العرش الإلهي.. هكذا أفتى رئيس الجماعة...."الضحك انفلات ومخالف للشرائع الإلهية، والغناء والطرب يغضب الرب بدلا من أن يرضيه، والزغاريد والغناء تزعج الأنبياء والملائكة والرجال الصالحين وأهل الجنة، وتخدش وحدانية الله!!!
ما أن انتشرخبر عودة سعيد ابن أبي سعيد (بوعز) حتى هرع القريب والغريب ليهنئ أهله بعودته بعد طول الغياب، كلهم فرحون لكنه فرحا مكبوت.
سألهم: مالي اراكم كأن الطير حطّت على رؤوسكم! ألستم فرحين بعودتي؟؟
اجابته أمّه والدموع تنساب عن يمين انفها ويساره.
_كل شيء فينا فرح..حتى حجارة البيت.. لكننا تعودنا أن نخنق فرحنا، وان نظهر بخلاف مشاعرنا، كل ما فينا عكس ما فينا، نكبت الفرح لنظهر بوقار،نخنق الحزن لنؤكد الإيمان، نحب فنكابر كي لا نضعف، نكره فنظهر الوفاق والنفاق!!!
نحن لسنا نحن، ولم نصبح هم، بدّلنا أسماءناولغتنا ومشاعرنا وغيرنا جلودنا،فصرنا عراة.
نحن لم نعد نحن، ألغوا هويتنا وشعبنا وانتماءنا وسرقوا الأرض والوطن، وغيروا مسار الريح والشمس والقمر، وصرنا نتخبط بمتاهات الظلام.
_ ليس هكذا يريدنا الله .
"إننا نُكْبَتُ ونَكْبِت، هكذا تعودنا" قالت إحدى النساء، ربما تكون عمّته أو خالته. .. ثم تابعت "الفرح مسموح في المناسبات الرسمية جدا، احتراما للرجال الرسميين جدا، أما خلاف ذلك فهو محسوب علينا من اليوم إلى يوم الدين".
سأله احد المهنئين
_اين كنت كل هذه السنين؟؟
_ كنت في العراق.
ذُهل الجميع، وتوقفت الأنفاس للحظة، وسكتت الألسن وخيم صمت ملغوم، وصار الجو قابلا للاشتعال.
وانفلت سؤال من بين أسنان أبيه وهو يشدها، رغما عنه وعنها:
_ ماذا لنا في العراق؟؟؟
_ كنت احارب مع الأمريكان لنحرر العراق من "الإرهاب العربي" و"الاستعمار الإسلامي"
ازداد الصمت غليانا وانسحب بعض المهنئينن وابدى آخرون ندمهم على مجرد مجيئهم.
ارتفع صوت محتجا:"كان العراق ضحية، وانتم دمرتم العراق وحضارة العراق منذ زمن إبراهيم الخليل وحتى هذا الزمن، زمن الأوباش وأذنابهم.
_ هل أنت طالباني؟؟
_ وهل أنت موسادي؟؟؟ لماذا عدت...؟؟؟
-هكذا أرادوا، عندما اكتشفوا أن اسمي الأول كان سعيدا وليس " بوعز"
ملاحظة: بوعز كلمة عبرية بمعنى ذو قوة مالية أو بدنية
تعليق