يا لهذا الزمن الهارب من كل ثانية! لا يعطنا الأمان.. ولا ينبت في ساعة الوقت وردا، مخالب الهواء تتسرب على دوائر العمر شوكا.. تقطف الرحيق وتضرب أخماسا بأسداس.
أسير برفقة أمه التي أتت تستحثني الإسرع قبل أن يلقى حتفه.. سارح بما نحتت السنين على نضوج الشمس!.. انتبهت وطمئنتها أنه لن يفعل، في الوقت الذي بدأت أتفقد بعينيَّ الرصيف.. الزوايا.. وكل ما ذرفت الأقدام من صفعات جارحة!..فلربما عثرت على حلم أنتظره..
جيداً أتذكره بطلعته الملوكية، عندما كان عنده نزل يدر عليه أكثر مما يسرق وزراء أوطاننا، التف عليه صديق! أقنعه بالبحث عن الأصفر.. فصارت أيامه تبيت خارج منزله.. والنبع ينضب شيئا فشيئا.. إلى أن توقف فباعه واشترى بجزء سيارة يعمل عليها، وأغدق الباقي على السحرة والمشعوذين والأصدقاء والخرائط.. ونفسه الأمارة تحثه المضي كالمجنون في سهول ووديان.. سيول تهدر أيامه
أذكر حين جاءتني زوجته مع صغارها.. ظننتها إحدى المتسولات.. أشحت بوجهي عنها وعدت أصغي عندما نطقت اسمي.. لم يدخل عليها منذ أشهر غير جوع وفقر، وعليه قررت ترك البيت المُستأجر واللحاق بمن يعول صغارها.. تأثرت وقتها حتى بدأت بالدوران في المكان أضرب كفا بكف.. أحرك شعر رأسي مستحثا إياه أن يمشط أفكاري، أريد أن أنقذه من الآخَرِ الذي يجري بخبث في دمائه، كنت أنصحه في كل مرة ألا يسلك هذا الطريق.. وأن الأرزاق بيد بيد رب العباد.. وليس مطلوبا منه أن يبذر المال في البحث عن رزق غير مضمون.
كم أهداني الخيبة تلو الخيبة طالبا مني عدم التدخل.. حتى جاءتني زوجته في اليوم التالي لا يكاد يبين وجهها من تداخل الألوان به بحجة أنها أخبرتني عن أسرار بيته..
لم أتعجب من فحولة الذئب.. فقد هوى كل ما قلته على الأرض قبل أن يصل إلى أذنيه، وكأني أكلم ظلاله.. ورغم ذلك ذهبت في اليوم التالي لإخراجه من الحجز؛ فقد قبض عليه ليلا متلبسا بالحفر بجانب سكة الحديد قرب الشارع العام، وصودرت الخيمة والأنوار وكافة المعدات المستخدمة.. فقرر الذهاب إلى الصحاري وصار يبيت بالأشهر التي امتصَّتْ كل أرصدته.. عاد طفلا قد اشتعل رأسه حزناً.. وأحنت الهموم ظهره وما عادت له رغبة في إلا في اللاشيء!..
دبيب اليأس بدأ يتسرب إليَّ وطنين صمته أقلق هدوئي.. بت أخاف على نفسي البقاء معه أكثر! يجب أن أتصرف بسرعة.. قد التهم كل ما على شجرة أفكاري من ثمر.. فلم يبق إلا آخر الدواء..استدرت نحوه بغضب صارخا.. انتبه! تطحنك الأيام وأنت بليد لا تبالي..ها قد انفض عنك الأصدقاء! لما جف نهرك.. عاريا بقيتَ من كل شيء؛ لا نزل ولا منزل.. لا زوجة ولا أبناء.. هربت سنوات هي تسحق من لاكها باستهتار.. لا تنطق ببنت شفة.. جمعت كل ما التقطته من كلمات في كف واحدة.. أقبلت عليه فوجدته قد تكور على نفسه ينظر إلى الحبل المُدَلَّى.. لوحت بيديَّ صحت به.. مفتون أنت.. مغلولاً تجري للوراء بسلاسل صدودٍ تغني لك الغياب..أما اكتفيت من تجرع أشواك المنى؟
نعم الدرب يطول.. ويستطيل، لكنك أنت من غيب نفسك في نفق الوعود..
كيف يلوح لك النور؟.. وأنت تركض خلف لاشيء، النفق مظلم برائحة السراب
رمال الصحراء لا تنبت الدراق، وضعتْ لك العصي في تروس مسيرتك.. فكسرتها ومضيتَ تضرب الشرود
يمضي بك فتقع في الحفر.. تنهض فيلقيك بين أمواج بحر لا تعرف العوم فيه.. والظمأ بقهوته يتلذذ وهو يشاهدك تصارع الأوهام؛ تلك التي تتنزه في حدائق ياسمينية الصباحات، بينما تركت خيبة الأمل ندوبا في قلبك، وحفر الألم أخاديد على وجهك.
أمسكت بكتفيه أهزهما هزا عنيفا.. إن لم تنقذ نفسك الآن فلن تجدني أساعدك أو أي شخص آخر، إن لم تحرك يديك وفمك فلن يهب أحد لمساعدتك، وهذا آخر عهدي بك.. وما دمت لا تنفع نفسك فلا تلزم
تراجعت بهدوء وقد سكن اليأس قدميَّ وهو مازال مطرق إلى الأرض ينظر..
فتحت الباب فسمعت غمغمته، عدت باستغراب أنظر إليه ودار بي الكون عندما رأيت وجهه غارق بحضن الدمع الآخير ..
وضع رأسه على كتفي وهو يشهق..
هل أستطيع؟؟
مصطفى الصالح
08\10\2010
تعليق