بـــــــابـــــــا عند ربــنــا ، فى الجــنــة!!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشا عبادة
    عضـو الملتقى
    • 08-03-2009
    • 3346

    بـــــــابـــــــا عند ربــنــا ، فى الجــنــة!!

    سأروي لكم اليوم قصة قصيرة ، وسامحوني إن بدت حروفها قاتمة على غير العادة





    بتلك الليلة..
    ليلة الإثنين \1\5 برمضان .. كنا قد إقتربنا من موعد السحور
    وكنت أنا بالسابعة والنصف من عمري تقريبا،كانت أمي كعادتها ، تعد أصناف السحور الدسمة
    حينما دق أبي جرس الباب ، وهو يضع المفتاح برشاقة وابتسامة " هى أكثر ما اتذكره عنه"





    وكالعادة أيضا كنت أنا آخر العنقود القصيرة السمينة أنتظر عودته لأشاركه ،وجبته الدسمة بعد مشاركة أخواتي لوجبة عشائهن بالطبع ؛


    فقد كنت مشهورة حينها بعشقي للطعام بشكل كان يجعل بعض أطفال العائلة يعيرونني به مهلليين..


    " الدبة جت ، الدبة جت "
    دقائق جميلة مرت من التدليل ، كان أبي يمازحني فيها وهو يحدثني ..



    بأنه سيكبر وسيصبح عجوزا يمشي على عكاز وسأسنده أنا لأني قصيرة مثله "
    كان المشهد هادىء كالمعتاد بمنزلنا الصغير
    كل الأشياء بمكانها،
    الوسائد ،



    المقاعد،
    التلفزيون،



    الصور الصامتة على الحائط،


    الجرائد الملقاه على طرف الطاولة


    ،،،،،،

    كل شىء بدا معتاد بالمنزل

    إلا هو !

    سقط فجأة أمامي ،على الأرض بلا حراك
    هكذا ... بلا مقدمات!!


    ... دقائق ثقيلة إنتزعت أمي من المطبخ وهى تصرخ بهستريا متقطعة
    ودقائق أثقل كنا نحن الأربعة حوله كتماثيل الموتى،



    نصفنا عاجز،ونصفنا لايفهم ولا يدرك
    لحظات أذكرها ،



    لم أدرك فيها هل أبكي أم ماذا!!؟؟
    لماذا تصرخ أمي بهذا الشكل؟؟




    ملامح وجه أختى "العروس الجديدة"وزوجها الذي قفز درجات السلم "بالبيجاما "بعدما نادته أمي، كانت تنبؤني بأن هناك شىء أكبر من مجرد طبطة أختى الكبرى على ظهورنا وهى تردد كما النداء الآلي..

    " متخافوش يا بنات ،بابا كويس، هيقوم اهه"!!!




    وبلحظات ... هدأ كل شىء

    صمت مترقب كان يلف أجسادنا الصغيرة على حافة النافذة ونحن نترقب وصولهم من المستشفى، ودقات قلوبنا تردد بطفولة ..



    "يــــــــارب"
    كنت ألمح أختى الكبرى وهى تتمتم بآيات القرآن ، والثانية ،والثالثة، وهما تبكيان بصوت مكتوم

    وجدتي ،وهى تدُب على صدرها باليمني، وتقبض على طرحتها السوداء باليسري فى محاولة يائسة لإيقاف نهر من الدموع ،بدت معه كما لو أنها ،مصابة ببكاء لاإرادي!!

    كل هذا ولم أستطع البكاء أو التواصل!




    شىء ما بأعماقي كان يحملني على رفض تلك الصور القاتمة التى تلف أرجاء منزلنا، بل جعلتني أطالب إحدى أخواتي بعمل "ساندوتش جبنة" لأنني أشعر بالجوع الشديد!!!
    ربما كنت بلهاء ، لم يستطع عقلي إدارك تفاصيل المفاجأة

    وربما لأنها أولى المرات بحياتي التى تتذوق روحي فيها طعم الموت،



    بل وأرآه يقترب إلى هذا الحد المخيف

    لم ينتزعني من دوامة رفضي للأمر، سوى صورة ، أبي وهم يحملونه ممدداً على أكتافهم، ويصعدون به سلالم المنزل قبيل الفجر وأمي خلفه تردد بنداء يائس "
    يا عبد المنعم ، يا عبد المنعم "
    وتصرخ بشكل مفزع جعلني أُسقط "ساندوتش الجبنة" من يدي؛
    وأنا أسابق الآخرين على السلالم هبوطاً،


    وزوجة عمي تشدني بحنو لم اعتد عليه منها
    " تعالي هنا رشا، مينفعش حبيتي"!!
    هوه ايه اللى مينفعش " ماذا تقول تلك الشمطاء ، السمينة ، ابوياااا ده ، يعني ايه مينفعش"!!


    تمتمت بها فى سري وأنا أحاول الإفلات منها .. دون جدوى

    غريبة هى تفاصيل الموت
    حينما يصبح من يملأ تفاصيل الآخريين بالحياة ، ممدداً بلا حياة و بلا حراك على فراشه
    هو ذاته الفراش الذي كان يتناول عليه قطع البطيخ الباردة بعز الحر وهو يضاحك أمي..
    " يعني لازم شوكة يا وفاء، حلاوة البطيخ كده نخطفه من القشرة"!!

    هو ذاته نفس الفراش الذي طالما ما داعبنا فوقه ونحن نتكاتل عليه وكل منا تسابق الأخرى حتى يحملها أولاً!!
    نعم كانت تلك ،هى المرة الأولى التي أرى فيها حياً .. ميت!!




    و المرة الأولى التى أدرك فيها أنني مهما حاولت أن أيقظ والدي الذي يبدو نائماً، كملاك جميل على فراشه، لن يستجيب لي ولن يحاول إسكاتي قائلاً بنبرة ناعسة ..

    " خلاص يا حبيبة ،بابا قايم ،اهه".


    لم يبدُ لي مختلفاً على الإطلاق كان هو نفس الرجل القصير القامة ، الأسمراني ،نحيف الجسد، صاحب الشارب " المسمسم التقاطيع"
    لم يزد عليه شىء، ولم ينقصه شىء، حينها إلا صوته العذب وابتسامته الكبيرة وإن كانت لم تفارق وجهه أبدا.
    كان منزلنا المتخم بالسواد حينها أشبه بقبر كبير ،


    به جثة واحدة راقدة ومئات من الجثث التى تتحرك بلا روح،


    بعضهن إنشغل بإعداد طعام وبعضهن إنشغل بالمواساة وبعضهن إستسلم لنوم عميق!!

    أما أمى ..


    كانت صامتة هناك على مقعدها المعتاد ؛ بعد نوبة بكاء طويلة وهى تحتضنني أنا و أختى الأكبر "
    و تجيب عيوننا الصغيرة المتسائلة، بإجابة ثابتة وبنبرة وجع مميته..
    " بابا عند ربنا ، فى الجنة"
    وظللت أرددها أنا بعدها بطفولة وإبتسامة لاأعرف مصدرها ، كلما سألني أحدهم، عن أبي..




    " بابا عند ربنا ، فى الجنة"
    ومرت أيام رمضان الأخيرة ثقيلة كدهر بلا ساعات ولا مواقيت

    ومر العيد الأول بدون .. الحاج عبده
    يــــــــا الـــــــلـــــــه


    عيد بلا أبي!؟

    عيد.. بلا صلاة العيد الصباحية التي تنتهي عادة بفرحة حصولي أنا وأختي على بالونتين، كنا نخرجهما من نافذة السيارة وأبي يصرخ فينا محاولاً السيطرة على عجلة القيادة..
    " دخلوا ايديكم يا بنات العربيات ، غلط كده"
    عيد بلا رحلة الصباح المعتادة على شقق البيت الكبير
    عماتي وأعمامي وهو يصحبنا بيده، مردداً
    يلا نعيد على عمكم،يلا نعيد على عمتكم
    وكنا بكل مرة نتباله أنا وأختي، لنقف بآخر طابور العيديه كما بقية الأطفال، ونحن نهتف..


    " تـــاني ، تـــاني، تـــاني"

    فيضحك هو ، بمكر جميل ويشترط أن نناديه "عمو عبده "أو خالو عبده "حتى يمنحنا جرعة "عيدية" إضافيه غير تلك التى منحها لنا صباحاً بإعتباره والدنا.
    يا اااالـــــلــــــــه
    ومنذ ذلك الوقت
    أصبح العيد كأى شىء، وقت يمر، بلا مذاق وبلا روح
    أصبح كعادة، كما الذهاب للمدرسة
    او الخروج مع الأصدقاء أو الأكل


    لم أدرك كم مر من الوقت حتى تلك الليلة التي دار فيها حوار قصير بيني وبين أمي ، كنت حينها بالصف الثالث الإعدادي " على ما أذكر"
    مشهد ما بإحدى المسلسلات يشبه يوم وفاة والدي

    جعلني أسألها فجأة ..؟؟
    ماما هوه بابا مات بإيه!؟


    فتجيبني..



    أمر الله ،يا بنتي الله يرحمه

    ايوة ونعم بالله ، بس يعني كان عنده ايه بالظبط

    لتجيب..



    ( السجاير ، الله يخرب بيت اللى اخترعها
    ياما قلتله يا عبد المنعم كفايه ، صحتك، بناتك

    بس نقول ايه قدره ونصيبه).
    نعم بالفعل ،كان قدره ،ونصيبنا نحن



    ومنذ ذلك الوقت و السجائر .. أصبحت عقدتي اللعينة ، كلما لمحتها بيد أحدهم يحاوطني شبح تلك الليلة التي سقط فيها والدي هكذا كجبل أمام عيني

    وأكاد حينها أركض لأسأله فقط..


    هل لديك أولاد؟؟

    هل تدرك مدى اللحظات التى تقتطعها من عمرك ومن صحبتهم ومن إحتياجهم لك؟؟
    هل تدرك أنهم سيبكونك حد القهر والوجع والتألم وربما حتى الموت؟؟
    هل تساوي تلك التى تحرق عمرك وأنت تظن أنك تحرقها ما بين أصابعك، دمعة واحدة على خدى طفلك، وأحب الناس إلى قلبك؟؟




    وليت أحدهم يجيب
    وليتهم يدركون
    لكن للأسف لاأحد يدرك إلا بعد فوات الأوان
    أعرف أن الأعمار بيد الله
    و أن لكل أجل كتاب
    لكن الله عز وجل أمرنا بأن لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة
    فهلا كففتم أيها المدخنون عن إلقاء أنفسكم وأقرب الناس إلى قلوبكم إلى التهلكة
    أرجوكم..


    رغم كل السلبيات والمواجع التى تملأ زماننا

    رغم كل التفاصيل المرعبة وقوانين الغابة التى أصبحت تشارك الدماء فى العروق
    رغم كل شىء،


    هم يحتاجونكم

    فلا تضيعوهم.



    اللهم بلغت ، اللهم فاشهد
    " أعترف بأني لا أمتلك كل الجمال، ولكني أكره كل القبح"
    كلــنــا مــيـــدان التــحــريـــر
  • اسماعيل الناطور
    مفكر اجتماعي
    • 23-12-2008
    • 7689

    #2
    هل قدري أن أكون أول المشاركين ؟
    هل قدري أن أقول رغم أن عندي من الأولاد رجال وعندي من البنات سيدات وأمهات
    إلا إني أشتاق لأبي وأحتاجه إحتياج الأطفال
    أحتاج لمن أقول له
    إني أحتاجك فالحكمة أكبر من أن يحتكرها عقل
    إني أحتاجك فكرامتي أكبر من أن أقولها لغيرك
    إني أحتاجك فنظرة حنان منك في ميزان العمر أكبر من النسيان
    رحم الله والدك ورحم الله والدي
    والحمد لله

    تعليق

    • رشا عبادة
      عضـو الملتقى
      • 08-03-2009
      • 3346

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة اسماعيل الناطور مشاهدة المشاركة
      هل قدري أن أكون أول المشاركين ؟
      هل قدري أن أقول رغم أن عندي من الأولاد رجال وعندي من البنات سيدات وأمهات
      إلا إني أشتاق لأبي وأحتاجه إحتياج الأطفال
      أحتاج لمن أقول له
      إني أحتاجك فالحكمة أكبر من أن يحتكرها عقل
      إني أحتاجك فكرامتي أكبر من أن أقولها لغيرك
      إني أحتاجك فنظرة حنان منك في ميزان العمر أكبر من النسيان
      رحم الله والدك ورحم الله والدي
      والحمد لله
      قدرك هو ذاته قدرنا جميعا يا أستاذي الحكيم الهادىء
      قدرك وقدرنا
      أن نفقدهم ونفتقدهم
      أن تصبح سنوات عمرنا العتيقة على أعتاب ذكراهم، طفلة تحبو
      وتجري وتركض نحو حنان أبوين
      جميل كعادتك وأنت تعترف برقي واعتزاز وحب
      ورثت الأبوة بكل حنانها وحكمتها يا طيب
      ( اللي يخلف رجل بقدر طيبتك وحكمتك عمره ما يموت يا أستاذنا)
      رحم الله أبائنا أمهاتنا
      دامت لى حروفك الراقية يا والدي الجميل
      " أعترف بأني لا أمتلك كل الجمال، ولكني أكره كل القبح"
      كلــنــا مــيـــدان التــحــريـــر

      تعليق

      • فواز أبوخالد
        أديب وكاتب
        • 14-03-2010
        • 974

        #4
        اللهم أرزقني بر والدي .. وأطل عمريهما على حسن عبادتك

        رحم الله والديك أستاذتنا رشا عبادة

        تحيااااااتي وتقديري لك على نصك الرااائع .


        .............
        [align=center]

        ما إن رآني حتى هاجمني , ضربته بقدمي على فمه , عوى من شدة
        الألم , حرك ذيله وولى هاربا , بعد أن ترك نجاسته على باب سيده .
        http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67924

        ..............
        [/align]

        تعليق

        • د.نجلاء نصير
          رئيس تحرير صحيفة مواجهات
          • 16-07-2010
          • 4931

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة رشا عبادة مشاهدة المشاركة
          سأروي لكم اليوم قصة قصيرة ، وسامحوني إن بدت حروفها قاتمة على غير العادة





          بتلك الليلة..
          ليلة الإثنين \1\5 برمضان .. كنا قد إقتربنا من موعد السحور
          وكنت أنا بالسابعة والنصف من عمري تقريبا،كانت أمي كعادتها ، تعد أصناف السحور الدسمة
          حينما دق أبي جرس الباب ، وهو يضع المفتاح برشاقة وابتسامة " هى أكثر ما اتذكره عنه"





          وكالعادة أيضا كنت أنا آخر العنقود القصيرة السمينة أنتظر عودته لأشاركه ،وجبته الدسمة بعد مشاركة أخواتي لوجبة عشائهن بالطبع ؛


          فقد كنت مشهورة حينها بعشقي للطعام بشكل كان يجعل بعض أطفال العائلة يعيرونني به مهلليين..


          " الدبة جت ، الدبة جت "
          دقائق جميلة مرت من التدليل ، كان أبي يمازحني فيها وهو يحدثني ..



          بأنه سيكبر وسيصبح عجوزا يمشي على عكاز وسأسنده أنا لأني قصيرة مثله "
          كان المشهد هادىء كالمعتاد بمنزلنا الصغير
          كل الأشياء بمكانها،
          الوسائد ،



          المقاعد،
          التلفزيون،



          الصور الصامتة على الحائط،


          الجرائد الملقاه على طرف الطاولة


          ،،،،،،

          كل شىء بدا معتاد بالمنزل

          إلا هو !

          سقط فجأة أمامي ،على الأرض بلا حراك
          هكذا ... بلا مقدمات!!


          ... دقائق ثقيلة إنتزعت أمي من المطبخ وهى تصرخ بهستريا متقطعة
          ودقائق أثقل كنا نحن الأربعة حوله كتماثيل الموتى،



          نصفنا عاجز،ونصفنا لايفهم ولا يدرك
          لحظات أذكرها ،



          لم أدرك فيها هل أبكي أم ماذا!!؟؟
          لماذا تصرخ أمي بهذا الشكل؟؟




          ملامح وجه أختى "العروس الجديدة"وزوجها الذي قفز درجات السلم "بالبيجاما "بعدما نادته أمي، كانت تنبؤني بأن هناك شىء أكبر من مجرد طبطة أختى الكبرى على ظهورنا وهى تردد كما النداء الآلي..

          " متخافوش يا بنات ،بابا كويس، هيقوم اهه"!!!




          وبلحظات ... هدأ كل شىء

          صمت مترقب كان يلف أجسادنا الصغيرة على حافة النافذة ونحن نترقب وصولهم من المستشفى، ودقات قلوبنا تردد بطفولة ..



          "يــــــــارب"
          كنت ألمح أختى الكبرى وهى تتمتم بآيات القرآن ، والثانية ،والثالثة، وهما تبكيان بصوت مكتوم

          وجدتي ،وهى تدُب على صدرها باليمني، وتقبض على طرحتها السوداء باليسري فى محاولة يائسة لإيقاف نهر من الدموع ،بدت معه كما لو أنها ،مصابة ببكاء لاإرادي!!

          كل هذا ولم أستطع البكاء أو التواصل!




          شىء ما بأعماقي كان يحملني على رفض تلك الصور القاتمة التى تلف أرجاء منزلنا، بل جعلتني أطالب إحدى أخواتي بعمل "ساندوتش جبنة" لأنني أشعر بالجوع الشديد!!!
          ربما كنت بلهاء ، لم يستطع عقلي إدارك تفاصيل المفاجأة

          وربما لأنها أولى المرات بحياتي التى تتذوق روحي فيها طعم الموت،



          بل وأرآه يقترب إلى هذا الحد المخيف

          لم ينتزعني من دوامة رفضي للأمر، سوى صورة ، أبي وهم يحملونه ممدداً على أكتافهم، ويصعدون به سلالم المنزل قبيل الفجر وأمي خلفه تردد بنداء يائس "
          يا عبد المنعم ، يا عبد المنعم "
          وتصرخ بشكل مفزع جعلني أُسقط "ساندوتش الجبنة" من يدي؛
          وأنا أسابق الآخرين على السلالم هبوطاً،


          وزوجة عمي تشدني بحنو لم اعتد عليه منها
          " تعالي هنا رشا، مينفعش حبيتي"!!
          هوه ايه اللى مينفعش " ماذا تقول تلك الشمطاء ، السمينة ، ابوياااا ده ، يعني ايه مينفعش"!!


          تمتمت بها فى سري وأنا أحاول الإفلات منها .. دون جدوى

          غريبة هى تفاصيل الموت
          حينما يصبح من يملأ تفاصيل الآخريين بالحياة ، ممدداً بلا حياة و بلا حراك على فراشه
          هو ذاته الفراش الذي كان يتناول عليه قطع البطيخ الباردة بعز الحر وهو يضاحك أمي..
          " يعني لازم شوكة يا وفاء، حلاوة البطيخ كده نخطفه من القشرة"!!

          هو ذاته نفس الفراش الذي طالما ما داعبنا فوقه ونحن نتكاتل عليه وكل منا تسابق الأخرى حتى يحملها أولاً!!
          نعم كانت تلك ،هى المرة الأولى التي أرى فيها حياً .. ميت!!




          و المرة الأولى التى أدرك فيها أنني مهما حاولت أن أيقظ والدي الذي يبدو نائماً، كملاك جميل على فراشه، لن يستجيب لي ولن يحاول إسكاتي قائلاً بنبرة ناعسة ..

          " خلاص يا حبيبة ،بابا قايم ،اهه".


          لم يبدُ لي مختلفاً على الإطلاق كان هو نفس الرجل القصير القامة ، الأسمراني ،نحيف الجسد، صاحب الشارب " المسمسم التقاطيع"
          لم يزد عليه شىء، ولم ينقصه شىء، حينها إلا صوته العذب وابتسامته الكبيرة وإن كانت لم تفارق وجهه أبدا.
          كان منزلنا المتخم بالسواد حينها أشبه بقبر كبير ،


          به جثة واحدة راقدة ومئات من الجثث التى تتحرك بلا روح،


          بعضهن إنشغل بإعداد طعام وبعضهن إنشغل بالمواساة وبعضهن إستسلم لنوم عميق!!

          أما أمى ..


          كانت صامتة هناك على مقعدها المعتاد ؛ بعد نوبة بكاء طويلة وهى تحتضنني أنا و أختى الأكبر "
          و تجيب عيوننا الصغيرة المتسائلة، بإجابة ثابتة وبنبرة وجع مميته..
          " بابا عند ربنا ، فى الجنة"
          وظللت أرددها أنا بعدها بطفولة وإبتسامة لاأعرف مصدرها ، كلما سألني أحدهم، عن أبي..




          " بابا عند ربنا ، فى الجنة"
          ومرت أيام رمضان الأخيرة ثقيلة كدهر بلا ساعات ولا مواقيت

          ومر العيد الأول بدون .. الحاج عبده
          يــــــــا الـــــــلـــــــه


          عيد بلا أبي!؟

          عيد.. بلا صلاة العيد الصباحية التي تنتهي عادة بفرحة حصولي أنا وأختي على بالونتين، كنا نخرجهما من نافذة السيارة وأبي يصرخ فينا محاولاً السيطرة على عجلة القيادة..
          " دخلوا ايديكم يا بنات العربيات ، غلط كده"
          عيد بلا رحلة الصباح المعتادة على شقق البيت الكبير
          عماتي وأعمامي وهو يصحبنا بيده، مردداً
          يلا نعيد على عمكم،يلا نعيد على عمتكم
          وكنا بكل مرة نتباله أنا وأختي، لنقف بآخر طابور العيديه كما بقية الأطفال، ونحن نهتف..


          " تـــاني ، تـــاني، تـــاني"

          فيضحك هو ، بمكر جميل ويشترط أن نناديه "عمو عبده "أو خالو عبده "حتى يمنحنا جرعة "عيدية" إضافيه غير تلك التى منحها لنا صباحاً بإعتباره والدنا.
          يا اااالـــــلــــــــه
          ومنذ ذلك الوقت
          أصبح العيد كأى شىء، وقت يمر، بلا مذاق وبلا روح
          أصبح كعادة، كما الذهاب للمدرسة
          او الخروج مع الأصدقاء أو الأكل


          لم أدرك كم مر من الوقت حتى تلك الليلة التي دار فيها حوار قصير بيني وبين أمي ، كنت حينها بالصف الثالث الإعدادي " على ما أذكر"
          مشهد ما بإحدى المسلسلات يشبه يوم وفاة والدي

          جعلني أسألها فجأة ..؟؟
          ماما هوه بابا مات بإيه!؟


          فتجيبني..



          أمر الله ،يا بنتي الله يرحمه

          ايوة ونعم بالله ، بس يعني كان عنده ايه بالظبط

          لتجيب..



          ( السجاير ، الله يخرب بيت اللى اخترعها
          ياما قلتله يا عبد المنعم كفايه ، صحتك، بناتك

          بس نقول ايه قدره ونصيبه).
          نعم بالفعل ،كان قدره ،ونصيبنا نحن



          ومنذ ذلك الوقت و السجائر .. أصبحت عقدتي اللعينة ، كلما لمحتها بيد أحدهم يحاوطني شبح تلك الليلة التي سقط فيها والدي هكذا كجبل أمام عيني

          وأكاد حينها أركض لأسأله فقط..


          هل لديك أولاد؟؟

          هل تدرك مدى اللحظات التى تقتطعها من عمرك ومن صحبتهم ومن إحتياجهم لك؟؟
          هل تدرك أنهم سيبكونك حد القهر والوجع والتألم وربما حتى الموت؟؟
          هل تساوي تلك التى تحرق عمرك وأنت تظن أنك تحرقها ما بين أصابعك، دمعة واحدة على خدى طفلك، وأحب الناس إلى قلبك؟؟




          وليت أحدهم يجيب
          وليتهم يدركون
          لكن للأسف لاأحد يدرك إلا بعد فوات الأوان
          أعرف أن الأعمار بيد الله
          و أن لكل أجل كتاب
          لكن الله عز وجل أمرنا بأن لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة
          فهلا كففتم أيها المدخنون عن إلقاء أنفسكم وأقرب الناس إلى قلوبكم إلى التهلكة
          أرجوكم..


          رغم كل السلبيات والمواجع التى تملأ زماننا

          رغم كل التفاصيل المرعبة وقوانين الغابة التى أصبحت تشارك الدماء فى العروق
          رغم كل شىء،


          هم يحتاجونكم

          فلا تضيعوهم.



          اللهم بلغت ، اللهم فاشهد
          رشا المفعمة بالمشاعر التي ألبست علي القصة روح
          نعم كانها لحم ودم رغم أنها موجعة إلا أنها شدتني من البداية للنهاية
          غاليتي ما أبدعك
          sigpic

          تعليق

          • رشا عبادة
            عضـو الملتقى
            • 08-03-2009
            • 3346

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة نجلاء نصير مشاهدة المشاركة
            رشا المفعمة بالمشاعر التي ألبست علي القصة روح
            نعم كانها لحم ودم رغم أنها موجعة إلا أنها شدتني من البداية للنهاية
            غاليتي ما أبدعك
            [align=center]

            أدرك روعة قلبكِ الطيب يا غاليتي لطالما أحاطني دفء حروفك ومنحني أمان إستمرار المحاولة
            كانت لحظة من لحظات تشبه بعضها كلها تنحت بمواجعنا ربما لتشكل إنسانيتنا، أو تشكل وجه آخر للحنين
            تعرفيين .. أحب طلتكِ وصدق حضوركِ يا غالية
            لاحرمني الله جمالكِ
            [/align]
            " أعترف بأني لا أمتلك كل الجمال، ولكني أكره كل القبح"
            كلــنــا مــيـــدان التــحــريـــر

            تعليق

            • جلاديولس المنسي
              أديب وكاتب
              • 01-01-2010
              • 3432

              #7
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
              ما أقسى معاني اليتم رشا
              نعم هي معاني وليست معنى ولم يكن يوماً اليتم للأطفال وحرمانهم من والديهم هذا كان مفهومي عن اليتم يوماً ما
              ولكن بعد فراق والدتي وبعد حرماننا من كلمة ماما
              بعد فراق الأحبه وواهبي الأمل
              بعد الحرامان من نبع الحنان
              بعد الفراق
              علمت أن اليتم لا يقتصر على الأطفال
              وأن ألمه يكوي أضلعنا
              وسنظل ننزف ألماً لفراقهم
              تماماً مثلكِ فارقتنا أمي ليلة العيد وغلف السواد فرحة ماتت قبل الميلاد ، غف الحزن الارجاء حتى نسمات العيد جائت تواسينا
              حينها أدركت معاني اليتم ولامستها وتجرعنا ألم أسرة بلا أم
              وبيت بلا حنان
              أبناء بلا حضن
              رحم الله أحبابنا وأسكنهم جناته العلا
              رحم الله والدك .. رشا
              وجزا أمي عنا خيراً
              تحياتي غاليتي رشا

              تعليق

              يعمل...
              X