صفعة البحر\مصطفى الصالح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى الصالح
    لمسة شفق
    • 08-12-2009
    • 6443

    صفعة البحر\مصطفى الصالح


    يا لهذا الزمن الهارب من كل ثانية! لا يعطنا الأمان.. ولا ينبت في ساعة الوقت وردا، مخالب الهواء تتسرب على دوائر العمر شوكا.. تقطف الرحيق وتضرب أخماسا بأسداس.
    أسير برفقة أمه التي أتت تستحثني الإسرع قبل أن يلقى حتفه.. سارح بما نحتت السنين على نضوج الشمس!.. انتبهت وطمئنتها أنه لن يفعل، في الوقت الذي بدأت أتفقد بعينيَّ الرصيف.. الزوايا.. وكل ما ذرفت الأقدام من صفعات جارحة!..فلربما عثرت على حلم أنتظره..
    جيداً أتذكره بطلعته الملوكية، عندما كان عنده نزل يدر عليه أكثر مما يسرق وزراء أوطاننا، التف عليه صديق! أقنعه بالبحث عن الأصفر.. فصارت أيامه تبيت خارج منزله.. والنبع ينضب شيئا فشيئا.. إلى أن توقف فباعه واشترى بجزء سيارة يعمل عليها، وأغدق الباقي على السحرة والمشعوذين والأصدقاء والخرائط.. ونفسه الأمارة تحثه المضي كالمجنون في سهول ووديان.. سيول تهدر أيامه

    أذكر حين جاءتني زوجته مع صغارها.. ظننتها إحدى المتسولات.. أشحت بوجهي عنها وعدت أصغي عندما نطقت اسمي.. لم يدخل عليها منذ أشهر غير جوع وفقر، وعليه قررت ترك البيت المُستأجر واللحاق بمن يعول صغارها.. تأثرت وقتها حتى بدأت بالدوران في المكان أضرب كفا بكف.. أحرك شعر رأسي مستحثا إياه أن يمشط أفكاري، أريد أن أنقذه من الآخَرِ الذي يجري بخبث في دمائه، كنت أنصحه في كل مرة ألا يسلك هذا الطريق.. وأن الأرزاق بيد بيد رب العباد.. وليس مطلوبا منه أن يبذر المال في البحث عن رزق غير مضمون.
    كم أهداني الخيبة تلو الخيبة طالبا مني عدم التدخل.. حتى جاءتني زوجته في اليوم التالي لا يكاد يبين وجهها من تداخل الألوان به بحجة أنها أخبرتني عن أسرار بيته..
    لم أتعجب من فحولة الذئب.. فقد هوى كل ما قلته على الأرض قبل أن يصل إلى أذنيه، وكأني أكلم ظلاله.. ورغم ذلك ذهبت في اليوم التالي لإخراجه من الحجز؛ فقد قبض عليه ليلا متلبسا بالحفر بجانب سكة الحديد قرب الشارع العام، وصودرت الخيمة والأنوار وكافة المعدات المستخدمة.. فقرر الذهاب إلى الصحاري وصار يبيت بالأشهر التي امتصَّتْ كل أرصدته.. عاد طفلا قد اشتعل رأسه حزناً.. وأحنت الهموم ظهره وما عادت له رغبة في إلا في اللاشيء!..
    دبيب اليأس بدأ يتسرب إليَّ وطنين صمته أقلق هدوئي.. بت أخاف على نفسي البقاء معه أكثر! يجب أن أتصرف بسرعة.. قد التهم كل ما على شجرة أفكاري من ثمر.. فلم يبق إلا آخر الدواء..استدرت نحوه بغضب صارخا.. انتبه! تطحنك الأيام وأنت بليد لا تبالي..ها قد انفض عنك الأصدقاء! لما جف نهرك.. عاريا بقيتَ من كل شيء؛ لا نزل ولا منزل.. لا زوجة ولا أبناء.. هربت سنوات هي تسحق من لاكها باستهتار.. لا تنطق ببنت شفة.. جمعت كل ما التقطته من كلمات في كف واحدة.. أقبلت عليه فوجدته قد تكور على نفسه ينظر إلى الحبل المُدَلَّى.. لوحت بيديَّ صحت به.. مفتون أنت.. مغلولاً تجري للوراء بسلاسل صدودٍ تغني لك الغياب..أما اكتفيت من تجرع أشواك المنى؟
    نعم الدرب يطول.. ويستطيل، لكنك أنت من غيب نفسك في نفق الوعود..
    كيف يلوح لك النور؟.. وأنت تركض خلف لاشيء، النفق مظلم برائحة السراب
    رمال الصحراء لا تنبت الدراق، وضعتْ لك العصي في تروس مسيرتك.. فكسرتها ومضيتَ تضرب الشرود
    يمضي بك فتقع في الحفر.. تنهض فيلقيك بين أمواج بحر لا تعرف العوم فيه.. والظمأ بقهوته يتلذذ وهو يشاهدك تصارع الأوهام؛ تلك التي تتنزه في حدائق ياسمينية الصباحات، بينما تركت خيبة الأمل ندوبا في قلبك، وحفر الألم أخاديد على وجهك.

    أمسكت بكتفيه أهزهما هزا عنيفا.. إن لم تنقذ نفسك الآن فلن تجدني أساعدك أو أي شخص آخر، إن لم تحرك يديك وفمك فلن يهب أحد لمساعدتك، وهذا آخر عهدي بك.. وما دمت لا تنفع نفسك فلا تلزم
    تراجعت بهدوء وقد سكن اليأس قدميَّ وهو مازال مطرق إلى الأرض ينظر..
    فتحت الباب فسمعت غمغمته، عدت باستغراب أنظر إليه ودار بي الكون عندما رأيت وجهه غارق بحضن الدمع الآخير ..
    وضع رأسه على كتفي وهو يشهق..

    هل أستطيع؟؟

    مصطفى الصالح
    08\10\2010
    التعديل الأخير تم بواسطة بسمة الصيادي; الساعة 12-10-2010, 13:37.
    [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

    ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
    لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

    رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

    حديث الشمس
    مصطفى الصالح[/align]
  • م. زياد صيدم
    كاتب وقاص
    • 16-05-2007
    • 3505

    #2
    ** الاديب الراقى مصطفى....

    الانسان مخلوق ضعيف.. قد تتوه بوصلته فيبحث عن سراب معتقدا انه فى طريق التداوى والشفاء.. فيهيم ويبتعد عن هدفه..وقد يغرق اكثر فى عزلة وشقاء..

    تحايا عبقة بالزعتر.............
    أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
    http://zsaidam.maktoobblog.com

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      لا بد و أن تنال بعض صفعات البحر صديقي
      و أن تعاود الرؤية من جديد
      تقف أمامه عاريا إلا منك
      و لكن حذار من اليود و بعض الأملاح المميتة
      تعال عليها ، و لا تجعلها تقرب القلب
      فالقلب صالح الرئة ، قوى بك أنت
      و ربما بمن نحب و نؤمن

      كانت حالة أقرب إلى البوح .. إلى الاغتسال و التطهر من رحلة طويلة
      تركت آثارها على النفس
      و كان لا بد من لملمة شتاتها .. جمع ذاك المتناثر منها
      لمعاودة المسير !!

      كانت اللغة جميلة و قريبة و حميمة بشكل و اضح
      و كان الشجن عنوانها الرئيسي
      قرأت مرة هناك .. ومرة هنا
      لكن ربما أقرؤها لمرة ثالثة و رابعة

      صادفت فى السطر قبل الأخير خبر جاز عليه النصب فترفعت عنه !!

      محبتي
      كن قريبا مصطفي
      sigpic

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        أخي مصطفى الغالي ...أيها الصالح الطيّب ...
        الاستشفاء من الآلام قريبٌ ، إذا أطلقنا مكامن البوح من قيودها..
        إذا تأملنا ذواتنا من الأعماق ...بصفاء ذهنيّ ،
        نغمض العينين ، وننصتُ للقلب ، ونستمع إلى أنينه ، ونضعه في ميزان الفكر ..
        نتوصّل إلى حقيقة ماكنّا نراها ...لولا تلك الوقفة الصّادقة مع النفس ..
        كلنا نحتاج بين فترة وأخرى إلى غربلة أيّامنا نستبينها ونسائلها، ونصحّح مسارها،إن لزم الأمر..
        المهم أن يكون العلاج في الوقت المناسب ..
        ويبقى الأمل ...المزروع فينا منذ أبصرنا نور الحياة ،ولولاه لانطفأتْ جذوة العيون فتبتلعنا العتمة ..
        كان بوحاً شجيّاً ...رائع المشاعر ..قويّ التعبير ، جميل اللغة ..
        لك أغلى وأعذب الأمنيات ......تحيّاتي ...أستاذي الغالي مصطفى

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • مصطفى الصالح
          لمسة شفق
          • 08-12-2009
          • 6443

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة م. زياد صيدم مشاهدة المشاركة
          ** الاديب الراقى مصطفى....

          الانسان مخلوق ضعيف.. قد تتوه بوصلته فيبحث عن سراب معتقدا انه فى طريق التداوى والشفاء.. فيهيم ويبتعد عن هدفه..وقد يغرق اكثر فى عزلة وشقاء..

          تحايا عبقة بالزعتر.............
          معك حق اخي زياد

          ولكن على الانسان ان ينتبه بعد فترة من المضي.. ان يقف ويراجع حساباته.. اين كان واين صار

          اشكرك ع المرور الجميل

          كل الود والتقدير

          تحياتي
          [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

          ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
          لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

          رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

          حديث الشمس
          مصطفى الصالح[/align]

          تعليق

          • مؤيد البصري
            أديب وكاتب
            • 01-09-2010
            • 690

            #6
            تحيتي لك أخي وحبيبي وأستاذي مصطفى الصالح قصة موفقة بلغة شعرية جميلة تستحق الثناء والتصفيق دمت سالماً مودتي

            تعليق

            • وفاء الدوسري
              عضو الملتقى
              • 04-09-2008
              • 6136

              #7
              مساء الخير.. أستاذ/مصطفى
              طبعا علقت على هذا النص في مكان آخر.. ولكن!..
              هنا لن اكرر كلامي الذي هو هناك واريد منك أن تشرح لي معنى هذه حيث انني وجدتها خارجة عن السياق (تركض خلف لاشيء، فالنفق مظلم ليس فيه سراب) كيف هذا إذ علمنا أن النفق ننتظر أن نلمح في نهايته النور!..لا تقل لي أنه ترك المناطق المفتوحة، ولكثرة ما ركض لم يعد ينظر لا يرى السراب، دخل في نفق مظلم وهو يظن انه خلف الحلم السراب وأنه تنبهه ان السراب الذي يظنه لم يعد موجود...........

              اتمنى أن لا أدخل معك هنا في جدل غير مثري وأن نجد مع الحرف النور الذي ينشدة الإبداع أخر النفق
              النور وليس السراب !..
              هذا على عجالة ولي عودة بإذن الله..
              شكراً
              التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 10-10-2010, 11:08.

              تعليق

              • مصطفى الصالح
                لمسة شفق
                • 08-12-2009
                • 6443

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                لا بد و أن تنال بعض صفعات البحر صديقي
                و أن تعاود الرؤية من جديد
                تقف أمامه عاريا إلا منك
                و لكن حذار من اليود و بعض الأملاح المميتة
                تعال عليها ، و لا تجعلها تقرب القلب
                فالقلب صالح الرئة ، قوى بك أنت
                و ربما بمن نحب و نؤمن

                كانت حالة أقرب إلى البوح .. إلى الاغتسال و التطهر من رحلة طويلة
                تركت آثارها على النفس
                و كان لا بد من لملمة شتاتها .. جمع ذاك المتناثر منها
                لمعاودة المسير !!

                كانت اللغة جميلة و قريبة و حميمة بشكل و اضح
                و كان الشجن عنوانها الرئيسي
                قرأت مرة هناك .. ومرة هنا
                لكن ربما أقرؤها لمرة ثالثة و رابعة

                صادفت فى السطر قبل الأخير خبر جاز عليه النصب فترفعت عنه !!

                محبتي
                كن قريبا مصطفي

                حياك الله استاذي الكريم

                اشكرك على هذا المرور المعبر الجميل

                صراحة

                كان هذا جزءا من قصة طويلة احداثها كثيرة

                اقتطعت هذا القسم منها لانه الجوهر الذي اريد التحدث عنه

                ساحاول اضافة بعض الاحداث كي تتضح الصورة اكثر

                خالص الود والتقدير

                تحياتي

                [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                حديث الشمس
                مصطفى الصالح[/align]

                تعليق

                • بسمة الصيادي
                  مشرفة ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3185

                  #9
                  السلام عليكم
                  اسمح لي أولا أن أبدي إعجابي بلغتك الشاعرية التي أضفت على النص نكهة ساحرة
                  صور جميلة وإحساس عالي خدم الحالة النفسية للنص ..
                  ما أشقانا حين نجلس منشلين على كرسي اليأس، خاضعين لمواجعنا ولآلمنا..!!
                  ومع التغير حضرتك حددت إطار النص أكثر وما فهمته أنك صورت انتقال الشخصية
                  من حالة القوة إلى العجز يعني " إنكسار القوي" وهذا الإنكسار حتما يكون أعنف من غيره ..
                  وتجسد الصراع بين اليأس والأمل ، الموت والحياة ، الضعف والقوة .. بشكل مدهش ..
                  والتصوير كان رائعا..
                  شكرا لك
                  أطيب التحيات والتمنيات
                  في انتظار ..هدية من السماء!!

                  تعليق

                  • مصطفى الصالح
                    لمسة شفق
                    • 08-12-2009
                    • 6443

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                    أخي مصطفى الغالي ...أيها الصالح الطيّب ...
                    الاستشفاء من الآلام قريبٌ ، إذا أطلقنا مكامن البوح من قيودها..
                    إذا تأملنا ذواتنا من الأعماق ...بصفاء ذهنيّ ،
                    نغمض العينين ، وننصتُ للقلب ، ونستمع إلى أنينه ، ونضعه في ميزان الفكر ..
                    نتوصّل إلى حقيقة ماكنّا نراها ...لولا تلك الوقفة الصّادقة مع النفس ..
                    كلنا نحتاج بين فترة وأخرى إلى غربلة أيّامنا نستبينها ونسائلها، ونصحّح مسارها،إن لزم الأمر..
                    المهم أن يكون العلاج في الوقت المناسب ..
                    ويبقى الأمل ...المزروع فينا منذ أبصرنا نور الحياة ،ولولاه لانطفأتْ جذوة العيون فتبتلعنا العتمة ..
                    كان بوحاً شجيّاً ...رائع المشاعر ..قويّ التعبير ، جميل اللغة ..
                    لك أغلى وأعذب الأمنيات ......تحيّاتي ...أستاذي الغالي مصطفى
                    الاستاذة العزيزة ايمان

                    اشكرك على هذا المرور الرائع

                    اتمنى ان تعرجي مرة اخرى على النص فلربما تتغير رؤيتك حيث اني عدلت عليه

                    كل الود والتقدير

                    تحياتي




                    [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                    ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                    لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                    رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                    حديث الشمس
                    مصطفى الصالح[/align]

                    تعليق

                    • عائده محمد نادر
                      عضو الملتقى
                      • 18-10-2008
                      • 12843

                      #11
                      الزميل الرائع
                      مصطفى الصالح
                      من أجمل ما قرأت لك صدقا
                      وجدتك تسرد الحكي سلسا متجانسا
                      شجن متجذر تنثره علينا بلغة جميلة
                      أحببت النص ولغته وتلك الجمل المنسابة عذوبة متوجعة
                      هكذا هي الهدايا زميلي
                      ودي الأكيد لك
                      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                      تعليق

                      • وفاء الدوسري
                        عضو الملتقى
                        • 04-09-2008
                        • 6136

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة

                        يا لهذا الزمن الهارب من كل ثانية! لا يعطنا الأمان.. ولا ينبت في ساعة الوقت وردا، مخالب الهواء تتسرب على دوائر العمر شوكا.. تقطف الرحيق وتضرب أخماسا بأسداس.
                        أسير برفقة أمه التي أتت تستحثني الإسرع قبل أن يلقى حتفه.. سارح بما نحتت السنين على نضوج الشمس!.. انتبهت وطمئنتها أنه لن يفعل، في الوقت الذي بدأت أتفقد بعينيَّ الرصيف.. الزوايا.. وكل ما ذرفت الأقدام من صفعات جارحة!..فلربما عثرت على حلم أنتظره..
                        جيداً أتذكره بطلعته الملوكية، عندما كان عنده نزل يدر عليه أكثر مما يسرق وزراء أوطاننا، التف عليه صديق! أقنعه بالبحث عن الأصفر.. فصارت أيامه تبيت خارج منزله.. والنبع ينضب شيئا فشيئا.. إلى أن توقف فباعه واشترى بجزء سيارة يعمل عليها، وأغدق الباقي على السحرة والمشعوذين والأصدقاء والخرائط.. ونفسه الأمارة تحثه المضي كالمجنون في سهول ووديان.. سيول تهدر أيامه
                        أذكر حين جاءتني زوجته مع صغارها.. ظننتها إحدى المتسولات.. أشحت بوجهي عنها وعدت أصغي عندما نطقت اسمي.. لم يدخل عليها منذ أشهر غير جوع وفقر، وعليه قررت ترك البيت المُستأجر واللحاق بمن يعول صغارها.. تأثرت وقتها حتى بدأت بالدوران في المكان أضرب كفا بكف.. أحرك شعر رأسي مستحثا إياه أن يمشط أفكاري، أريد أن أنقذه من الآخَرِ الذي يجري بخبث في دمائه، كنت أنصحه في كل مرة ألا يسلك هذا الطريق.. وأن الأرزاق بيد بيد رب العباد.. وليس مطلوبا منه أن يبذر المال في البحث عن رزق غير مضمون.


                        كم أهداني الخيبة تلو الخيبة طالبا مني عدم التدخل.. حتى جاءتني زوجته في اليوم التالي لا يكاد يبين وجهها من تداخل الألوان به بحجة أنها أخبرتني عن أسرار بيته..
                        لم أتعجب من فحولة الذئب.. فقد هوى كل ما قلته على الأرض قبل أن يصل إلى أذنيه، وكأني أكلم ظلاله.. ورغم ذلك ذهبت في اليوم التالي لإخراجه من الحجز؛ فقد قبض عليه ليلا متلبسا بالحفر بجانب سكة الحديد قرب الشارع العام، وصودرت الخيمة والأنوار وكافة المعدات المستخدمة.. فقرر الذهاب إلى الصحاري وصار يبيت بالأشهر التي امتصَّتْ كل أرصدته.. عاد طفلا قد اشتعل رأسه حزناً.. وأحنت الهموم ظهره وما عادت له رغبة في إلا في اللاشيء!..
                        دبيب اليأس بدأ يتسرب إليَّ وطنين صمته أقلق هدوئي.. بت أخاف على نفسي البقاء معه أكثر! يجب أن أتصرف بسرعة.. قد التهم كل ما على شجرة أفكاري من ثمر.. فلم يبق إلا آخر الدواء..استدرت نحوه بغضب صارخا.. انتبه! تطحنك الأيام وأنت بليد لا تبالي..ها قد انفض عنك الأصدقاء! لما جف نهرك.. عاريا بقيتَ من كل شيء؛ لا نزل ولا منزل.. لا زوجة ولا أبناء.. هربت سنوات هي تسحق من لاكها باستهتار.. لا تنطق ببنت شفة.. جمعت كل ما التقطته من كلمات في كف واحدة.. أقبلت عليه فوجدته قد تكور على نفسه ينظر إلى الحبل المُدَلَّى.. لوحت بيديَّ صحت به.. مفتون أنت.. مغلولاً تجري للوراء بسلاسل صدودٍ تغني لك الغياب..أما اكتفيت من تجرع أشواك المنى؟
                        نعم الدرب يطول.. ويستطيل، لكنك أنت من غيب نفسك في نفق الوعود.. كيف يلوح لك النور؟.. وأنت تركض خلف لاشيء، النفق مظلم برائحة السراب
                        رمال الصحراء لا تنبت الدراق، وضعتْ لك العصي في تروس مسيرتك.. فكسرتها ومضيتَ تضرب الشرود يمضي بك فتقع في الحفر.. تنهض فيلقيك بين أمواج بحر لا تعرف العوم فيه.. والظمأ بقهوته يتلذذ وهو يشاهدك تصارع الأوهام؛ تلك التي تتنزه في حدائق ياسمينية الصباحات، بينما تركت خيبة الأمل ندوبا في قلبك، وحفر الألم أخاديد على وجهك.
                        أمسكت بكتفيه أهزهما هزا عنيفا.. إن لم تنقذ نفسك الآن فلن تجدني أساعدك أو أي شخص آخر، إن لم تحرك يديك وفمك فلن يهب أحد لمساعدتك، وهذا آخر عهدي بك.. وما دمت لا تنفع نفسك فلا تلزم تراجعت بهدوء وقد سكن اليأس قدميَّ وهو مازال مطرق إلى الأرض ينظر..
                        فتحت الباب فسمعت غمغمته، عدت باستغراب أنظر إليه ودار بي الكون عندما رأيت وجهه غارق بحضن الدمع الآخير ..
                        وضع رأسه على كتفي وهو يشهق..

                        هل أستطيع؟؟



                        مصطفى الصالح


                        08\10\2010


                        مساء الخير.. أستاذ/مصطفى
                        لقد قمت بحبس النص هنا حتى لا تستطع أن تحذف أو تبدل ربع حرف!..
                        لقد تعبت!..
                        حتى لا تكون نسخة رابعة!..
                        ههههههه
                        الآن النقد السابق ليس له معنى هاا !!
                        وهذا ذكاء منك والله
                        قلم ماهر الحبر..
                        بالنسبة للنص الآن................................
                        رسمت فأبدعت بحرف وارف الظلال شاهق الجمال
                        رائع بحق اتمنى لك الافضل دائماً
                        همسه هناك حرف زائد لونته!!
                        تحية وأكثر
                        التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 12-10-2010, 19:55.

                        تعليق

                        • مصطفى الصالح
                          لمسة شفق
                          • 08-12-2009
                          • 6443

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة مؤيد البصري مشاهدة المشاركة
                          تحيتي لك أخي وحبيبي وأستاذي مصطفى الصالح قصة موفقة بلغة شعرية جميلة تستحق الثناء والتصفيق دمت سالماً مودتي

                          هلا وحياك اخي العزيز مؤيد

                          اشكرك على هذا المرور الاكثر من رائع

                          وسامحني على التقصير معك فوقتي ضيق الى ابعد الحدود

                          تحياتي
                          [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                          ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                          لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                          رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                          حديث الشمس
                          مصطفى الصالح[/align]

                          تعليق

                          • إيمان الدرع
                            نائب ملتقى القصة
                            • 09-02-2010
                            • 3576

                            #14
                            الأستاذ الغالي : مصطفى الصالح ..
                            معك حقّ ...النصّ كاملاً أكمل المشهد ، وأضاف إنارات أكثر لجماليّته..
                            المضمون رائع ، كم أشفقت مثلك على هذا الصّديق الذي يجري خلف السّراب ..
                            ويطحن أيّامه بأفكارٍ هدّامةٍ ، تُطيح به وبمن حوله ..
                            الحمد لله أن غادرته .. على لسان بطل القصّة، وأوصدت عليه الباب دونك ، ونأيت بنفسك عنه قبل أن يطال روحك..
                            حروفك رائعة أخي مصطفى ..كانت تغوص إلى عمق أمواج الرّوح ،لتقف على الشاطئ بأمان ..
                            كلّ الأماني الحلوة أرجوها لك ....تحيّاتي ...

                            تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                            تعليق

                            • آسيا رحاحليه
                              أديب وكاتب
                              • 08-09-2009
                              • 7182

                              #15
                              أخي الكريم مصطفى..
                              آسفة فقد تأخرت في كتابة تعليقي و لكن قرأت النص أول ما ادرجته و لاحظت اختلافه عن نصوصك الأخرى ..بصراحة و دون مجاملة ..أراه من أجمل نصوصك من حيث الصور و اللغة و الأسلوب .
                              تحيتي لك .
                              يظن الناس بي خيرا و إنّي
                              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X