سأروي لكم اليوم قصة قصيرة ، وسامحوني إن بدت حروفها قاتمة على غير العادة

بتلك الليلة..

بتلك الليلة..
ليلة الإثنين \1\5 برمضان .. كنا قد إقتربنا من موعد السحور
وكنت أنا بالسابعة والنصف من عمري تقريبا،كانت أمي كعادتها ، تعد أصناف السحور الدسمة
حينما دق أبي جرس الباب ، وهو يضع المفتاح برشاقة وابتسامة " هى أكثر ما اتذكره عنه"
وكنت أنا بالسابعة والنصف من عمري تقريبا،كانت أمي كعادتها ، تعد أصناف السحور الدسمة
حينما دق أبي جرس الباب ، وهو يضع المفتاح برشاقة وابتسامة " هى أكثر ما اتذكره عنه"
وكالعادة أيضا كنت أنا آخر العنقود القصيرة السمينة أنتظر عودته لأشاركه ،وجبته الدسمة بعد مشاركة أخواتي لوجبة عشائهن بالطبع ؛
فقد كنت مشهورة حينها بعشقي للطعام بشكل كان يجعل بعض أطفال العائلة يعيرونني به مهلليين..
" الدبة جت ، الدبة جت "
بأنه سيكبر وسيصبح عجوزا يمشي على عكاز وسأسنده أنا لأني قصيرة مثله
"
المقاعد،
الصور الصامتة على الحائط،
الجرائد الملقاه على طرف الطاولة
،،،،،،
نصفنا عاجز،ونصفنا لايفهم ولا يدرك
لم أدرك فيها هل أبكي أم ماذا!!؟؟
ملامح وجه أختى "العروس الجديدة"وزوجها الذي قفز درجات السلم "بالبيجاما "بعدما نادته أمي، كانت تنبؤني بأن هناك شىء أكبر من مجرد طبطة أختى الكبرى على ظهورنا وهى تردد كما النداء الآلي..
وبلحظات ... هدأ كل شىء
"يــــــــارب"
شىء ما بأعماقي كان يحملني على رفض تلك الصور القاتمة التى تلف أرجاء منزلنا، بل جعلتني أطالب إحدى أخواتي بعمل "ساندوتش جبنة" لأنني أشعر بالجوع الشديد!!!
" الدبة جت ، الدبة جت "
دقائق جميلة مرت من التدليل ، كان أبي يمازحني فيها وهو يحدثني ..
بأنه سيكبر وسيصبح عجوزا يمشي على عكاز وسأسنده أنا لأني قصيرة مثله

كان المشهد هادىء كالمعتاد بمنزلنا الصغير
كل الأشياء بمكانها،
الوسائد ،
كل الأشياء بمكانها،
الوسائد ،
المقاعد،
التلفزيون،
الصور الصامتة على الحائط،
الجرائد الملقاه على طرف الطاولة
،،،،،،
كل شىء بدا معتاد بالمنزل
إلا هو !
سقط فجأة أمامي ،على الأرض بلا حراك
هكذا ... بلا مقدمات!!
هكذا ... بلا مقدمات!!
... دقائق ثقيلة إنتزعت أمي من المطبخ وهى تصرخ بهستريا متقطعة
ودقائق أثقل كنا نحن الأربعة حوله كتماثيل الموتى،
ودقائق أثقل كنا نحن الأربعة حوله كتماثيل الموتى،
نصفنا عاجز،ونصفنا لايفهم ولا يدرك
لحظات أذكرها ،
لم أدرك فيها هل أبكي أم ماذا!!؟؟
لماذا تصرخ أمي بهذا الشكل؟؟
ملامح وجه أختى "العروس الجديدة"وزوجها الذي قفز درجات السلم "بالبيجاما "بعدما نادته أمي، كانت تنبؤني بأن هناك شىء أكبر من مجرد طبطة أختى الكبرى على ظهورنا وهى تردد كما النداء الآلي..
" متخافوش يا بنات ،بابا كويس، هيقوم اهه"!!!
وبلحظات ... هدأ كل شىء
صمت مترقب كان يلف أجسادنا الصغيرة على حافة النافذة ونحن نترقب وصولهم من المستشفى، ودقات قلوبنا تردد بطفولة ..
"يــــــــارب"
كنت ألمح أختى الكبرى وهى تتمتم بآيات القرآن ، والثانية ،والثالثة، وهما تبكيان بصوت مكتوم
وجدتي ،وهى تدُب على صدرها باليمني، وتقبض على طرحتها السوداء باليسري فى محاولة يائسة لإيقاف نهر من الدموع ،بدت معه كما لو أنها ،مصابة ببكاء لاإرادي!!
كل هذا ولم أستطع البكاء أو التواصل!
شىء ما بأعماقي كان يحملني على رفض تلك الصور القاتمة التى تلف أرجاء منزلنا، بل جعلتني أطالب إحدى أخواتي بعمل "ساندوتش جبنة" لأنني أشعر بالجوع الشديد!!!
ربما كنت بلهاء ، لم يستطع عقلي إدارك تفاصيل المفاجأة
وربما لأنها أولى المرات بحياتي التى تتذوق روحي فيها طعم الموت،
بل وأرآه يقترب إلى هذا الحد المخيف
لم ينتزعني من دوامة رفضي للأمر، سوى صورة ، أبي وهم يحملونه ممدداً على أكتافهم، ويصعدون به سلالم المنزل قبيل الفجر وأمي خلفه تردد بنداء يائس "
يا عبد المنعم ، يا عبد المنعم "
وتصرخ بشكل مفزع جعلني أُسقط "ساندوتش الجبنة" من يدي؛
وأنا أسابق الآخرين على السلالم هبوطاً،
يا عبد المنعم ، يا عبد المنعم "
وتصرخ بشكل مفزع جعلني أُسقط "ساندوتش الجبنة" من يدي؛
وأنا أسابق الآخرين على السلالم هبوطاً،
وزوجة عمي تشدني بحنو لم اعتد عليه منها
و المرة الأولى التى أدرك فيها أنني مهما حاولت أن أيقظ والدي الذي يبدو نائماً، كملاك جميل على فراشه، لن يستجيب لي ولن يحاول إسكاتي قائلاً بنبرة ناعسة ..
" تعالي هنا رشا، مينفعش حبيتي"!!
هوه ايه اللى مينفعش " ماذا تقول تلك الشمطاء ، السمينة ، ابوياااا ده ، يعني ايه مينفعش"!!
هوه ايه اللى مينفعش " ماذا تقول تلك الشمطاء ، السمينة ، ابوياااا ده ، يعني ايه مينفعش"!!
تمتمت بها فى سري وأنا أحاول الإفلات منها .. دون جدوى
غريبة هى تفاصيل الموت
حينما يصبح من يملأ تفاصيل الآخريين بالحياة ، ممدداً بلا حياة و بلا حراك على فراشه
هو ذاته الفراش الذي كان يتناول عليه قطع البطيخ الباردة بعز الحر وهو يضاحك أمي..
" يعني لازم شوكة يا وفاء، حلاوة البطيخ كده نخطفه من القشرة"!!
حينما يصبح من يملأ تفاصيل الآخريين بالحياة ، ممدداً بلا حياة و بلا حراك على فراشه
هو ذاته الفراش الذي كان يتناول عليه قطع البطيخ الباردة بعز الحر وهو يضاحك أمي..
" يعني لازم شوكة يا وفاء، حلاوة البطيخ كده نخطفه من القشرة"!!

هو ذاته نفس الفراش الذي طالما ما داعبنا فوقه ونحن نتكاتل عليه وكل منا تسابق الأخرى حتى يحملها أولاً!!
نعم كانت تلك ،هى المرة الأولى التي أرى فيها حياً .. ميت!!
نعم كانت تلك ،هى المرة الأولى التي أرى فيها حياً .. ميت!!
و المرة الأولى التى أدرك فيها أنني مهما حاولت أن أيقظ والدي الذي يبدو نائماً، كملاك جميل على فراشه، لن يستجيب لي ولن يحاول إسكاتي قائلاً بنبرة ناعسة ..
" خلاص يا حبيبة ،بابا قايم ،اهه".
لم يبدُ لي مختلفاً على الإطلاق كان هو نفس الرجل القصير القامة ، الأسمراني ،نحيف الجسد، صاحب الشارب " المسمسم التقاطيع"
لم يزد عليه شىء، ولم ينقصه شىء، حينها إلا صوته العذب وابتسامته الكبيرة وإن كانت لم تفارق وجهه أبدا.
كان منزلنا المتخم بالسواد حينها أشبه بقبر كبير ،
لم يزد عليه شىء، ولم ينقصه شىء، حينها إلا صوته العذب وابتسامته الكبيرة وإن كانت لم تفارق وجهه أبدا.
كان منزلنا المتخم بالسواد حينها أشبه بقبر كبير ،
به جثة واحدة راقدة ومئات من الجثث التى تتحرك بلا روح،
بعضهن إنشغل بإعداد طعام وبعضهن إنشغل بالمواساة وبعضهن إستسلم لنوم عميق!!
أما أمى ..
كانت صامتة هناك على مقعدها المعتاد ؛ بعد نوبة بكاء طويلة وهى تحتضنني أنا و أختى الأكبر "
" بابا عند ربنا ، فى الجنة"
و تجيب عيوننا الصغيرة المتسائلة، بإجابة ثابتة وبنبرة وجع مميته..
" بابا عند ربنا ، فى الجنة"
وظللت أرددها أنا بعدها بطفولة وإبتسامة لاأعرف مصدرها ، كلما سألني أحدهم، عن أبي..
" بابا عند ربنا ، فى الجنة"
وظللت أرددها أنا بعدها بطفولة وإبتسامة لاأعرف مصدرها ، كلما سألني أحدهم، عن أبي..
" بابا عند ربنا ، فى الجنة"
ومرت أيام رمضان الأخيرة ثقيلة كدهر بلا ساعات ولا مواقيت
ومر العيد الأول بدون .. الحاج عبده
يــــــــا الـــــــلـــــــه
يــــــــا الـــــــلـــــــه
عيد بلا أبي!؟
عيد.. بلا صلاة العيد الصباحية التي تنتهي عادة بفرحة حصولي أنا وأختي على بالونتين، كنا نخرجهما من نافذة السيارة وأبي يصرخ فينا محاولاً السيطرة على عجلة القيادة..
" دخلوا ايديكم يا بنات العربيات ، غلط كده"
عيد بلا رحلة الصباح المعتادة على شقق البيت الكبير
عماتي وأعمامي وهو يصحبنا بيده، مردداً
يلا نعيد على عمكم،يلا نعيد على عمتكم
وكنا بكل مرة نتباله أنا وأختي، لنقف بآخر طابور العيديه كما بقية الأطفال، ونحن نهتف..
" دخلوا ايديكم يا بنات العربيات ، غلط كده"
عيد بلا رحلة الصباح المعتادة على شقق البيت الكبير
عماتي وأعمامي وهو يصحبنا بيده، مردداً
يلا نعيد على عمكم،يلا نعيد على عمتكم
وكنا بكل مرة نتباله أنا وأختي، لنقف بآخر طابور العيديه كما بقية الأطفال، ونحن نهتف..
" تـــاني ، تـــاني، تـــاني"
فيضحك هو ، بمكر جميل ويشترط أن نناديه "عمو عبده "أو خالو عبده "حتى يمنحنا جرعة "عيدية" إضافيه غير تلك التى منحها لنا صباحاً بإعتباره والدنا.
يا اااالـــــلــــــــه
ومنذ ذلك الوقت
أصبح العيد كأى شىء، وقت يمر، بلا مذاق وبلا روح
أصبح كعادة، كما الذهاب للمدرسة
او الخروج مع الأصدقاء أو الأكل
يا اااالـــــلــــــــه
ومنذ ذلك الوقت
أصبح العيد كأى شىء، وقت يمر، بلا مذاق وبلا روح
أصبح كعادة، كما الذهاب للمدرسة
او الخروج مع الأصدقاء أو الأكل
لم أدرك كم مر من الوقت حتى تلك الليلة التي دار فيها حوار قصير بيني وبين أمي ، كنت حينها بالصف الثالث الإعدادي " على ما أذكر"
أمر الله ،يا بنتي الله يرحمه
( السجاير ، الله يخرب بيت اللى اخترعها
بس نقول ايه قدره ونصيبه).
مشهد ما بإحدى المسلسلات يشبه يوم وفاة والدي
جعلني أسألها فجأة ..؟؟
ماما هوه بابا مات بإيه!؟
ماما هوه بابا مات بإيه!؟
فتجيبني..
أمر الله ،يا بنتي الله يرحمه
ايوة ونعم بالله ، بس يعني كان عنده ايه بالظبط
لتجيب..
( السجاير ، الله يخرب بيت اللى اخترعها
ياما قلتله يا عبد المنعم كفايه ، صحتك، بناتك
بس نقول ايه قدره ونصيبه).
نعم بالفعل ،كان قدره ،ونصيبنا نحن
ومنذ ذلك الوقت و السجائر .. أصبحت عقدتي اللعينة ، كلما لمحتها بيد أحدهم يحاوطني شبح تلك الليلة التي سقط فيها والدي هكذا كجبل أمام عيني
وأكاد حينها أركض لأسأله فقط..
هل لديك أولاد؟؟
هل تدرك مدى اللحظات التى تقتطعها من عمرك ومن صحبتهم ومن إحتياجهم لك؟؟
هل تدرك أنهم سيبكونك حد القهر والوجع والتألم وربما حتى الموت؟؟
هل تساوي تلك التى تحرق عمرك وأنت تظن أنك تحرقها ما بين أصابعك، دمعة واحدة على خدى طفلك، وأحب الناس إلى قلبك؟؟
هل تدرك أنهم سيبكونك حد القهر والوجع والتألم وربما حتى الموت؟؟
هل تساوي تلك التى تحرق عمرك وأنت تظن أنك تحرقها ما بين أصابعك، دمعة واحدة على خدى طفلك، وأحب الناس إلى قلبك؟؟
وليت أحدهم يجيب
وليتهم يدركون
لكن للأسف لاأحد يدرك إلا بعد فوات الأوان
أعرف أن الأعمار بيد الله
و أن لكل أجل كتاب
لكن الله عز وجل أمرنا بأن لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة
فهلا كففتم أيها المدخنون عن إلقاء أنفسكم وأقرب الناس إلى قلوبكم إلى التهلكة
أرجوكم..
لكن للأسف لاأحد يدرك إلا بعد فوات الأوان
أعرف أن الأعمار بيد الله
و أن لكل أجل كتاب
لكن الله عز وجل أمرنا بأن لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة
فهلا كففتم أيها المدخنون عن إلقاء أنفسكم وأقرب الناس إلى قلوبكم إلى التهلكة
أرجوكم..
رغم كل السلبيات والمواجع التى تملأ زماننا
رغم كل التفاصيل المرعبة وقوانين الغابة التى أصبحت تشارك الدماء فى العروق
رغم كل شىء،
رغم كل شىء،
هم يحتاجونكم
فلا تضيعوهم.
اللهم بلغت ، اللهم فاشهد
تعليق