من أجل سودان موحد
أظافر وأظافر
نعم..خائف أنا، ومرعوب..!
الحوارات الملتهبة التي تدور في رأسي يجب أن تظل قابعة خلف الستار. لن أحدث نفسي، ولن أترك لها الحبل على الغارب، لتصنع مني مفكراً، متأملاً، مراقباً بحياد. الأفضل أن أهيئ نفسي بعد الخروج من هذا المأزق، على أن أكون لا شئ على الإطلاق، وعلى كبير التشكيليين في هذا البلد، أن يهبني ريشته ليوم واحد فقط، لأفرغ هواجسي في قالب من طين، وأرميه في عمق البحر، وفق المدرسة ما بعد السريالية، التي لا يستطيع أحد فك شفرتها غيري..
من الآن وصاعداً، لن أفكر كثيراً. كل الأشياء كلام فارغ. سأترك الأمور تمضي كما هي عليه، أتفرغ كلياً للتفكير في اللاشئ، وحتماً سأجد طريقة ألعق بها أصابعي، بعد كل وجبة دسمة أتناولها سراً. تذكرتُ صديقي، وأنا أجمع أغراضي المعلقة على مسمار وحيد منغرز في جدار الزنزانة، وكيف إنه بمهارة أستطاع أن يخفي دهشته، عندما رأى التجاعيد تغطي ملامحي. رفع حاجبه الأيمن قليلاً، وأوصاني..
- " دعك من كل هذا، فقط لا تفكر كثيراً، والأفضل أن لا تفكر اطلاقاً "..
العسكري الذي كان رقيقاً كقشرة بصل، مارس معي رياضة الركض، رافقني حتى وصلت إلى بوابة السجن التي تفصلني عن الشارع العام، أشار بقبعته، فاصطفت سيارات الشارع جميعها تدعوني أن أمنحها وسام الشرف برضاء العسكري عنها. اخترتُ بذكائي الجديد أكثرها بؤساً، الصقتُ مقدمة أصابعي في مقبض الباب، انغرز الحديد في اللحم. فقاعة من الدم الثاخن تكورت في السطح، صرختُ صرخة هامسة، وكدتُ أسقط على الأرض. الصراخ الذي فتت حائط السماء إلى حصى صغيرة، أعاد العسكري، بعدما أعطانا ظهره وهمَّ بالدخول. أسندتُ ثقلي على النجوم المستلقية فوق كتفيه. فتح باب السيارة، وطئت قدمي اليسرى أرضيتها التي بلا سجادة فارسية تزينها. خنقتُ بطن الكرسي بمؤخرتي، استعادت قدمي اليمني وضعها الطبيعي. جلستُ وكأني أتنفس تحت الماء. صافح العسكري السائق، خبأ في يده بضع أوراق مالية متسخة، وهمهم بباق كلام لم أنتبه له. تدحرجت السيارة ببطء، أفسح السائق الطريق لسيارات أخرى فخمة، تشير لأهمية من بداخلها، وتريد أن تسابق الريح. أسندتُ مؤخرة رأسي على كرسي يود أن يحتفظ بزاويته القائمة أكبر وقت ممكن. لم أستجب لحاسة الفضول، لأرى هيئة السائق الجالس خلف زجاج مهشم، شعرتُ بأنامله تمتد نحوي، أخفيتُ ما بين الساقين، تزحزحتُ حتى كاد جسدي أن يخترق الباب، احترم خوفي، واتجه بمخالبه جهة مؤشر الراديو، تمكن من المؤشر بأصبعين فقط. تمعنتُ في أظافره !، أظافر نظيفة بيضاء، ولها بريق كأنها طليت بلون باهٍ لم يجف بعد. أدار المؤشر عكس اتجاه العقارب، انبثقت موسيقى صاخبة سرعان ما أعقبها صوت لين، نسيّ صاحبه أن يعرضه للهيب الشمس المتوسطة كبد السماء..
- (أحبائي، وكل من يسمعنا من الجنسين، الناعم، وشبه النائم، وما بينهما إن كان هناك عائم. معكم أنا " نونا ". أسئلة مسابقة اليوم حلوة ولذيذة، ولا تستحق جهداً. تنحصر إجاباتكم في (صاح / ما صاح)، ولا توجد لدينا خيارات، وحتى تكونوا أكثر جاهزية نهيئ مشاعركم الرقيقة بهذه الأغنية العظيمة..)
ابتسمتُ للحم أصابعي المشتهي بضعة أظافر تغطيه من سائل الثرثرة، قتلتُ بمدية السكون احتجاجي، ولزمتُ الصمت. السائق الذي لا أريد أن أرى هيئته، يدير مؤشر الصوت، وكأنه يهدي الأغنية لجميع كائنات الأرض..
(عايزني أقولك إني دايبه من زمان في هواك
باين عليّ شوقي ليك، وأنت مش داري
طب مش هقولك أن روحي يا حبيبي معاك
قرب شويه من عيني تحس بناري)
أشعل السائق من خلف مقود سيارته لفافة تبغ كريهة الرائحة، حكَّ ما بين فخذيه أكثر من مرة بيده اليمنى، تأوه كثيراً بصوت لم أستطع أن أميزه، هل هو لأنثى، أم لذكر؟. كل ما أراه أصابع لا تكف عن الحركة. الصوت المنبعث من الراديو يزداد ارتفاعاً..
- أصدقائي، الأسئلة ستكون دفعة واحدة، وبعدها سوف نستمع للإجابات، فلنبدأ، وليكن الله في عون الجميع..
1/ إدمان سماع الأغاني العربية، يساوى الخروج بلا عودة من الواقع
(صاح / ما صاح)
2/ شهر العسل، وهو بالطبع للمتزوجين حديثاً فقط، لم يعد شهراً، بمعنى
أنه لا يساوي ثلاثين يوماً بالتمام والكمال، ومع ذلك نطلق عليه شهراً
(ما صاح / صاح)
3/ طاولة المهاترات لم تعد مستديرة مثلما كانت..(صاح / ما صاح الديك)
4/ أيضاً وليمة الصبر ليست شهية كما ينبغي، وما عاد لعاب من يصبر
عليها يسيل كعادته..، (أكثر من صاح / صاح واحدة)
5/ وقفت هذا الصباح بجسدك اللدن أمام المرآة، لتتأمل تقاسيم وجهك
الجميل. أختفى الوجه فجأة، ولا شئ سوى الظلام. لا مفر لديك إذن
سوى أن تبحث عن وجهك الحقيقي، وفي حالة أن يستعصى عليك
الأمر تكسر المرآة وتجهش بالبكاء..، (صاح / ما صاح)
6/ .....
انفلتت راحة يدي اليسرى المختبئة تحت فخذي الأيمن، وشهرتْ ظهرها في وجه السائق دون أن تستشيرني. سمعتُ صرخة لا أعلم إلى أية جهة تنتمي. انحرفت السيارة عن مسارها، واحتكّت بأرض وعرة. صوت صرير باب يفتح، انشطر جسم السائق إلى شطرين، الأول خارج هيكل السيارة، والثاني داخلها. غرزتُ أصابعي التي بلا أظافر في ياقة قميصه، دون أن أحيد بنظري عن مسار الطريق الطويل الذي أمامي. الصوت اللين المنبعث من الراديو تلاشى لوحده. سمعتُ أنيناً، بكاءً، وأدعية مأثورة تخرج عبر حنجرة السائق التي يقترب منها لحم أظافري. أدخل جسده كاملاً داخل السيارة، أدار المحرك، تدحرجت السيارة، وعادت تشق طريقها في الأسفلت. سحبتُ مقدمة أصابعي من على عنقه، وخبأتها أسفل فخذي. أضواء المدينة تشير لنا من بعيد. شعرتُ به يريد أن يسألني عن الجهة التي أقصدها، تركته في حيرته، دنوتُ بفمي من الراديو، قبضتُ المؤشر بأسناني، وأدرته في اتجاه معاكس. الموجات الصوتية التي تثقب أذني الآن هي موجات لشخص أعرفه، شخص لا يغادر الفضاء مطلقاً، في كل العصور تجده، بذات الأسئلة التي يتلقاها من ذات المضيفة، شخص أحسده على مهارة الاحتفاظ بأظافره كاملة منذ أن وضع قدميه في الفضاء. ضحكتُ في سري، حاولتُ أن لا أفكر فيما يقوله، ولكن هيهات..
- " كما تعلمين يا (لمياء)، والكلام هذا ذكرته في أكثر من مكان، أكثر من قناة فضائية، أكثر من قناة أرضية، في كل الإذاعات، والصحف، والمجلات، في المنشورات العالمية منها والمحلية، وحتى العنكبوت وهو ينسج شباكه يعرفه. الكل يدرك بأني دخلت على الشعر إنسان، نعم..، إنسان بالمعنى الكامل للكلمة، وأعيد إلى مسامعكم ما قلته قبل قليل، بأن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية سببها الرئيسي، أن البشرية جمعاء كفت عن الاستماع لقصائدي، وعليه ومن هذا المنبر القريب إلى نفسى، أعلنها داوية..، لن أكتب قصيدة جديدة غداً، وإن مات الناس جوعاً "..
رفستُ الجهاز برجلي، صمت الصوت، وتناثرت أشلاء الراديو في أرضية السيارة التي بلا سجادة فارسية تشهد على ذلك. ارتبك السائق وزاد من سرعته. المدينة تقترب. الصمت سيد الموقف. ترنمتُ بأغنية قديمة لا تحمل في باطنها معنى من المعاني الحائمة من فوقنا. هدأ السائق قليلاً، جمع ذرات من شجاعة تاهت عن صاحبها الحقيقي، ورماني بسؤال شبيه بالتوسل..
- عفواً سيدي..، الصمت الذي تمارسه الآن، ليس هو بالصمت المعني..، لم لا تحاول مرة أخرى..؟
خرجت مني ضحكة شبيهة بالضحكة، لم تستمر طويلاً، أشعلتُ عود ثقاب رطب وقربته من طرف الضحكة حتى احترقت. صاحب الصوت الذي يقود السيارة، ولا أعرف إلى أيِّ جنس ينتمي، مصمم على ملاحقة الاحتراق..
- عفواً سيدي مرة أخرى..، الضحكة التي أطلقتها مؤخراً، ليست هي بالضحكة المعنية..، الرجاء الاستمرار في المحاولة.
الليل يلفظ أنفاسه الأخيرة، المؤمنون في الأرض يتسللون كقدامى المحاربين إلى المساجد، والناس نيام، العربة تقف بي في حافة البطين الأيمن من قلب المدينة، السائق الذي لم أر وجهه بعد، ينتظر خروجي بفارغ الصبر. لم أتزحزح عن مكاني، أشرتُ بأصبع واحد جهة الجنوب. صبَّ الغضب الكامن في داخله على العسكري الذي لا يجيد التوقيت المناسب للافراج عن السجناء، اكتفى باحتجاجه الهامس واتجه بي صوب جنوب المدينة..
لا شئ سوى مساحات شاسعة من أرض مستوية، تتخللها عدة بيوت مشيدة بالطين الأخضر مبعثرة هنا وهناك بلا نظام. بعشرين أصبعاً بدون أظافر أمرته أن يقف هنا. لم يصدق السائق، وهو يرفس كابح سيارته البائسة بقوة. ثلاث دقائق من الانتظار حتى اختفى الغبار الذي غطى المكان جراء وقفته المباغتة. ترجل مسرعاً، دار نصف دورة، وفتح الباب. رجلي اليمنى أولاً، الحقتها باليسرى، أحنيتُ رأسي، وبحركة رياضية مفاجئة وقفتُ وقفة كاملة خارج السيارة. وجدتُ السائق أمامي وجهاً لوجه، ذات الوجه الذي لا يمكن لذاكرتي أن تسقطه مهما كان الاهتراء الباين في سطحها. بحلقتُ فيه من رأسه إلى أخمص قدميه. متوسط الطول والعمر، نحيف، فاتح لون البشرة، على خده الأيمن علامة h))، يرتدي (بنطال من الجينز)، وقميص مزركش طويل، يحمل في يده عصا آبنوس صغيرة للغاية، وعلى رأسه قبعة مستطيلة الشكل، تساءلت بيني وبين نفسي..
- أين ذلك الصوت؟
لم فقد انتماءه؟
أين (لمياء)، والفضاءات، والإذاعات؟
أليس هو من دخل على الشعر إنسان، الإنسان بمعناه الإنسان كما ذكر؟ لابد أن الأثير والأقمار الاصطناعية يسترزقان من تسجيلاته القديمة..
لم يقل شيئاً، ظل مطأطئ الرأس، وكأنه لا يريد أن يدخل في دائرة حيرتي. أغلق الباب، وركض، جلس خلف زجاجه المهشم، وأشار بمقدمة أصبع لا ظفر فيه، وقال آخر كلماته قبل أن يختفى..
- عفواً..، للمرة الأخيرة أيها المعزول..، الحياة التي تعيشها الآن ليست هي بالحياة المعنية..، خذ هذه، وكن جاداً في المحاولة..
فوق تل من القش اليابس رمى شيئاً. بعثرتُ التل، وشوهتُ شكله الهندسي، وكمن لسعته ثعابين الصحراء جميعها، انتشلت أصابعي من جوف التل. إبرة حادة تدخل برأسها الرفيع في لحم أظافري. صرختُ وسط الغبار الذي خلفه وراءه..
- أين الثقب؟
ولماذا تهدي إليّ إبرة؟
والثقب الذي بطرفي ليس هو بالثقب المعني..!
ولا مجال لديّ كي أحاول مرة أخرى..
أنسيت يا صديقي بأن الخيوط التي بطرفي عامة، والثقب كما تعلم، إنه مجرد علاقات. دعنا نزجُّ الخيوط العامة في ثقب العلاقات، حتماً سنرى طريقنا، وبعدها يمكننا أن نعلنها داوية، ونقول بأن الحكاية هي في الأصل مجرد حكاية علاقات عامة لا غير..
رياح متقطعة تتخللها أصوات متداخلة، كلاب، حمير، أغنام، (راكوبة) وسط ما يشبه الصحراء، سرير متهالك، سجادة من سعف مهترئ، إبريق، وكرسي، وحافظة مياه. انتزعتُ الإبرة من اللحم، وملأتُ الجرح بتراب أغبش، اقتربتُ من الإبريق، لم ألتزم بما أبرمته مع نفسي من عهد، حدثتها..
" نعم أنا (حامد شاكر بلحيل)، الحياة التي أحياها ليست هي الحياة المعنية، كما قال ذلك الشاعر الذي دخل على الشعر بالليل، ولكن دخله إنسان..، وعليَّ أن أحاول مرة أخرى..، ولا يوجد حل غير الحل، وما (بيحلك) يا (حامد شاكر)، إلا الحل..، على وزن ما بصح إلا الفصيح..، ليس مهماً..، فصيح، صفيح، مسيخ، فسيخ، صحيح، أنا لازم أتعلم كيف أعيش، أعيش..، أعيش..".
نزعتُ عمامتي، خطوتُ جهة اليسار، شرعتُ في حساب عرض الأرض، ثم الطول، ركضتُ، وقفتُ في الوسط، جلستُ على أمشاطي، وبمقدمة عود صغير حسبتها. عشرون في خمسة وعشرون، نفسها الخمسمائة متر، خمسمائة حبة حيازة عند اللزوم..، وعليَّ الآن أن أنتظر وأقتات من وليمة الصبر، علّ الفرج يأتي من الذين يقبضون على حروف كلمة (عفواً) قبضة رجل واحد..، وبالفرجِ المعني المختوم برضاهم، أصنع منه سوراً لمنزلي. خلعتُ الحذاء، هرولتُ حافياً في كل الجهات..، سورتُ بيتي في خلايا المخ، وبحثتُ عن مكان الباب. هنا يكون الباب، قفزتُ فوق السرير فرحاً، أذعتُ أول بياناتي مباشرة من استديوهات أحلامي الجديدة..
" الحمد لله، أنا (حامد شاكر بلحيل)، البيت تم تسويره، الباب تم تركيبه، وكل حاجة تمام التمام "..
وضعتُ حجراً سميكاً على السرير، أسندتُ رأسي، استلقيتُ. دماغي يكاد ينفجر.. من الذي يطرق الباب بهذا العنف؟
ضغطتُ رأسي على الحجر، الطرق مستمر..، وكأني أسمع صوتاً يستغيث..
- أنا "حنان، حنان، حنااااان آن آن آن.."
اعتدلتُ في جلستي، يدي على الباب القابع في مخي، تساءلتُ..
أيّ (حنان) هذا؟
ومن أين جاء "الحنان" في هذا الوقت المبكر؟
وهل هو حنان بائت، أم طازج؟
فارسي أم يماني؟
وكم سعر الكيلو الواحد منه في الأسواق..؟
لا أريد حناناً الآن، يجب أن أغلق الباب جيداً، ولاحقاً سأضع كاميرا سرية في قلب الباب..
الطرق يزداد، أصوات تتداخل..
- "حنان" يا "حامد"، أنا "حنان" زوجتك، أم أولادك، أفتح الباب أرجوك..
ولكن ليس لديّ أبناء..!، من المؤكد أنه ليس بالحنان المعني، ومن الأفضل أن يكف الطارق عن هذا الطرق. مخي لا يحتمل كل هذا الضجيج، فليخرج الجميع من بيتي..، من أرضي..، من عقلي..
- أين ذهبت وعودك؟
أين كلمتك التي كانت مثل السيف؟
دعني أدخل، حتى نستطيع أن نتفاهم..
نهضتُ، تحركتُ بلا هدى في أرضي، فكرتُ في حديثها. لماذا لا أعطيها الفرصة التي تريدها؟، لماذا لا أسمعها؟. لا لن أسمع أحداً بعد الآن، فالكلمة لم تعد كلمة، اللمبة ليست هي اللمبة، العيب لا يساوي العيب، وواحد خطأ زايد واحد خطأ يساوي واحد صحيح من النجاح. الحياء مسكنة وقلة حيلة. رأسي ينفجر، الباب يهتز، النوافذ تتساقط، لا مفر من الطلاق. ارتميت على الحجر، رفعت يدي عن مخي، عن الباب، صرختُ بأعلى صوتي..
- لا أريد حناناً، طالق أنت أيها الحنان..طالق..
لا أدري متى نمت، ولكن الحنان لم يستسلم، تسلل عبر المسام دون أن يستأذن مني..
إضاءة خافتة، غمام كثيف، رعد، ظلام، برق، رذاذ، رأيتها..، من السقف نزلتْ، ممشوقة، فارعة الطول، جميلة، متلفحة بثوب يشير إلى بطنها المنتفخ، بخطوات ضيقة شرعتْ في حساب عرض مساحة منزلي، أعادت ذات المشهد وحسبت الطول، نزعت ثوبها، علقته بجانب عمامتي، أخرجت صوتاً ضعيفاً، أدت القسم..قسماً غريباً، أول مرة أسمع به..
- " أوك كوي..أكوك كوي..أوك كوي "..
قبضتْ حفنة تراب، استنشقتها، خاطبتْ بطنها المستدير..
- آه يا (دينج ديت) رأفة بأمك لا ترفسني..، نعم الخمسمائة متر حيازة ملكا لك يا ولدي لا تفزع..، وحياة جدك (كوي) ستأخذها..، أنا أمك (ألوت)، انْسَ (حنان) فأنا لست بحنان بعد اليوم، أنا (ألوت)، وليس لديك علاقة بأبيك السابق (حامد شاكر بلحيل)..
أسناني تنهش الوسادة، لا يهمني إن كان الجوعَ كافراً أم متزمتاً. الدم ينثال على الحجر، الألم يعتصر قلبي. استبدلتُ كابوس (حنان) بالحلم بحنان. يصطدم لحم أصابعي بحافة السرير. أنهض فزعاً، أراها كقمر في وضح النهار. بطنها منتفخ، لم تلحظ وجودي، تطبطب على استدارتها بحنان لا يصدر إلا من (حنان). أقدامي لا تحتمل الوقوف على الأمشاط، فعلتها، اقتربتُ منها، اعتصرتُ جسدها الفاره من الخلف، استنشقتُ رائحة عنقها، أجهشتُ بالبكاء. رمتني على الأرض بضربة من رأسها، لم استسلم نطقتُ باسمها كما ينبغي..
- (حنان، حنااان)..
لم تكترث، ركضتُ خلفها، هرولتْ..، وقفتْ، أدركتُ إنها لا تريد أن تطأ بقدميها خارج الخمسمائة متر حيازة. نظراتها تقول بإنها ليست (بحنان) التي أعنيها، إنها (ألوت). رفعتُ في وجهها مقدمة أصابعي لتراها بلا أظافر، وأن اللحم مازال ينزف. قلتُ لنفسي أن خطة الاستعطاف لابد لها أن تنجح. اتجهتْ نحوي وفي ثغرها الابتسامة نفسها، تلك الابتسامة المعنية تماماً. ذكرتني بأننا تطلقنا قبل نصف ساعة حينما لم أفتح لها الباب. ضحكتُ حتى دمعت عيناي، أشرتُ ببلاهة إلى المساحة التي نقف فوقها. لا سور هنا يا (حنان)، لا باب يا (ألوت). غالطتني بفظاظة، وإنها بالفعل كانت تدق على باب من حديد وحديد، وإنني رميتُ عليها يمين الطلاق مرتين، لذا عليَّ أن لا أناديها لا (بحنان) ولا (بألوت)، وهذا الانتفاخ الذي أراه في بطنها لا صلة لي به، إنه (لدينج ابن ديت)، وإذا كنتُ أملك أوراق الحيازة التي تثبت ملكيتي لهذه الأرض، فهي لديها شهادات البحث..
جثوتُ على ركبتي، أظافري العشرة تقترب من وجهها. أمسكت بي بيد واحدة، رفعت وجهي بيدها الأخرى، قدمتْ إلىَّ أصابعي، وكأنها تعرفني بها كضيف عزيز داهمنا فجأة، ضغطتْ على مقدمة الأصابع، لم أشعر بالألم، سحبتهما، وقفتُ معتدلاً، تأملتُ أظافري، الأظافر كما هي سالمة، ناصعة، ونظيفة، عاودتني تلك العادة السيئة، حدثتُ نفسي..
- متى، وكيف، ولماذا، وأين نمت أظافري مجدداً؟
لم تمهلني، احتضنتْ يدي، وساقتها جهة بطنها المستدير، شعرتُ بأنفاس ابني، دفنتُ وجهي رغم الحاجز الواقف بيني وبينه، سمعتها تقول..، أن هذه الأرض لها ولابنها، وإذا أنا طلقتها بالفعل فعليَّ الرحيل، فأوراق الملكية في جعبتها. الأرض آخر ما كنت أفكر فيه في تلك اللحظة. تمحور كل تفكيري في الرابط الذي يشدني إليها، همستُ لها بأن نظل سوياً، لا نفترق، وأن ما تحمله في أحشائها جزء منها وجزء مني، لا علاقة له بالأوراق، بقدر ما له علاقة بأحاسيسنا. تحسستُ بطنها، وضعتْ يدها في يدي، ساقتني إلى الشارع العام. طال الانتظار..
لم نعرف من أين هبطت هذه السيارة البائسة، ركبنا سوياً دون أن نتفق مع سائقها، لم تداهمنا حاسة الفضول لرؤيته، أشرنا له جهة المسجد، أو الكنيسة..لا فرق، وقبل أن نصل، انشطر جسد السائق إلى نصفين، ركض النصف الأول منه، وقبض مقبض الباب بأصابع مكتملة الأظافر، ودعاني للخروج. خرجتُ من السيارة، وقفتُ وقفة كاملة، رأيته بكامل هيئته، ذات الهيئة التي دخل بها على الشعر إنسان.
تعليق